في جزائر الكرامة كلمة الحق,, تضحية!!! للنقاش الجاد و الصريح
12-01-2009, 05:36 PM

الكتابة وممارسة طقوس التضحية
فقد يعيش الإنسان مأساة، ويجسد معاناة لا يشعر بجسامتها وثقلها، ولا يلمس عظمة خطبها في زحمة الأحدث، لكن تكفي كلمة واحدة لتكشف كل شيء دفعة واحدة، وتزيل الغشاوة فتتضح الرؤية على سواد اللوحة بكل تفاصيلها وعوراتها•• في نهاية الأسبوع الماضي التقيت زميلا عزيزا وهو كفاءة وطنية إعلامية مغيبة ومقصاة ومحاصرة، لا أكشف اسمه لأني لست أدري إن كان ذلك سيسعده، وقال لي كلاما لم أكتشف أنه ثقيل إلا بعد حين، ذلك لأني أخذته في البداية من باب الإطراء والمدح ليس إلا•
قال لي بالحرف ''والله بارك الله فيك•• إننا نتابع ما تكتب في ''الخبر الأسبوعي'' ونتمتع بقراءته، أنت تضحي ونحن نستمتع، والله يعطيكم الصحة أنت وعلي راكم تمتعونا••''• كلام الرجل كان ثقيلا ليس لأنه امتدحنا، لأني والحمد لله سليم من فيروس الغرور، وعلى يقين أنني لست شيئا مذكورا أمام ما كان يكتب هو وغيره من الكثير من الكفاءات والصادقين في هذا الوطن، إنما الثقل يكمن في وصف ما نكتبه بالتضحية، تلك الكلمة لم انتبه إليها في البداية، لكنها الوحيدة التي ظلت عالقة في ذهني، إلى أن حان موعد كتابة المقال الأسبوعي، أي ممارسة طقوس التضحية كما وصفها الزميل•
ومن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا••
نعم الكلمة الصادقة والحرة والموضوعية الهادئة أصبحت في جزائر العزة والكرامة تضحية، ذلك لأن من يجرؤ على هذا يكون قد وضع نفسه في فوهة المدفع، وفوّت على نفسه ليس فقط المكاسب والمناصب والمسؤولية وإنما لقمة العيش برمتها• في جزائر العزة والكرامة أصبح ضمان مقياس العزة والكرامة هو طبيعة العلاقة بالسلطان وحاشيته أو بطانة السوء الملتفة حوله، أو المؤسسات الفاعلة التي تصنع صحو الجزائر وجوها الماطر، وتقطر له من المعلومات ما يروقها ويبرر ممارساتها أو تدفع بالرئيس إلى التصرف حسب مزاجها وأهوائها• وبناء عليه أصبحت الكتابة وسيلة وأداة لتصنيف الناس حسب توجهاتهم ومواقفهم وآرائهم، ومنه مجازاة المادحين والسائرين في ركب السلطة والمطبلين لسياساتها والمدافعين عن زلاتها، والمروجين دون حياء لتجاوزاتها وانحرافاتها وميولاتها الاستبدادية على أنها تجسيد للديمقراطية والاختيار الحر واحترام الإرادة الشعبية، وما أكثرهم• ومعاقبة كل من تسول له نفسه الإبحار ضد هذا التيار الجارف، على قلتهم، ومحاولة إعلاء كلمة الحق وسط طغيان الظلم ومحاولات الاستخفاف بمشاعر الجزائريين وشتم ذكائهم•
العقاب بقطع الأرزاق؟
العقاب الحاصل هذه الأيام غير مسبوق في تاريخ الجزائر حتى في فترة الديكتاتورية البومدينية، التي وإن بطش فيها بومدين بمناوئيه ومعارضيه، إلا أنه لم يستهدفهم في لقمة عيشهم، ولم يسع إلى قطع أرزاقهم، ومطاردتهم أين حلوا وارتحلوا بحجة أنهم معارضون• ولعل هذا ما يضفي على الحديث عن التضحية بالكتابة الكثير من الدلالة والتعبير الصادق والصحيح عما يعيشه أنصار الكلمة الحرة والموضوعية، من مضايقات ومطاردة وإقصاء وقطع للأرزاق، في وقت كُممت فيه الأفواه ولاذ الكثير إلى صمت القبور، فيما بقي المتملقون يملؤون الدنيا بضجيجهم ونعيقهم•••
