المسافرة الحسناء وقصص أخرى
29-05-2016, 12:09 PM
المسافرة الحسناء
وقصص قصيرة أخرى


تأليف

قحطــــان فــؤاد الخطيــب


الطبعة الأولى
2016


التسلسل المحتويات رقم الصفحة
عنوان المجموعة القصصية........................................ 1
المقدمة........................................... ...................... 2
1 مائدة المفترسين !................................................. .. 3
2 الفاجعة العمياء !................................................. .... 6
3 العروس المنكوبة.......................................... .......... 10
4 أم العروس ! .................................................. ...... 15
5 قالت لي حواء ......... ! .......................................... 18
6 الآنسة (ر) .................................................. ........ 22
7 ألفيلسوفة التائهة .................................................. . 25
8 وصايا رجل محتضر لولده .....! ................................ 28
9 المسافرة الحسناء .................................................. 31
10 الحمير الجامحة ! .................................................. 35
11 فانوس الإشارة .................................................. ... 41
12 لغز الخزينة ! .................................................. ..... 47
13 قل وداعا ولا تقل إلى اللقاء ! .................................... 51
14 زلزال صامت .................................................. ...... 54
15 الوصية .................................................. ............. 58
16 خواطر مبعثرة .................................................. .... 65
17 سبعة أيام فقط ! .................................................. .. 69
18 استغائة !................................................. ........... 72
19 كريمة ........ في استراحة 10 دقائق .......................... 74
20 الوجه الآخر لنادية ! ............................................... 80
21 الجمعة المعجزة ! .................................................. 85
22 لغة الجياع ! .................................................. ....... 88
23 صور قلميه من دفتر مذكراتي – أفكار ليست للبيع .......... 91
24 قصة قصيرة من الأدب الرمزي – غالية الثمن................ 95
25 قصة لويس برايل – ترجمة القاص ............................. 100
26 قصة قصيرة من الأدب الهندي / شازية عندليب- ترجمة القاص...... 102
27 قصة قصيرة من الأدب الاسباني / فلاح مدينة روته- ترجمة القاص... 105
28 قصة قصيرة للكاتب الانكليزي، هربت جورج ويلز/ حرب العوالم - ترجمة القاص.......................................... 110
29 قصة قصيرة للكاتب مارك توين / الأمير والفقير- ترجمة القاص............................................. .......... 113

المقدمة

القصة القصيرة هي أشبه بالصورة التي تنضوي بين دفتيها كائنات حية متحركة شرقا وغربا، شمالا وجنوبا. تتجسد فيها الأضداد: الخير والشر، القوة والضعف، النجاح والإخفاق، الصدق والكذب، الرياء والنفاق والغدر والخيانة والسذاجة والعفوية والشفافية، كلها عناصر تتواجد في تركيبة الحياة شئنا أم أبينا. ولعل القص في جوهره هو وجهة نظر ذاتية، وموقف من الحياة. أنها "نص أدبي نثري تناول بالسرد حدثًا وقع أو يمكن أن يقع"، أو هي "حكاية خيالية لها معنى، ممتعة بحيث تجذب انتباه القارئ، وعميقة بحيث تعبر عن الطبيعة البشرية."
إضافة إلى أنها لون من ألوان الأدب الحديث، الذي نشأ أواخر القرن التاسع عشر. وقد قال "موباسان": "إن هناك لحظات عابرة منفصلة في الحياة، لا يصلح لها إلا القصة القصيرة، لأنها عندما تصور حدثًا معينًا لا يهتم الكاتب بما قبله أو بما بعده". وربما كان هذا هو أهم اكتشاف أدبي في العصر الحديث.
والقصة القصيرة تروي خبرًا، وليس كل خبر قصة قصيرة ما لم تتوافر فيه خصائص معينة.. أولها أن يكون له أثر ومعنى كلي، أي تتصل تفاصيله وأجزاؤه بعضها ببعض، بحيث يكون لمجموعها أثر. كما يجب أن يكون للخبر بداية ووسط ونهاية، حتى يكون هناك ما يسمى بالحدث.

