هام: السيلفي النافع والمذياع الصادح!!؟
15-05-2016, 04:59 PM
هام: السيلفي النافع والمذياع الصادح!!؟

مدحت القصراوي

الحمدُ لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبيَّ بعده؛ أما بعدُ:


يهوى الكثير أن يأخذ لنفسه صورة بكاميرا المحمول للظهور؛ لأغراض اجتماعية أحيانًا، ولغرض الشُّهرة لِذاته كثيرًا!!؟.
حبُّ الظهور: شهوة بشرية؛ وقد باع قساوسة النصارى ورهبانهم متاع الدنيا مِن زواج وولد وطيِّب طعام ولين ملبَس، وهي: بدعة؛ من أجل أن يظهروا ويشتهروا، ويُعظِّمهم الناس، ويُقبِّلوا أيديَهم، ويلتمسوا منهم البركة، ويُعطوهم حق التشريع، ومُعارضة الأمر المنزَّل؛ فالشهرة من أعظم شهوات النفوس، تتضاءل أمامها شهوات كثيرة سواها.
وأودُّ أن أُذكِّر بأن الدنيا، باتساعها ونواحيها وأجيالها، قليلة.. وأن مَن أراد الذِّكر الحسن (لسانَ صدقٍ) فيها من الصالحين: إنما قصد أن يُذكر للدِّلالة على طريق الله، فيَشْرُف بأن يدلَّ على الله تعالى، ويدعو إليه، لا إلى نفسه؛ فيؤجر ويهتدي به الخلق، ولو بعد موته.
أما الشهرة لِذاتها كشهوة، والتي يبحث عنها الكثير، ويَحزنون لفواتها!!؟، فهي: خطر عظيم، وليس البحث عنها من أخلاق ولا مأخَذِ: مَن رام شرف الذِّكر يوم القيامة.
إننا نَنسى مَجالات: أعظم شأنًا وذِكرًا وشُهرة وغِبطة، واستِحضارها أدعى للإخلاص والخَفاء، ولا يتحقَّق فيها الذِّكر والشهرة إلا بالإخلاص.
فالسماوات: أعظم خلقًا واتساعًا، وأكثر سكانًا وأرقى سكَنًا، وللصالحين ذِكرُهم في السماوات؛ فالملائكة في السماوات السبع، والملائكة المقرَّبون (الكروبيون)، مِن حملة العرش ومَن حوله: يذْكرون المؤمن ويدعون له، كما أن لذِكر المؤمن ربَّه وتسبيحه وتهليله، دويًّا عند العرش كدويِّ النَّحل يُذكِّر بصاحبها.
فالذِّكر هناك: أنفع وأرقى وأشرف وأعظم، فلا يظنَّن الخفيُّ أنه كذلك في السماء؛ فقد تُجهل في الأرض، وتُعرف في السماء!!؟، ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه لتلاميذِه:
" كونوا ينابيع العلم؛ مصابيح الهدى، أحلاس البيوت، سرُج الليل، جدد القلوب، خلقان الثياب؛ تُعرَفون في السماء، وتُخفَون على أهل الأرض"، وإنَّما الخفاء مطلوب في دار الفانين.
ويوم القيامة يُحشر الأولون والآخرون، وتجتمع جميع أجيال البشر، وهناك تأتي صورتك، ويكون اسمُك وذِكرُك، والشرف يومها هو: الشرف، والذِّكر حينئذ هو: الذِّكر؛ ولهذا كان المقام المحمود لرسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بظهور منزلته، وقبول شفاعته العظمى.
وليعلم من يبحث عن ميكروفونات المساجد الصادعة بصوته، فيَسقط في مراءاة أو يكاد، أو مَن يبحث عن ظهوره في الفضائيات: أن وصول قراءته عند العرش: أشرف وأعظم وأكرم، وحُسْنها عند الله بالخشوع، وأن قراءتك اليوم يسمعها ربك؛ كما جاء في الحديث:
" لله أشد أذنًا - يعني: استماعًا - إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَيْنةِ إلى قينتِه".
