كلام التابعين في الرأي
29-10-2008, 04:37 PM
كلام التابعين في الرأي
كلام التابعين في الرأي
قالوا: ومن تدبر الآثار المروية في ذم الرأي وجدها لا تخرج عن هذه الأنواع المذمومة ونحن نذكر آثار التابعين ومن بعدهم بذلك ليتبين مرادهم:
قال الخشني: ثنا محمد بن بشار ثنا يحيى بن سعيد القطان عن مجالد عن الشعبي قال: "لعن الله أرأيت".
قال يحيى بن سعيد: وثنا صالح بن مسلم قال: سألت الشعبي عن مسألة من النكاح فقال: "إن أخبرتك برأيي فبل عليه".
قالوا: فهذا قول الشعبي في رأيه وهو من كبار التابعين وقد لقي مائة وعشرين من الصحابة وأخذ عن جمهورهم.
وقال الطحاوي: ثنا سليمان بن شعيب ثنا عبد الرحمن بن خالد ثنا مالك بن مغول عن الشعبي قال: "ما جاءكم به هؤلاء من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فخذوه وما كان رأيهم فاطرحوه في الحش".
وقال البخاري: حدثنا سنيد بن داود ثنا حماد بن زيد عن زيد عن عمرو بن دينار قال: "قيل لجابر بن زيد: إنهم يكتبون ما يسمعون منك قال: "إنا لله وإنا إليه راجعون يكتبونه وأنا أرجع عنه غدا".
قال إسحاق بن راهويه: قال سفيان بن عيينة: "اجتهاد الرأي هو مشاورة أهل العلم لا أن يقول هو برأيه".



ص -74- وقال ابن أبي خيثمة: ثن الحوطي ثنا إسماعيل بن عياش عن سوادة بن زياد وعمرو بن المهاجر عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى الناس: "إنه لا رأي لأحد مع سنة سنها رسول الله صلى الله عليه وسلم".
قال أبو بصيرة: سمعت أبا سلمة بن عبد الرحمن يقول للحسن البصري: "بلغني أنك تفتي برأيك فلا تفت برأيك إلا أن يكون سنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم".
وقال البخاري: حدثني محمد بن محبوب ثنا عبد الواحد ثنا ابن الزبرقان بن عبد الله الأسيدي أن أبا وائل شفيق ابن سلمة قال: "إياك ومجالسة من يقول: أرأيت أرأيت".
وقال أبان بن عيسى بن دينار عن أبيه عن ابن القاسم عن مالك عن ابن شهاب قال: "دعوا السنة تمضي لا تعرضوا لها بالرأي".
وقال يونس عن أبي الأسود وهو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل سمعت عروة بن الزبير يقول: "ما زال أمر بني إسرائيل معتدلا حتى نشأ فيهم المولدون أبناء سبايا الأمم فأخذوا فيهم بالرأي فأضلوهم".
وذكر ابن وهب عن ابن شهاب أنه قال وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن فقال: "إن اليهود والنصارى إنما انسلخوا من العلم الذى بأيديهم حين اتبعوا الرآى وأخذوا فيه".
وقال ابن وهب: حدثني ابن لهيعة أن رجلا سأل سالم بن عبد الله بن عمر عن شيء فقال: "لم أسمع في هذا شيئا فقال له الرجل: فأخبرني أصلحك الله برأيك فقال: لا ثم أعاد عليه فقال: إني أرضى برأيك فقال سالم: إني لعلي إن أخبرتك برأيي ثم تذهب فأرى بعد ذلك رأيا غيره فلا أجدك".
وقال البخاري: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي ثنا مالك بن أنس