وما القصص القصيرة التالية إلا صورة مصغرة مستلة من تلك الصورة الواقعية الكبيرة ألتي تعكس أنماطا سلوكية بشرية يخجل الإنسان من هولها ونحن في الألفية الثالثة! ففيها الغث والسمين، والقيم والتافه، والهادف والعبثي يحكمها قاسم مشترك وهو أننا بشر، فيما يقر القرآن الكريم بأننا خلقنا أطورا.
الحياة، كما قال الراسخون في العلم، مسرح ونحن الممثلون على خشبته. فتوقع أي فعل تراه عيناك، وخذه على محمل الجد، معقولا كان أو غير معقول، لأن من يقوم به إنسان، وما أغرب ما قام ويقوم به الإنسان منذ عصيان سيدنا آدم لأوامر خالقه حينما أكل التفاحة المحرمة، إضافة إلى قتال الأخوين: هابيل وقابيل!!!
إن القصة القصيرة، بغض النظر عن كونها هادفة أو سطحية، تحمل بين طياتها رسالة، تعكس ما يعتمل بداخل مخيلة كاتبها من أفكار وتناقضات وإرهاصات. والخيال هو قوام كل عمل أدبي ناجح، وفي غيابه لا معنى للحديث عن أدب.
(1) مائدة المفترسين !

كان يوما حالك السواد ، حمل الرقم المشئوم 10 حزيران ، علاه نعيق الغربان ونعيبها ، ولفه تراب حجب الرؤية وسط فوضوية تزاحم العجلات والبشر والحيوانات ، وكأن لسان حالهم يقول "يوم لا ينفع مال ولا بنون....!".

كما كان أشبه بيوم المعشر! علا صوت موحد أوحد واحد فقط.... "الهروب نحو المجهول"..... لا أحد يعرف السبب وهم يهرولون.... تركوا القدور وهي تسخن فوق النار ، وأبواب منازلهم مشرعة ، وحيواناتهم تصارع الجوع بلا رحمة ، وأطفالهم الرضع بلا حليب ولا حفاظات...تفككت الأسر بين رمشة عين وانتباهتها . الغموض والرعب عملتان لوجه واحد يدعى الإرهاب !

فوضوا أمرهم إلى الله ، وتجرعوا مرارة المصاب الجلل ، مخدرين أنفسهم بالتعاويذ والتراتيل الدينية ، شعروا وكأنهم يساقون كالدواب نحو حتفهم دون سابق إنذار ودون التفوه بكلمة "لا" . عزلت النسوة والبنات والأطفال في قطاع تمهيدا لإنزال العقاب المزاجي بهم دون وازع أو ضمير ، فيما سيق الرجال والفتيان إلى حفر قضوا فيها بلمح البصر . لا خيار أمام الصغير والكبير سوى النطق بكلمة "نعم". رضوا بهذا القرار الجائر دون رفض لأن السيف مسلط فوق رؤوسهم .

لقد أعيتهم الصدمة ، فيما أتعبهم المشي الشاق نحو المجهول. رضوا بهذا المصير المفزع على أمل أن تنقشع الغمة في بحر دقائق أو ساعات أو حتى أيام ! إلا أن الرياح أتت بما لم تشتهي السفن . فالخطف ألقى بظلاله ليس على النساء والبنات فحسب بل على الأطفال قاطبة .

دنا الليل ، والمخطوفات ترتجفن من عواقب الأحداث ، والصمت المطبق أخرس ألسنتهن. وفارق إحساسهن الحياة بشكل عفوي وصارم . حانت ساعة الصفر ، وشرع الجلادون بالانقضاض على فرائسهم بلا استثناء . نالوا منهن ما نالوا دون الشعور بالذنب أو الندم أو الخطيئة ، وكأنهم يتعاملون مع بضائعهم التجارية المستوردة لهم من مناشي عالمية ! لقد كن من الصبر بحيث لو أدخلن إلى موسوعة غينيس لانتزعن الفوز دون تأخير أو تردد . وتجدد صبرهن من جديد وهن في الصفحة الأخيرة من المعاناة ، وجفت دموعهن بين عشية وضحاها. كل ما أصابهن من ظلم وحيف رضخن له بلا امتعاض ، لأنه لا حول ولا قوة لهن في الاعتراض وإلا فالسيف أستل من غمده بانتظار من تعصي أي أمر منهم . ومع هذا تأقلمت السبايا مع مصيرهن الشنيع وهن ينتظرن الصفحة الأخيرة من الدراما المأساوية بفارغ الصبر.

أميط اللثام عن الصفحة الأخيرة من الفاجعة التي لم يعرف الأدب اليوناني القديم تراجيديا مماثلة لها . حان وقت العشاء ، وتجمعت كل ست إناث على مائدة المفترسين الآدميين لتناول وجبتهن بعد جوع مميت وإعياء قاتل . وما أن وضعن ملاعقهن في الحساء حتى بانت لحوم وعظام أبنائهن وبناتهن الصغار. هنا أغمي عليهن فجأة ، وغطوا في نوم عميق له أول وليس له آخر !!