ويوم القيامة: يسمع ربك تلاوتَك، وتسمَعها الخلائق، ويقرأ القارئ ويَرقى؛ وهذا أشرف وأعظم بما لا نسبة بينه وبين ما يبحث عنه هنا، أما هنا، فينبغي ألا يبحث إلا عن ما يؤجر عليه؛ سواء جرَّ شُهرة أم بقي في خفاء، والأخير أعظم أجرًا، وأسلم مِن الآفات.
إن للناس يوم القيامة سِيمًا وألقابًا، وللحشر أحوالاً وأحوالاً؛ ما بين ماش وراكبٍ، ومسرع ومُبطئ، وشافع ومشفع، ويومها أنوار مقسومة، ومنابر منصوبة، وللمؤمنين شفاعات يُكرمون بها؛ إذ مقصود الشفاعة ليس فقط نفع المشفوع فيه، بل من مقصودها الأعظم - مع ظهور رحمة رب العالمين - إظهار كرامة الشافع عند الله تعالى، وتشريفه بهذا، ولهذا كان ممَّن بشَّر بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: مَن يدخل الجنة بشفاعته مثل أحد الحيين (ربيعة أو مُضر)، وفي روايات أخرى (مثل) أو (أكثر من ربيعة ومضر).
إن للمؤمن شرَفه يوم القيامة، ولا يَخفى على الله عمله، ولا يُضيِّع الله أجره، ولو كانت الشهرة مما يحبه الإنسان، فليعلم أن مِن الأجر: بيانًا شرفُه أعظم مما يرجوه أهل الدنيا؛ فلا يُعقل أن ينعم فُجَّار الممثلين والمغنين والعُراة بشيء يُحرم منه المؤمن!!؟، وتسبيحة من المؤمن: أشرف من كل هؤلاء، لكن محلُّ ذلك: يوم يجمع الله الأولين والآخرين.
بل جاء في السنَّة: أن الله تعالى يكرم مَن أكرم أولياءه، ويَغفر لمن شفعوا له، ممن قضى للمؤمن حاجة في الدنيا:﴿ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ ﴾، وهذا مِن مزيد فضله تعالى على المؤمن وتكريمه له.
والأعظم والأكرم والأشرف من هذا هو: أن يَذكرك الله تعالى، ويُثني عليك فيما اختار مِن ملأ، وهذا أحد معنيي صلاة الله على عباده؛ فصلاة الله على عبده تُفسَّر بالرحمة والمغفرة، وتُفسَّر بالثناء الحسن في الملأ الأعلى.
ثمَّة ذِكرٌ وثناء وشرف لك ولاسمك ولصورتك: أشرف وأعظم، وأوسع وأرقى، وأبقى مما في الدنيا وعلى ألسنة الفانين المخطئين.. وعلى الفيس بوك وشبكاته!!؟
تطلَّع إلى الأعظم والأبقى، فلعلَّ صورتك على قصور وفُرُش الجنة: ملِكًا مُتوَّجًا، أقل خدم أهل الجنة عشرة آلاف خادم، وإن صدقْتَ ذُكرت مع السابقين، ودخلت في زمرة مَن ألقى الله عليهم سلامه من الأنبياء والمؤمنين، وتَشْرُف بالرفقة والذكر والثناء: ﴿ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى ﴾، وقد فُسِّروا بالمؤمنين.

إن خفاء اليوم: يرافقه ظهور ومعرفة في السماء وفي الملأ الأعلى.
وإن خفاء اليوم: يَعقبه الظهور يوم لقاء من لا يكرم كرمَه أحد.
ولعلَّه أن يلحق بالأخفياء: مَن كانت شهرتهم خادمة لرفعة الدين، ولكن مأخذ السلف:" حب خمول الذِّكر وحبُّ الخفاء، وأنهم لا يعدلون بالسلامة شيئًا".
غدًا:" شرف مروم"، أو:" خزيٌ لا تعالجه شهرة زائفة!!؟"، هناك إذًا (السيلفي) النافع، والصوت الصادح، وشرف الذِّكر، وصِدق المقام، وحسن الثناء بل ودوامه..
اطمئنَّ، لن تُنسى صورتك، ولن يُنسى ذِكرك؛ لكن الشأن أين ستكون!!؟.