معركة بالكراسي جرت بين بومدين وخيضر أمام أنظار آيت احمد
26-12-2015, 09:19 PM
ناصر بن عيسى
كلما رحل أحد الرجالات الفاعلين في تاريخ الجزائر، وآخرهم حسين آيت أحمد، عادت الأسئلة الطائرة، التي لم تطأ أرض الواقع، عن سبب الخلافات العميقة التي كادت أن تبخر نعمة الاستقلال، وبقيت عالقة من دون إجابة، ومنها على وجه الخصوص هذا الخلاف الذي عمّر أكثر من ستين سنة، بين آيت أحمد وهواري بومدين، ولم يُذِب جليده حتى وهج الحرية، صديق هواري بومدين في رحلة دراسته إلى القاهرة السيد محمد الصالح شيروف عاد بذاكرته إلى أيام دراسة بومدين في القاهرة وتواجد آيت احمد في العاصمة المصرية، حيث بدأ الخلاف.. ولم ينته.
تواجدك مع بومدين في القاهرة مكّنك بالتأكيد من أن تعيش بعض تفاصيل علاقاته مع رجالات الثورة التحريرية ومنهم آيت أحمد؟
بالتأكيد.. فقد كانت القاهرة محجّا لغالبية الداعين للحرية والاستقلال، وعلى رأسهم المفكر مالك بن نبي والمصلح البشير الإبراهيمي والمناضل آيت أحمد وصديق عمره محمد خيضر، كنا نشعر، أنا وبومدين بأن انتماءنا لمنطقة قالمة التي لم ينضم أي رجل منها لجمعية العلماء المسلمين التي لم تكن أصلا موجودة في منطقتنا ولا لحركة الحريات الديمقراطية التي كان من رجالاتها المرحوم آيت أحمد، ستجعلنا في موقف مُحرج، فقد اتصلنا بأمانة جمعية العلماء المسلمين في مصر، للانضمام إلى البعثة الدراسية .
ولكنهم لم يلتفتوا لطلبنا، أجبرنا هذا الرفض للاتصال بالسيدين محمد خيضر وآيت أحمد، اللذان كانا يشرفان من القاهرة على حركة الحريات الديمقراطية، التي رأسها في ذلك الوقت الشاذلي المكي، وكان الراحل محمد خيضر وهو أقرب الأصدقاء لآيت أحمد مباشرا معنا، حيث طلب من هواري بومدين أن يكون إلى جانبه في معركته للحصول على رئاسة الحركة، مقابل منحنا شقة للإقامة بها، وإكمال دراستنا في الأزهر الشريف في القاهرة، فوافقنا في بادئ الأمر ولم يكن لنا خيار آخر، لأن أحوالنا المادية كانت تسوء من يوم لآخر، وحلم الدراسة في القاهرة بدأ يتبخر، وكان خيضر عند وعده، وقضينا مؤقتا على مشكلة السكن، ولكنه ظن رفقة المرحوم آيت أحمد أننا تحت جناحيه قبل أن يكتشفا شخصية بومدين القوية، كان بومدين صبورا جدا، كنا إذا أكلنا وجبة غداء لا نتعشى والعكس، مع الإشارة إلى أن الوجبة لم تكن تزيد عن سلطة وطماطم وخبز وفقط.
العلاقة بين بومدين وآيت أحمد بدأت بشكل جيد؟
نعم ولبضعة أشهر، حوالي أربعة، قبل أن تسوء، فقد تمّ تعيين المرحوم حسين آيت أحمد رئيسا شرفيا، لحركة الحريات الديمقراطية، وكان يسكن في شارع العباسية، وكنا نلتقي بشكل عادي وتبادل الأحاديث والآراء، لكن سبب الخلاف التاريخي بين بومدين وآيت احمد هو المرحوم محمد خيضر الذي بعد مرور قرابة أربعة أشهر انقلب علينا ورآى باننا لا نساعده.
وطلب منا مغادرة الشقة التي هي ملك لجمعية الحريات الديمقراطية، لم نجد من حلّ سوى الاتصال بالشيخ البشير الإبراهيمي، فاقترح علينا أن نكتب وثائق الشقة باسم مكتب المغرب العربي لتفادي الإحراجات ومكيدة الرجلين، لكن محمد خيضر وآيت أحمد أصرا على طردنا من الشقة، لأجل استغلالها في أمور تخصّهما ضمن الحركة التي رأسها شرفيا آيت أحمد.
وهل طرد آيت أحمد بومدين من شقة القاهرة؟
للأسف حدث ما لم يكن في الحسبان، ذات ليلة، في حدود الثامنة بعد صلاة المغرب من عام 1953، تفاجأت أنا وبومدين بباب شقتنا يكاد ينكسر، دخل المرحوم محمد خيضر المعروف بقوته وعنفوانه وبتعامله الشديد، مع كل الأمور رفقة صديق عمره المرحوم حسين آيت أحمد، وهدّدنا إن لم نترك البيت حالا باتخاذ إجراءات لا نتصورها، كان يريد إخافتنا، وكان حسين آيت أحمد يتابع المشهد في صمت وهدوء ممّا فهمنا بأنه راض عن تصرّف خيضر وربما كان هو مهندسه، بينما رفض محمد خيضر أية محاورة دعاه لها هواري بومدين، لأجل ربح الوقت، حاول الراحل هواري بومدين إفهام محمد خيضر وحسين آيت احمد بأن مغادرة البيت يعني الخروج إلى الشارع، ولكن خيضر تضاعفت عصبيته إلى توجيه لكمات عنيفة لوجه هواري بومدين حتى أدماه، وتواصل الشجار بالأيدي إلى غاية الحادية عشرة ليلا بين بومدين وخيضر وكنت رفقة آيت أحمد في موقف المتفرج فقط، فكانت بداية الخلاف بين بومدين وآيت أحمد التي لم تهدأ أبدا.
ونجح آيت احمد في طرد بومدين؟
تعقد موقفنا، وصار حلم إتمام الدراسة في الأزهر في خطر، لم نجد من حلّ أمام قوة خيضر وصديقه آيت أحمد، سوى معاودة الذهاب إلى الشيخ الإبراهيمي في اليوم الموالي، فنصحنا بطلب تعويض مادي من مكتب المغرب العربي لحركة الحريات الديمقراطية، واقترح علينا أن نطلب 2000 جنيه مصري، يمكن بها استئجار مسكن، ونصحنا بأن لا نفكّر في مقاومة خيضر وآيت أحمد، خاصة الأول لأنه سيضرّنا.
..كنا نقول في ذلك الوقت أن خيضر وآيت أحمد متزوجان من شقيقتين، لكننا لم نكن نفهم صمت آيت أحمد تجاه أفعال خيضر الغريبة وبطشه، المحادثات بيننا وخيضر انتهت إلى قبولنا مبلغ 1000 جنيه مقابل مغادرة الشقة، ولا نعلم إن كان آيت أحمد يعلم بذلك، فغادرنا الشقة، وبحثنا عن منزل آخر، ما أعلمه أنه أثناء هاته المعركة، راسلنا مجلس الشورى المصري والجامعة العربية، وشكوناهما من أفعال محمد خيضر وآيت أحمد، وأكيد أن الرسالتين موجودتان في الأرشيف المصري، بعد طردنا من حركة الحريات الديمقراطية، لم يعد أمامنا سوى الشيخ البشير الإبراهيمي وجمعية العلماء المسلمين، وللأسف فإن العداوة استمرت بين هواري بومدين وحسين آيت أحمد إلى أن توفى الله الأول، والثاني في منفاه في سويسرا، وتوفي الثاني ولم يقل عن الأول كلمة حسنة.
عداوة مع آيت احمد والبشير الإبراهيمي؟
نعم حتى البشير الإبراهيمي انقلب على بومدين، توجهنا إلى مكتبه وأذكر أننا لم نأكل لمدة أربعة أيام، بعد أن وضعنا مبلغ 1000 جنيه في كراء مسكننا الجديد، كان البشير الإبراهيمي يضع سرير نومه في مكتبه، خاطبه بومدين بالقول: نحن طلبة جزائريين وحالتنا سيئة، صرنا نرتدي من شدة الفقر الأقمصة السوداء حتى لا يظهر قدمها ووسخها، كان بومدين يتكلم وينظر إلى رفقاء الشيخ الذين كانوا معه، وهم الفضيل الورتلاني وأحمد بيوض والشيخ الغسيري في أبهى حلّة، وما إن انتهى بومدين من الكلام حتى فاجأنا الشيخ الإبراهيمي بالقول: أنتم اخترتم من الأول حزب الشيطان، فأنتم وحزب الشيطان في سقر، وهي أسوأ درجات جهنم، لم يترك بومدين هذه الإهانة تمرّ، من دون أن يُذكر الشيخ الإبراهيمي بأنه بصدد جمع الأموال من ملك الأردن وملك السعودية والملك فيصل ملك العراق باسم دعم الثقافة العربية الجزائرية، ويذكّره بأن هذا المال من حق طلبة العلم الجزائريين، هنا أمرنا الفوضيل الورتلاني بالانصراف فانقطع حبل الوصال نهائيا مع البشير الإبراهيمي في الاستقلال إلى غاية وفاة البشير الإبراهيمي.