ص -75- قال كان ربيعة يقول لابن شهاب: "إن حالي ليس يشبه حالك أنا أقول برأيي من شاء أخذه وعمل به ومن شاء تركه".
وقال الفريابي: ثنا أحمد بن إبراهيم الدورقي قال: سمعت عبد الرحمن ابن مهدي يقول: سمعت حماد بن زيد يقول: قيل لأيوب السختياني: "مالك لا تنظر في الرأي؟ فقال أيوب: قيل للحمار مالك لا تجتر؟ قال أكره مضغ الباطل".
وقال الفريابي: ثنا العباس بن الوليد بن مزيد أخبرني أبي قال: سمعت الأوزاعي يقول: "عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس وإياك وآراء الرجال وإن زخرفوا لك القول".
وقال أبو زرعة: ثنا أبو مسهر قال: كان سعيد بن عبد العزيز إذا سئل لا يجيب حتى يقول: "لا حول ولا قوة إلا بالله هذا الرأي والرأي يخطىء ويصيب".
وقد روى أبو يوسف والحسن بن زياد كلاهما عن أبي حنيفة أنه قال: "علمنا هذا رأي وهو أحسن ما قدرنا عليه ومن جاءنا بأحسن منه قبلناه منه".
وقال الطحاوي: ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم ثنا أشهب بن عبد العزيز قال كنت عند مالك فسئل عن البتة فأخذت ألواحي لأكتب ما قال فقال لي مالك: "لا تفعل فعسى في العشي أقول إنها واحدة".
وقال معن بن عيسى القزاز: سمعت مالكا يقول: "إنما أنا بشر أخطىء وأصيب فانظروا في قولي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه".
فرضي الله عن أئمة الإسلام وجزاهم عن نصيحتهم خيرا ولقد امتثل وصيتهم وسلك سبيلهم أهل العلم والدين من أتباعهم



ص -76- المتعصبون يعكسون القضية:
وأما المتعصبون فإنهم عكسوا القضية ونظروا في السنة فما وافق أقوالهم منها قبلوه وما خالفها تحيلوا في رده أو رد دلالته وإذا جاء نظير ذلك أو أضعف منه سندا ودلالة وكان يوافق قولهم قبلوه ولم يستجيزوا رده واعترضوا به على منازعيهم وأشاحوا وقرروا الاحتجاج بذلك السند ودلالته فإذا جاء ذلك السند بعينه أو أقوى منه ودلالته كدلالة ذلك أو أقوى منه في خلاف قولهم دفعوه ولم يقبلوه وسنذكر من هذا إن شاء الله طرفا عند ذكر غائلة التقليد وفساده والفرق بينه وبين الاتباع.
وقال بقي بن مخلد: ثنا سحنون والحارث بن مسكين عن بن القاسم عن مالك أنه كان يكثر أن يقول: "إن نظن إلا ظنا وما نحن بمستيقنين".
وقال القعنبي: دخلت على مالك بن أنس في مرضه الذي مات فيه فسلمت عليه ثم جلست فرأيته يبكي فقلت له: يا أبا عبد الله ما الذي يبكيك فقال لي: "يا ابن قعنب وما لي لا أبكي ومن أحق بالبكاء مني والله لوددت أني ضربت بكل مسألة أفتيت فيها بالرأي سوطا وقد كانت لي السعة فيما قد سبقت إليه وليتني لم أفت بالرأي".
وقال ابن أبي داود: ثنا أحمد بن سنان قال: سمعت الشافعي يقول: "مثل الذي ينظر في الرأي ثم يتوب منه مثل المجنون الذي عولج حتى برأ فأعقل ما يكون قد هاج به".
وقال ابن أبي داود: حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي يقول: "لا تكاد ترى أحدا نظر في الرأي إلا وفي قلبه دغل".
وقال عبد الله بن أحمد أيضا: سمعت أبي يقول: "الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي" فقال عبد الله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحاب الرأي فتنزل به



ص -77- النازلة فقال أبي: "يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي ضعيف الحديث أقوى من الرأي".
أبو حنيفة يقدم الحديث:
وأصحاب أبي حنيفة رحمه الله مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي وعلى ذلك بنى مذهبه كما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرآى وقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس ومنع قطع السارق بسرقة أقل من عشرة دراهم والحديث فيه ضعيف وجعل أكثر الحيض عشرة أيام والحديث فيه ضعيف وشرط في إقامة الجمعة المصر والحديث فيه كذلك وترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة فتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة على القياس والرأي قوله وقول الإمام أحمد وليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين بل ما يسميه المتأخرون حسنا قد يسميه المتقدمون ضعيفا كما تقدم بيانه.
والمقصود أن السلف جميعهم على ذم الرأي والقياس المخالف للكتاب والسنة وأنه لا يحل العمل به لا فتيا ولا قضاء وأن الرأي الذي لا يعلم مخالفته للكتاب والسنة ولا موافقته فغايته أن يسوغ العمل به عند الحاجة إليه من غير إلزام ولا إنكار على من خالفه.
قال أبو عمر بن عبد البر: ثنا عبد الرحمن بن يحيى ثنا أحمد بن سعيد بن حزم ثنا عبد الله بن يحيى عن أبيه أنه كان يأتي ابن وهب فيقول له: من أين؟ فيقول له: من عند ابن القاسم فيقول له ابن وهب: "اتق الله فإن أكثر هذه المسائل رأي".
وقال الحافظ أبو محمد: ثنا عبد الرحمن بن سلمة ثنا أحمد بن خليل ثنا خالد ابن سعيد أخبرني محمد بن عمر بن كنانة ثنا أبان بن عيسى بن دينار قال: "كان أبي



