ربيع طلابي على الامتحانات التقليدية!!؟
28-05-2016, 04:56 PM
ربيع طلابي على الامتحانات التقليدية!!؟
بقلم الأستاذ: حسين مغازي
لا اعتقد أن عاقلا يؤيد الغش كوسيلة لتحقيق النجاح، ذلك أن السلوك السوي هو: المعيار الحقيقي للشخصية السليمة التي تنشدها الأمة في أجيالها القادمة، ومهما كانت المعوقات، فليس أمامنا من سبيل سوى مواصلة تصحيح المسار.
والحقيقة التي باتت واضحة: أن خللا كبيرا ظل ينخر السياسات التربوية لسنين خلت، ومن بين هذه السياسات:" نظام التقويم في الامتحانات المدرسية"، إذ ظلت الامتحانات وسيلة من وسائل السيطرة على الطلبة، والتحكم في توجهاتهم وفق اطر وبرامج معتمدة على سياسات تخدم توجها معينا لكل دولة ، وأهملت جوانب كثيرة في شخصية المتعلم: لم توضع في برامج التقويم، ومنها:" الجانب الوجداني والسلوكي"، وهم:ا الأكثر طغيانا في رسم كل شخصية، ما جعل الطلبة يشعرون بالحيف والظلم، وهضم حقوقهم في عمليات التقويم: نتجت عنه ظواهر عديدة، ومن بينها:" ظاهرة الغش" التي هي امتداد أيضا لظاهرة العنف.
كثير من الطلبة يفشلون في تفسير تلك المفاهيم والظواهر والحقائق التي توضع أمامهم وقت الامتحان متمثلة في مسائل ونصوص: يوعزهم فيها شرحها بواسطة الورقة والقلم، ويعدون بعد من الفاشلين والراسبين الذي يوجهون إلى الواقع المرير في سنّ مبكرة!!؟، بينما هؤلاء الطلبة أنفسهم يتميزون بقدرة عالية على التعايش الطبيعي مع زملائهم، وبقدرات كبيرة في التأثير والقيادة، والأغلب هم: المحبوبون بين زملائهم، ولو تمكنوا من النجاح: لارتفعت نسبة الزعامة لديهم، ولكسبت الأمة رجالا بشخصيات قوية مؤثرة تعرف كيف تقود، وكيف تجند، وكيف تبني، وهؤلاء هم الذين تنشدهم المدرسة والمجتمع معا، والسؤال الذي يبقى مطروحا لماذا فشل هؤلاء؟، ولماذا فشلت السياسات المدرسية من تصحيح الأخطاء في عمليات التقويم التي تسمح لهؤلاء بإبراز كافة قدراتهم العقلية، وتهيئتهم للعب أدوار تناسبهم، واستيعابهم كأفراد مؤثرين قادرين على الإمساك بزمام القيادة.
لماذا أهملت أنظمة الامتحانات الجوانب السلوكية والوجدانية التي تسمح بإبراز كل جوانب الشخصية عند الطالب؟.
لماذا بقي الجمود في أساليب الامتحانات هو: السمة البارزة طوال عقود في ظل تدني المستوى المعرفي للطالب، وفي ظل تدهور الجانب الخلقي لدى السواد الأعظم لدى الطلبة، ولم يحرك المعنيون ساكنا!!؟.
ألا ينبئ هذا بخلل كبير في أنظمة الامتحانات؟، وفي سياسات التقويم؟.
أسئلة يتطلب الإجابة عليها من طرف المعنيين والقائمين على العملية التربوية، والبناء عليها في وضعيات لتصحيح المسار.
الامتحانات التحريرية شبح يقض مضاجع الطلاب: كلما أقترب موعدها، يعمل في ظله كل مدرس وكل مدير، ويخاف منه المتعلم الصغير، فكان مبعث هذا الشبح: بأنه يترتب عليه نهاية مستقبل الطلبة، وقد يكون عقوبة للمدير والأستاذ معا: يترتب عنه أحيانا التنزيل من الرتبة ..الخ من العقوبات الأخرى، مما سمح أيضا حتى للتربويين والمديرين إلى انتهاج أساليب
أخرى من الغش: تحقق لمدارسهم نسبا عالية من النجاح، ما يجنبهم أيضا هذه العقوبات، وتوبيخ الوصاية وحتى المجتمع!!؟.
ولهذا، فإن أمر الامتحانات مبالغ فيه، إذ صارت غاية الجميع، والمسيطرة على أعمالهم ومشاعرهم، وباتت الأسر أسيرة هذه الامتحانات تحولت إلى شبح مخيف على مستقبل الأبناء، ما دفعهم إلى تشجيع أبنائهم على الغش، وهي: نتيجة مؤلمة جدا حين تنخرط الأسرة في هذا السلوك المشين، ومنها: تحولت المدارس إلى معامل لتخريج حملة الشهادات، وصب المعلومات في أذهان المتعلمين بالصورة التي يصلحون معها للمرور في هذه الامتحانات.
يذكر السورطي في بحث:” السلطوية في التربية العربية” عن سلطوية الامتحانات في معظم المدارس والجامعات العربية باعتبارها الوسيلة الوحيدة في التقويم التربوي، فهي:" تثير الرعب والقلق والخوف في نفوس وقلوب المتعلمين"، وبأنها:" رعب لا يقل عن الرعب السياسي والغذائي والعسكري"، وبأن:" أكثر من عشرة ملايين طالب عربي يتعرضون لهذا الرعب سنويا، ويكون ضحية هذا الرعب طلبة يتشردون، وآخرون ينحرفون أو يهاجرون، والبعض ينتحر، وآخرون يتشوهون، و بعضهم يصاب بالجنون"، ويؤكد أن التقويم في بعض البلدان العربية يستخدم ويركز على أسلوب الامتحانات، وخصوصا ما يتصل بقياس مدى حفظ المتعلمين للمادة الدراسية، كما أنه يركز على آخر العام أو نصف العام”.
وبناء على هذه النتائج المرعبة جرّاء مواصلة منهجية الامتحانات التقليدية والتقويم التقليدي أيضا : جاءت ردود الطلبة في زمن الانفجار المعرفي باعتماد الغش كوسيلة للنجاح، وكرسالة إلى القائمين على العملية التربوية بأنهم يرفضون هذا المنهج في التقويم، وكنتيجة طبيعية عن الرعب النفسي الذي تلحقه هذه الامتحانات بهم، وردّة فعل قوية عن ديكتاتورية الامتحانات.
هذا الكابوس أو هذا المسار الخاطئ الذي لم يعد يواكب متطلبات التحولات الكونية: يجب أن ينتهي، وعلى القائمين على رسم السياسة التربوية في بلادنا: الاستعداد لمراجعة جذرية، وإعداد اطر جديدة لعمليات التقويم المدرسي مراعية في ذلك: الجوانب النفسية للطلبة، وإشراك الأسرة في عملية التقويم، كيف لا؟، وهي: الشريك الأول في كل المسار التربوي.
إن ألوان الربيع تزحف على مجتمعاتنا، ولا نريد ربيعا يؤسس لظاهرة الغش: كأسلوب ناجع لتحقيق النجاح!!؟.







