مطارح الفكر ومسارح النظر
17-05-2009, 09:22 PM
بسم الله الرحمان الرحيم
مطارح الفكر ومسارح النظر
الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده.
أما بعد؛
بعض المسلمين عنده حساسية اتجاه المصطلحات، وهي حساسية لا تمت للعلم بصلة، و إنما هي مورث عن بعض الناس، الذين ينسبون عجزهم للسنة، وهذه المسألة تحتاج إلى مقدمة مختصرة ثم نجيب بما يليق و نقدر:
1 ـ دلالة الاقتران تقتضي المغايرة، فإذا قرنت بين العلماء و المفكرين في جملة، فهذا يعني مغايرة في المعنى، ويعني كذلك أن هذا الدور يقوم به أصناف عدة:
العلماء و المفكرون و السياسيون و الإعلاميون، و حصر الدور في العلماء مشكلة عويصة، ولكن بعض المسلمين لا يفرق بين مصطلح العلماء و مصطلح المفكرين، وربما يجد غضاضة و حرج من مصطلح "مفكرين"، ويعتقد أنه من مصطلحات العصرية ، فنحن نهجر المصطلحات الصحيحة ونتركها لغيرنا قد يقوض معانيها على ما يشاء، ثم نزعم أنها مصطلحات الفلاسفة أو العقلانيين، وهذا وقع في مصطلح كثيرة كمصطلح: فقه الواقع.
2 ـ موقف أهل السنة من المصطلحات.
موقف السلف من الأدلة العقلية و المصطلحات المتجددة:
بيان حاجة الناس في التخاطب إلى فهم المصطلحات:
مما لا شك فيه أن عدم ضبط المصطلحات التي يتخاطب بها الناس مما يقف عائقا أمام التواصل بينهم، والتخاطب والتناظر والتجادل، فإذا كان لكل مصطلحه، أو كل يقصد من المصطلح معنى لا يقصده الآخر، فقد يتعذر التفاهم بين الناس، و أهل السنة والجماعة لم يزالوا يتناظرون فيما بينهم مذاكرة ومنا صحة، ومع غيرهم دعوة و إرشادا.
ولا يخفى مدى انتشار المصطلحات الكلامية والفلسفية والسياسية و الثقافية و غيرها في مباحث العقيدة[1]، و السياسة و الاجتماع، وصعوبة إدراك المرامي منها، لعدم إدراك الأسس التي بنيت عليها هذه المصطلحات ، فعدم معرفة الكلام وما يعتمد عليه ،ومختلف مسالكه، ومشاربه، يصعب من مهمة فهم مصطلحا ته .
كذلك عدم معرفة ثقافة الغير و لغته يصعب من التخاطب معه و الرد عليه.
والمسلم فيما يخص معرفة عقيدته وفكره من الكتاب والسنة[2]، لا يحتاج أبدا إلى معرفة المصطلحات الكلامية والفلسفية و الثقافية المعاصرة، لأن الشرع لم يبن أحكامه عليها، ولا قصدها في أي جزئية من جزئيات أحكامه، بل لم يوقف عليها الحقائق مقاصد و مسائل، وهذا أمر ظاهر، ولكن بالنسبة للذي يريد المناظرة والمجادلة، والذي يريد الدعوة و الإرشاد، ومناقضة المبتدعة، والرد عليهم، فإن معرفة هذه المصطلحات أمر جوهري لا يمكنه أداء هذه الرسالة، وتوصيل الحق، وبيان مراد الشارع إلا بضبطها، ومعرفة مداخلها ومخارجها، وعليه، لا يجب الخلط بين الأمرين، وتنزيل كلام السلف على ضوء هذا التفصيل، فذمهم لها من أجل عدم حاجة الكتاب والسنة إليها، وكونها تحمل كثيرا من الباطل كما سنبينه لاحقا، لا لكونها متجددة، أو محدثة، قال شيخ الإسلام في " المجموع"{190/3}:
"وهذا التقسيم ينبه ـ أيضا ـ على مراد السلف والأئمة بذم الكلام و أهله، إذ ذلك يتناول لمن استدل بالأدلة الفاسدة، أو استدل على المقالات الباطلة، فأما من قال الحق الذي أذن الله فيه حكما ودليلا، فهو من أهل العلم والإيمان، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل."
فاستعمالها يكون من جهة أخرى، هو حاجة التخاطب بها مع من لا يحسن إلا إياها، ولا يفهم إلا بها، ولكن هنا يكمن تفصيل يجب ضبطه ومراعاته كثيرا:
وهو أن بعض الناس قام بشرح المصطلحات الكلامية والفلسفية و الاجتماعية و السياسية وغيرها، ، ولكنه شرحها بما كتبه أهلها فقط،لم يشرحها بما يقابلها من معان شرعية عند أهل السنة، وهنا مكمن الخطأ.
فيأتي إلى مصطلح فكر و مفكر و يحمله على مقاصد من أكثروا من استعماله لا يرده إلى الشره فيفرق بين المعاني الصحيحة و المعاني الفاسدة.
ذلك أن المصطلح يتعلق به جانبان من البحث العلمي:
الجانب الأول: وهو البحث فيه من حيث مطابقته للغة المستعملة عند العرب، هل يطابقها، ويدل على ذات المعنى عند العرب؟، أم أن اللفظ عربي والمعنى يوناني أو فارسي أو هندي[3]، وهل المعنى الذي يدل عليه هذا المصطلح يوافق ما يدل عليه الكتاب والسنة أم يخالفه؟
وهذه تسمى المصطلحات المولدة.
فهنا البحث في المصطلح من حيث مطابقته للحقيقة اللغوية، والحقيقة الشرعية، وعلى أساس هذا الجانب يستخدم المصطلح.
الجانب الثاني:مطابقة هذا المصطلح للحقيقة العقلية، بمعنى هل يوافق معناه وما رتب من أجله الحقيقة الخارجية، أم أنه مجرد تصور ذهني لا وجود، ولا تحقق له في الخارج ؟، فإن كان لكل أهل فن مصطلحهم، ولا مشاحة في المصطلح، لكن باعتبار هذه الجوانب وليس بإطلاق، فالمصطلح الذي لا يتوافق مع الحقيقة اللغوية، أو لا تكون الحقيقة اللغوية أساسه وبنيته الأولية، أو لا يتوافق والشرع، أو مع الحقيقة العقلية ففيه مشاحة عظيمة، بل رده من رد الباطل، وقبوله من قبول الباطل.
فإن كانت بعض المصطلحات غير خاضعة لهذه الضوابط ككثير من مصطلحا ت علم الحديث، أو أصول الفقه لأنها تعبر عن صناعة خاصة لا ترتبط بالدين مباشرة، فالاختلاف حولها قليل التأثير على الأحكام الدينية كاختلافهم في تعريف "الشاذ"، و"المنكر"، لأن كون الشاذ هو بهذا التعريف عند هؤلاء، و بتعريف آخر عند غيرهم، الحكم فيه يعود إلى أصحاب الصناعة، أي:قدماء المحدثين هم من يحدد ماهو الحديث الشاذ؟
أما المصطلحات الكلامية والفلسفية و السياسية و الثقافية فهي نوع آخر إذ مجرد المصطلح ـ بغض النظر عن استعمالاته ـ عقيدة وفكر في نفسه أي: يحمل تصورا عقديا وفكريا هو إما حق و إما باطل، كما سنبينه بعد قليل بأمثلة عملية.
