هل خالف العلاّمة ربيع الإجماع المزعوم في بعض أطروحاته العلمية على زعم فوزي البحر
25-07-2008, 01:45 PM
هل خالف العلاّمة ربيع الإجماع المزعوم في بعض أطروحاته العلمية على زعم فوزي البحريني ومقلديه؟!.
للشيخ أبو عبد الباري الجزائري
إنّ الحمدَ لله، نحمَدُه، ونستعينُه، ونستغفرُه، ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا، ومِن سيِّئات أعمالنا، مَن يهده الله فلا مضل له، ومَن يُضلل فلا هادي لـه.
وأشهـدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمداً عبدُه ورسوله صلى الله عليه وسلم.
(( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ)) [آل عمران 102].
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً)) [النساء:1].
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً)) [الأحزاب:70-71].
أما بعد:

فإنَّ أصدقَ الحديثِ كتابُ الله، وخيرَ الهديِ هديُ محمدٍ، وشرَّ الأمورِ محدثاتُها، وكلَّ محدثةٍ بدعة، وكلَّ بدعةٍ ضلالة، وكلَّ ضلالةٍ في النار.
فإن المرء المنصف حين يطالع بعضَ ما كُتب على أوجه بعض الشبكات العنكبوتية، أو يسمع بعض الأشرطة التي سجلها بعض السفهاء مع بعض العلماء؛ سيجد ما يعجب منه أولو النهى، ويشمئز منه ذووا الأبصار والحجا، من تدليس في السؤال، وبتر للكلام، وكأن المسئول عنه رجل غريب عن العلم وأهله!، يقود زمام الأمة بالجهالة والعمية، وجبنوا أن يقولوا أن من سألنا عنه مع بترٍ للكلام وتلفيقٍ للعبارات؛ هو الدكتور الأستاذ العلاّمة ربيع بن هادي بن عمير المدخلي رئيس قسم السنة سابقا بالجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية، وأين لهم القوة والشجاعة أن يسألوا العلماء عن منزلة شيخٍ أطبق العقلاء على سلامة جهاده في الذب عن السنة، وعلى صفاء منهجه في محاربة البدعة، وعلى علوّ منزلته في العلم، وعلى حرصه الشديد على جمع الكلمة، والنهوض بأبناء الأمة إلى المراتب العالية، ولو صرحوا باسمه للعلماء-وهيهات هيهات- لجاءهم الجواب الذي يكشف مرتبتهم، ويوضح شأنهم وأنهم سفهاء وبلداء لا يفهمون كلام العلماء، وليس لهم أن يحشروا أنوفهم في مسائل هي أكبر من عقولهم وعقل من يأزهم أزا، وكما يعلمُ المسايرُ للأحداث أن الخائضين غمار مسألة جنس العمل، ومسائل أخرى من كتاب الأثري أمثلُهم طريقةً دون مرتبة المقلد بمراحل ومراحل، ولا يقوى أحدهم أن يثبت أمام شبهة صوفي متحذلق نهيك أن يصمد في وجه سلفي مدقق.
وإنّه يا أبناء الأمّة العقلاء لا يستجيب لكلام السفهاء والبلداء، ولا لأشرطتهم المغشوشة والمدسوسة إلا من رُوِّض على التهافت إلى الآراء الساقطة، والأقوال الهابطة، ومن تحجر عقله ورضي أن يعيش في دهليز الريب والغواية، والله العاصم من الضلال.
شباب حيارى كما عرفناهم، إذا بدا لهم سراب ركضوا، وإن سمعوا ناعقا فنحوه هرولوا، مَن رآهم ظن أن في عقولهم جُنَّة، أو على قلوبهم أكنة، وقد قيل لكل ساقطة لاقطة، وعلى قدر الوجه تكون الماشطة!!.
إن طرحَ الشيخ المحدث ربيع بن هادي المبثوث في كتبه، أو المنشور على موقعه، سواء كان ما يخص حديثه عن مسألة جنس العمل، أو مسألة التنازل عن الأصول أو الوجبات عند الضرورة، فهو فوق نقد السفهاء بمنازل، وقد تلقاه العلماء والمشايخ بالقبول والرضا، فلا يضرنا بعد ذلك نعيق الرويبضة، ولا شغب الأغمار؛ وهب أنه ظهر في مقال الشيخ شيء من الخلل لا يؤثر على أصل الموضوع، ولا يحيد به عن جادة الصواب، ولاحقُه يشرح سابقَه، بل يزيده قوة ومتانة، فهل يستحق أن تركَّب في حقه عبارات عرجاء، وتجمع فيه أشرطة ووريقات خرقاء، توزع في المحرق وقلالي وباقي المقاطعات بلا نصب ولا عياء!!.

من ذا الذي ما ساء قط**ومن له الحسنى فقط.

وقد قيل:

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها**كفى المرء نبلا أن تعد معايبه.

***** كيف نتعامل مع اجتهاد العالم إذا ظهر لنا أنه أخطأ.

حينما يظهر من بعض العلماء خلل ما في تحرير العبارة، وضبط الكلمة، فيجب أن لا يكون هذا الفعل بابا يدخل من خلاله للحط من قدره ومنزلته، والنيل منه، وتشويه سمعته بالمتشابه والأضمات، كحالي كتاب الأثري ومن هو وراءهم يمدهم بالغثاء والسفهات.
قال ابن القيم في الإعلام (3/284-295ط دار الفكر): (ولابد من أمرين أحدهما أعظم من الآخر، وهو النصيحة لله ولرسوله وكتابه ودينه، وتنزيهه عن الأقوال الباطلة المناقضة لما بعث الله به رسوله من الهدى والبينات، التي هي خلاف الحكمة والمصلحة والرحمة والعدل، وبيان نفيها عن الدين وإخراجها منه، وإن أدخلها فيه من أدخلها بنوع تأويل.
والثاني: معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأن فضلهم وعلمهم ونصهم لله ورسوله لا يوجب قبول كل ما قالوا وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم ما جاء به الرسول فقالوا بمبلغ علمهم والحق في خلافها، لا يوجب إطراح أقوالهم جملة وتنقصهم والوقيعة فيهم؛ فهذان طرفان جائران عن القصد، وقَصْدُ السبيل بينهما، فلا نؤثم ولا نعصم، ولا نسلك بهم مسلك الرافضة في علي ولا مسلكهم في الشيخين، بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصحابة، فإنهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم، ولا يقبلون كل أقوالهم ولا يهدرونها، فكيف ينكرون علينا في الأئمة الأربعة مسلكا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصحابة؟ ولا منفاة بين هذين الأمرين لمن شرح الله صدره للإسلام، وإنما يتنافيان عند أحد رجلين: جاهل بمقدار الأئمة وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشريعة التي بعث الله بها رسوله، ومن له علم بالشرع والواقع، يعلم قطعا أنّ الرجل الجليل، الذي له في الإسلام قدم صالح، وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزلة، هو فيها معذور بل مأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتبع فيها، ولا يجوز أن نهدر مكانته وإمامته في قلوب المسلمين))اهـ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى(32/239 كتاب النكاح): (وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم له أهل؛ فإن الله تعالى عفا للمؤمنين عما أخطؤا كما قال تعالى: ((ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطانا))، قال الله: (قد فعلت)، وأُمرنا أن نتبع ما أنزل إلينا من ربنا ولا نتبع من دونه أولياء، وأُمرنا أن لا نطيع مخلوقا في معصية الخالق، ونستغفر لإخواننا الذين سبقونا بالإيمان، فنقول: ((ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)) الآية. وهذا أمر واجب على المسلمين في كل ما كان يشبه هذا من الأمور، ونعظم أمر تعالى بالطاعة لله ورسوله، ونرعى حقوق المسلمين، لاسيما أهل العلم منهم، كما أمر الله ورسوله، ومن عدل عن هذه الطريق فقد عدل عن اتباع الحجة إلى اتباع الهوى في التقليد، وآذى المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا؛ فهو من الظالمين، ومن عظم حرمات الله وأحسن إلى عباد الله كان من أولياء الله المتقين، والله سبحانه أعلم).اهـ
قال الإمام مسلم بن الحجاج القشيري رحمه الله في مقدمة الصحيح (ص15- شرح النووي): (فلا يُقصَّر بالرّجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع مُتَّضِع القدر في العلم فوق منزلته، ويعطى كلُّ ذي حق فيه حقه، وينزَّل منزلته).
وقال الحافظ النووي رحمه الله وغفر له، كما في طبقات فقهاء الشافعية تهذيب الحزي (1/74-75): (فإن معرفة الإنسان بأحوال العلماء رفعة وزين، وإن جهل طلبة العلم وأهله بهم لوصمة وشين، ولقد علمت الأيقاظ أن العلم بذلك جمُّ المصالح والمراشد، وأن الجهل به أحدى جوالب المناقص والمفاسد، من حيث كونُهم حفظة الدين الذي هو أسّ السعادة الباقية، ونقلة العلم الذي هو المرقاة إلى المراتب العالية، فكمال أحدهم يُكسب مؤداه من العلم كمالا، واختلالها يورث خللا وخبالا، وفي معرفة لهم معرفة من هو أحقّ بالاقتداء، وأحرى بالاقتفاء، والجاهل بهم من مقتبسة العلم مُسو لإمحاله عند اختلافهم بين الغث والسمين، غير مميز بين الرثّ والوزين، وقد رُوينا عن مسلم بن الحجاج صاحب الصحيح رضي الله عنه أنّه قال: أن أول ما يجب على مبتغي العلم وطالبه أن يعرفه مراتب العلماء في العلم، ورجحان بعضهم على بعض.
ولأن المعرفة بالخواص آصرة ونسب، وهي يوم القيامة وصلة إلى شفاعتهم وسبب، ولأن العالم بالنسبة إلى مقتبس علمه بمنزلة الوالد بل أفضل، فإذا كان جاهلا به فهو كالجاهل بوالده بل أضل، ولعمري إنّ من يسأل من الفقهاء عن المزني والغزالي مثلا، فلا يهتدي إلى بعد ما بينهما من الزمان والمنزلة لمنسوب من القصور إلى ما يسوؤه، ومن النقص إلى ما يهيضه))اهـ.
وأنا العبد الفقير أعرف منزلة العلاّمة الشيخ ربيع بن هادي المدخلي ومنزلته عند أهل السنة، وهو بالنسبة إلي بمنزلة الوالد، وأن كلّ ما بقبق به كتاب الأثري داخل في باب العقوق، وخارج من فصل النصيحة لله ورسوله، وأعمالهم التي يتباهون بها تكون عليهم غمة، ثم الذين جاروا في العمية يتخبطون.
قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن كما في المعرفة والتاريخ(1/669): (كان يقال: إنما الناس مع علمائهم مثل الصبيان في حجور من يربيهم، قال: يريد آبائهم).
وقال الحافظ ابن عبد البر رحمه الله كما في الجامع(ص7): (وحقيق على من جالس عالما أن ينظر إليه بعين الإجلال، وينصب له عند المقال، وأن تكون مراجعته له تفهما لا تعنتا، وبقدر إجلال الطالب للعالم ينتفع بما يفيد من علمه).
ولا فائدة من التعليق على عبارات كتاب الأثري في حقّ أهل العلم النبلاء، فإنها جاوزت المدى في الجور والأذى.


