حكامنا وبغلة عمر
24-03-2018, 09:25 PM
بقلم: رمضان بوشارب
[center]يقول الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه :
( لو عثرت بغلة في العراق لسألني الله تعالى عنها
: لِمَ لم تمهد لها الطريق يا عمر )

[/center]

إن البغلة التي أتت على لسان سيدنا عمر بن الخطاب، رضي الله عنه وأرضاه، ما كانت بزلة لسان، وماهي بكلام عابر، بل أراد الفاروق من خلال ذلك، أن يضرب لنا مثلا بسيطا، كرسالة بموجبها نفهم بأن الحاكم مسئول أول، بل مسئول عن أبسط مخلوقات الله والتي يحتقرها الكثير من الناس، فالحاكم ها هنا تقع تحت كل الكائنات، التي تعيش في جغرافية حكومته، وتحت طائلة حكمه، من أبسط مواطن إلى أرقاهم شأنا دون أي ميز.
فالبغلة في هذا المقام يُضرب بها المثل هنا، كونها عديمة الأصل، فلا هي من سلالة الأحصنة العريقة، ولا هي من فصيلة الحمير ولقد كان القدماء من العرب، يضربون بها المثل لمن لا نسب لهم، ومن هم منبوذون من البشر، في مجتمعاتهم، ثمة مثل جزائري يقال فيه (سُئل البغل عن أبيه فقال خالي الحصان) بمعنى لقيط.
وهذا ما كان يرمو إليه سيدنا عمر ، أي أنه لا فرق عنده في المسئولية بين شريف وعديم النسب، وهذا عدلُ عمر وما أدراكم ما عمر الفاروق.
أما في أيامنا هاته في هذا العالم، المبني على استعباد البشر، وبالأخص في بلاد العرب والمسلمين على الخصوص،الملايين من البشر من مختلف الديانات وخاصة المسلمين منهم، يموتون موتا جماعيا دون أدنى رحمة ولا شفقة، تقتلهم المصالح الشخصية الضيقة باسم من يحكم من؟
في كامل الأقطار العربية سوريا اليمن ليبيا فلسطين و...و...و ، تُنتهك الحرمات و تُداس الحُريات، فلا قلب حاكم يتحرك أو يدفع عنهم، ولا نسمع منهم غير التنديد والإدانة والاستنكار.
لا ضمير حي ينتفض ولا قلب حاكم يفزع، من عذاب جهنم أو يخشى غضب الله، في كل ساعة فيها تُنتهك الحُرُمات، تُسفك الدماء، تهضم الحقوق، يُختطف الأطفال، تُغتصب النسوة.
كل دقيقة ، كل لحظة تُسرق الفرحة والبسمة من وجوه فلذات أكبادنا، أمام مرأى ومسمع حكامنا، حكام لا يحكمون بالعدل، وإن كنا نموت بصمتهم وخذلانهم، فقد ماتت قلبوهم وضمائرهم قبل ممات شعوبهم، وكأنهم قالوا قلوبنا غلف.
وليس كلام فحسب، بل فيهم من يقوم بفعل الإجرام، فَيُجرم في حق شعبه الذي ولاه أمره، فتولى عنه، شعب يعيش تحت رحمته بالتقتيل والتنكيل، فما كان مصيره سوى الهجرة، واللجوء إلى بلاد العدو، فرار من طغيان بني جلدتهم.
إن الحكام الذين أرادوا إكراه شعوبهم وإخضاعهم لهم، بتركيعهم وإذلالهم، أرادوا أن يجعلوا منهم حجر أساس، ليس بناء دولة قانون قائمة على العدل كعدل "عمر" والعدل أساس الحكم، إنما أرادوا بأن يبنوا على أجسادهم وجثثهم، مماليك هم فيها ملوك يورثونها لمن هم بعدهم من أبنائهم، على أساس سياسة التوريث، وذويهم باسم القرابة من الحكام، يستعبدون عموم الشعب ،يبيعونهم ويشترونهم كعبيد لهم، بل كقطعان الماشية.
إنا ما نراه اليوم من توريث الأبناء في الحكم، وخُلْدَ بعضهم فوق سُدة الحكم، ما هو إلا دليل على أنهم ليسوا مسئولين بدرجة مسئولية عمر.
هذه بغلة عمر التي ساقها كمثل ودرس لحكام العرب.