فالجانب الأول من النظر في المصطلحات هو: هل هي حق؟ ، هل هي تصور صحيح؟ ولذلك تجد شيخ الإسلام يناقش المخالفين في معاني هذه المصطلحات، ويبين أنها قوالب لباطلهم وبدعهم، و أنها باطل يجب رده.
الجانب الآخر وهو أقل أهمية من الجانب الأول: استعمال هذه المصطلحات عند أصحابها، فمنهم من يقصد منها معنى لا يقصده الآخر، أو أنهم يريدون منها في باب معنى، وفي باب آخر معنى آخر، ولذلك فإن الذين يردون هذه المصطلحات بإطلاق لم يقضوا شيئا، و لم يميزوا بين الحق والباطل فيها، ولا أدركوا مقاصد أصحابها.
بيان موقف السلف من استعمال المصطلحات عند الضرورة:
قال شيخ الإسلام في " المجموع"{190/3}:
" و أما مخاطبة أهل اصطلاح باصطلاحهم ولغتهم فليس بمكروه إذا احتيج إلى ذلك وكانت المعاني صحيحة ـ كمخاطبة العجم من الروم والفرس والترك بلغتهم وعرفهم، فإن هذا جائز حسن للحاجة.
و إنما كرهه الأئمة إذا لم يحتج إليه، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لأم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص ـ وكانت صغيرة ولدت بأرض الحبشة، لأن أباها كان من المهاجرين إليها فقال لها ـ:" يا أم خالد هذا سنا" [4]، والسنا بلسان الحبشة : الحسن ، لأنها كانت من أهل هذه اللغة ،وكذلك يترجم القرآن والحديث لمن يحتاج إلى تفهيمه إياه بالترجمة ، وكذلك يقرأ المسلم ما يحتاج إليه من كتب الأمم وكلامهم بلغتهم ويترجمها إلى العربية ، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم زيد بن ثابت أن يتعلم كتاب اليهود ليقرأ له ، ويكتب له ذلك حيث لم يأمن من اليهود عليه، فالسلف والأئمة لم يكرهوا الكلام لمجرد ما فيه من الاصطلاحات المولدة كلفظ " الجوهر" و " العرض" و " الجسم" وغير ذلك ، بل لأن المعاني التي يعبرون عنها بهذه العبارات فيها من الباطل المذموم في الأدلة و الأحكام ما يجب النهي عنه للاشتمال هذه الألفاظ على معان مجملة في النفي والإثبات {...} فإذا عرفت المعاني التي يقصدونها بأمثال هذه العبارات، ووزنت بالكتاب والسنة، بحيث يثبت الحق الذي أثبته الكتاب والسنة، وينفي الباطل الذي نفاه الكتاب والسنة، كان ذلك هو الحق، بخلاف ما سلكه أهل الأهواء من التكلم بهذه الألفاظ نفيا و إثباتا، في الوسائل والمسائل، من غير بيان التفصيل والتقسيم الذي هو الصراط المستقيم، وهذا من مثارات الشبهة {...} فأما إذا عرف المعاني الصحيحة الثابتة بالكتاب والسنة، وعبر عنها لمن يفهم بهذه الألفاظ ليتبين ما وافق الحق من معاني هؤلاء وما خالفه فهذا عظيم المنفعة، وهو من الحكم بالكتاب بين الناس فيما اختلفوا فيه، كما قال تعالى:{ كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه}البقرة، {..} وذلك يحتاج إلى معرفة معاني الكتاب والسنة، ومعرفة معاني هؤلاء بألفاظهم ثم اعتبار هذه المعاني بهذه المعاني ليظهر الموافق والمخالف."
وقال أيضا{66/4}:
" ولا ريب أن الألفاظ في المخاطبات تكون بحسب الحاجات، كالسلاح في المحاربات فإذا كان عدو المسلمين في تحصنهم وتسلحهم على صفة غير الصفة التي كانت عليها فارس والروم، كان جهادهم بحسب ما توجبه الشريعة التي مبناها على تحري ما هو لله أطوع وللعبد أنفع، وهو الأصلح في الدنيا والآخرة، وقد يكون الخبير بحروبهم أقدر على حربهم ممن ليس كذلك، لا لفضل قوته وشجاعته ولكن لمجانسته لهم، كما يكون الأعجمي المتشبه بالعرب ـ وهم خيار العجم ـ أعلم بمخاطبة قومه الأعاجم من العربي وكما يكون العربي المتشبه بالعجم ـ و هم أدنى العرب ـ أعلم بمخاطبة العرب من العجمي."
قال شيخ الإسلام بيانا لهذه المعاني في كتابه القيم " الصفدية "{291/1}:
"وكان السلف ينكرون التأويلات التي تخرج الكلام عن مراد الله ورسوله، التي هي من نوع تحريف الكلم عن مواضعه، فكانوا ينكرون التأويل الباطل الذي هو التفسير الباطل، كما ننكر قول من فسر كلام المتكلم بخلاف مراده، وقد ينكرون من التأويل الذي هو التفسير مالا يعلم صحته، فننكر الشيء للعلم بأنه باطل أو لعدم العلم بأنه حق، ولا ينكرون ترجمة الكلام لمن لا يحسن اللغة، وربما أنكروا من ذلك مالا يفهمه المستمع أو ما تضره معرفته، كما ينكرون تحديث الناس بما تعجز عقولهم عن معرفته أو بما تضرهم معرفته، كما قال علي عليه السلام:" حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله "، وقال عبد الله بن مسعود:" ما من رجل يحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم".
وهذا قد تحمله الباطنية على مذهب النفاة المعطلة التي بينا فسادها{ أي:الذين يقولون ظاهر النصوص غير مراد و الأنبياء جاؤوا بطريقة تخييل المعاني العقلية في الصور المحسوسة لتفهيم العامة وسياستهم و أن الأمر في الحقيقة على خلاف ذلك } و الأمر على نقيض ذلك، فإن قوله:" أتحبون أن يكذب الله ورسوله " دليل على أن ذلك قد قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يسكت عنه ."[5]
وقال أيضا { 293/1}" الصفدية ":
" و إنما جماع الشر تفريط في حق أو تعدي إلى باطل، وهو تقصير في السنة أو دخول في البدعة، كترك بعض المأمور وفعل بعض المحظور، أو تكذيب بحق وتصديق بباطل.
ولهذا عامة ما يؤتى الناس من هذين الوجهين، فالمنتسبون إلى أهل الحديث والسنة والجماعة يحصل من بعضهم كما ذكرت تفريط في معرفة النصوص أو فهم معناها أو القيام بما تستحقه من الحجة ودفع معارضها، فهذا عجز وتفريط في الحق، وقد يحصل منهم دخول في باطل: إما في بدعة ابتدعها أهل البدع وافقوهم عليها واحتاجوا إلى إثبات لوازمها، وإما في بدعة ابتدعوها هم لظنهم أنها من تمام السنة كما أصاب الناس في مسألة كلام الله وغير ذلك من صفاته.