***وقفة مع بعض مجالس الشيخ ربيع العلمية في شهر رمضان لسنة 1426 من هجرته صلى الله عليه وسلم.

في هذه السنة بالخصوص حاولت أن أواكب دروس الشيخ على صورة راتبة، لأحضى بأكبر قدر من الفوائد، فكان شيخنا الوالد ربيع بن هادي يخرج إلى الطالب وقد اكتظ بيته بالوفود، بحيث يعسر على المتأخر أن يجد متسعا للجلوس، فصار بيت الشيخ ربيع قبلة للطلاب من كل حدب وصوب، فتجد الجزائري، والليبي، والمغربي، والمصري، والسعودي، واليمني، والعراقي، والإمارتي، والبحريني، والكويتي، ومن الهند والباكستان، وبنغلداش، بل الناظر في وجوه الحضور يـخيلُ إليه أن الكرة الأرضية اختصر في بيت الشيخ ربيع، وذلك من فضل ربي يمنّه على من يشاء من عباده، وقد لاحظت أن الشيخ حفظه الله كان يركز كثيرا في دروسه على الاهتمام بالتوحيد والسنّة، ولهذا لجأ إلى شرح حديث عبد الله بن عباس في إرسال النبي صلى الله عليه وسلم معاذا إلى اليمن، وما حوى هذا النص النبوي من فوائد عظيمة كشف شيئا منها شيخُنا ربيع في بعض دروسه، ودونك أيها القارئ شيئا من الفوائد العلمية والتربوية التي استفدتها من مجالس الشيخ وبقيت عالقة في ذهني.
1-حثَّ الشيخُ المسلمين عموما وطلبة العلم خصوصا على الاعتناء بالتوحيد الذي هو حق الله على العبيد، دراسة وتعليما، وأن علم التوحيد أولا وأبدا، وكان يقول الشيخ: إن كتب السنة التي طُبعت مؤخرا لم تكن موجودة عندهم في حالة الطلب، وهذه نعمة عظيمة حبا الله بها طلاب العلم، فهي تستوجب الشكر والحمد.
2-أوصى الشيخ المسلمين بإقامة الصلاة على الصورة التي كان يؤديها النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، وحذر حفظه الله من تأخيرها عن وقتها، وسرد في ذلك الآيات الصريحة، والأحاديث الصحيحة، وتكلم عن حكم تاركها عند العلماء وذكر الخلاف في ذلك، ومال إلى أن ترك الصلاة كفرُ والعياذ بالله، مستنيرا بنصوص الكتاب والسنة في الباب.
3-وتكلم الشيخ عن فريضة الزكاة وأنها ركن من أركان الإسلام، أوجبها الله زكاة للأموال والأنفس من الشح، ودعيمة من دعائم الدولة الإسلامية، وذكر حفظه الله قتال الصديق لتاركي الزكاة، ناشدا المسلمين حكاما ومحكومين إلى القيام بهذه الشعيرة العظيمة التي فيها عز للإسلام والمسلمين.
4- كان الشيخ رعاه الله من كلّ مكروه ينصح كثيرا المسلمين بترك الخلاف المفتعل، وتجنب أسبابه، وأوصى طلبة العلم بالألفة وترك الوحشة، وعدم التسرع في إصدار الأحكام القاصية والناقصة على الأفراد، وكان يوصي الشباب بالحلم والأناة، وكلما جاء شاب هائج وناقم على إخوانه وطلبة العلم النبلاء هدّأ من حدته، وأرشده إلى طلب العلم، والتحلي بالتقوى وخشية الله، وحذّره من مغبة الغلو والحقد على المخالف بالباطل.
5-ورأيت الشيخ كثير التحذير من منهج الغلاة والحدادية، ساطعا بالذب عن عرض بعض الدعاة الذين انتقدوا بالباطل وإن كان الشيخ يخالفهم في بعض المسائل، متمثلا كلمة ابن حبان: الجرح بمقدار.
6- مع تقدم الشيخ في السنّ، وأثر الصوم عليه ظاهر لثقل مرض السكر؛ فإنه أمدّه الله بالصحة والعافية كان يعقد المجالس الخاصة لجمع كلمة المتدابرين والمختلفين، فتراه أحيانا في زاوية من البيت جالسا مع الوفد العراقي يصلح بينهم، ويقرب بين وجهات نظرهم، ويناشدهم بالتعقل والحكمة، متمثلا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا، وتطاوعا ولا تختلفا)، وأخرى جالسا مع بعض الشباب المتحمس يبث فيهم روح الإسلام السمحة، ويعظهم بالحسنى.
7-موقف رهيب أثر فيّ غاية التأثير، وذلك حين زار الشيخَ ربيع الشيخُ سعد الحصين، والشيخُ مشهور بن حسن، فبعد الإفطار صلى بنا الشيخ ربيع صلاة المغرب، وحين شرع في قراءة سورة التكاثر، غلب الدمعُ الشيخ ربيع، وصعب عليه إتمام القراءة، وبعد الصلاة جلسنا في مجلس الشيخ وهناك قال الشيخ ربيع كلمة بحضرة الشيخ مشهور، والشيخ سعد الحصين وجمع من طلاب العلم: (إن كثيرا من العاملين في حقل الدعوة إلى الله يظلمونني، ويتصورون أن غلو الطافي في الأفاق صادر من مدرستنا، وهذا حتما حكم جائر، بل تكبدنا الأمرين في محاربة الغلو ومنهج الحدادية، ولم يكن يخطر على بالنا أن منهج فالح الحربي سيفرز مرارة في الصف السلفي أشدّ من مذاق العلقم، وإنني أناشد السلفيين أن يقفوا موقفا بطوليا في وجه كل من تسول له نفسه العبث بمنهج الأنبياء في الدعوة إلى الله سواء بلباس الغلو أو التمييع، وأطالبهم بأن يتعاونوا معنا في تعليم الناس المنهج الحق الذي كان عليه السلف، وأن يصدعوا بالحق في زمانه، ولا يؤخروا البيان عن وقت الحاجة....).

هذا ما رأيت نقله بإيجاز شديد، ولعلي أنشط وأجمع ما تبقى من الوصايا في مقال خاص.

****بلية من يقرأ ويستمع لأهل العلم ولا يفهم وينقل عنهم ما لا يعلم.


ثمة أشخاص كفوزي البحريني الفتّان؛ يتقلبون بين فئات المجتمع، ويهمون في أوساطه، ويتنقلون بين طبقاته بالغلوّ والفتنة والشبهات والأغلوطات، وهم جنس ذليل ورهط قليل، ولا يملكون سوى التلهف والتفجع، فلم تزل شقشقتهم تهدر، وعصاهم تكسر حتى كلت أيديهم، وانحلت قواهم بناديهم، فصاروا كالجدار المهدوم، والخدر المهشوم، وقد يقف الواحد من هذا النوع على مقالٍ أو يسمع شريطا لعالم مرموق، ومحدث موثوق فلم يحسن تفهمه، ولم يبلغ إدراكه عقلُه، فيسير ينشر بين الناس ما استنتجه بعقله الكليل، واستخرجه بفهمه العليل، وأنّ صحاب المقال خالف الإجماع، ووقع في معتقد غلاة المرجئة، وصار وكرا لأهل الأهواء، والله المستعان والعاصم من نهش حدثاء الأسنان.
جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (15/524 ترجمة الشيخ العالم المحدِّث الصدوق؛ أبي بكر محمد بن أحمد بن خنب): (قال أبو بكر البصري: سمعتُ بعض مشايخي يقول: كنَّأ في مجلس ابن خنْت، فأملى في فضائل علي رضي الله عنه بعد أن كان أملى فضائل الثلاثة، إذ قام أبو الفضل السُّليماني وصاح: أيها الناس؛ هذا دجَّال فلا تكتبوا، وخرج من المجلس لأنه ما سمع بفضائل الثّلاثة).
قال الحافظ الذهبي معلقا على الحادثة: (هذا يدل على زعارّة السليماني، وغلظته، والله يسامحه).
وزعارّة السليماني ورثها فوزي البحريني ومن رباهم على الغلط والخبط من الشباب والنساء، بل لعلي ما رأيت أناسا أنضب فهما من الغلاة الحفاة، وأين لهم أن يرقوا إلى منزلة الفهم وقد ألغوا عقولهم، ولبسوا الحَكَمة بإتقان، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا مع المقلدة الجامدين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة(5/281): (فإن التقليد لا يورث إلا بلادةً).
وقال ابن حزم الأندلسي في مداواة النفوس(ص74): (المقلد راض أن يغبن عقله).
وقال العلاّمة السعدي رحمه الله في المناظرات الفقهية(ص37): (فإن من اعتاد الجري على أقوال لا يبالي دلّ عليها دليل صحيح أو ضعيف، أو لم يدل، يخمد ذهنه، ولا ينهض بطلب الرقي والاستزادة في قوة الفكر والذهن).

الحلقة الثانية/

بلية من يقرأ ويستمع لأهل العلم ولا يفهم وينقل عنهم ما لا يعلم، ويصفهم بمخالفة الإجماع المتوهم على طريقة البكري والإخنائي ومن هو في الجاهل يهم.[/align]

ثمة أشخاص كفوزي البحريني الفتّان وأعوانه الأغمار؛ يتقلبون بين فئات المجتمع، ويهمون في أوساطه، ويتنقلون بين طبقاته بالغلوّ والفتنة والشبهات والأغلوطات، وهم جنس ذليل ورهط قليل، ولا يملكون سوى التلهف والتفجع، فلم تزل شقشقتهم تهدر، وعصاهم تكسر حتى كلت أيديهم، وانحلت قواهم بناديهم، فصاروا كالجدار المهدوم، والخدر المهشوم، وقد يقف الواحد من هذا النوع على مقالٍ أو يسمع شريطا لعالم مرموق، ومحدث موثوق فلم يحسن تفهمه، ولم يبلغ إدراكه عقلُه، فيسير ينشر بين الناس ما استنتجه بعقله الكليل، واستخرجه بفهمه العليل؛ وأنّ صحاب المقال خالف الإجماع في قضايا شتى من أصول الدين، ووقع في معتقد غلاة المرجئة، وصار وكرا لأهل الأهواء، والله المستعان والعاصم من نهش حدثاء الأسنان.
جاء في سير أعلام النبلاء للحافظ الذهبي (15/524 ترجمة الشيخ العالم المحدِّث الصدوق؛ أبي بكر محمد بن أحمد بن خنب): (قال أبو بكر البصري: سمعتُ بعض مشايخي يقول: كنَّا في مجلس ابن خنْب، فأملى في فضائل علي رضي الله عنه بعد أن كان أملى فضائل الثلاثة، إذ قام أبو الفضل السُّليماني وصاح: أيها الناس؛ هذا دجَّال فلا تكتبوا، وخرج من المجلس لأنه ما سمع بفضائل الثّلاثة).
قال الحافظ الذهبي معلقا على الحادثة: (هذا يدل على زعارّة السليماني، وغلظته، والله يسامحه).
وزعارّة السليماني ورثها فوزي البحريني ومن رباهم على الغلط والخبط من الشباب والنساء، بل لعلي ما رأيت أناسا أنضب فهما من الغلاة الحفاة، وأين لهم أن يرقوا إلى منزلة الفهم وقد ألغوا عقولهم، ولبسوا الحَكَمة بإتقان، ورضوا لأنفسهم أن يكونوا مع المقلدة الجامدين.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة(5/281): (فإن التقليد لا يورث إلا بلادةً).
وقال ابن حزم الأندلسي في مداواة النفوس(ص74): (المقلد راض أن يغبن عقله).
وقال العلاّمة السعدي رحمه الله في المناظرات الفقهية(ص37): (فإن من اعتاد الجري على أقوال لا يبالي دلّ عليها دليل صحيح أو ضعيف، أو لم يدل، يخمد ذهنه، ولا ينهض بطلب الرقي والاستزادة في قوة الفكر والذهن).

قلت: ولقد قرأت نقد فالح الحربي للشيخ ربيع، وردّ الشيخ عليه، واستمعت إلى بعض مقطوعات الجزائري الذي سجّل شريطا وأسماه (أقوال العلماء في الشيخ ربيع)، فأدركت أن الغلاة أوتوا من فهمهم العليل وقصدهم المشين، فهم نالوا قدم السبق في تأويل النصوص، والقراءة بين السطور، واتباع المجمل والمتشابه، وتحميل قائل ما لم يخطر بباله، وكأنهم كهنة يستعينون بالمردة من الجنّ لإدراك الحقائق.
والعجيب أن الآراء الفاسدة، والمذاهب الباطلة قلّ أن تقابل بالتكذيب، بل ترى المخدوعين والمغرورين من الرجال والنساء يجفلون إليها إجفالا، ويأتون إليها أرسالا، وزرافات ووحدانا، وما أخطأ قريط بن أنيف حين قال:

=قوم إذا الشرّ أبدى ناجذيه لهم**طاروا إليه زرافات ووحدانا.

