علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين(د-سعد الدين ابراهيم)
29-06-2007, 05:21 PM
علم النكبات العربية في القرن الحادي والعشرين -لأن جوان كان مناسبة الذكرى الأربعين لأكبر هزائم العرب عام ,1967 فقد راعني ما يحدث في جوان ,2007 وتذكرت إحدى مقولات المؤرخ العربي الكبير قسطنطين زريق، الذي نبّه في بداية حياته لأول نكبة حاقت بالعرب عام ,1948 مع هزيمتهم وضياع فلسطين، على يد الكيان الصهيوني· كان عنوان كتاب قسطنطين الأول عام ,1948 هو ''دروس النكبة''· ولم يستمع للرجل أحد من القيادات العربية البارزة طوال السنوات العشرين التالية لصدور الكتاب، حتى وقعت هزيمة ,1967 وكانت أقسى على العرب من هزيمتهم الأولى· فكتب قسطنطين زريق كتاباً جديداً بنفس العنوان السابق تقريباً، وهو ''دروس النكبة مجدداً''· ومرة أخرى لم يقرأ الزعماء· ثم حينما غزا صدام حسين الكويت عام 1990 رأى قسطنطين هزيمة أخرى قادمة، فكتب ''دروس النكبة مثلثاً''· وكانت هذه الأخيرة في نظره الأشد قسوة على الحلم العربي القومي في القرن العشرين، لأن العرب سينفرط عقدهم، فضلاً عن أن الوحدة العربية قد أصبحت بعد هذا الغزو بعيدة المنال، فإن الأقطار العربية نفسها، قد لا تستطيع المحافظة على وحدتها الوطنية· وأذكر أن الرجل في آخر زيارة له للقاهرة حيث كانت إحدى كريماته، د· هدى زريق تعمل، تبادلنا حديثاً مؤثراً في شرفة شقتها المطلة على النيل· قال الرجل: ''يا سعد الدين·· لقد ناهزت الثمانين·· شهدت فيها، وكتبت عن ثلاث نكبات كبرى، وأرجو ألا أعيش لأكتب ''دروس النكبة مربعاً''·· وفي كل الأحوال·· يبدو أننا نحن العرب نستحق أن نباهي الأمم بإبداعنا علماً خاصاً بنا هو علم النكبات العربية''· رحل زريق عن عالمنا منذ بضع سنوات وفي ذلك رحمة به، فلو كان ما زال يعيش معنا في صيف 2007 لكتب عن ''دروس الجهنميات العربية''· فلدينا ''جهنم'' في لبنان، وجهنم آخر في العراق، وثالث في فلسطين، فضلاً عن جهنم السودان في دارفور، وجهنم الصومال· إن وصف ''جهنم'' لكل من هذه المشاهد، هو لأن من يعيشون فيها، وخاصة من نساء وأطفال، لا بد أنهم يتصورونها كذلك، فمع العنف والدمار والدماء والنار والفوضى، والهرج والمرج، وكل في ذُعر وهلع، يحاول أن ينجو بنفسه، لا بد أنهم يتذكرون الوصف القرآني البليغ ليوم ''الحشر، ''يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه'' (سورة عبس الآية 3734)· ولأننا لا يمكن أن نتناول كل هذه ''الجهنميات'' في هذا المقال سنقتصر على أخرها، أي الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني، الذي تصاعد بصورة غير مسبوقة في قطاع غزة، وتطور يومي الأربعاء والخميس، 13 و14 جوان، بسيطرة مقاتلي حماس على كل مواقع فتح وعلى مؤسسات وأبنية السلطة الفلسطينية، بما في ذلك مقر ومنزل الرئيس الفلسطيني محمود عباس وقد أنزل المقاتلون الأشاوس لحماس الأعلام الوطنية الفلسطينية (الأحمر والأبيض والأخضر) ورفعوا، بدلاً منها، أعلامهم هم (الخضراء)، كما أقاموا صلاة النصر على أعدائهم (مقاتلي فتح)! لقد كان المشهد غريباً على شاشات التلفزيون العربية والدولية، خاصة ومقاتلو حماس الملثمون، يسوقون أسراهم من مقاتلي فتح!