ومن ذلك أن أحدهم يحتج بكل ما يجده من الأدلة السمعية و إن كان ضعيف المتن والدلالة، و يدع ما هو أقوى و أبين من الأدلة العقلية، إما لعدم علمه بها، و إما لنفوره عنها، و إما لغير ذلك، و في مقابلة هؤلاء من المنتسبين إلى الإثبات بل إلى السنة و الجماعة أيضا، من لا يعتمد في صفات الله على أخبار الله ورسوله، بل قد عدل عن هذه الطريق وعزل الله ورسوله عن هذه الولاية، فلا يعتمد في هذا الباب إلا على ما ظنه من المعقولات."
قلت: فإذا كان السني السلفي يعتقد بجزم أن المعقولات الصريحة لا تناقض المنقولات الصحيحة، لم يجز له مخاصمة أو عزل هذه أو تلك، فإن خالف النص المعقولات الصحيحة فقد يكون الخلل في فهمه هو، وليس في النص، فإن أكثر الغلط في هذا الباب أن يجعل ما ليس بمعقول معقولا للاشتباه الأمر و دقة المسائل، فالمطالب الإلهية دل عليها القرآن والسنة بالأدلة العقلية والبراهين اليقينية، ومن هذه الجهة فهي كذلك نقلية أي: إن الأدلة العقلية التي أرشد إليها القرآن والسنة هي كذلك نقلية، و كونها نقلية لا يمنع أنها عقلية، و إذا كانت الأدلة من الكتاب والسنة نقلية عقلية، علمنا أن المنقولات الصحيحة عن المعصوم لا تتناقض، و علمنا أن المعقولات الصريحة لا تتناقض كذلك، فإن العقل الصريح من طرق الهداية التي زود الله بها الإنسان ليعلم الحق، ويفهم الوحي، ويتبع الكتاب، ولم يزوده به ليخالف ما جاءت به الأنبياء.
وعليه فكل ما خالف نصوص الكتاب والسنة مما يسمى بالعقليات و الفكر، فليس هو العقل الفطري الصحيح الذي منحه الله الإنسان، و إنما هو العقل المركب من الشبهات والشهوات التي أوحتها الشياطين لبني البشر، فيلزم عدم عزل العقل والفكر، ولا الخوف منه، ولا التردد في استعماله بعد معرفة الكتاب والسنة، إذ عزل العقل و الفكر و النظر عزل للوحي وللشرع.
المهم أن لا يخوض الإنسان فيما لا يفهم، ولكنه كذلك عليه أن لا يعارض من خاض فيما يفهم لأنه هو لم يفهم، فيكون من الصادين عن الحق، بل عليه أن يسترشد، و إذا استشكل عليه شيء، و اشتبه عليه مأخذ المسألة استعان بالله و استهداه و دعاه، وأظهر فقره إليه مستيقنا هذه الحقيقة، وهو إن الذي أنزل الوحي هو الذي وهب العقل و الفكر و النظر، فأتباع الوحي هم أهل العقل والفكر و النظر على الحقيقة، فكل من يناقض المبتدعة في بعض لوازمهم دون أن يفهم هذه اللوازم قد يناقض الحق، فمثل هذا يبني نقضه لهذه اللوازم ويفترضها من الباطل لأنها صادرة عن صاحب الباطل، والقسطاس المستقيم الذي جاء به القرآن أن ينظر في الأقوال ذاتها فما كان حقا قبله، وما كان باطلا رده، لا يرد الكلام أو يقبله لأن الأول قاله سني والثاني قاله إخواني ، فهذا من الهوى وتحكيم الهوى، ذلك أن السني إذا أخطا لم يخرجه ذلك من السنة، و المبتدع إذا أصاب لم يدخله ذلك في السنة، ويعلم الناس و أهل العلم خاصة أن ما من فرقة إلا ومعها بعض الحق تخلطه بباطلها إلا أهل السنة فليس معهم إلا الحق، و لكن هذا لجملتهم وعمومهم لا لمعينهم، فالحق لا يخرج عنهم أبدا.
قال شيخ الإسلام في " المجموع"{80/13}:" والسلف لم يذموا جنس الكلام، فإن كل آدمي يتكلم، ولا ذموا الاستدلال والنظر والجدل الذي أمر الله به ورسوله، والاستدلال بما بينه الله ورسوله، بل ولا ذموا كلاما هو حق، بل ذموا الكلام الباطل، وهو المخالف للكتاب والسنة، وهو المخالف للعقل أيضا وهو الباطل، فالكلام الذي ذمه السلف هو الكلام الباطل، وهو المخالف للشرع والعقل."
إذا فمعرفة معاني ما يتكلم به المبتدعة، وكونه يوافق معاني الكتاب و السنة أو يخالفها ضروري لبيان مراد الله ورسوله، وتوصيله للناس، و إقامة الحجة، و إظهارها بالشكل المطلوب شرعا.
فنحن نذم العقل الفاسد و النظر الباطل و الفكر المذموم لا نذم جنس العقل و جنس النظر و جنس الفكر.
ضوابط استعمال المصطلحات:
على أن ذلك يكون وفق ضوابط حددها الشرع نجملها فيما يلي:
لقد ضبط الكتاب والسنة الخوض في العلم خاصة العلم الإلهي بضوابط علمية و أخلاقية هامة تلزم جميع المسلمين، وتحفظ للأمة دينها بسد الطريق أمام أدعياء العلم من المبتدعة و أنصاف العلماء، والجهال منها:
الضوابط الأخلاقية:
ـ النهي عن القول على الله بلا علم:{ قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق و أن تشركوا بالله مالم ينزل به سلطانا و أن تقولوا على الله مالا تعلمون} «الأعراف"، وقوله تعالى:{ ولا تقف ما ليس لك به علم } "الإسراء".
قلت: ولا يخص هذا النهي الإثبات فقط، بل يعم النفي كذلك، فلا يجوز إثبات الحقائق إلا بالعلم كما لا يجوز نفيها إلا بالعلم، أقول هذا لأن كثيرا من الناس قد جعل عدم العلم علما، وعدم الدليل دليلا، دون تفريق بين المسائل التي يعد عدم الدليل السمعي فيها دليلا على عدمها، و بين المسائل التي عدم الدليل فيها ليس إلا عدم العلم وهو الجهل، فهذا الخلط تجده في بحوث كثير من علماء العصر المبتدعة، و من بعض طلبة العلم، ينفون بعض الحقائق لعدم علمهم بها، ويعدون عدم علمهم بها علما ودليلا على عدمها، كما هو موضح في ردنا على بعضهم.
فمن هؤلاء من سئل عن لفظ" الجوهر" فقال: ما كان ينبغي لابن تيمية أن يخوض في هذه المسائل، قال هذا ليغطي على جهله، فلو أنه قال: لا أدري ما ضره ذلك، لأن معرفة مصطلحات المتكلمين أمر زائد على الواجب، غير مطلوب شرعا، إلا من ابتلي بهم فعليه أن يحسن الرد عليهم ليكون انتصاره للكتاب والسنة حاسما، فلا يرد عليهم الردود الضعيفة التي تزيد من طمع المبتدعة في الصيال على النصوص.