قال ابن قيم الجوزية في مختصر الصواعق(1/317ط/ أضواء السلف): (فأصل ضلال بني آدم من الألفاظ المجملة، والمعاني المشتبهة، ولا سيما إذا صادفت أذهانا سقيمة، فكيف إذا انضاف إلى ذلك هوى وتعصب؟ فنسأل الله مثبت القلوب أن يثبت قلوبنا على دينه).
وقال ابن عساكر الدمشقي غفر الله له في تبين كذب المفتري (ص411): (وإن كان كل عصر لا يخلوا من قائل بغير علم، ومتكلم بغير إصابة ولا فهم، مشتمل على أنواع من المعايب، معتد بفعله في تصنيف المثالب، غير أنه لا يضر بما يقول من بهتان إلا خاصة نفسه، ولا يغر إلا أغمارا، إذا اعتبرتهم وجدتهم من جنسه).
قلت: والمتمعن في مقال فالح الحربي الذي ردّ فيه على الشيخ ربيع في مسألة جنس العمل، ومسألة التنازل على الأصول التي آثر هو وأتباعه أن تنتشر بهذا اللقب، مع أن الشيخ ربيع وظّف (عبارة التسامح)،= وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على أدب الشيخ ربيع مع نصوص الكتاب والسنة= يستغرب ويتكلم بلسان سؤل: كيف استطاع فالح وحزبُه أن يَسِمُوا الشيخ ربيع بالإرجاء؟ وكيف تمكنوا من رميه بتهديم الأصول السلفية والتنازل عنها في الفُسحة والسَّعة؟ مع أن الحق في القضيتين أوضح من جبال تهامة لعيني زرقاء اليمامة.
قال ابن قيم الجوزية في إغاثة اللهفان(2/140) عن فتن الشبهات: (وهذه الفتنة تنشأ تارة من فهم فاسد، وتارة عن نقل كاذب، وتارة عن حق ثابت خفي على الرجل فلم يظفر به، وتارة عن غرض فاسد وهوى متبع، فهي من عمى في البصيرة وفساد في الإرادة).
إن فالحا الحربي وجنوده أوتوا من قلة الفهم وضعف الإدراك للمسائل، والقصد الفاسد في مناظرة المخالف، وحبّ الغلبة والاستحواذ، وإذا عجزوا عن مقارعة المخالف هرولوا إلى رميه بالألقاب القبيحة، والأحكام الجارحة، وما شبكتهم العرجاء عناّ ببعيدة.
إن الناس يتفاضلون في مراتب الفهم، وحسن التميز، وما أخال كتاب الأثري ومن وراء الستار إلا أوتوا من هذا الباب، ومن جاهد نفسه وقرأ لبعضهم أدرك ذلك، وإن كنت أنصح بتنزه عن مثل هذه الشبكات التي صارت وكرا للمشوشين عقليا، والفاسدين خلقا.
قال وهب بن منبه في العقل وفضله(برقم33): (كما تتفاضل الشجر بالأثمار، كذلك تتفاضل الناس بالعقول).
وقال الشيخ السفاريني في لوامع الأنوار(2/436): (إنا نشاهد قطعا آثار العقول في الآراء والأحكام والحيل وغيرها متفاوتة، وذلك يدل على تفاوت العقول في نفسها).
وقال الراغب الأصفهاني في الذريعة إلى مكارم الشريعة (ص263): (فمتى كان الناظر غير تامّ العقل، كان أعمى البصيرة، فيجري مجرى وزّان أعمى البصر، فلا سبيل له إلى الوزن).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في نقض المنطق(ص34): (فالناظر في الدليل بمنزلة المترائي للهلال قد يراه، وقد لا يراه لعشى في بصره).
قلت: فكيف إذا أضيف إلى العشى سوء القصد وحب الغلبة؟
وقال شيخ الإسلام رحمه الله في رفع الملام (ص35): (فإن جهات دلالات الأقوال متسعة جدا، يتفاوت الناس في إدراكها، وفهم وجوه الكلام، بحسب منح الحقّ سبحانه ومواهبه).
وقال عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله كما في الجامع للخطيب(2/90): (لا يجوز أن يكون الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح، وحتى لا يحتج بكل شيء، وحتى يعلم مخارج العلم).
فهل يتصور عاقل، باحثٌ عن السبيل، وناشدٌ للحق، وطالبُ علمٍ متمكن أن الشيخ ربيع مع نشأته العلمية في المدرسة السلفية، واحتكاكه بأساطين أهل العلم الأكابر كالشيخ ابن باز، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي، والشيخ محمد ناصر الدين الألباني، والشيخ محمد بن صالح العثيمين، والشيخ محمد أمان الجامي، والشيخ مقبل بن هادي الوادعي، والشيخ حماد الأنصاري، رحم الله الجميع، وعلماء أهل الحديث في القارة الهندية، وغيرهم من العلماء والمشايخ والأساتيذ؛ لا يحسن فهم عقيدة المرجئة وخطرها على الأمة، وينطل عليه أصولها الفاسدة بعد ما بلغ من السن عتيا.؟
ولو قالوا: إنه قد زلت قدمه في تحرير معتقد المرجئة في بداية الطلب، لتُصوِّر ذلك، أما وأنه قد نذر نفسه لكسر أوتاد الفرق الضالة على اختلاف مشاربها ومضاربها، من صوفية قبورية، وعقلانية اعتزالية، وكرّ على أصل الموازنات في نقد الأفراد والطوائف والمناهج بالهدم والنسف، _وأنا أرى مبدأ الموازنات في النقد في هذا العصر من آثار منهج المرجئة_، بل كثيرا ما كنت أسمع الشيخ ربيع قديما في بيته بالمدينة النبوية يقول: (إن الذين يدافعون عن سيد قطب مع أخطائه الجلية والواضحة، ولا يعدونها شيئا مقابل حسنة قالها سيد، يكونون قد رفعوا لواء المرجئة علنا، ورضوا بأصلهم الفاسد (لا يضر مع الإيمان ذنب).
قلت: من كان هذا حاله فعسير جدا أن يشتبه عليه منهج فاسد بعقيدة السلف، والمعصوم من عصمه الله، وكلنا كما قال ابن بطة العكبري (2/862 كتاب الإيمان): (اعلموا رحمنا الله وإياكم؛ أن من شأن المؤمنين وصفاتهم وجود الإيمان فيهم، ودوام الإشفاق على إيمانهم وشدّة الحذر على أديانهم، فقلوبهم وجلة من خوف السلب، قد أحاط بهم الوجل، لا يدرون ما الله صانع بهم في بقية أعمارهم، حذرين من التزكية متبعين لما أمر به مولاهم الكريم يقول: ((فلا تزكوا أنفسكم هو أعلم بمكن اتقى))[سورة النجم32]، خائفين من حلول مكر الله بهم في سوء الخاتمة لا يدرون على ما يصبحون ويمسون، قد أورثهم ما حذرهم تبارك وتعالى الوجل في كل قدم حين يقول: ((وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت))[سورة لقمان34]، فهم بالحال التي وصفهم بها عز وجل حيث يقول: ((والذين يؤتون ما ءاتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون))[سورة المؤمنون60]، فهم يعملون الصالحات ويخافون سلبها والرجوع عنها، ويجانبون الفواحش والمنكرات وهم وجلون من مواقعتها وبذلك جاءت السنة عن المصطفى صلى الله عليه وسلم).
إن عقيدة السلف الصالح مسايرة للفطرة السليمة التي خلق الله الخلق عليها((فطرت الله التي فطر الناس عليها))، وقال تعالى ((فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم))، ومما فُطر الناسُ عليه هو محبة الحقّ وإرادته والعمل به، مع إسعاف الفطرة بالقوت والغذاء من الكتاب والسنة.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى(10/146): (ولابد لهذه الفطرة والخلقة_وهي صحة الخلقة_ من قوت وغذاء يمدّها بنظير ما فيها مما فطرت عليه علما وعملا؛ ولهذا كان تمام الدين بالفطرة المكملة بالشريعة المنزلة).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في مجموع الفتاوى(16/338): (فالعلم بالحق يدعو صاحبه إلى اتباعه، فإن الحق محبوب في الفطرة، وهو أحب إليها، وأجل فيها، وألذّ عندها من الباطل الذي لا حقيقة له، فإن الفطرة لا تحب ذلك).
وأردت من هذه اللمحة المختصرة أن أوقف المعاندين من أتباعي فالح الحربي، وفوزي بن عبد الله البحريني؛ أن من تربى في المدرسة السلفية، وتغذى من غذائها اليانع، الذي فيه نماء للفطرة السليمة، ومانع لها من الانجراف في مهلكة الفرق الضالة، مع انعدام الصوارف عن الحق الثابت، أكبر بكثير من دين المرجئة، وأبعد أن يعتنق عقيدة قال عنها السلفُ (تركت المرجئة الدين أرق من ثوب سابري)، وأسمى أن يخالف بزل الإسلام في باب الإيمان، وأقول هذا وأُراني من العالمين بمنهج الشيخ ربيع في باب الإيمان.
قال أبو عبيدة القاسم بن سلام: (هذه تسمية من كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص:
_من أهل مكة: عبيد بن عمير الليثي، عطاء بن أبي رباح، مجاهد بن جبر، ابن أبي مليكة، عمرو بن دينار، ابن أبي نجيح، عبيد الله بن عمر، عبد الله بن عمر بن عثمان، عبد الملك بن جريج، نافع بن جميل، داود بن عبد الرحمن، العطاء بن عبد الله بن رجاء،
_من أهل المدينة: محمد بن شهاب الزهري، ربيعة بن عبد الرحمن، أبو حازم الأعرج، سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، يحي بن سعيد الأنصاري، هشام بن عروة بن زبير، عبيد الله بن عمر العمري، مالك بن أنس المفتي، محمد بن أبي ذئب، سليمان بن بلال، فليح بن سليمان، عبد العزيز بن عبد الله، عبد العزيز بن أبي حازم.
_ومن أهل اليمن: طاوس اليماني، وهب بن منبه، معمر بن راشد، عبد الرزاق بن همام.
ومن أهل مصر والشام: مكحول، الأوزاعي، سعيد بن عبد العزيز، الوليد بن مسلم، يوسف بن يزيد الأيلي، يزيد بن أبي حبيب، يزيد بن شريح، سعيد بن أبي أيوب، الليث بن سعد، عبيد الله بن جعفر، معاوية بن صالح، حيوة شريح، عبد الله بن وهب.
وممن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة: ميمون بن مهران، يحي بن عبد الكريم، معقل بن عبيد الله، عبيد الله بن عمر الرقي، عبد الكريم بن مالك، المعافي بن عمران، محمد بن سلمة الحراني، أبو إسحاق الفزاري، مخلد بن حسين، على بن بكار، يوسف بن أسباط، عطاء بن مسلم، محمد بن كثير، الهيثم بن جميل.
ومن أهل الكوفة: علقمة، الأسود بن يزيد، أبو وائل، سعيد بن جبير، الربيع بن خيثم، عامر الشعبي، إبراهيم النخعي، الحكم بن عتبة، طلحة بن مصرف، منصور بن المعتمر، سلمة بن كهيل، مغيرة الضبي، عطاء بن السائب، إسماعيل بن أبي خالد، أبو حيان يحي بن سعيد، سليمان بن مهران، الأعمش، يزيد بن أبي زياد، سفيان بن سعيد الثوري، سفيان بن عيينة، الفضل بن عياض، أبو المقدام ثابت بن عجلان، ابن شبرمة، ابن أبي ليلى، زهير، شريك بن عبد الله، الحسن بن صالح، حفص بن غياث، أو الأحوص، وكيع بن جراح، عبد الله بن نمير، أبو أسامة، عبد الله بن إدريس، زيد بن حباب، الحسين بن علي الجحفي، محمد بن بشير العبدي، يحي بن آدم، محمد[بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي]، ويعلى، عمر بن عبيد[الطنافسي].
ومن أهل البصرة: الحسن بن أبي الحسن، محمد بن سرين، قتادة بن دعامة السدوسي، بكر بن عبد الله المزني، أيوب السختياني، يونس بن عبيد، عبد الله بن مروان، سليمان التيمي، هشام بن حسان، هشام الدستوائي، شعبة بن حجاج، حماد بن سلمة، حماد بن زيد، أبو الأشهب، يزيد بن إبرهيم، أبو عوانة، وهيب بن خالد، عبد الوارث بن سعيد، معتمر بن سليمان التيمي، يحي بن سعيد القطان، عبد الرحمن بن مهدي، بشر بن المفضل، يزيد بن زريع، المؤمل بن إسماعيل، خالد بن حارث، معاذ بن معاذ، أبو عبد الرحمن المقرئ.
ومن أهل واسط: هشيم بن بشير، خالد بن عبد الله، علي بن عاصم، يزيد بن هارون، صالح بن عمر، عاصم بن علي.
ومن أهل المشرق: الضحاك بن مزاحم، أبو جمرة نصر بن عمران، عبد اله بن مبارك، النضر بن شميل، جرير بن عبد الحميد الضبي؛ هؤلاء كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة والمعمول به عندنا وبالله التوفيق). انظر الإبانة(2/814كتاب الإيمان)
فأنا أطالب المناوئين لأهل الحق من دعاة الغلو أن يسجلوا مخالفة واحدة للشيخ ربيع للرعيل الأول الذين ذكرهم العلاّمة القاسم بن سلام، أما أن يطرحوا سؤالا ملوي العنق على شيخ من المشايخ، مع تعمية عارمة، وتدليس فاحش، وتغريب للمسؤول عنه، فيطلق المفتي عبارة شديدة موافقة للسؤال المغشوش فهذا أمر مسلم به، وإنما الغرابة كلّ الغرابة في إسقاط الجواب الناجم عن سؤالٍ مغشوش على منهج عالم سلفي بطريقة التلفيق والترقيع، طريقة زنخة لم يتفطن لها كبار أهل البدع، ثم ادعاء بعد ذلك أن الشيخ الفلاني مخالف للإجماع الذي لم يتصور إلا في أذهان الغلاة الحفاة من الأمانة العامية، والصدق في تجلية المسائل.

من هم العلماء الذين خالفهم الشيخ ربيع؟
وفي أي قضية خالفهم؟
وهل إذا خالف الشيخ ربيع خمسا من العلماء يكون مخالفا للإجماع، أم ناقضا له؟
وهل للإجماع عدد محصور؟
وهذا الإجماع الذي خالفه الشيخ ربيع كما يزعم الغلاة أين انعقد، ومتى انعقد؟
وهل يرى الغلاة أن إجماع بعض مشايخ الرياض حفظهم الله حجة على مشايخ أهل مكة والمدينة، بذلك نكون قد فتحنا بابا واسع النطاق، ويصير لكل إقليم إجماع خاص به، فيقول أهل الهند: هذا إجماع أهل دلهي، ويقول أهل الباكستان: هذا إجماع أهل كراتشي، وهلم جر.
***تعريف الإجماع:
الإجماع لغة: يطلق على العزم، ومنه قوله تعالى: ((فأجمعوا أمركم))، ويطلق كذلك على الاتفاق، انظر المصباح المنير(ص109)، والمذكرة للشنقيطي(151).
أما عند الأصوليين فهو: ((اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أمر ديني))، انظر مختصر ابن اللحام.
وهذا التعريف اشتمل على خمسة قيود:
1 أن يصدر الاتفاق عن كل العلماء المجتهدين، فلا يصح اتفاق بعض المجتهدين، وكذلك اتفاق غير المجتهدين كالعامة، ومن لم تكتمل فيه شروط الاجتهاد.
وهذا الشرط مفقود في ادعاء الغلاة، بفقدانه تسقط الدعوة الجوفاء التي ادعوها أهل الباطل.
2 المراد بالمجتهدين من كان موجودا منهم دون من مات، أو لم يولد بعد.
3 أن يكون المجمعون من المسلمين، ولا عبرة بإجماع الأمم الأخرى.
4 الإجماع يكون حجة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
5 أن تكون المسألة المجمع عليها من أمور الدين، ويخرج بذلك المسائل الدنيوية والعقلية.

الحلقة الثالثة/

لقد أكثر فوزي البحريني ومقلدوه بالجهالة من قولهم: (نحن مع العلماء) وذلك حين يسألون عن الشيخ ربيع في باب الإيمان، مع أنه عندي عبارات لفوزي البحريني في باب الإيمان تجعله مرجئيا في النهار ومعتزليا في الليل، يأتي ذكرها والتعليق عليها في بابها.
وأقول للقوم: من هم العلماء الذين خالفهم الشيخ ربيع في باب الإيمان؟
وفي أي قضية خالفهم؟
وهل إذا خالف الشيخ ربيع (وهو من المجتهدين فيما نحسبه) شيخا أو شيخين في قضايا دقيقة يكون مخالفا للإجماع؟
وهل للإجماع عدد محصور، من خالفه استحق حربا شرسة، فيها طعن في الأعراض وخدش للكرامة؟
وهذا الإجماع الذي خالفه الشيخ ربيع كما يزعم الغلاة أين انعقد، ومتى انعقد، وفي أي ديوان سُطر؟
وهل يرى الغلاة أن إجماع بعض مشايخ الرياض مثلا حجة على إجماع مشايخ أهل مكة والمدينة، وحجة على مشايخ الشام واليمن، وحجة على مشايخ أهل القارة الهندية، وحجة على مشايخ المغرب العربي؟ وبذلك يفتح الغلاة على الأمة الإسلامية بابا واسع النطاق، ويصير لكل إقليم إجماع خاص به، فيقول أهل الهند: هذا إجماع أهل دلهي، ويقول أهل الباكستان: هذا إجماع أهل كراتشي، ويقول أهل البحرين هذا إجماع أهل المحرق، وهلم جر.
***تعريف الإجماع:
الإجماع لغة: يطلق على العزم، ومنه قوله تعالى: ((فأجمعوا أمركم))، ويطلق كذلك على الاتفاق، انظر المصباح المنير(ص109)، والمذكرة للشنقيطي(151).
أما عند الأصوليين فهو: ((اتفاق مجتهدي عصرٍ من العصور من أمة محمد صلى الله عليه وسلم بعد وفاته على أمر ديني))، انظر مختصر ابن اللحام.
وهذا التعريف اشتمل على خمسة قيود:
*القيد الأول: أن يصدر الاتفاق عن كلّ العلماء المجتهدين، فلا يصح اتفاق بعض المجتهدين، وكذلك اتفاق غير المجتهدين كالعامة، ومن لم تكتمل فيه شروط الاجتهاد.
وهذا الشرط مفقود في دعوة فوزي البحريني العريضة وأذنابه.
***ما معنى أن يكون العالم مجتهدا؟
*أولا: تعريف الاجتهاد.
معناه لغة: استنفاد الجهد في طلب الشيء المرغوب إدراكه، حيث يُرجى وجوده فيه، أو حيث يوقن وجوده فيه.
والجُهد _ بضم الجيم _ الطاقة والقوة، تقول: هذا جهدي، أي طاقتي وقوتي، والجَهد _ بفتح الجيم _ سوء الحال وضيقها تقول: القوم في جهد أي في سوء حال.[انظر انظر لسان العرب مادة ( جهد ) والمصباح المنير وأدب الكاتب ( ص 308) لابن قتيبة.]
أما حقيقته الشرعية: (هو استنفاد الطاقة في طلب حكم النازلة حيث يوجد ذلك الحكم)، [انظر الإحكام ( 8 / 133 ) لابن حزم].
وقال ابن حجر: اصطلاحاً: (بذل الوسع للتوصل إلى معرفة الحكم الشرعي).
و أما المجتهد فقال في حقه العلاّمة الشوكاني في الإرشاد: ((هو الفقيه المستفرغ لوسعه لتحصيل ظن بحكم شرعي))[إرشاد الفحول ( 2 / 297 )].
والاجتهاد يقع على ثلاثة معان كما قال المتكلم أبو بكر الرازي:
أحدهما: القياس الشرعي، لأن العلة لما لم تكن موجبة للحكم، لجواز وجودها خالية عنه، لم يوجب ذلك العلم بالمطلوب، فلذلك كان طريقه الاجتهاد.
الثاني: ما يغلب في الظن من غير علة. كالاجتهاد في الوقت، والقبلة، والتقويم.
الثالث: الاستدلال بالأصول.
وقد اشترط بعض علماء الأصول شروطاً إذا تحققت في الفقيه سُمّي مجتهداً.
1-: أن يكون عالماً بنصوص الكتاب والسنة، فإن قصّر في أحدهما لم يكن مجتهداً ولا يجوز له الاجتهاد.
2- وأن يكون عارفاً بمسائل الإجماع وفتاوى الصحابة.
3- وأن يكون عالماً بلسان العرب، بحيث يمكنه تفسير ما ورد في الكتاب والسنة من الغريب ونحوه.
4- وأن يكون عالماً بعلم أصول الفقه، فإنه فسطاط الاجتهاد فمن قصَّر في هذا الفن عسر عليه الاجتهاد، ووقع في الخبط والخلط.
5- وأن يكون عارفاً بالناسخ والمنسوخ.
6- وأن يكون عالماً بمقاصد الأحكام في الشريعة الإسلامية وأنها رحمة بالعباد، ورعاية لمصالحهم بمراتبها الثلاثة: الضروريات، ثم الحاجيات ثم التحسينات، وقد جمعها في نسق جميل الشاطبي في كتابه الموافقات، فاطلبها فيه مع الحذر من أشعريته.
7-وأن يكون عالما وخبيرا بواقعه، وإن غاب عنه شيء استفاده من أقرانه والثقات من طلابه، وقد قص الله علينا خبر نبيه سليمان عليه الصلاة والسلام، وما منّ الله عليه من معرفة أحوال الإنس والجن والطير والنمل، وجعل ذلك من جملة فضائله، قال تعالى: (وورث سليمان داود، وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين، وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير فهم يوزعون).
قال العلاّمة السعدي رحمه الله في تفسير هذه الآية: (وقد أعطاه الله من الفهم ومعرفة أحوال الآدميين ما قصّ الله علينا نبأه في هذه القصة).
والعلماء هم مرجع الناس في الأحكام الشرعية كما قال تعالى: ((فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون)، وقد أمر الله بالرجوع إليهم أيضا في الأمور المهمة والمعقدة، وما يتعلق بمصالح المؤمنين في معاشهم ودنياهم، وما يستجد من النوازل الجديدة، وما يحصل لهم من فتن وشرور، قال تعالى: ((وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم)).
ولا يتحقق الحكم المنضبط، والموافق لروح الشريعة إلا بمعرفة الواقع على ما هو عليه، وهذا واجب أهل الفتوى والاجتهاد، الذين تحملوا فرض الكفاية عن سائر الأمة، فكما أنه لابد للمجتهد من فقه في كليات الأحكام، فكذلك ينبغي أن يكون فقيها في أحكام الحوادث الكلية و الوقائع، وأحوال الناس.
قال العلاّمة السعدي في خلاصة تفسيره(ص198): (فالحكم بالحق يقتضي العلم بالأمور الشرعية، والعلم بصورة القضية المحكوم بها، وكيفية ادخالها في الأحكام الشرعية الكلية، فالجاهل بواحدة من هذه الأمور لا يحل له الإقدام على الحكم بين الناس).
وهذه منقبة في الفقيه راصد النوازل، وقد حصل الثناء لكثير من الفقهاء لما كانت هذه صفتهم.
قال القاضي عياض في شأن خلف المعلم: (كان عالما بنوازل الأحكام).
وقال الحافظ ابن حجر ممتدحا شيخه شهاب الدين أبا هاشم الظاهر المعروف بابن البرهان كما في المجمع المؤسس: (وكان كثير الإنذار لكثير مما وقع من الفتن والشرور، لما جبل عليه من الاطلاع على أحوال الناس).
قلت: إذا الهراء الذي يراه الباحثون على وجه شبكة الأثري، والذي طار به بعض الأحداث؛ يعدُّ من قبيل السفاهة والخصومة، وأنه جبار لا يليق أن يلتفت إليه أو يصنف في باب الخلاف.
*القيد الثاني: المراد بالمجتهدين من كان موجودا منهم دون من مات، أو لم يولد بعد.
*القيد الثالث: أن يكون المجمعون من المسلمين، ولا عبرة بإجماع الأمم الأخرى.
*القيد الرابع: الإجماع يكون حجة بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.
*القيد الخامس: أن تكون المسألة المجمع عليها من أمور الدين، ويخرج بذلك المسائل الدنيوية والعقلية.