نعم الكلمة الحرة ـ أو قول الحق في وجه الجور ـ أصبحت تضحية لأنها تكلف باهظا، وتتطلب ضريبة قاسية، فلم تعد فضيلة في زمن الرذيلة، إنها معرة تستوجب العقاب والمتابعة، ولم تعد واجبا أو وقارا وشرفا، يجلب الاحترام والتقدير، أو هكذا حولتها الممارسات واختلال القيم وحب التسلط•
ومقابل ذلك أضحى الزور والمغالطات، وتبرير الكذب والدفاع عن الباطل والخروقات، وتضليل الناس، وممارسة النفاق بطولة، واستجابة لنداء الوطن تجلب لصاحبها الرضى والرضوان وعناية السلطان• فالكثير ممن كرمهم الله بالعقل والفكر ونعمة العلم، وزاد بعضهم بسطة في الجسم، يكفرون بهذه الأنعم ويتبعون أهواءهم فيبيعون ضمائرهم، ويلغون عقولهم ويقايضون علمهم••• ويشترون به ثمنا قليلا ويحسبون أنهم يحسنون صنعا• قول الحق من الأمور البديهية، لأنها واحدة من القيم الكونية التي تشترك فيها الإنسانية جمعاء، فلا يستوجب العمل بها واحترامها ثناء أو جزاء أو شكورا، لكن كلما اتسعت رقعة الظلم وطغيان الباطل، كلما انكمشت هذه القيمة وبدأ الناس يهجرونها وينقلبون عنها، إما بالصمت أو إتيان نقيضها، خشية بطش الظلم، وألم الجور، حينها تتحول هذه القيمة إلى خصلة، ومن ثم إلى تحد، ومن ثمة إلى تضحية كما هو الحال هذه الأيام•••
حتى لا تصبح انتحارا
غير أن الأخطر من كل ذلك أن تصبح قيمة الحق انتحارا، ويتحول المعتصمون بها إلى كاميكاز ينتحرون على أسوار السلطة صدحا بالحق، ويفجّرون أنفسهم بأحزمة الصدق الناسفة، فيجنون على أنفسهم وذويهم وينتهي بهم المطاف في ظروف غامضة، أو في غياهب السجون بتهمة الخيانة والتآمر على الوطن، أو في الشتات والمنافي وهذا ما بدأت نذره تلوح في الأفق••• عندها حتى المتعة لن تكون متاحة ولا مباحة، فلا أظن أنه سيكون ثمة من يستمتع بذلك إلا الجلاد وزبانيته وما حولهما من غربان•••
نشر بتاريخ 11-01-2009
بجريدة الخبر الاسبوعي
بجريدة الخبر الاسبوعي
من مواضيعي
0 التغذية: نصائح وحيل حول الأكل الصحي اهمالها قد يسبب لنا مشاكل صحية لا نعرف اين سببها؟
0 فوضى سينوفاك الصينية.. لقاح واحد و3 نتائج متضاربة
0 "نوع آخر مثير للقلق".. سلالات كورونا المتحورة تنتشر في 50 بلدا
0 إجراء تغييرات إيجابية: نصائح وحيل للتغذية السليمة ولتقوية الاعصاب
0 هل لديك وزن زائد؟ نستطيع مساعدتك
0 يؤثر نظامك الغذائي على صحتك: كيفية الحفاظ على التغذية الجيدة
0 فوضى سينوفاك الصينية.. لقاح واحد و3 نتائج متضاربة
0 "نوع آخر مثير للقلق".. سلالات كورونا المتحورة تنتشر في 50 بلدا
0 إجراء تغييرات إيجابية: نصائح وحيل للتغذية السليمة ولتقوية الاعصاب
0 هل لديك وزن زائد؟ نستطيع مساعدتك
0 يؤثر نظامك الغذائي على صحتك: كيفية الحفاظ على التغذية الجيدة