و شخص لا تسمع منه كلمة لا أدري، أو لم أحرر هذه المسألة، أو ليس عندي علم بها، أو عهدي بها بعيد، أو الله أعلم قد فقد نصف العلم.
ومثل هؤلاء كثر قد خبرناهم و عرفناهم، جل علمهم نفي ما لا يعرفون، وهؤلاء يسممون الحياة العلمية للشباب، ويصدونهم عن سبيل الله، وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا.
ـ ومنها أن يقال على الله غير الحق، كقوله: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب ألا يقولوا على الله إلا الحق } "الأعراف"، و قوله:{ و لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } "النساء".
هذه الآية عظيمة وقف عندها السلف فلما أورد عليهم المبتدعة لفظ " الجبر" قالوا لا نثبته، ولا ننفيه، فلم يغلو في دينهم، وقد علموا أن هذه ألفاظ محدثة، فلم يقولوا على الله إلا الحق.
ـ ومنها الجدل بغير علم كقوله تعالى: { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } "آل عمران".
هذه مصيبة مالها من حد، يعرفها أهل العلم غاية المعرفة فهم أشد الناس ابتلاء بمن يجادل بغير علم، ومن هو المجادل بغير علم يا ترى؟
يحسب بعض الناس أنه إذا كان يحمل أدلة شيخ ما، فإن ذلك يسمح له بالجدال، وجدال من؟، جدال من هم أعلم منه بالسنة، ومعلوم أن من لا يعرف أدلة الخصم، ووجه الاعتراض عليه، لا يحق له مجادلة من هو اعلم منه، و أدلة الخصم لا نتخيلها في أذهاننا أو نتصورها بل يجب أن نطلع عليها، فمن ينتقد رسالة، أو مقالة أو كتاب، ولم يشم رائحته فهذا من المجادلين بغير علم و بغير حق.
ـ ومنها: الجدل في الحق بعد ظهوره، كقوله تعالى:{ يجادلونك في الحق بعدما تبين }" الأنفال".
هذا حال المعاند لا يسلم بالدليل، فإن غلبه الكلام رأيت على وجهه توهجا من شدة الغيظ، بمجرد أن تفارقه يعاود الكرة من جديد، كأنه لم يسمع دليلا، ولا بهته برهان.
ـ ومنها: الجدل بالباطل، كقوله: { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } غافر.
الجدال بكل ماهو غير معتبر شرعا فهو الجدال بالباطل، سواء كان رأيا، أو حديثا بان ضعفه، وكذلك الجدال بالتقليد من أعظم الباطل وكذلك الجدال بحسن الظن.
ومنها: الجدل في آياته، كقوله تعالى:{ ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا }" غافر"، وقوله:{ الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتا عند الله وعند الذين آمنوا } "غافر"، وقال تعالى: { إن الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه} «غافر"، و قوله:{ و يعلم الذين يجادلون في آياتنا مالهم من محيص } "الشورى"، وقوله:{ والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب لهم حجتهم داحضة عند ربهم } الشورى، وقوله:{ وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال} "الرعد"، وقوله:{ ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى و لا كتاب منير } "الحج"
انظر " درء تعارض العقل والنقل"{29/1}.
الضابط الثاني: وهو مستخلص من الضوابط السابقة، إذ يقتضي النهي عن الجدال في آيات الله بغير سلطان من الله، والنهي عن الجدال في الحق بعض ظهوره وغيرها، أن الشارع عليه الصلاة والسلام قد نص على كل ما يعصم من المهالك نصا قاطعا لجميع الأعذار، قال تعالى:{ وما كان الله ليضل قوما بعد إذ هداهم حتى يبين لهم ما يتقون }»التوبة"، وقوله:{ اليوم أكملت لكم دينكم و أتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا }"المائدة"، و قوله:{ لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل }" النساء"، فنحن على يقين تام أن الهدى كل الهدى، وتمام الهدى قد بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا نحتاج في ذلك إلى قول غيره، سواء كان مصطلحا، أو قاعدة، أو غير ذلك إلا أن يكون استقراء واستنباطا من كلامه و أحواله، تسهيلا للعلم والمعرفة، ولكن هذا ابتداء و أصلا لا نظرا ومجادلة، وعليه فالخوض في المصطلحات إبطالا لها، وبيانا للباطل الذي تحويه، وردا بها على المخالفين للسنة،و إثبات معانيها الشرعية، هو من قبيل التنزل للضعيف، و المسايرة بلطف للجاهل حتى يعلم الحق ويعرفه،ونعود به إلى المصطلحات الشرعية ، وهذا لا يخص مصطلحات بعينها ، بل يتناول المصطلحات العصرية فهي كذلك خاضعة لهذه الضوابط فمصطلح " الإرهاب" يدل على معان في كتاب الله غير المعاني التي يدل عليها عند من يستعمله اليوم من الصحفيين، والأدباء، والمفكرين، ورجال السياسة ، وكذلك مصطلح " التكفير" لا يجوز إطلاقه للذم بإطلاق ، فإن كثيرا من الناس قد كفرهم الشارع ، وتكفيرهم من طاعة الشارع، و من متابعته في أحكامه ، أما من يغلو في التكفير، أو يكفر من لم يكفره الشارع فأحق المصطلحات به هو المصطلح الذي أطلقه السلف على أشباهه، وهو مصطلح " الخوارج" و الحرورية " و " المارقة " ، وكذلك مصطلح "الحركة الإسلامية" ، و"التفسير الحركي" الذي ابتدعه سيد قطب، وهو يدل على الثورة، والمروق، والخروج على الإمام، ومقاتلة المسلمين لبعضهم البعض وغير ذلك من المهالك، لا يجوز التعبير به إلا في حدود الضوابط المذكورة، و أفضل منه أن نقول: الدعوة الإسلامية ، والعمل الدعوى ،والدعوة إلى الله وغير ذلك كذلك مصطلح" فقه الواقع" في العرف الشرعي هو مصطلح صحيح ، إنما أصبح يدل على قلة الفهم ، والمسايرة للعصر ، وهو مصطلح يكثر استخدامه من البعض للطعن ، وهو مصطلح متداول بكثرة عند العصرانيين من الإسلاميين،و الأفضل تعميم استعماله،حتى لا يختص به طائفة دون طائفة.
ثالثا: المبتدعة على اختلاف أصنافهم يأخذون ألفاظ الكتاب والسنة و يلبسونها ما يشتهون من المعاني فخوارج العصر وغيرهم أخذوا لفظ «المرجئة" الذي يدل عند السلف على فئة من الناس معروفة بمبادئها و أصولها، و أصبحوا يطلقونه على كل من يخالفهم الرأي، و أخذوا لفظ "التوحيد" الذي يدل في كتاب الله وسنة نبيه، و أقوال السلف على معان معروفة ومضبوطة و جعلوه مرادفا للفظ الحاكمية، بل جعلوا لفظ الحاكمية يدل على حاكمية مخصوصة، هي حاكمية الإمام المطلق، مع أن هذا اللفظ يدل على الحاكمية العامة والشاملة، فلا يحكّمون الحاكمية في جميع الشؤون ، قال شيخ الإسلام في " السياسة الشرعية "{ص:143}:
" والقاضي اسم لكل من قضى بين اثنين وحكم بينهما، سواء كان خليفة، أو سلطانا، أو نائبا، أو واليا، أو كان منصوبا ليقضي بالشرع، أو نائبا له، حتى يحكم بين الصبيان في الخطوط إذا تخايروا، هكذا ذكر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ظاهر".
كذلك مصلطح "حزبي" يدل في الشرع على كل تفرق في الدين، لا على تفرق في السياسة فقط.
المهم، كثير من المصطلحات المتداولة هي مصطلحات إما محدثة و ليس الإشكال في كونها محدثة و لكن في كونها باطلة، و إما تكون حقا ولكن اقتصر على دلالتها في جهة واحدة فقط، أي:خصصت دلالتها على معنى مقصود.
فالمصطلحات يجب خضوعها للضوابط السابقة .
ولا يكون هذا إلا بشيئين:
1 ـ معرفة معاني الكتاب والسنة، ولا يتم ذلك إلا بمعرفة تفسيرها عند السلف.
2 ـ معرفة معاني الألفاظ التي ينطق بها هؤلاء المختلفون حتى يحسن أن يطبق بين معاني التنزيل ومعاني هؤلاء، وحينئذ يتبين أن الكتاب حاكم على هؤلاء فيما اختلفوا فيه، فقوله تعالى: { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين و أنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه } "البقرة"، و قوله:{ و ما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله } "الشورى"، ليس لمجرد التلاوة، أو أنه خبر لا يحمل بين طياته هذا الحكم، وهو أن الحكم في جميع الاختلافات لكتاب الله وسنة نبيه.
وعليه، فإن نهي السلف قاطبة عن المصطلحات الكلامية لا يعني أنها لا تحوي على الحق، { أقصد أن منها ما فيه حق وباطل، ومنها ماهو باطل محض}، بل لكونها تحمل الحق ممزوجا بالباطل، فإثباتها بإطلاق إثبات للباطل، و نفيها بإطلاق نفي للحق، قال شيخ الإسلام في " الدرء"{44/1}:
" ولهذا يوجد كثيرا في كلام السلف و الأئمة النهي عن إطلاق موارد النزاع بالنفي والإثبات، وليس ذلك لخلو النقيضين عن الحق، ولا قصور أو تقصير في بيان الحق، ولكن لأن تلك العبارة من الألفاظ المجملة المتشابهة المشتملة على حق وباطل، ففي إثباتها إثبات حق و باطل، وفي نفيها نفي حق وباطل، فيمنع من كلا الإطلاقين، بخلاف النصوص الإلهية فإنها فرقان فرق الله بها بين الحق والباطل، ولهذا كان سلف الأمة و أئمتها يجعلون كلام الله ورسوله هو الإمام والفرقان الذي يجب اتباعه، فيثبتون ما أثبته الله ورسوله، وينفون ما نفاه الله ورسوله، ويجعلون العبارات المحدثة المجملة المتاشبهة ممنوعا من إطلاقها نفيا و إثباتا، لا يطلقون اللفظ ولا ينفونه إلا بعد الاستفسار و التفصيل، فإذا تبين المعنى أثبت حقه ونفى باطله، بخلاف كلام الله ورسوله، فإنه حق يجب قبوله، وإن لم يفهم معناه، وكلام غير المعصوم لا يجب قبوله حتى يفهم معناه."
الضابط الرابع وهو مهم:
وجوب التفريق بين مقام المخاطبة و مقام الإخبار:
يحرص بعض الناس في كلامه ومناظراته على التقيّد بالألفاظ الشرعية، إما جهلا بالألفاظ المحدثة وبمعانيها، فلا يقدر على التمييز بين صحيحها و باطلها، و إما لأن الألفاظ الشرعية ألفاظ كاملة وافية بالمقصود، وهنا مكمن الخطأ وهو عدم التفريق بين مقام المخاطبة، و بين مقام الإخبار، وعدم التفريق بين مخاطبة الذين آمنوا وصدقوا و بين مخاطبة الشكاك والمنهوكين والضالين.
قال شيخ الإسلام:" الدرء"{174/1}:
" وقد يفرق بين اللفظ الذي يدعى به الرب، فإنه لا يدعى إلا بالأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه لإثبات حق أو نفي باطل، و إذا كنا في باب العبارة عن النبي صلى الله عليه وسلم علينا أن نفرق بين مخاطبته وبين الإخبار عنه، فإذا خاطبناه كان علينا أن نتأدب بآداب الله تعالى، حيث قال:{ لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا }" النور"، فلا نقول: يا محمد، يا أحمد كما يدعو بعضنا بعضا، بل نقول: يا رسول الله، يا نبي الله.
والله سبحانه وتعالى خاطب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بأسمائهم فقال:{ يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة }" البقرة"، { يا نوح اهبط بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك} "هود"، { يا موسى إني أنا ربك} "طه"، { يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي }" آل عمران"، ولما خاطبه صلى الله عليه وسلم قال: { يا أيها النبي}" التحريم"، { يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر }" المائدة"، { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك }" المائدة"، { يا أيها المزمل}، { يا أيها المدثر }، فنحن أحق أن نتأدب في دعائه و خطابه.
و أما إذا كنا في مقام الإخبار عنه قلنا: أشهد أن لا إله إلا الله، و أشهد أن محمدا رسول الله، و قلنا:محمد ر سول الله وخاتم النبيين، فنخبر عنه باسمه كما أخبر الله سبحانه لما أخبر عنه صلى الله عليه وسلم:{ ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين}" الأحزاب"، وقال:{ محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعا سجدا } «الفتح"، وقال:{ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل} "آل عمران"، و قال:{ والذين آمنوا وعملوا الصالحات و آمنوا بما نزل على محمد } "محمد".
فالفرق بين مقام المخاطبة و مقام الإخبار فرق ثابت بالشرع والعقل، وبه يظهر الفرق بين ما يدعى الله به من الأسماء الحسنى، وبين ما يخبر به عنه عز وجل مما هو حق ثابت، لإثبات ما يستحقه سبحانه من صفات الكمال، ونفي ما تنزه عنه عز وجل من العيوب والنقائص، فإنه الملك القدوس السلام، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوا كبيرا."
قلت: فمن المنتسبين إلى السلف من نفى إطلاق لفظ الحركة، ومنهم من نفى أن يكون لله حد يعلمه هو، بناء على أن السمع لم يرد بهذه الألفاظ، فهؤلاء لم يفرقوا بين مقام المخاطبة و مقام الإخبار، ففاتهم وصف الله بالكمال المطلق، وفاتهم فهم مراد السلف الذين أطلقوا هذه الألفاظ كالدارمي، والبخاري، وشيخ الإسلام ابن تيمية، كذلك لفظ " الصانع " هو مما يوصف به الله إخبارا عنه سبحانه وتعالى، فهو الصانع لكل المصنوعات، ولكن لا يدعى به، لأنه لم يرد به الخبر.
ومن هذا الباب النزاع الذي وقع حول رسالة عبد العزيز الكناني " الحيدة " فقد قال بعض أهل العلم بعدم نسبتها إليه، مع أن شيخ الإسلام الذي كان قبله بسبعة قرون أو ثمانية صحح نسبتها إليه، بل لم يشر إلى احتمال أن لا تكون من مؤلفات الكناني، ونقل منها فصولا في كتابه " الدرء" وناقشه في بعض الألفاظ[6].
ومعلوم أن الكتب تصلنا بنسخ متعددة، ومنها من يصل بنسخة واحدة فقط، وأحيانا تختلف النسخ في بعض العبارات، لأن صاحبها أعاد كتابتها فغير منها شيئا، فمن غير المعقول أن يبقى كتاب عند شخص مدة أربعين سنة ولا يغير منه شيئا، ومن سمات البشر النقص، وكلما أعدت النظر في كتابك بدا لك أن تزيد فيه أشياء، هذا أمر محسوس.
كذلك يعلم الناس أن الإجماع الذي نقله العلماء من كتاب "الأم " للشافعي بخصوص الصلاة لا وجود له في نسخة " الأم " المتداولة حاليا، و الأشعري له كتابان في المقالات، الكبير والصغير لم يصلنا إلا الصغير، وكثير من الأحاديث التي ينقلها شيخ الإسلام عن بعض الكتب لا توجد فيها، إما انه وهم في نسبتها إلى هذه المراجع، و إما أن النسخ التي كانت بحوزته فيها زيادات على النسخ المتداولة حاليا، واحتمال وهمه رحمه الله ضعيف فإنه على الأرجح ـ حسب تراجم العلماء له ـ كان يحفظها.
المهم، أن تعرف أن الكتب التي استدل بها السلف، و أخذوا منها يجب إثباتها لأصحابها ولا حظ للمتأخرين في الطعن في أسانيدها، أما وجود بعض العبارات فيها مما يشك في نسبته إليهم فيرجع في هذا إلى أقوال السلف، و يعد من أخطاء النساخ.قال شيخ الإسلام في " الدرء" { 356/1} بما يدل على وجود أكثر من نسخة لـ"الحيدة":"و في نسخة أخرى ".
وكنت أود أن أذكر قاعدة عند شيخ الإسلام تخص صفة السمع تعليقا على رسالة عبد العزيز الكناني، ولكن الحيدة ليست بين يدي الآن، فسأذكرها في موضوع آخر، وهذا للتمثيل لقاعدة:الفرق بين مقام المخاطبة، ومقام الإخبار.
قال شيخ الإسلام في "بيان تلبيس الجهمية " { 592/1 }:
" المبطلون يعارضون نصوص الكتاب والسنة بأقوالهم وبيان فسادها احد ركني الحق وأحد المطلوبين، فإن هؤلاء لو تركوا نصوص الأنبياء لهدت وكفت ولكن صالوا عليها صول المحاربين لله ورسوله فإذا دفع صيالهم وبين ضلالهم كان ذلك من أعظم الجهاد في سبيل الله".
قلت: صيال الناس على النصوص يتخذ أشكالا عديدة، فمنهم من يستغرب الحق إذا جاءه من طريق لا يعرفها ويزعم أن مذهب السلف على خلاف ذلك، كما فعل الجويني مع كتاب " الشريعة " للآجري زعم أنه لم يسبقه إلى التأليف في أحاديث الصفات أحد قبله، و أنه أورد فيه الأحاديث المتاشبهة كما يفعل المشبهون أو المتلاعبون الزنادقة!فأظهر من نفسه جهلا بالغا، ويعجب المرء كيف يجعل أمثال هؤلاء الجهل علما والعلم جهلا، و لكن من يقول عدم العلم علم لا يستغرب منه مثل هذا، إذ بمجرد مطالعة كتاب " الشريعة " يعلم القاري أن العلم الذي هو في هذا الكتاب مأخوذ عن أولئك الذين زعم الجويني أنهم لم يخوضوا في أحاديث الصفات، وهم مالك، والشافعي وغيره، فهؤلاء هم الذين نقلوا للأمة هذه الأحاديث، ولعل الجويني ـ كما قال شيخ الإسلام في " التسعينية 911/3} ـ لم ير الموطأ بحال، فإن من أشهر أحاديث الموطأ حديث النزول كما بينه القرطبي ردا على صاحبه الجويني، فكذلك استغرب كثير من المنتسبة لأهل الحديث بعض مقالات شيخ الإسلام في العقائد، بل منهم من زعم ـ غير محقق لمقالات الناس ـ أنه يقول بقول الفلاسفة[7]، وليس هذا إلا عدم التفريق والتمييز بين الأقوال المختلفة، أو مما يتلقاه عن غيره بتسليم، وهكذا حال بعض الناس يجعل عدم علمه علما، فيتجاسر على من هو أحرص منه على السنة، و أعلم منه بالمقالات، و أصح منه تصورا للفرائض والنظريات .
ومرجع مثل هذه الانتقادات الخاطئة عدم الإحاطة بمذهب السلف، حتى يظن بعضهم أن كثيرا من المقالات في الصفات لم يذكرها السلف، فهي مجرد رد فعل بعض الأئمة على حملات المتكلمة، أو قد يكون مرجعه عدم فهم كلامهم على وجهه الصحيح كما بيناه في موضعه.
كذلك من الناس من يسمي ما يراه مخالفا لمذهبه" متشابها" وكما قال شيخ الإسلام في " التسعينية "{910/3}:"
وهذه حال أهل البدع و الأهواء الذين يسمون ما وافق آراءهم من الكتاب والسنة محكما وما خالف آراءهم متشابها، وهؤلاء كما قال تعالى:{ ويقولون ءامنا بالله وبالرسول و أطعنا ثم يتولى فريق منهم من بعد ذلك و ما أولئك بالمؤمنين و إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون و إن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله } النور
فمثل هؤلاء يجعلون أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تخالف رأيهم من المتشابه، و يتعسفون في تأويلها مع أنها واضحة، شديدة الوضوح، محكمة لا تتناقض مع غيرها، لو تركت بدون تأويلا تهم لهدت وكفت، ولكنهم يصولون عليها صيال المحاربين زاعمين أن ما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يفهم، ولا يفهمه الناس حتى يشرحوه هم لهم !
وقد يضيفون إلى هذا شدة نفورهم من المصطلحات الجديدة، ويعادونها زاعمين أن السلف لم يتكلموا بها، و أنها محدثة دون تفريق بين المصطلحات التي تحمل معان باطلة والمصطلحات الجديدة، دون تميز لمذهب السلف و تفاصيله، فيردون المصطلحات الصحيحة الموافقة لمعاني الكتاب والسنة لأنهم اشتبه عليهم أمر المصطلحات، ولم يعرفوا مذهب السلف فيها على وجه الدقة، ويظنون أن مذهب السلف النفي والرد مطلقا، بل يردون المصطلحات الصحيحة لأنهم يفهمونها وفق المعاني الكلامية، فهموها على معاني المتكلمة، ثم ردوها وهي عند السلف تفيد معان أخرى صحيحة كما سنوضحه في موضعه.
فيظن الناس أن السني هو الذي يحفظ ألفاظ السلف و يتكلم بها، ولو كان في عصر أو جماعة لا تفهم من هذه الألفاظ شيئا، فهو لا يهمه إيصال المعاني التي أرادها السلف بقدر ما يهمه تبليغ ألفاظ السلف، فيصير يردد ألفاظا في كثير من الأحيان يحملها معان باطلة لا صلة لها ولا علاقة بما كان عليه السلف الصالح كما يصنع.
قال شيخ الإسلام في " بيان تلبيس الجهمية "{445/1 }:
" ولم يقل أحد من أئمة السنة:إن السني هو الذي لا يتكلم إلا بالألفاظ الواردة التي لا يفهم معناها، بل من فهم معاني النصوص فهو أحق بالسنة ممن لم يفهمها، ومن دفع ما يقوله المبطلون مما يعارض تلك المعاني، وبين أن معاني النصوص تستلزم نفي تلك الأمور المعارضة لها فهو أحق بالسنة من غيره."
ويزيد شيخ الإسلام هذه المسألة تفصيلا، وبيانا لموقف السلف الحقيقي من الألفاظ المحدثة فيقول: {ص:283/1}:
" وليس المراد بذلك أنهم لم ينطقوا بهذا اللفظ{ الحد}، فإنه قد تجدد بعدهم ألفاظ اصطلاحية يعبر بها عما دل عليه كلامهم في الجملة، وذلك بمنزلة تنوع اللغات، وتركيب الألفاظ المفردات."
وعليه، فالتعبير عما دل عليه كلام السلف في الجملة بألفاظ عصرية يفهمها الناس، و تؤدي الغرض، هو المقصود والمطلوب مادام أن هذه الألفاظ لا تدل على معان باطلة، ثم يبين طرق دلالة الألفاظ على المعاني، و أنها ليست محصورة في طريق المطابقة، بل اللغة في حد ذاتها قد احتوت على المترادفات، فلا يجب التضييق على الناس حفاظا على تصورات مسبقة خاطئة.
وقال{ص:445/1}:
" فأثبتوا تلك العبارة ليبينوا ثبوت المعنى الذي نفاه أولئك، وأين في الكتاب والسنة أنه يحرم رد الباطل بعبارة مطابقة له، فإن هذا اللفظ لم نثبت به صفة زائدة على مافي الكتاب والسنة{...}فإن القرآن يدل على المعنى تارة بالمطابقة وتارة بالتضمن وتارة بالالتزام وهذا المعنى { الحد} يدل عليه القرآن تضمنا أو التزاما."
و كما قال شيخ الإسلام في" المنهاج"{110/2}:" الكتاب و السنة يدل بالإخبار تارة، ويدل بالتنبيه تارة، و الإرشاد و البيان للأدلة العقلية تارة"
فإذا عرفت الموقف الصحيح من المصطلحات و كيف يجب أن نتعامل معها بعيدا عن التنميط و التصنيف فلنبين حالة مصطلح الفكر والمفكرين.
الفكر في مفهوم الحداثي:
يعرف الفلاسفة المعاصرون عملية التفكير بأنها إعمال الفكر في قضية ما بتحليلها لمعرفة أسبابها أو لتقدير عواقبها قبل الحكم عليها أو القيام بفعلها،ويفرقون بين الفكر العلمي و الفكر الطبيعي،فالفكر العلمي هو النظر في الظواهر نظرا موضوعيا منهجيا لضبط شروط وجودها وتوقع حدوثها حسب شروطها التي يكشف عنها البرهان أو التجريب و بعيدا عن التعسف و الميل و المصلحة الشخصية.
ولحد الآن لا إشكال في تعريف التفكير و لا في تحديد عملية الفكر، فالخلاف معهم ليس في تحديد عملية الفكر ولكن في موضوع التفكير وقانون التفكير.
فإذا كان الفكر هو حركة الإدراك العقلي المقابل للإدراك الحسي و للحدس، فهو بالتالي جملة المدركات و التصورات العقلية، و الفكرة هي الصورة الذهنية من حيث هي موضوع مدرك بالفكر و حاصل فيه تسمى معنى من حيث إنها تقصد باللفظ، ومفهوما من حيث إنها تحصل من اللفظ، وماهية من حيث إنها تبين ما هو الشيء، وحقيقة من حيث إشارتها إلى ثبوته في الخارج، وهوية من حيث إنها تميزه عما سواه.
فالمفكر إذا هو الذي يتمكن بإمعان النظر في الأمور من تعميق المعرفة بها و تحسين هذه المعرفة وهذا تعريف صحيح يغاير به المفكر تفكير غيره ،إذ غرضه من التفكير هو توسيع المعلومة و البحث لها عن لوازم وتعلقات و أبعاد و بذلك يحسن المعرفة بهذا الأمر .
وقد جعل الفلاسفة للتفكير قوانين وقالوا:إنها الأحكام البديهية الأساسية التي تقتضي صحة التفكير توفرها وهي: مبدأ الهوية، و مبدأ عدم التناقض، ومبدأ الثالث المرفوع، ومبدأ السبب الكافي.
الفكر في الشرع:
لقد مدح الله في كتابه الفكر الذي يقود إلى الإيمان أو يقود إلى التقوى أو يقود إلى درء الشر و الفتنة، وقد ندب سبحانه إلى صرف الفكر ليتدبر في آياته المتلوة و آياته المجلوة، و آيات الله في كل شيء موجودة، وفي موضوعنا وهو الجهاد البدعي و التكفير، فإن التفكر في أسبابه و كيف نشأ و أين نشأ، و الظروف التي نشأ فيها، وكيف ينظم صفوفه ومنهجيته الدعوية و العلمية، و المراجع التي يعتمد عليها، و تأطيراته و بنائه الحركي، و في أي طبقات المجتمع ينشط هو من الفكر المطلوب فيمن يريد معالجة هذه الظاهرة، فإن كان كل العلماء في المملكة لهم هذه الجاهزية فقد أخطأت، و إن كانت متوفرة في قلة فاستدراك الأخ قاصر عن البعد الشرعي وعن واقع الحال[8].
الفكر عمل يقوم به العقل عند الجاهل و العالم، عند السني و المبتدع، عند المسلم و الكافر، وما يقوم به عقل البشر هو فطري طبيعي فيهم، فالعالم يفكر و الجاهل يفكر، فما الفرق بين تفكيرهما[9].
فلا يذم ما هو ضروري للإنسان خاصة في العلم إلا من لم يعرف انه من الضرورة، فلاشك أن العالم يلاحظ و يتأمل و يفكر، و بالتفكير يقيس و يستقرأ و يستنبط، ولا شك أن غيره يقوم بهذه العملية، فما الفرق بينه و بين من هم دونه؟
هل يوجد فرق بين العلم و الفكر:
مما يدلك على أن الفكر من العلم، و المعرفة من العلم، و الفقه من العلم، فإذا جاز أن نقول: عارف و فقيه و عالم جاز أن نقول: مفكر، يقول ابن القيم في "بدائع الفوائد"{323/2}:"أما العلم فلم يجيء إلا مكسورا مصدرا كان أو مفعولا لأنه لا يكون أبدا إلا معلوما بنفسه.
