إذا لزم الأمر.. كيف تعاقبين ابنتك!!؟
13-12-2015, 02:30 PM
إذا لزم الأمر.. كيف تعاقبين ابنتك!!؟



الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:



كثيرًا ما نسمع إحدى الجدات، وهي تقول لأحفادها:
{ والله لم أضرب ابنتي مرة واحدة في حياتي.. لقد كانت مؤدبة ومطيعة.. بمجرد أن أنظر إليها: تعرف ماذا أريد..!!؟}.
وهناك من الجيل السابق أيضًا: من ينتهج التشديد على البنات مطلقًا، وهم أصحاب مبدأ:{ اكسر للبنت ضلعًا: ينبت لها مكانه أربعٌ وعشرون..!!؟}
واليوم: عزيزي المربي.. عزيزتي الأم..
في زمان السماوات المفتوحة، والثقافات الوافدة التي تحاول أن تفرض نفسها بقوة على أبنائنا وبناتنا؛ فتغير أفكارهم وسلوكهم، نطرح تساؤلا:
أي المنهجين يصلح إذا أردنا تقويم الفتاة!!؟.
أعزائي:
كل أب وأم ممن أنعم الله عليهما بنعمة البنات، لابد أن نضع في الاعتبار أن طبيعة التكوين النفسي والوجداني للفتاة تختلف عن الفتى، فقد زودها
الله تعالى بالعاطفة الجياشة اللازمة لها، لكي تستطيع القيام بمسئوليات الأمومة في مستقبل حياتها، وهذه العاطفة تجعلها عالية الإحساس، شديدة التأثر، مما يجعل توجيهها أيسر من تربية البنين نوعاً ما، ولكن يجعل الحذر في حقها أشد حتى لا تقع تحت تأثير أي طرف خارج نطاق الأسرة.
وعندما تنتقل الفتاة إلى بيت زوجها: تنقل صورة واضحة عما تأدبت عليه في بيت أبيها من الأخلاق والآداب الحسنة، وتعطي انطباعاً واضحاً عن البيئة التي نشأت فيها، وعمق القيم التي تربت عليها، كما تعكس بوضوح مدى قوة وتماسك شخصية والديها، ومقدار الجهد الذي كانا يبذلانه في تربيتها؛ لذلك ينبغي أن يمعن النظر كل أب وكل أم في كيفية إعداد الفتاة لمستقبلها كفرد مؤثر في الأمة، وما يلزم لذلك من تأديبها وتهذيبها.

الإسلام يقرر معاقبة المخطئ بالقدر الذي يصلح خطأه فقط:
من وسائل تنمية الأخلاق: استخدام أسلوب التأديب بمعناه الشامل، فقد أقر الإسلام مبدأ العقوبة النفسية والبدنية، واعترف المربون المسلمون بالعقوبة كأسلوب من أساليب التربية، وضابط للسلوك، ووضعوا لها شروطاً، وضوابط لإيقاعها عند الحاجة.
وتأديب الأبناء ضرورة لاستقرار نفوسهم، حيث يحتاجون في مرحلة الشباب إلى من يضبط سلوكهم، كما كانوا يحتاجونه في سنوات الطفولة، والفتيات أحوج للأدب، فما زال كثير من المجتمعات تراعي ذلك فيهن أكثر من مراعاته في الذكور.

الفرق بين الأدب والعقاب:
في كثير من الأحيان: يختزل الوالدان عملية التأديب في إيقاع العقوبة بالأبناء، ولكن الأمر على خلاف ذلك، فالمربي الناجح: يحاول تربية طفله وتأديبه بأساليب الثواب الحسّي والمعنوي، فإن لم يتأدب الطفل: لجأ المربي إلى العقاب، ولكن ضمن قواعد وضوابط العقاب التربوي، فحين يذوق ألم العقاب والهجر، يعرف قيمة الحنان والعاطفة التي تدفقت عليه قبل ذلك، ويشعر حينها بضرورة الانقياد والطاعة، فالعقاب إذن من وسائل التأديب، وليس نفس التأديب.

بين القسوة والتراخي في تربية الفتاة:
لا شك أن العلاقة القائمة على الحب بين الآباء والأبناء، وبين الأبوين والبنت بصفة خاصة، هذه العلاقة مهمة جداً وضرورية: لنمو البنت نمواً طبيعياً بعيداً عن المشكلات النفسية والانفعالية التي قد تتعرض لها إذا تعامل معها الأبوان بشيء من التسلط، أو القسوة والشدة، ولكن هذا أيضاً: لا يعني لين الجانب مع البنت بصفة دائمة، أو عدم توجيه اللوم لها عندما تخطيء، أو حتى إنزال العقاب المناسب بها إذا لزم الأمر في حدود ضيقة.
والاعتدال هو: المطلوب؛ فإن:" التجارب القاسية الشديدة: يمكن أن تحدث صدمة نفسية تؤدي إلى اضطرابات العمليات النفسية"، فقد يكون سوء معاملة الأب لابنته: وسيلة من وسائل الانحراف الخلقي، كما أن التساهل في ضبط سلوك الفتاة: قد يسوقها إلى الاستهانة بالأسرة، والتفريط في الالتزام بواجباتها، فتقع - من جهة أخرى - في الانحرافات الخلقية، وقد اتضح من خلال التجارب: أن أسلوب الاعتدال في معاملة الفتيات بين السماحة والتَّشدُّد هو: الأسلوب الأرجح لضبط سلوكهن، دون توتر شديد يُخلُّ بتوازنهن النفسي.