· ولأن معظم شبكات التلفزيون العالمية كانت تعرض مشاهد حرب جوان 1967، ومنها لقطات مماثلة للأسرى المصريين، يسوقهم الجنود الإسرائيليون في سيناء، فقد أحسست أنا شخصياً بمرارة شديدة· وكنت قد كتبت منذ أسبوعين عن الجراح العميقة التي تركتها حرب جوان في جيلي قبل أربعين عاماً· (حرب الأربعين عاماً، ''المصري اليوم'' 9/6/2007)· نعم، كان المشهد هذه المرة ليس إسرائيليا عربياً، ولكن فلسطينيا ـ فلسطينيا· كل ما هنالك أن فريقاً منهم ادعوا أنهم هم ''المؤمنون''، وأنهم انتصروا على الفريق الفلسطيني الآخر من ''الكفار''! فيا لفرحة إسرائيل، وهي تشهد كما شهدنا، الفلسطينيين ''الحمساويين''، يقاتلون ويأسرون الفلسطينيين ''الفتحاويين''· لقد حمدت الله أن مؤرخنا الكبير قسطنطين زريق رحل عن عالمنا قبل أن يأتي هذا المشهد العبثي المأساوي· إن عبثية ومأساوية المشهد الفلسطيني الحالي هو أن البقية الباقية من فلسطين، والتي لا تتعدى 30% من الوطن الأصلي، على وشك أن تنشطر إلى دويلتين، إحداهما في غزة تحت سيطرة حماس، والثانية في الضفة الغربية تحت سيطرة فتح· وقد شرعت كل منهما تصفي وجود الآخرين من الفريق المنافس، وتقوم بتطهير منطقتها من أي وجود للخصوم· إن مسلسل الانقسام الفلسطيني هو ما نبهنا إلى قرب حدوثه، قبل ثلاثة أسابيع، ينذر بألا يتوقف عند هذا الحد· فقد تنقسم غزة إلى شمال وجنوب· وقد تنقسم دويلة الضفة إلى عدة كانتونات، رام الله، والخليل، ونابلس، وطولكرم، وجنين، وهلم جرا· إن الكابوس المزعج لم يعد الهيمنة الإسرائيلية أو الأمريكية، وإنما استمرار الاقتتال الفلسطيني ـ الفلسطيني· وكما يقول علماء الاجتماع السياسي أن أبشع أنواع الصراع هو الأهلي· فإذا تدهور ذلك إلى صراع مسلح، فإنه يصبح ''قتال أخوة''، مثل قتال هابيل وقابيل، في أساطيرنا الدينية، الذي يمكن أن يتحول إلى صراع أبدي· فكل طرف في الصراع لا يكف عن الشك والكراهية والرغبة في الانتقام من الطرف الآخر· وكل سلوك لطرف ينظر إليه الطرف الآخر نظرة ريبة وشك وتهيؤ للانقضاض على الطرف الآخر· وهكذا إلى أبد الآبدين· وها هي حماس تقتل كل من تصادفهم من مقاتلي فتح في غزة، وها هي فتح تقتل كل من تصادفهم من مقاتلي حماس في الضفة الغربية· وها هو الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، يقيل رئيس الوزراء الحمساوي، إسماعيل هنية، ويعين رئيس وزراء آخر، هو سلام فياض، ويعتبر ما حدث في غزة انقلاباً على الشرعية· ومن ناحيتهم لم يوافق لا إسماعيل هنية ولا زملاؤه في حماس على قرارات عباس، ويتمسكون بمواقعهم في غزة· ويبدو الأمر كله للمواطنين العرب خارج فلسطين غير مفهوم، وكأنه قتال على ''فتات''· ويبدو وزراء الخارجية العرب، الذين اجتمعوا في القاهرة، أخيرا لإطفاء الحريق بلا حول ولا قوة· فأصدروا بياناً لا يقدم ولا يؤخر، وحاولوا موازنة ما لا يمكن موازنته بين حماس وفتح· فقد سبق أن أكد زعماء الحركتين بأن ''الدماء'' الفلسطينية خط أحمر لا يمكن اختراقه، وأن ''الوحدة الوطنية'' خط أحمر، وأن ''الشرعية'' خط أحمر· وقد اخترقت الحركتان الخطوط الحمراء جميعاً، ومزّقتها وتمرغت بها حتى الثمالة· وكما ظهرت حماس لتتحدى فتح، فقد ظهرت حركتان أخريان تتحديان حركة حماس· وهكذا يبدو أننا بصدد سيناريو أفغاني في غزة· فليس للتطرف ولا للغلوّ نهاية· لقد قام الطغاة العرب بارتهان ثلاثمائة مليون عربي إلى أن تحل القضية الفلسطينية (حيث لا ينبغي أن يعلو صوت فوق صوت المعركة)· وها نحن بصدد غلاة عرب يرتهنون ما تبقى من فلسطين تحت شعار أن ''الإسلام هو الحل''· وقد كذب الطغاة والغلاة، فعليهم اللعنة أجمعين· * مدير مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية ، ورئيس مؤسسة الديمقراطية في الوطن العربي ،وعضو مجلس أمناء مركز الكواكبي الدولي [email protected] نقلا عن الخبر الجزائرية عدد الخميس28/06/2007
التعديل الأخير تم بواسطة محمد عبد الكريم ; 29-06-2007 الساعة 05:25 PM