حقيقة لا يمكن دفنها·· وموت لا يمكن الفرار منه
21-05-2009, 11:36 PM
مقدمة الناقل : هذا المقال بمثابة تعليق عن مقال سابق، تساءل
فيه عن سر التستر عن مكان ميلاد رئيس الجمهورية، مستغربا العقلية الرسمية في تسترها عن مكان ميلاده، الذي لا عيب و لا ذنب للرئيس فيه و ليس معيار تقييم لمسؤولياته
------------------------------------
·· بالتأكيد لم يكن الهدف والغرض من ''خربشة'' الأسبوع الماضي التشكيك لا في ''أصل'' ولا ''وطنية'' فخامة الرئيس، بقدر ما كان مجرد تساؤل من مواطن بسيط لم يفهم·· ولم يستطع أن يفهم ''سر'' التستر على هذا السر الذي يعرفه كل الناس، من طرف وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمكتوبة والإلكترونية الرسمية وغير الرسمية المتخصصة في الترويج لإنجازاته وامتداح عبقريته وحتى نفحاته·

·· لقد كان وسيبقى تساؤلا مشروعا·· لماذا يتحرج فخامته والذين معه ومن حوله ومن تحته من ذكر وتسمية مكان ميلاد فخامته·· لماذا تستروا ويتسترون على ذلك؟·· لماذا لا يريدون أن نعرف ذلك؟·· لماذا هذا السلوك الأخرق في زمن الأنترنت والطرق السريعة للمعلومات؟·· أنا ومن هنا··· وكمواطن أتساءل عن نوع وحجم الثقة التي يمكن أن تكون و''تبنى'' بين رعية وحاكم وحاشيته يخفي أو يخفون أبسط شيء يجب أن يعرفه أي شعب عن حاكمه··· ألا وهو·· مكان ميلاده! لقد كتبنا وقلنا بأنه لا أحد يستطيع أن يحاسب أو يحاكم أيا كان على مكان وتاريخ ميلاده·· لأن الأمر سيكون في غاية الغباء والسخف والحمق لأنه لا أحد يستطيع تحديد المكان والتاريخ الذي سيأتي فيه إلى هذه الدنيا وهذا العالم·

·· إذن لم يكن الهدف والغرض مما قيل الأسبوع الماضي التشكيك لا في أصل ولا في وطنية فخامة الرئيس، فلو أردنا أن نفعل ذلك لقمنا بإعداد قائمة بأسماء كل المسؤولين الذين مروا على مناصب المسؤولية في الجزائر·· قائمة بأسماء الذين ولدوا في المغرب و''تمسألوا'' (يعني أصبحوا مسؤولين) في الجزائر··· والذين ولدوا في تونس و''تمسألوا'' في الجزائر·· ولكن وكما هو معروف فالعبرة ليست بمكان الميلاد وإنما العبرة بالأفعال والأعمال·· أين كنت عندما كان البلد يقاسي وفي حاجة إليك؟··· وماذا فعلت وقدمت لهذا الشعب ولهذا البلد عندما منحك المسؤولية والمنصب والسلطة؟·· أعتقد أن الإجابة عن هذين السؤالين هي التي تحدد وترسم معالم وتفاصيل ''الجزائري الحقيقي'' و''الجزائري المزيف''·

·· لست من دعاة الفتنة·· ولا عنصريا·· ولا جهويا·· كما اتهمني البعض·· خاصة من أولئك الذين نصبوا أنفسهم حماة لمعبد ''الوطنية'' وحراس هيكل ''الثورة'' والمدافعين عن رموزها·· أنا لست كذلك·· لست عنصريا ولا من دعاة العرقية والجهوية والعروشية، لسبب بسيط وهو أن جيلي لا يؤمن بكل ذلك!

·· ولكن دعونا نتوقف قليلا عند هذه الحادثة التي قد تكون ردا كافيا على من اتهمني من حماة ''معبد الوطنية'' وحراس ''هيكل الثورة'' والمدافعين عن رموزها·

*****

في منتصف شهر أفريل الماضي تسللت سيارة إلى أحد أحياء برج البحري، شرقي العاصمة، وتقدم سائق السيارة من شرطي كان يقف عند أحد الحواجز وسأله: ''من فضلك·· وين يسكن سي ياسف سعدي؟'' وكان رد الشرطي: ''أشكون ياسف سعدي هذا''!·· تاه السائق والصحفيون الثلاثة الذين كانوا رفقته بين المنازل والفيلات ولم ينقذهم إلا هذا الرجل الذي يصفونه بـ''شهبندر المجاهدين'' و''جينرال القصبة''، بعد أن اتصلوا به وخرج هو شخصيا لنقلهم إلى مكان إقامته·

·· في ذلك الحوار تحدث ''سي ياسف سعدي'' عن معركة الجزائر طبعا·· وعن بن مهيدي وكيف خطط لاختطاف زوجة الجينرال ''ماسي'' بعد إلقاء القبض على بن مهيدي··· وعن سبب عدم إعدامه مثلما فعلت فرنسا مع قائده بن مهيدي·· كما قال رأيه في فيلم ''بن بولعيد·· أسد الجزائر''··· وفي قضية المجاهدين المزيفين·· كما كان الحوار واللقاء فرصة ليرد على تهمة تبليغه عن مكان اختباء ''علي لابوانت'' ومن كان معه·· في تلك الدردشة تحدث ''سي ياسف سعدي'' عن صديقه و''حبيبو'' عبد العزيز بوتفليقة الذي وصفه بـ:''المتواضع، الشعبي والفصايري وناس أملاح''·· كما تحدث عن شخص آخر·· عن رجل آخر·· هو صديق وحبيب بوتفليقة بزاف·· بزاف··· ألا وهو ''سي أحمد بن بلة''·· لكن ''سي ياسف سعدي'' كان له رأي آخر ومخالف لرأي صديقه بوتفليقة في بن بلة·

·· ولسبب ما اختار المحاورون أن يبدأوا حديثهم بطرح سؤال عن علاقة ''سي ياسف'' بـ''سي أحمد بن بلة''·· ليتفاجأ السائلون برد فعل سي ياسف وهو يجيب بعفويته المعروفة: ''·· بن بلة؟!·· لا أحب هذا الرجل·· أنا الذي جئت به من تونس·· ألبسته البرنوس وأدخلته العاصمة في موكب يشبه الديفيلي دومود (عرض أزياء)·· أنا الذي ذهبت إلى الحدود التونسية والتقيت ببومدين وبوتفليقة، وطمأنتهم على الوضع في العاصمة، ثم أمّنت لهم الدخول إليها، والإقامة في بيت شقيق زوجتي في القصبة''·· ويفصّل سي ياسف كلامه أكثر: ''·· كنت حينها من الذين رأوا في بن بلة رئيسا قادرا على قيادة الجزائر المستقلة من منطلق الشرعية ''الشبابية'' (؟!) التي اكتسبها·· بن بلة للأسف اغتر و''تفرعن'' رغم أنه لم يعش ظروف الحرب التي عاشها أبطال الثورة الحقيقيون··· كان بلة ''يتنعنع'' في مقاهي تونس ويضع رجلا على رجل، في الوقت الذي كان الرصاص يزغرد فوق رؤوسنا في القصبة··· فلتسألوا بن بلة، أين أموال صندوق التضامن، وأين هي كل حلي أمهاتنا وجداتنا اللواتي أفرغن سررهن في حجر بن بلة بعد الاستقلال''··· ونأتي إلى بيت القصيد كما يقولون''··

''·· بن بلة·· أو دعني أسميه ''مزياني'' وهو اسمه الحقيقي الذي يبيّن أصوله المغربية·· خان ثقتنا جميعا'' (1) !!

ليست هذه المرة الأولى التي ينعت فيها بن بلة بهذه الصفة، فقد سبق أن اتهمه أحمد عبان (أحد أفراد عائلة عبان رمضان) بأنه (سي بن بلة) ''ليس جزائريا'' (2)! ·· أما أرملة عبان فقد ذهبت أبعد من ذلك عندما وصفته بـ''الحمار المبردع''·· أما خليدة تومي فقد وصفته، وطبقا لما جاء في أسبوعية ''السفير'' بـ''كلب وجدة''!·· على فكرة·· وجدة هي المدينة التي وُلد فيها فخامة رئيس السيدة الوزيرة!

·· ثم ماذا لو عدنا قليلا إلى الوراء··· إلى فتر ة الحكم العثماني مثلا··· وتحدثنا عن أولئك ''العبيد'' الذين أصبحوا حكاما وسلاطين في هذه البلاد؟ إنه موضوع طويل قد نعود إليه ذات يوم·