ص -78- قد أجمع على ترك الفتيا بالرأي وأحب الفتيا بما روى من الحديث فأعجلته المنية عن ذلك".
وقال أبو عمر: وروى الحسن بن واصل أنه قال: "إنما هلك من كان قبلكم حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق وتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم فضلوا وأضلوا".
قال أبو عمر: وذكر نعيم بن حماد عن أبي معاوية عن الأعمش عن مسلم عن مسروق "من يرغب برأيه عن أمر الله يضل".
وذكر بن وهب قال: أخبرني بكر بن نصر عن رجل من قريش أنه سمع ابن شهاب يقول وهو يذكر ما وقع فيه الناس من هذا الرأي وتركهم السنن فقال: "إن اليهود والنصارى إنما انسخلوا من العلم الذي كان بأيديهم حين اشتقوا الرأي وأخذوا فيه".
وذكر ابن جرير في كتاب (تهذيب الآثار) له عن مالك قال: "قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد تم هذا الأمر واستكمل فإنما ينبغي أن تتبع آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تتبع الرأي فإنه من اتبع الرأي جاء رجل آخر أقوى منه في الرأي فاتبعه فأنت كلما جاء رجل غلبك اتبعته".
وقال نعيم بن حماد: ثنا ابن المبارك عن عبد الله بن وهب أن رجلا جاء إلى القاسم بن محمد فسأله عن شيء فأجابه فلما ولى الرجل دعاه فقال له: "لا تقل إن القاسم زعم أن هذا هو الحق ولكن إذا اضطررت إليه عملت به".
وقال أبو عمر: قال ابن وهب: قال لي مالك بن أنس وهو ينكر كثرة الجواب للمسائل: "يا أبا عبد الله ما علمته فقل به ودل عليه وما لم تعلم فاسكت وإياك أن تتقلد للناس قلادة سوء".
وقال أبو عمر: وذكر محمد بن حارث بن أسد الخشني أنبأنا أبو عبد الله محمد ابن عباس النحاس قال: سمعت أبا عثمان سعيد بن محمد الحداد يقول: سمعت



ص -79- سحنون بن سعيد يقول: "ما أدري ما هذا الرأي؟ سفكت به الدماء واستحلت به الفروج واستحقت به الحقوق غير أنا رأينا رجلا صالحا فقلدناه".
وقال سلمة بن شبيب: سمعت أحمد يقول: "رأي الشافعي ورأي مالك ورأي أبي حنيفة كله عندي رأي وهو عندي سواء وإنما الحجة في الآثار".
وقال أبو عمر بن عبد البر: أنشدني عبد الرحمن بن يحيى أنشدنا أبو علي الحسن بن الخضر الأسيوطي بمكة أنشدنا عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه:

دين النبي محمد أثار نعم المطية للفتى الأخبار

لا تخدعن عن الحديث وأهله فالرأي ليل والحديث نهار

ولربما جهل الفتى طرق الهدى والشمس طالعة لها أنوار

ولبعض أهل العلم:

العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلف فيه

ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين النصوص وبين رأي سفيه

كلا ولا نصب الخلاف جهالة بين الرسول وبين رأي فقيه

كلا ولا رد النصوص تعمدا حذرا من التجسيم والتشبيه

حاشا النصوص من الذي رميت به من فرقة التعطيل والتمويه


المصدر:إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم