رقة القلب
13-12-2008, 08:20 PM
كثيرا حين يجيء ذكر اليتيم أقفأمام حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا شكا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قسوةقلبه، فقال: امسح رأس اليتيم، وأطعم المسكين.. رواه أحمد بإسناد حسن.

وأتساءل: ماالعلاقة بين لين القلب، ومسح شعر اليتيم؟
برامج عملية للرسول صلى الله عليهوسلم


أستجمع ذاكرتي، وأتذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كثيرا حين يشكوإليه أحد شيئا يقدم له برنامجا عمليا، ليس مجرد وعظ وإرشاد فحسب، بل يدفعه إلى فعلشيء يغير الواقع الذي يشكوه صاحبه.

أجد هذا حين يجيء الرجل يشكو إلى الرسول صلىالله عليه وسلم حاجته وفاقته، فيطلب منه أن يجمع ما عنده من أشياء قليلة، فيصنعمزادا لأشياء تعد تافهة في حياة الإنسان، ولكنه يبيعها بدرهمين، ويأمره أن يعطيأهله درهما يأكلون منه ويشربون، ويذهب ليشتري قدوما بالدرهم الآخر، ويساعده الرسولصلى الله عليه وسلم أن يكون عنده مهنة يتكسب منها من خلال جمع الحطب، ويحدد لهبرنامجا زمنيا.. خمسة عشر يوما.

ذهب الرجل وعمل، وتكسب، وأصبح من المتكسبين،وتحول من فرد عالة على المجتمع، إلى فرد منتج له دور فعال، ولو كان عملهقليلا.كما ألحظ هذا حين يرى النبي صلى الله عليه وسلم رجلا في المسجد في غير وقتصلاة، فيتساءل النبي صلى الله عليه وسلم عن السبب الذي جعله في المسجد في غير وقتصلاة، فيخبره الرجل بهموم لزمته، وديونه غلبته، فيرشده النبي صلى الله عليه وسلم أنيقول حين يصبح وحين يمسي: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجزوالكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، فيحافظالرجل على هذا البرنامج الروحي الذي كان سببا في تغيير حياته من الأسوأ إلى الأحسن. وغير ذلك من المواقف.
لين الجوارح لين لسيدها


وحين أقف عند هذا المشهد الثالث،وذلك الرجل الذي جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يشكو قسوة قلبه، فيرشده إلى أنيمسح على رأس اليتيم، إن قصد الإنسان بيت اليتيم، وسعيه، وكل خطوة يخطوها ابتغاءالأجر والثواب فيها ترقيق للقلوب، وإن سعي الجوارح للخير دائما فيه ما يلين ذلكالقلب.

وإن كان القلب هو ملاك الإنسان كله، فإن الجوارح العاملة بالخير تجعلسيدها في أحسن هيئة، وأفضل حال، بل تجبره على أن يكون حسنا كما الجوارح حسنة، فسعيالقدم إلى بيت اليتيم، والجلوس معه، والحنو عليه، بمد اليد إلى رأسه، والمسح علىشعره تعويضا له عن حنان الوالد الذي فقده، وأثر ذلك على قلب الطفل اليتيم من الراحةوالطمأنينة والسكينة، فكان الجزاء من جنس العمل، راحة للبال، ولينا للقلب، وسعادةللنفس، وكما قال ربنا: هل جزاء الإحسان إلا الإحسان.
صَدَقَة المشاعر


إن التصدقبالمشاعر، والتبرع بالأحاسيس، وعمل القلب قبل عمل الجوارح يزيل سواد القلب، وينظفما داخله من دخن، ويخلصه مما شابه من سوء الفعل والقول، وكأن المسح على رأس اليتيمتجديد لنشاط القلب من جديد، وتخلية له من سواده، وتحلية له بعمل هو من أحب الأعمالإلى الله تعالى.

كما أن المسح على رأس اليتيم قد يدفع الإنسان إلى أن يزيد في هذاالعمل، فربما كانت صدقة المشاعر دافعة لصدقة الأموال، فقد يصحب الزيارة تصدق بطعامأو شراب، أو كساء جديد لليتيم، أو صدقة من المال له، فيجمع الإنسان بين صدقة القلبوصدقة الجوارح، فيكون كل ما في الإنسان مشغولا بطاعة الله تعالى، والإحسان إلىالغير.

وإن كان لين القلب كجائزة من الجوائز الكبيرة، فإن هذه الجائزة قيمة؛ لأنالفعل الذي قام به المسلم ليس محصورا على نفسه، بل تعدى نفعه إلى الغير، وأي غيرينتفع به مثل اليتيم؟! فالذكر يلين القلب، ولكن ليس كالمسح على اليتيم؛ لأن المسحعلى رأس اليتيم ترجمة للذكر الصادق، بل هو ذكر عملي، كما قال تعالى: قل إن صلاتيونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أولالمسلمين.

وأن من ذكر الله تعالى، ذكره باللسان، كما جاء في الحديث: أنا مع عبدي إذا ذكرني، وتحركت بي شفتاه، أو ذكره بفعله، بإتيان ما افترض اللهتعالى في المقام الأول، ثم بفعل الطاعات غير المفروضة، والتي هي سبيل من سبل محبةالله تعالى، ورفعة الإنسان عنده سبحانه، وخاصة فيما يتعلق بالإحسان إلىالغير.

رقق قلبك.. بمسح رأس يتيم.. فإن لك أم تمسح على رأسك.. تسمع لك.. تشكيها وتشكوك.. فاحمدربك كثيرا واشكر نعمته بمسح رأس من لايملك ماتملك.. ولا لديه من يشكيه ويشكوه
امسح رأسه.. ابتسم له.. وتوقف عن قسوة قلبك

بقلم
مسعـود صبـري
دونَ مساحيقْ