عندما يقترب موعد الرحيل الأخير

·· كلنا سنموت
·· كاتب هذه السطور ··
·· وقارئ هذه السطور سيموت
·· وبوتفليقة·· رئيس الجمهورية·· سيموت
·· والجينرال توفيق·· تاع المخابرات·· سيموت
·· وأحمد أويحيى·· تاع الحكومات·· سيموت
·· بلخادم·· تاع الأفالان ·· سيموت
·· وسلطاني أبو جرة·· تاع حمس·· سيموت
·· ولويزة حنون·· تاع العمال·· ·· ستموت
·· وخالد نزار·· تاع توقيف المسار الانتخابي·· سيموت
·· وعباسي مدني·· تاع الفيس·· سيموت
·· ومحمد العماري·· تاع قيادة الأركان·· سيموت
·· وبن بوزيد·· تاع التربية والتعليم·· سيموت
·· وخليدة تومي·· تاع الثقافة ·· ستموت
·· وحمراوي حبيب شوقي·· تاع التلفزيون·· سيموت
·· ومحيي الدين عميمور·· تاع مجلس الأمة والكتابة·· سيموت
·· وخالد بونجمة·· تاع التنسيقية·· سيموت
·· والطيب الهواري·· تاع أبناء الشهداء·· سيموت
·· وروراوة·· تاع السبور والفوتبال·· سيموت
·· والحاجة الزهوانية·· تاع الشطيح والرديح·· ستموت
·· ومولود حمروش·· الطامع في الرئاسة·· سيموت
·· وعلي جري ··''تاع الواحد تاع لوحايد''·· سيموت
·· وكل الذين أتذكرهم ·· سيموتون
·· وكل الذين نسيتهم·· سيموتون
·· وكل الذين لم يعجبهم هذا الكلام·· سيموتون
·· وكل الذين أعجبهم هذا الكلام·· سيموتون
·· وكل من يفكر في مقاضاتي·· سيموت
·· والقاضي الذي سيحكم في القضية·· سيموت
·· وكل الذين سيحضرون الجلسة·· سيموتون
·· وحتى الملك المكلف بقبض جميع الأرواح·· هو أيضا سيموت!

·· إذن وانطلاقا من هذه الحقيقة المرعبة، والتي ليس فيها أي تفلسف ولا تنفع معها أية فلسفة، وانطلاقا من هذا ''القانون الإلهي'' بالنسبة للمؤمنين·· والقانون الطبيعي بالنسبة للملحدين·· نستطيع أن نقول بأن ''سي العربي بلخير''، السفير ومدير الديوان بالرئاسية ووزير الداخلية والجينرال وصانع الرؤساء ورؤساء الحكومات والوزراء والسفراء والولاة و·· و·· هو أيضا سيموت لا محالة·· كلنا سنشرب من نفس الكأس المرة!
لماذا أقول هذا الكلام؟·· إنني أقول كل هذا لأنني لم أفهم ولا أفهم سر كل هذا ''الاهتمام''، إن صح التعبير، الذي توليه الساحة السياسية والإعلامية وحتى الشعبية، لموضوع مرض وموت سي العربي بلخير!

·· فشخصيا سمعت أكثر من مرة، ولكي أكون دقيقا، أقول ثلاث مرات·· بأن قبر الرجل قد حفر في مقبرة العالية·· وبأن الرجل ينام في كفنه ولا ينتظر إلا الإعلان الرسمي عن انتقال سي العربي إلى ''الرفيق الأعلى''··· وفي كل مرة يتضح بأن الرجل لا زال حيا ولم ينته بعد!
·· خلال الشهر الماضي ملأت الشائعات التي تتحدث عن هذا الموضوع، موت سي العربي، البلد من شرقه إلى غربه·· ومن شماله إلى جنوبه·· إلى درجة دفعت وحتمت على أسرة المعني أن تلجأ إلى الصحافة لتنشر بيانا لتخرس به هذه الشائعات التي وصفتها بـ''Fantaisistes'' (الخيالية والوهمية) و''Malveillantes'' (العدائية)·· وفي تصريح، والأصح، في اتصال بالمريض شخصيا·· قال سي العربي بلخير: ''أنا الآن في فترة نقاهة، بعدما خرجت من أحلام مزعجة·· هذه هي سنة الحياة''··· بالفعل·· هذه هي سنة الحياة·· فلا الشائعات ''Fantaissistes'' و''Malveillantes''، على حد وصف أسرته، ولا ''فترة النقاهة'' و''الأحلام المزعجة''، على حد وصفه، ستؤخر أو تمنع عنه الموت·· لأن من سنة الحياة·· الموت!
·· فبعد صحة أو مرض·· أو بعد عمر قصير أو طويل·· الموت سيغيّبه كما غيّب ويغيّب كل البشر وكل ما هو حي·· لكن يبقى السؤال الأهم هو·· ماذا بعد الموت؟·· ماذا بعد أن يختفي الرجل وتتحرر الألسنة؟ ·· وماهي ''الأسرار'' المدفونة التي ستطفو فوق سطح الحقيقة؟·· وإذا كان أهل المريض محاصرين اليوم بأقذر الشائعات، فماذا سيفعلون غدا عندما يواجهون بالحقائق؟ خاصة لو كانت هذه الحقائق مرعبة ومروعة؟! ؟

الهوامــــــــــــش
(1) ''الفجر''، 9 أفريل 2009
(2) liberté 2002/12/26
(3) liberté 07 نوفمبر 2002
(4) أسبوعية ''السفير'' عدد (128)

بقلم: المواطن علي رحالية

[email protected]

"ضياء القلب هو العلوم الدينية، ونور العقل هو العلوم الحديثة، فبامتزاجهما تتجلّى الحقيقة، فتتربّى همة الطالب وتعلو بكلا الجناحين، وبافتراقهما يتولد التعصب في الأولى والحيل والشبهات في الثانية"لبديع الزمان سعيد النورسي رحمه الله.