**تذكير لا بد منه لأهل الأثري، الذين خاضوا في الخصومة بالباطل، وهتكوا ستر العلماء بالأرجيف والخسائل:
قال العلاّمة المحدث نادرة العصر محمد ناصر الدين الألباني رحمه الله تعالى في شريط بعنوان( منهج الموازنات، تسجيلات طيبة بالمدينة برقم86): ((وباختصار أقول: إِنَّ حَامِلَ رَاية الجَرحِ والتَعدِيلِ اليوم في العصرِ الحاضرِ وبحقٍ هو: أخونا الدكتور ربيع، والذين يردون عليه لا يردون عليه بعلم أبداً، والعلم معه، وإن كنت أقول دائما، وقلت هذا الكلام له هاتفيا أكثر من مرة؛ أنّه لو يتلطف في أسلوبه يكون أنفع للجمهور من الناس، سواء كانوا معه أو عليه، أما من حيث العلم فليس هناك مجال لنقد الرجل إطلاقا إلا ما أشرت إليه آنفا من شيء من الشدّة في الأسلوب، أما أنه لا يوازن فهذا كلام هزيل جدا، لا يقوله إلا أحد رجلين: إما رجل جاهل فينبغي أن يتعلم، وإلا رجل مغرض، وهذا لا سبيل لنا عليه إلا أن ندعو الله له أن يهديه سواء الصراط....).
وقال الشيخ العلاّمة صالح بن فوزان في تقدمته لكتاب منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله(ص26 طبعة الفرقان) بعد ما ذكر بعض الدعائم التي تقوم عليها الدعوة الصحيحة(...ومن هؤلاء الذين بينوا ونصحوا فضيلة الشيخ الدكتور: ربيع بن هادي المدخلي في هذا الكتاب الذي بين أيدينا وهو بعنوان: ((منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل)) فقد بين وفقه الله وجزاه خيرا منهج الرسل في الدعوة إلى الله كما جاء في كتاب الله وسنة رسوله وعرض عليه منهج الجماعات المخالفة ليتضح الفرق بين منهج الرسل وتلك المنهاج المختلفة والمخالفة لمنهج الرسل، وناقش تلك المناهج مناقشة علمية منصفة مع التعزيز بالأمثلة والشواهد، فجاء كتابه والحمد لله وافيا بالمقصود، كافيا لمن يريد الحق، وحجة على من عاند وكابر، فنسأل الله أن يثيبه على عمله، وينفع به.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه)).
***إرشاد إلى من أكثر الخلط من كتاب الأثري وغيرهم إلى تعلم اللغة العربية، فقد استمعت إلى بعض العبارات من شريط (كلام العلماء في الشيخ ربيع الذي سجله أحد الجزائريين الجهال) فأدركت أن القوم أوتوا من جهلهم بالغة العربية، ولنأخذ مثالا واحدا، ومن خلاله يدرك القراء مدارك القوم، وقوة ملكاتهم.
قال العلامة ربيع بن هادي في كتابه العظيم منهج الأنبياء في الدعوة إلى الله فيه الحكمة والعقل (ص8_9): (ومن اللازم بيانه أن أوضح للشباب الفرق بين الدولة وحاكمية الله؛ أما الدولة فهي مجموعة من أفراد البشر قد تكون كافرة، وقد تكون ضالة منحرفة، وقد تكون مؤمنة، في خلافة راشدة، أو ملوكية مقصِّرة، كما هو واقع دول الإسلام بعد الخلافة الراشدة، فهؤلاء الأفراد من البشر الذين تكونت منهم الدولة المؤمنة لا يعدون أن يكونوا وسائل لتنفيذ شريعة الله من القيام بالجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، والقصاص، وحماية الأمة من مكائد الأعداء واعتداؤهم على أراضي المسلمين، وأرواحهم، وأموالهم، وأعراضهم.
فلا بد للمسلمين من إقامة دولة للقيام بهذه الواجبات العظيمة إما بمبايعة خليفة يجتمع عليه كل المسلمين، أو يتغلب أحد أفراد الأمة فيكون له شوكة وجيوش وسلطة فتقضي مصلحة الأمة التسليم له، مادام يعلن الإسلام ويلتزم تنفيذ شرائعه وعقائده وحماية الأمة من أعدائها إلى آخر التفصيلات المعروفة والمذكورة في مواطنها من دواوين الإسلام، أو يتغلب بعض الأفراد على بعض الأقطار كما حصل في الأقطار الإسلامية بعد ضعف الخلافة فتقتضي المصلحة التسليم بهذا الوضع، أما الحاكمية والحكم فهي من صفات الله ومن خصائصه التي انفرد بها كما قال تعالى: ((إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم))، فلا ينكر هذه الحاكمية ولا يجحدها إلا كافر بالله شديد العداوة لله ولرسوله وكتبه...).
فجاء الناقد الجزائري من رواد كتاب الأثري وقال: (إن الشيخ ربيع لا يقر بالدول الإسلامية القائمة...إلى آخر هرائه)، مع أن الشيخ قال في صلب الكلام: (...كما حصل في الأقطار الإسلامية بعد ضعف الخلافة فتقتضي المصلحة التسليم بهذا الوضع..).
السؤال الذي يطرح نفسه: كيف استطاع الناقد الجزائري إدانة الشيخ ربيع من المقطع السابق، أترك الجواب للمشايخ والأساتذة.
إنّ الناظر في بعض جُمل من يكتب من كتاب الأثري، يتعجب من جرأته المفرطة على اقتحامه للشريعة في قضايا شائكة ودقيقة، وهو متردٍ في معرفة لغة العرب إلى أقصى حد يتصور، لغة نزل بها القرآن، وخاطب بها النبي صلى الله عليه وسلم الإنس والجان، جاهل بأبجديتها، فأنّا له الفوز في مضمار تحرير المسائل، وإعادتها إلى نصابها، ورفع الضيم عنها مما أصابها من مدرسة ربيع وإخوانه وتلامذته، وأنكى من ذلك أنه يخيل إليه أنه يجاهد ببسالة للذّب عن عقيدة الصحابة والسلف الصالح، ويسجل في ذلك الانتصارات المذهلة حيال من يراهم مرجئة، وقطاقيط! ومبتدعة، ومخذولين، وذباب، وحمير، وعملاء، وزلزال على الأصول، وأخطر على الأمة الإسلامية ومنهجها الجلي من الخوارج، والصوفية، والعلمانيين، ودعاة وحدة الأديان، والتقارب بين الحضارات، والرافضة، و...و...و.... والله المستعان.
أخرج الإمام البخاري في صحيحه (كتاب الرقاق، باب ما يتقى من محقرات الذنوب برقم6492) قال: حدثنا أبو الوليد، حدثنا مهديّ، عن غيلان، عن أنس رضي الله عنه قال: (إنّكم لتعملون أعمالا هي أدقّ في أعينكم من الشّعر، إنّ كنا نعدّها على عهد النبي من الموبقات))، قال أبو عبد الله[أي البخاري]: يعني من المهلكات.
قال ابن حزم الأندلسي الظاهري في رسالة(التلخيص لوجوه التخليص)، (ص115-116): (..فاعلموا أيها الإخوة أنّ الأمر والله جدّ، وأنّ المنتشب صعب، وأن التخليص عسير إلا بتوفيق الله عز وجل برحمته لعمل الخير، بقبول اليسير منّا، وتجاوزه عن كثير ذنوبنا، فهو أهل التقوى وأهل المغفرة).
إنّ اللسان الفصيح وسيلة لمعرفة الحق يا كتاب الأثري، والآلة التي بها نفهم نصوص الكتاب والسنة، وأقوال أهل العلم، فلقد أنزل الله تعالى كتابه بلسان عربي مبين، قال تعالى: ((كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون)) [فصلت3]، وقال تعالى ((نزل به الرّوح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين)) [الشعراء193_195]، قال العلامة السعدي رحمه الله في تفسير آي الشعراء: (وتأمل كيف اجتمعت هذه الفضائل الفاخرة في هذا الكتاب الكريم، فإنه أفضل الكتب، نزل به أفضل الملائكة، على أفضل الخلق، على أفضل بَضعة فيه، وهي قلبه،، على أفضل أمة أخرجت للناس، بأفضل الألسنة وأفصحها وأوسعها، وهو اللسان العربي المبين).
وقال تعالى((إنّا أنزلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون)) [يوسف3].
قال الإمام الشافعي رحمه الله في كتابه العظيم الرسالة(ص48_49 _ 50، الفقرة 176_168_169 تحقيق الشيخ أحمد شاكر/ط: مكتبة دار التراث): (فعلى كل مسلم أن يتعلم من لسان العرب ما بَلَغَهُ جَهدُه، حتى يشهد به أن لا إله إلاّ الله، وأن محمدا عبدُه ورسوله، ويتلو به كتاب الله، وينطق بالذِّكر فيما افترض عليه من التكبير، وأمر به من التسبيح، وغير ذلك، وما ازداد من العلم باللسان، الذي جعله الله لسان من ختم به نبُوَّته، وأنزل به آخر كتبه؛ كان خيرا له....)، وقال كذلك: (وإنما بدأت بما وصفتُ من أنّ القرآن نزل بلسان العرب دون غيره؛ لأنه لا يعلم من إيضاح جمل علم الكتاب أحدٌ جهل سَعة لسان العرب، وكثرت وجوهه، وجماع معانيه وتفرقها، ومن علمه انتفت عنه الشبهةُ التي دخلت على من جهل لسانها).
وجاء في السير للعلامة الذهبي(10/178 ترجمة الأصمعي): (قال أبو داود السنجي سمعت الأصمعي يقول: إن أخوف ما أخاف على طالب العلم إذا لم يعرف النحو أن يدخل في جملة قوله عليه السلام: (من كذب عليّ فليتبوَّأ مقعده من النار).
وقال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله في الاقتضاء (1/402 طبعة ناصر العقل): (فإنّ الله تعالى لما أنزل كتابه باللسان العربي، وجعل رسوله مبلغا عنه للكتاب والحكمة بلسانه العربي، وجعل السابقين إلى هذا الدين متكلمين به، لم يكن سبيل إلى ضبط الدين ومعرفته إلا بضبط اللسان، وصارت معرفته من الدين، وصار اعتبار التكلم به أسهل على أهل الدين في معرفة دين الله، وأقرب إلى إقامة شعائر الدين، وأقرب إلى مشابهتهم للسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار في جميع أمرهم).
وقال رحمه الله في الاقتضاء(1/469ط/العقل): (...فإن نفس اللغة العربية من الدين، ومعرفتها فرض واجب، فإن فهم الكتاب والسنة فرض، ولا يفهم إلا بفهم اللغة العربية، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب....).
وقال الشاطبي في الموافقات(4/115 تعليق دراز): (فإذا تصورنا مبتدئا في فهم العربية؛ فهو مبتدئ في فهم الشّريعة، أو متوسطا فهو متوسط في فهم الشريعة، والمتوسط لم يبلغ درجة النهاية، فإن انتهى إلى درجة الغاية في العربية كان كذلك في الشريعة، فكان فهمه فيها حجة كما كان فهم الصحابة وغيرهم من الفصحاء الذين فهموا القرآن حجة، فمن لم يبلغ شأوهم فقد نقص من فهم الشريعة بمقدار التقصير عنهم، وكل من قصر فهمه لم يعد حجة، ولا كان قوله فيها مقبولا)اهـ.
قلت: هل يتصور عاقل أن كتاب الأثري بإمكانهم تجلية المسائل، في باب الإيمان أو الاستجمار وأرقاهم مستوى لا يحسن أن يركب جملة صحيحة، ومن كابد نفسه واستمع إلى بعض أشرطة فوزي البحريني يدرك أن الرجل لا يحسن القراءة حتى من الأوراق التي جمعت له، وفي آخر المقال إن شاء الله أذكر بعض أقواله التي جمعت له في باب الإيمان لنرى موقف كتاب الأثري منها؛ وننظر هل يدرون مع الحق حيث دار وبذلك يلحقون فوزي البحريني بأرشيف أهل البدع، أم أنهم جندوا لمحاربة الحق حيث كان؟!. نسأل الله تعالى أن يبصرنا بحالنا، وأن يذهب الغشاوة عن أبصارنا.
***الشّيخ ربيع يقرِّر عقيدة السّلف الصّالح في باب الإيمان.

قال الشّيخ ربيع في (كلمة حقّ حول جنس العمل)(ص3):
(أنصح السّلفيّين أنْ يلتزموا بقول السّلف الشّائع المتواتر من أوّل عهد السّلف إلى يومنا هذا, ألا وهو قولهم: إنّ الإيمان قول وعمل, قولٌ بالقلب واللّسان, وعملٌ بالقلب والجوارح, أو إنّ الإيمان قولٌ باللِّسان, واعتقادٌ بالجنان, وعملٌ بالأركان, يزيد بالطّاعة, وينقص بالعصيان, أو كما قال الإمام أحمد رحمه الله: (الإيمان قولٌ وعملٌ, يزيد وينقص)، أو كما قال البخاري(كتبت عن ألف شيخٍ وزيادة, ولم أكتب إلاّ عمّن يقول: الإيمان قول وعمل)، ونحو هذه العبارات الموروثة عن السّلف التي لا تخرج عن هذا المعنى)
وقال في مذكّرة النّصيحة الثّانية (ص18):
(والأولى التزام ما قرّره وآمن به السّلف من أنّ الإيمان قولٌ وعملٌ: قول القلب واللّسان، وعمل القلب والجوارح, وأنّه يزيد وينقص: يزيد بالطّاعة, وينقص بالمعصية, ثمّ الإيمان بأحاديث الشّفاعة التي تدلّ على أنّه يخرج من النّار من قال: لا إله إلاّ الله وفي قلبه مثقال ذرّة من إيمان أو أدنى أدنى مثقال ذرّة من إيمان)
وقال في (كلمة في التّوحيد)(ص 9):
(أهل السنّة يقولون: إنّ الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد, يزيد بالطّاعة وينقص المعصية, هذا التّعريف جامعٌ مانعٌ لا يدخل فيه لا المعتزلة ولا المرجئة ولا الخوارج, فهو يتناول أهل السنّة فقط).
وفي شرحه حفظه الله لـ(أصول السنّة) للإمام أحمد [شريط(2)/وجه(أ)] عند قول الإمام أحمد رحمه الله، (والإيمان قول وعمل, يزيد وينقص, كما جاء في الخبر: ( أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم أخلاقًا)، قال الشّيخ ربيع:
(فالإيمان قولٌ وعمل: قول القلب واللِّسان, وعمل القلب والجوارح, أو تقول: الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد, يزيد بالطّاعة وينقص بالمعصية, هذا هو الإيمان عند أهل السنّة والجماعة, يُشاركهم الخوارج في أنّ الإيمان قولٌ وعملٌ واعتقاد, ولكنْ عندهم لا يزيد ولا ينقص, فبمجرّد أنْ يرتكب المسلم الكبيرة خرج من الإسلام, ويقابلهم المرجئة القائلون: الإيمان هو التّصديق – التّصديق بالقلب فقط – أو المعرفة كما عند الجهميّة، التّصديق بالقلب كما عند غلاة المرجئة, وعند مرجئة الفقهاء الإيمان اعتقادٌ بالقلب, وقولٌ باللِّسان, ولا يدخل عندهم العمل في مسمّى الإيمان, أمّا أهل السنّة فأعمال القلوب وأعمال الجوارح داخلةٌ عندهم في مسمّى الإيمان مع التّصديق).

مذهب الشّيخ ربيع حفظه الله في مرتكــب الكبيــرة.
قال الشّيخ في (كلمة في التّوحيد) (ص7) وهو يتكلّم عن موقف أهل السنّة من مرتكب الكبيرة:
(أهل السنّة توسّطوا فقالوا: الذُّنوب تضرّ وتهلك أصحابها والعياذ بالله, وتعرِّضهم لغضب الله ولعقوبته, وإيمانهم ينقص جدًّا بقدر ما يرتكبون من الذُّنوب, ومع ذلك لا يكفِّرونهم, ويقولون إنّهم:(فسّاق) و(عصاةٌ ناقصو الإيمان), وحكمهم في الآخرة أنّهم تحت المشيئة.
فلا يجارون الخوارج والمعتزلة في إخراجه من دائرة الإيمان, ولا يُجارون المرجئة في أنّه مؤمنٌ كامل الإيمان, و[أنّه] لا ينقص إيمانه, و[أنّ] إيمانه كإيمان جبريل, لا يجارون هؤلاء ولا هؤلاء)
وقال في (ص6):
(عند الخوارج والمرجئة والمعتزلة: الإيمان لا يزيد ولا ينقص, وأهل السنّة يقولون:(الإيمان يزيد بالطّاعات, وينقص بالمعاصي, والعصاة يستحقّون الذّمّ, وهم معرَّضون للعقوبة الشّديدة), والخوارج يكفّرونهم, والمرجئة الغالية يقولون لا يضرّ مع الإيمان ذنب, ولا يُعرَّض العاصي لنصوص الوعيد ولا العقوبات ولا ..., وعندهم وعند سائر المرجئة أنّ إيمانه لا ينقص أبدًا, و[أنّ] إيمان أفجر النّاس مثل إيمان جبريل ومحمّد صلى الله عليه وسلم)؟
الشّيخ ربيع وموقفه الجلي من الإرجاء والمرجئة.
قال في مذكّرة النّصيحة الثّانية ص(18):
(مذهب غلاة المرجئة في الإيمان أنّه هو المعرفة, وعند بعضهم أنّ الإيمان هو التّصديق, ومنهم الأشاعرة, وعند مرجئة الفقهاء الإيمان تصديقٌ بالقلب وإقرارٌ باللّسان, وعند كلّ هذه الأصناف أنّ العمل ليس من الإيمان, وأنّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص).
وقال الشّيخ في (كلمة في التّوحيد) (ص5و6):
(أهل السنّة توسّطوا في مرتكبي الكبائر بين الخوارج والمرجئة, فالمرجئة الغلاة قالوا: إنّ الإيمان هو التّصديق بالله وبما جاءت به رسله, فهو عندهم مؤمنٌ كامل الإيمان ولو ارتكب جميع الكبائر, لا ينقص من إيمانه شيء ولا يدخل النّار أبدًا؛ لأنّه لا يضرّه عندهم مع الإيمان ذنب, ومرجئة الفقهاء قالوا: الإيمان هو تصديق الجنان وقولٌ باللِّسان, لكنّهم شاركوا هؤلاء الغلاة في أنّ العمل ليس من الإيمان ولا يزيد ولا ينقص....)
تحذير الشيخ ربيع من الإرجاء وأهله:
قال الشّيخ ربيع في (كلمة في التّوحيد)ص7 وهو يتكلّم عن موقف المرجئة من مرتكب الكبيرة: (المرجئة أبقوه في دائرة الإيمان الكامل, لا تهزّ إيمانه كلُّ المعاصي والجرائم, يقتل ويزني ويسرق ويشرب الخمر ويسفك الدّماء ويأكل الرّبا وإيمانه كاملٌ لا ينقص!! لماذا؟ لأنّ الإيمان عندهم المعرفة أو التّصديق, والإيمان عندهم لا يقبل الزّيادة ولا النّقص: فلسفة باطلة ضالّة....)
وقال الشّيخ في ص9 بعد أنْ ذكر معتقد أهل السنّة والجماعة من أنّ الإيمان قولٌ وعمل واعتقاد, يزيد بالطّاعة وينقص بالمعصية:
(يقولون هذا ويحاسبون الخوارج على غلوِّهم وتعلِّقهم بنصوص الوعيد, وإهمالهم لنصوص الوعد, ويذمُّون المرجئة ويطعنون فيهم؛ لأنّهم يقولون: الإيمان تصديقٌ, ولا يزيد ولا ينقص, ولا يلتفتون إلى نصوص الوعيد, ويتعلّقون بنصوص الوعد)
وقال الشّيخ حفظه الله في شرحه لأصول السنّة للإمام أحمد شريط (2) وجه(أ):
(المرجئة عندهم الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأنّ الإيمان عندهم هو التّصديق, فهو لا يقبل النّقص, بل إذا طرأ عليه نقصٌ انتهى, وخرج صاحبه من دائر الإيمان, فهو لا ينقص, لكنّه يستوي فيه أفجر النّاس وأخبث النّاس مع الأنبياء والصّدّيقين والملائكة, وهذا ضلالٌ كبير, كما يقابلهم في الضّلال الخوارج, فغلاة المرجئة شرٌّ كبير؛ لأنّهم يهدمون شريعة الإسلام بهذا الاعتقاد الخبيث, والخوارج خبثاء؛ لأنّهم يكفِّرون الأمّة, ويسلُّون عليهم السّيف, ويستبيحون دماءهم وأموالهم).

**دعوة الشّيـخ ربيـع للمسلمين أن يلتزموا عبـارات السّلـف في مســائل الإيمــان وغيرها، تحت القاعدة العظيمة( باب درء المفاسد مقدم على جلب المصالح).
قال الشّيخ في (كلمة حقّ حول جنس العمل)(ص3)
(أنصح السّلفيّين أنْ يلتزموا بقول السّلف الشّائع المتواتر من أوّل عهد السّلف إلى يومنا هذا, ألا وهو قولهم: إنّ الإيمان قول وعمل).
وقول الشّيخ في مذكّرة النّصيحة الثّانية (ص18)
(والأولى التزام ما قرّره وآمن به السّلف من أنّ الإيمان قولٌ وعملٌ)
قال الشّيخ ربيع في انتقاده على كتاب السّراج الوهّاج لأبي الحسن المصري ص 34 الفقرة ( 69 ):( أنتم تعلمون أنّه قد دار جدلٌ كثيرٌ حول هل العمل شرطُ صحةٍ في الإيمان أو شرطُ كمال، وأقيمت الدنيا ولم تقعد إلى الآن، وأرى أن تحذفوا هذه الفقرة, أو تقوموا بالبيان الشَّافي بتوضيح القائلين بهذا التَّقسيم وتوضيح أدلَّتهم دفعًا للقيل والقال, بارك الله فيكم وسدّد خطاكم".
وقال في (كلمة في التّوحيد)ص14:
(أنا والله حاربت عبارة:(الأعمال شرطُ كمال) فيما أعتقد قبل النّاس جميعًا, ولا أزال على ذلك, وأعتقد أنّ هذا حصل منّي عام 1415هـ, والذي نهيته عن قول:(الأعمال شرطُ كمال) قلتُ له حينذاك: ليس هذا تعريفًا لأهل السنّة, عليك بتعريف أهل السنّة والجماعة للإيمان بأنّه:(قولٌ وعملٌ واعتقاد, يزيد بالطّاعة وينقص بالمعصية: قولُ القلب واللِّسان, وعمل القلب واللِّسان والجوارح)
وقال الشّيخ في (كلمة حقّ حول جنس العمل)ص3:
(فالتزام عبارات السّلف فيه ردٌّ لضلال المرجئة, وهو ردّ كافٍ شافٍ, وفيه أمان وضمان للسّلفيّين من الاختلاف والقيل والقال, وحمايةٌ من استغلال التّكفيريّين لإطلاق بعض السّلفيّين لـ(جنس العمل), ومن أصول أهل السنّة وجوب سدّ الذّرائع, ووجوب درء المفاسد, وتقديم درء المفاسد على جلب المصالح, فإطلاق (جنس العمل) فيه مفاسد؛ لما فيه من الإجمال الموقع في اللّبس, ولما يثيره من الاختلاف والفرقة, فيجب اجتنابه....).

فصل: الإيمان عند أهل السنة والجماعة ((قول وعمل)).
1_ تعريف الإيمان لغة:
جاء في تهذيب اللغة للأزهري(15/513)، والصحاح اللجوهري(5/2071) والقاموس المحيط للفيروز آبادي (ص1518): (مصدر آمن يؤمن، وأصلُ آمن؛ أأمن بهمزتين، لينت الثانية، وهو من الأمن ضد الخوف).
قال الراغب في المفردات(ص35): (أصل الأمن طمأنينة النفس، وزوال الخوف).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في الصارم المسلول(519): (فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة، وذلك يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد).
وقد عُرف الإيمان في لغة العرب بعدة تعريفات؛ فقيل: هو التصديق، وقيل هو الثقة، وقيل هو الطمأنينة، وقيل هو الإقرار.
وقد اختار شيخ الإسلام في تعريف الإيمان اللغوي أنه بمعنى الإقرار، ورأى رحمه الله أنه أدلّ على المعنى من باقي التفسيرات.
فقال رحمه الله في شرح حديث جبريل(ص413): (وذلك أن لفظ الإيمان يفارق التصديق لفظا ومعنى).
ويمكن أن نجمل الأمور التي ردّ بها شيخ الإسلام دعوى الترادف بين الإيمان والتصديق:
(أ): أن لفظة آمن تختلف عن لفظة صدق من جهة التعدي، حيث إن آمن لا تتعدى إلا بحرف الباء، أو اللام، كما في قوله تعالى((فآمن له لوط))[سورة العنكبوت] وفي قوله تعالى ((آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون))[سورة البقرة].
فيقال: آمن به، وآمن له، ولا يقال آمنه، بخلاف لفظة صدق؛ فإنه يصح تعديتها بنفسها فيقال: صدقه.
(ب): أنّه ليس بينهما ترادف في المعنى؛ فإن الإيمان لا يستخدم إلا في الأمور التي يؤتمن فيها المخبر، مثل الأمور الغيبية، لأنه مشتق من الأمن، أما الأمور المشهودة المحسوسة فهذه لا يصح أن يقول: آمن، وإنما يقول: صدق.
أما الأمور الغيبية التي لا يشترط لها الأمن فجائز أن يجيب بآمن، كما قال تعالى: ((وما أنت بمؤمن لنا لو كنا صادقين))[ سورة يوسف]. وقال تعالى: ((قالوا أ نؤمن لك واتبعك الأرذلون)) [ سورة الشعراء]، وقال تعالى: ((وإن لم تؤمنوا لي فاعتزلون)) [ سورة الدخان]، وقال تعالى ((فما ءامن لموسى إلا ذرية من قومه))[ سورة يونس]، قال ابن تيمية في تفسيرها: ((أقر له)).
(ت):أنّ لفظة الإيمان في اللغة لا تقابل بالتكذيب، بخلاف التصديق، فيقال صدق وعكسه كذب، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له، بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، فيقال هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب، بل لو قال: أنا أعلم أنك صادق ولكن لا أتبعك، بل أعاديك وأبغضك ولا أوافقك لكان كفره أعظم.
(ث): أن الإيمان في اللغة مشتق من الأمن الذي ضد الخوف، فآمن أي صار داخلا في الأمن، فهو متضمن مع التصديق معنى الائتمان والأمانة كما يدل عليه الاستعمال والاشتقاق، ولهذا قال إخوة يوسف لأبيهم: ((وما أنت بمؤمن لنا ولو كنا صادقين))، أي لاتقر بخبرنا، ولا تثق به، ولا تطمئن إليه ولو كنا صادقين، لأنهم لم يكونوا عنده ممن يؤتمن على ذلك، فلو صدقوا لم يأمن لهم، أما التصديق فلا يتضمن شيئا من ذلك.
قلت: وأما لفظ الإقرار فإنه يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:
-أحدهما: الإخبار؛ وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق والشهادة، ونحوهما، وهذا هو الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.
-الثاني: الإنشاء والالتزام؛ كما في قوله تعالى: ((قال ءأقررتم وأخذتم على ذلك إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين)).
وليس هنا بمعنى الخبر المجرد، فإنه سبحانه قال: ((وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما ءاتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال ءاقررتم وأخذتم على ذلك إصري)) [سورة آل عمران].
فهذا التزام للإيمان، ونصر للرسول صلى الله عليه وسلم.
ومن خلال النظر في نصوص الكتاب والسنة للفظ الإيمان بان أنه؛ إخبارٌٌ، وإنشاءٌٌ، والتزامٌٌ، بخلاف التصديق المجرد.
الخلاصة:
ولذا؛ فالإيمان لغة هو الإقرار، لأن التصديق إنما يطابق الخبر فقط.
وأما الإقرار فيطابق الخبر والأمر، لأن أقر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول في الأمن، والإقرار دخول في القرار.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: ((ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو؛ التصديق وعمل القلب الذي هو الانقياد)).
قلت: الإقرار يتضمن أمرين:
-1- اعتقاد القلب: وهو تصديقه بالأخبار.
-2-عمل القلب: وهو إذعانه وانقياده للأوامر.
**تعريفه شرعا:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رحمه الله في الواسطية: ((ومِنْ أُصولِ الفرقة الناجية أن الدِّينَ والإيمانَ: قولٌ وعملٌ؛ قولُ القلبِ واللِّسانِ، وعملُ القلب ِواللّسانِ والجوارح)).
أولا: قول القلب: وهو تصديقه وإيقانه، قال تعالى: ((والذي جاء بالصدق وصدق به أولئك هم المتقون))[سورة الزمر].
ثانيا: قول اللِّسان: وهو النطق بالشهادتين.
ثالثا: عمل القلب: وهو النية والإخلاص، والمحبة، والانقياد، والتوكل، ولوازم ذلك وتوابعه.
رابعا: عمل اللّسان: وهو العمل الذي لا يؤدى إلا به، كتلاوة القرآن، وسائر الأذكار.
خامسا: عمل الجوارح: وهو العمل الذي لا يؤدى إلا بها مثل الصلاة والحج والصوم والزكاة والجهاد في سبيل الله.
قال الإمام الآجري رحمه الله في الشريعة: (اعلموا رحمنا الله وإياكم أنّ الذي عليه علماء المسلمين؛ أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح، ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقا، ولا تجزئ معرفة القلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كملت فيه هذه الثلاث الخصال كان مؤمنا، دلّ على ذلك الكتاب والسنة وقول علماء المسلمين)).
**مسألة: الخلاف في مسمى الإيمان.
على العموم يا طلبة العلم فالناس فيه فريقان.
-الفريق الأول: الذين يجعلون الأعمال من مسمى الإيمان.
-الفريق الثاني: الذين يخرجون الأعمال من مسمى الإيمان.
فالفريق الأول يمثله أهل السنة والجماعة على الصواب، ومعهم على التفصيل الخوارج والمعتزلة.
والفريق الثاني: وهم المرجئة من الجهمية، والكرامية، والأشعرية، والماتريدية، ومرجئة الفقهاء.
** توضيح لا بد منه للطلاب:
فالخوارج والمعتزلة وإن وافقوا أهل السنة والجماعة في إدخال الأعمال في مسمى الإيمان إلا أنهم خالفوهم في حكم مرتكب الكبيرة، حيث كفرته الخوارج، وحكمت عليه المعتزلة بأنه في منزلة بين منزلتين، مع اتفاق الخوارج والمعتزلة على خلوده في النار.
والفرق بين أهل السنة والجماعة وبين الخوارج ومن شايعهم في مرتكب الكبيرة، أن الخوارج وأذنابهم سلبوه مطلق الإيمان، وأما أهل السنة والجماعة فلم يسبوه سوى الإيمان المطلق.
**قاعدة مهمة جدا لطالب العلم:
أصل مقالة الفرق الضالة المخالفة لأهل السنة والجماعة في الإيمان؛ سواء كانوا من القائلين بأن الأعمال من الإيمان، أو الذين ينفون الأعمال عن الإيمان، يقوم على شبهتين:
-الشبهة الأولى: اعتقادهم أن الإيمان كلٌ لا يتجزأ، إما أن يوجد كله، وإما أن يذهب كله.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية الحراني رحمه الله عن هذه الشبهة: (أنهم جعلوا الإيمان شيئا واحدا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه) شرح حديث جبريل(ص383).
الشبهة الثانية: أنه لا يجتمع في الإنسان كفر وإيمان.
يقول شيخ الإسلام يا طلبة العلم في شرح حديث جبريل(ص385): (ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا، اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين).
وهذا الأصل الفاسد هو الذي بنى عليه أهل البدع أقوالهم في الإيمان، والله المستعان.
**المهم:
-إن الخوارج والمعتزلة خالفوا أهل السنة والجماعة في((الاسم)) و((الحكم))، انطلاقا من هذا الأصل الفاسد، فنزعوا عن صاحب الكبيرة اسم الإيمان، وكفرته الخوارج، وجعلته المعتزلة في منزلة بين منزلتين.
وأما في الحكم: فقد حكمت عليه كلا الطائفتين بالخلود في النار.
-وأما المرجئة فقد خالفوا أهل السنة والجماعة في ((الاسم)) لا في الحكم انطلاقا من الشبهتين السابقتين، حيث يجعلون المرء مؤمنا ولو لم يعمل شيئا قط، فهم قد نازعوا في اسم الإيمان ومن يستحقه.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان، وقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئا واحدا، لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءً منه، فإذا ذهبت ذهب بعضه، فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج) [شرح حديث جبريل].
**إذا المرجئة فروا من أصل المعتزلة والخوارج الفاسد، وهو أن الإيمان شيء واحد لا يتجزأ، فإذا ذهب بعضه ذهب كله، فوقعوا في أصل فاسد آخر وهو إخراج الأعمال من مسمى الإيمان حتى لا يوافقوا الخوارج، وكما يقولون: فروا من الميزاب فجاءوا تحت المطر.
ويقول ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان: ((وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء، ثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث!!، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحب الإيمان شيء فيخلد في النار، وقالت المرجئة على اختلاف فرقهم، لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئا من الإيمان، إذ لو ذهب شيء منه لم يبق شيء، فيكون شيئا واحدا يستوي فيه البر والفاجر).
**تنبيه للطلاب الأعزاء اقتضته الأحداث الجارية:
احذروا يا طلبة العلم أن تحاربوا بدعة قبيحة بالعقل المجرد والذوق الكاشف فتقعوا في بدعة أخرى، هي أشنع منها وأغرب، كما حدث للمرجئة، وهذا ما حدث لبعض الغلاة حين أرادوا أن يحاربوا التمييع الذي نعق به وأصّل له بعض الدعاة كعدنان عرعور وأبي الحسن المأربي هداهما الله، ومن كان على وتيرتهم انطلاقا من الحماسة على الدين ومن الغيرة على أصوله المتينة، بلا علم ولا حلم، ولا مشاورة لعلماء السنة الأخيار؛ فوقعوا في الغلو الخانق، فأضحوا يبدعون كل من خالفهم في مسألة ولو فرعية، ويرمونه بأقبح التهم وأبشع الجرائم، كما هو ملاحظ على شبكة الأثري العاثرة، وكما تبجح به المهلوس فاروق ابن إسماعيل الغيثي الإماراتي، وقرينه في الغلو فوزي البحريني.
***ماهو سبب هلاك المرجئة والطوائف الضالة في باب الإيمان، وباقي أبواب الشريعة؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل[الإيمان] عن بيان الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة، وهذه طريقة أهل البدع، ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، ولهذا نجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون لا على سنة، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعتها رؤوسهم، وهذه طريقة الملاحدة أيضا إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة، وكتب الأدب واللغة....وإذا تدبرت حججهم وجدت دعوى لا يقوم عليها دليل)[كتاب الإيمان98].
وهكذا شأن أهل البدع، ما وقعوا في حمأة البدع إلا بتركهم لبعض السنن التي يجب التصديق والعمل بها، ولا تجد صاحب بدعة إلا وهو تارك شيئا من السنة، كما قال تعالى: ((فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء))، وبتركهم لفهم السلف لنصوص الكتاب والسنة كما قال تعالى: ((ويتبع غير سبيل المؤمنين))، قال شيخ الإسلام رحمه الله في المجموع فما أذكر(7/173): (قال العلماء: من لم يكن متبعا سبيلهم كان متبعا غير سبيلهم، فاستدلوا بذلك على أن اتباع سبيلهم واجب، فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه).
***ومن تأمل في طرح كتاب شبكة الأثري في باب نقد المخالف يجد أنها دعوى لا يقوم عليها دليل، وأزيد ولا تعليل، بل هي تأتأة ليس من ورائها طحين!.
***فائـــــدة:
قبل أن يناظر محق مبطلا، فعليه أولا أن يعرف أصوله التي بنى عليها قوله أو معتقده، لهذا فعلماء السلف الصالح رضوان الله عليهم قد أدركوا شبهات المخالفين في باب الإيمان، وعرفوا أصولهم الفاسدة، ومن أجل ذلك كانت مناظراتهم مع المرجئة، وباقي الطوائف تنصب تماما على تحطيم أصولهم الفاسدة، وكشف باطلها.
وقد ذكر شيخ الإسلام وبحق ابنُ تيمية الحراني رحمه الله(في كتاب الإيمان 308) أن الإمام أحمد رحمه الله قد بعث بجواب إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني في خرسان يتضمن ردودا على المرجئة، ومن هذه الردود التي بعثها الإمام أحمد:
(وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى معرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى معرفة مع الإقرار، فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرا ومصدقا بما عرف، فهو من ثلاثة أشياء، وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد قال قولا عظيما ولا أحسب أحدا يدفع المعرفة والتصديق، وكذلك العمل مع هذه الأشياء).
وينقل كذلك شيخ الإسلام كلام الإمام أبي ثور رحمه الله في تحطيم أصل المرجئة الفاسد.
(فأما الطائفة التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان فيقال لهم: ماذا أراد الله من العباد إذ قال لهم: (أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) الإقرار بذلك، أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل، فقد كفرت، وإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا أراد منهم جميعا، لِمَ زعمتم أنه يكون مؤمنا بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعا؟ أرأيتم لو أن رجلا قال: أعمل جميع ما أمر الله به ولا أقر به، أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل به، أيكون مؤمنا؟ فإن قالوا: نعم، قيل ما الفرق؟ فقد زعمتم أن الله أراد منهم الأمرين جميعا، فإن جاز أن يكون بأحدها مؤمنا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمنا).
والأثر في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (4/931 برقم1590)، وشيخ الإسلام ذكره مختصرا، وفي شرح الأصول مطولا، وفيه أن الإيمان على المتفق عليه يتركب من ثلاثة أشياء، تصديق، وإقرار وعمل، إبطالا لأصل من قال: إنه شيء واحد.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عقب قولي الإمامين: (قلت: أحمد، وأبي ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة، وهو أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه، فلا يكون إلا شيئا واحدا، فلا يكون ذا عدد اثنتين أو ثلاثة، فإنه إذا كان له عدد أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه، ..فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئا واحدا).
أتوجه إلى كتاب الأثري وزعمائهم وأقول: هل الشيخ ربيع يعتقد أن الإيمان شيء واحد أم أنه يتعدد؟
الجواب: من خلال عرضنا لكلام الشيخ ربيع السابق ندرك أنه حفظه الله يعتقد أن الإيمان يتعدد، بذلك يكون قد خرج من مذهب المرجئة جملة وتفصيلا، وهذا هو المذهب الذي سلكه العلماء لكشف أصول المرجئة، ولكن أين لأصحاب الأثري أن يدركوا هذه الحقائق من غير أن يتجردوا للحق، ويسهروا الليالي في معرفته.