مراعاة الفروق الفردية عند التأديب:
والأبوان لا بد أن يدركا أن الصفات المشتركة بين الناس كثيرة، إلا أن هناك ما يؤكد: أن كل إنسان وحيد من نوعه في بعض الصفات، فمنهم من جُبل على سرعة القبول والانصياع، ومنهم البطيء في ذلك، إلا أنه لا ينفك أحد - في الجملة - عن التأثر وإن قلَّ، فالتربية مهما بلغت من الإتقان، فلن تجعله إنساناً آخر، إنما تستخدم طاقته المتاحة وإرادته وتكوينه الفطري: لتكوين شخصيته الخاصة به، وفي هذا يقول:" نُمير بن أوس": موضحاً هذا المعنى: " الصلاح من الله، والأدب من الآباء"، مما يؤكد ضرورة التنويع في وسائل التأديب بين الأبناء والبنات، وبين البنات الشقيقات أنفسهن.

أهم قواعد التأديب:
بناء الضمير الحي في نفس الفتاة ووجدانها:
لا يمكن للتربية الإسلامية الإنسانية المتمثلة في الوالدين: أن تصل بالنفس البشرية إلى مستوى الشخصية المتكاملة النموذجية المتوفرة لدى الرسل والأنبياء، فهؤلاء رعتهم قدرة الخالق سبحانه، واقتضت وظيفتهم: أن يكونوا نماذج الكمال الإنساني التي يسير البشر جميعا على خطاهم، عليهم جميعاً الصلاة والسلام، لذا، فإن أسمى ما يمكن أن تهدف إليه تلك التربية هو: الوصول بالفرد على مستوى (النفس اللوامة) التي أقسم الله تعالى بها في كتابه العزيز تشريفاً لها، قال تعالى:
[ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ. وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ].
وهي النفس المؤمنة التي تلوم صاحبها إذا أخط،أ وتحمله به على اتباع الحق، والتوبة من المعصية.
وعبارة (الضمير الحي) هي: المعنى الأقرب تفسيراً للنفس اللوامة بلغة عصرنا الحاضر، وضمان استمرارية صحوة هذا الضمير هو: الهدف الأساس للتربية في الإسلام، وبوجوده: تملك النفس الإنسانية معياراً أكيداً ثابتاً يضبط سلوكها بشكل تلقائي.

ومن أهم عوامل بناء الضمير الحي في نفس الفتاة:
1) الاهتمام بالتربية الإيمانية؛ فالإيمان الصادق يبني ضمير المسلم، ويجعله متمسكاً بما يمليه عليه إيمانه، ويتجلى ذلك في غرس المراقبة في نفس الفتاة، وهو ما عناه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله:
" أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه، فإنه يراك".

2) ربط الفتاة بالأسرار النفسية والاجتماعية التي أوجدها الله في العبادات المفروضة، مثل: الصلاة التي تأتي على رأس هذه العبادات، ودليل ذلك قوله تعالى:
[وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ].
وعلى نفس القاعدة: نقيس باقي العبادات.

3) تربية الفتاة المراهقة على "النقد الذاتي"، وذلك بأن يردها والداها إلى نفسها إذا أخطأت، ويطلبا منها: أن تنقد نفسها فيما فعلت، وتحكم هي على تصرفها:" أصواب هو أم خطأ!!؟"، ثم يناقشانها فيما وصلت إليه.
وهذا الأسلوب من شأنه: أن يغرس في نفس الفتاة الشجاعة الأدبية، والحرص على سبيل الاستقامة، وتقبل العقاب المناسب إذا قرره الوالدان.

4) التأديب بتغيير المنكر الذي تأتيه الفتاة بعلم أو بدون علم مع التغليظ إن كانت تعلم أنه منكر: ولنا في أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أسوة حسنة في توجيه ابنة أخيها: عندما رأت عليها خمارا رقيقا، فعن أم علقمة بن أبي علقمة قالت:
" رأيت حفصة بنت عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهم جميعاً – دخلت على عائشة، وعليها خمارٌ رقيقٌ يشفُّ عن جبينها، فشقته عائشة عليها، وقالت:" أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور!!؟، ثم دعت بخمارٍ فكستها ".
مع اللفت هنا إلى: إيجاد البدائل المباحة أو الشرعية فوراً، وإعطائها خماراً حصيفا لا يشف.

وأخيراً..أعزائي..
لنتذكر: أن العقاب أحد وسائل التربية، وليس هدفاً من أهدافها بحد ذاته، وكلما كان المربي ناجحا:ً كلما كان احتياجه لإيقاع العقاب نادراً، ومؤثراً إذا وقع.

وفق الله الجميع لما يحبه ويرضاه.
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

منقول مع تصرف يسير.