*أقوال أهل الحديث متفقة على أن الإيمان قول وعمل.
**قال أبو عبيدة القاسم بن سلام: (هذه تسمية من كان يقول: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص:
_من أهل مكة: عبيد بن عمير الليثي، عطاء بن أبي رباح، مجاهد بن جبر، ابن أبي مليكة، عمرو بن دينار، ابن أبي نجيح، عبيد الله بن عمر، عبد الله بن عمر بن عثمان، عبد الملك بن جريج، نافع بن جميل، داود بن عبد الرحمن، العطاء بن عبد الله بن رجاء،
_من أهل المدينة: محمد بن شهاب الزهري، ربيعة بن عبد الرحمن، أبو حازم الأعرج، سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن، يحي بن سعيد الأنصاري، هشام بن عروة بن زبير، عبيد الله بن عمر العمري، مالك بن أنس المفتي، محمد بن أبي ذئب، سليمان بن بلال، فليح بن سليمان، عبد العزيز بن عبد الله، عبد العزيز بن أبي حازم.
_ومن أهل اليمن: طاوس اليماني، وهب بن منبه، معمر بن راشد، عبد الرزاق بن همام.
ومن أهل مصر والشام: مكحول، الأوزاعي، سعيد بن عبد العزيز، الوليد بن مسلم، يوسف بن يزيد الأيلي، يزيد بن أبي حبيب، يزيد بن شريح، سعيد بن أبي أيوب، الليث بن سعد، عبيد الله بن جعفر، معاوية بن صالح، حيوة شريح، عبد الله بن وهب.
وممن سكن العواصم وغيرها من الجزيرة: ميمون بن مهران، يحي بن عبد الكريم، معقل بن عبيد الله، عبيد الله بن عمر الرقي، عبد الكريم بن مالك، المعافي بن عمران، محمد بن سلمة الحراني، أبو إسحاق الفزاري، مخلد بن حسين، على بن بكار، يوسف بن أسباط، عطاء بن مسلم، محمد بن كثير، الهيثم بن جميل.
ومن أهل الكوفة: علقمة، الأسود بن يزيد، أبو وائل، سعيد بن جبير، الربيع بن خيثم، عامر الشعبي، إبراهيم النخعي، الحكم بن عتبة، طلحة بن مصرف، منصور بن المعتمر، سلمة بن كهيل، مغيرة الضبي، عطاء بن السائب، إسماعيل بن أبي خالد، أبو حيان يحي بن سعيد، سليمان بن مهران، الأعمش، يزيد بن أبي زياد، سفيان بن سعيد الثوري، سفيان بن عيينة، الفضل بن عياض، أبو المقدام ثابت بن عجلان، ابن شبرمة، ابن أبي ليلى، زهير، شريك بن عبد الله، الحسن بن صالح، حفص بن غياث، أو الأحوص، وكيع بن جراح، عبد الله بن نمير، أبو أسامة، عبد الله بن إدريس، زيد بن حباب، الحسين بن علي الجحفي، محمد بن بشير العبدي، يحي بن آدم، محمد[بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي]، ويعلى، عمر بن عبيد[الطنافسي].
ومن أهل البصرة: الحسن بن أبي الحسن، محمد بن سرين، قتادة بن دعامة السدوسي، بكر بن عبد الله المزني، أيوب السختياني، يونس بن عبيد، عبد الله بن مروان، سليمان التيمي، هشام بن حسان، هشام الدستوائي، شعبة بن حجاج، حماد بن سلمة، حماد بن زيد، أبو الأشهب، يزيد بن إبرهيم، أبو عوانة، وهيب بن خالد، عبد الوارث بن سعيد، معتمر بن سليمان التيمي، يحي بن سعيد القطان، عبد الرحمن بن مهدي، بشر بن المفضل، يزيد بن زريع، المؤمل بن إسماعيل، خالد بن حارث، معاذ بن معاذ، أبو عبد الرحمن المقرئ.
ومن أهل واسط: هشيم بن بشير، خالد بن عبد الله، علي بن عاصم، يزيد بن هارون، صالح بن عمر، عاصم بن علي.
ومن أهل المشرق: الضحاك بن مزاحم، أبو جمرة نصر بن عمران، عبد اله بن مبارك، النضر بن شميل، جرير بن عبد الحميد الضبي؛ هؤلاء كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وهو قول أهل السنة والمعمول به عندنا وبالله التوفيق). انظر الإبانة(2/814كتاب الإيمان).
قلت: فأنا أطالب المناوئين لأهل الحق من دعاة الغلو أن يسجلوا مخالفة واحدة للشيخ ربيع للرعيل الأول الذين ذكرهم العلاّمة القاسم بن سلام، أما أن يطرحوا سؤالا ملوي العنق على شيخ من المشايخ، مع تعمية عارمة، وتدليس فاحش، وتغريب للمسؤول عنه، فيطلق المفتي عبارة شديدة موافقة للسؤال المغشوش فهذا أمر مسلم به، وإنما الغرابة كلّ الغرابة في إسقاط الجواب الناجم عن سؤالٍ مغشوش على منهج عالم سلفي بطريقة التلفيق والترقيع، وهي طريقة زنخة لم يتفطن لها كبار أهل البدع، ثم ادعاء بعد ذلك أن الشيخ ربيع مخالف للإجماع الذي لم يتصور إلا في أذهان الغلاة الحفاة من الأمانة العامية، والصدق في تجلية المسائل.
** قال أبو عمر يوسف بن عبد البر النمري الأندلسي(م463) في التمهيد(9/238 ط/الرباط)، (15/41/ط الفاروق المرتبة)، (1/432/ط المغراوي المرتبة) : (أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية، والإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية).
وقال رحمه الله بعد ما ذكر أقوال من أخرج الطاعات من مسمى الإيمان: (وأما سائر الفقهاء من أهل الرأي والآثار بالحجاز والعراق والشام ومصر، ومنهم مالك بن أنس، والليث بن سعد، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهوية، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي، وأبو جعفر الطبري، ومن سلك سبيلهم: فقالوا: الإيمان قول وعمل، قول باللسان وهو الإقرار، واعتقاد بالقلب، وعمل بالجوارح مع الإخلاص بالنية الصادقة، قالوا: وكل ما يطاع الله عز وجل به من فريضة ونافلة، فهو من الإيمان، والإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، وأهل الذنوب عندهم مؤمنون غير مستكملي الإيمان من أجل ذنوبهم، وإنما صاروا ناقصي الإيمان بارتكابهم الكبائر...).
وسأذكر بعض أقوالهم في ذلك ، ومنها :
وقال الإمام أحمد رحمه الله في السنة(1/307): (الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص).
وقال الإمام الآجري رحمه الله في كتابه الشريعة( : باب القول بأن الإيمان تصديق بالقلب ، وإقرار باللسان ، وعمل بالجوارح ، ولا يكون مؤمناً إلا أن يجتمع فيه هذه الخصال الثلاث )ا.هـ .
<!-- / message --><!-- edit note -->