و القول بخلاف ذلك قد يتناول نفسه في بعض الكلام و قد لا يتناول إلا المفعول وهو الأغلب.
و أما الفكر فليس باسم عند سيبويه ولذلك منع من جمعه فقال:لا يجمع الفكر على أفكار، حمله على المصادر التي لا تجمع.
وقد استهوى الخطباء و القصاص خلاف هذا، وهو كالعلم لقربه منه في معناه و مشاركته له في محله"[10].
بماذا تحصل المعرفة؟:
هنا يبدو وجه الفرق بين التفكير الإسلامي و التفكير الفلسفي الحداثي، أي مصدر التفكير يحدد نوعية التفكير، فإذا كان العالم يفكر و طالب العلم يفكر و الصحفي يفكر و السياسي يفكر فلاشك أن تفكير هم يتفاوت فقد يكون الفكر فاسدا، و قد يكون صحيحا، فلابد من وجود قانون يعصم الذهن من الزلل في الفكر، وهذا القانون قد ونظر إليه الفلاسفة في جانبه الذهني، بينما نظر إليه الإسلاميون في جانبه العملي، ففي التفكير الفلسفي لا يهمه في ماذا يفكر بينما في التفكير الإسلامي يجب أن يكون التفكر في نقل صحيح و بعبارة أخرى في دليل هاد.
فالفكر الصحيح يدور بين النقل و الاعتبار، أي النظر في الدليل الهادي وهو الكتاب و السنة والاعتبار بينه وبين الواقع و الإشكال ينتج المعرفة التي يتميز بها تفكير العالم عن تفكير غيره، و التفكير الشرعي عن التفكير الفلسفي.
فإذا كانت المعرفة تنال بالنقل و الاعتبار، فإن كان النقل صحيحا أو الدليل هاديا قاد الفكر إلى الفكر الصحيح المحمود، فالعالم المفكر بخلاف غيره من المفكرين ينظر في القرآن و السنة، و يتفكر فيها ثم يديم النظر فيها، ويواصل التفكر حتى يخلص إلى الحكمة و النتيجة المرغوبة.
فالفرق بين التفكير الإسلامي الشرعي و غيره هو أن المفكر الإسلامي سواء كان عالما بالشرع أو لم يكن على هذه الدرجة هو الذي يجعل معاني القرآن و السنة تسنح في خاطره، فيغوص بها في حياة الناس وواقعهم ومشاكلهم يبتغي الحل والتوجيه الصحيح.
فالعالم يفكر و يقدر، وهذا حال الإنسان عموما، و لذلك قال الله تعالى عن الوليد بن مغيرة:{إنه فكر و قدر}، إلا أن العالم ينظر في الأدلة الصحيحة الشرعية، فيفكر أولا في استخراج المادة و الجواب على الإشكال من القرآن و السنة و العلم الذي يحتاجه كالتاريخ وغيره، ثم يقدرها و يفصلها على حسب الواقعة.
فبالفكر يكشف لك الله مكنونات كثير من الأشياء تظل غامضة حتى على بعض أهل العلم..
وعليه، فالفكر من جنس العلم بل وطريق إليه.
الفرق بين فكر العالم و فكر المفكرين:
العالم يعرف الشرع كقضايا كلية و مقاصد و كجزئيات يردها إلى هذه الكليات، فبالكليات الشرعية يحفظ الجزئيات، بينما ما اصطلح على تسميته بالمفكر لا يقدر على ذلك بحكم الاختصاص أو التعليم أو الاهتمام، فيأخذ كلية شرعية واحدة إما عقدية أو اجتماعية أو نفسية أو سياسية و ينظر بها في واقع مجتمعه و يقارنها بمثيلتها في الثقافة المعاصرة، فهو يبحث لها عن امتداد يدفع به هجوم الثقافة المضادة أو يستخلص منها الحل الكلي للإشكال معين، فإن كان للعالم معرفة بثقافة عصره و ثقافة أعداء أمته أو بالثقافة البدعية المنتشرة في مجتمعه فهو عالم مفكر، و إن لم يكن له ذلك فليس بمفكر و إن كان عالما.
فالمفكر سواء كان عالما أو غير عالم هو الذي يأخذ قضية شرعية كلية ينزلها على واقع الناس أو يدخلها مقارنة أو نقدا في ثقافة غيره البدعية التي يريد نقدها، فيتفكر في مصادرها ومواردها ويردها بالقضية الشرعية الكلية، التي يبحث لها عن ما يعضدها من ثقافة الغير سواء كان تاريخا أم فلسفة أم علم اجتماع أم كانت أحداثا جارية.
ولذلك تجد قديما أن من العلماء من كان من النظار، بحيث كانت له قدرة على الرد على الفلاسفة و المتكلمين باصطلاحهم ولغتهم، فهذا عالم نظار، ومنهم من لم تكن له هذه القدرة، فهو من العلماء فقط[11].
وتجد ما يدل على ذلك في كثير من الكتب خاصة عند الشيخين ابن تيمية و ابن القيم، فتجد عندهم عبارات مثل:الذي عليه محققو النظار، الذي تسميه النظار و الفقهاء، أفاضل النظار، فحول النظار، النظار المحققين، جهال النظار و اتباعهم، مشهور عند العلماء النظار، و غير ذلك "الدرء"{271/3}، "بيان تلبيس الجهمية"{471/2} " الصواعق"{672/2} و مئات الأمثلة.
الفرق بين العلماء المفكرين والعلماء غير المفكرين:
إن طباع أكثر الناس تستغني بظاهر من القول عن الفكر و التنبيه و الغوص في بواطن المعاني و الإشكالات، فخفاء التعليل و الاقتصار على الظاهر يقود حتما إلى نقصان الفكر و الاعتبار، ولذلك كان أهل العلم منهم أرباب الألفاظ ومنهم أرباب المعاني، وكان في الفقهاء غلاة في القياس، و غلاة في الظاهر، ومعتدلون في الأمرين.
و أهل العصر هم كذلك، ولا يمكن أن يصيبوا الحق كلهم، وعليه لا يمكننا أن نجمعهم جميعهم في سلة واحدة ثم نعتذر لهم جميعا، وفيهم مقصرون ومفرطون و غافلون عن مصادر البدعة و حملتها و مراجعها، و مقصرون في الرد عليها و مقاومتها.
الفكر هو النظر في اصطلاح القدماء:
ومن المعلوم بداهة إن من استكثر من الحفظ قويت حافظته ومن استكثر من الفكر قويت مفكرته، وهناك فرق بين أن يعود الإنسان إلى الحافظة ينتزع منها جوابا على إشكال يواجهه، وبين أن يعود إلى مفكرته فيطرح فيها الإشكال، ثم يستعدي الحافظة يستخلص منها المعلومة اللازمة للتحليل، ثم يعمل فكره و يقيس و يستقرأ و يحلل و يقارن.
وكما يعرف الناس مبدأ الفكر و النظر في الدماغ و مبدأ الإرادة في القلب و العقل و الفكر يراد به العلم، قال ابن تيمية في "المجموع"{308/9}:" و إذ قد خلق القلب لأن يعلم به فتوجهه نحو الأشياء و ابتغاء العلم بها هو الفكر و النظر".
وقال:"في الصحيحين حديث ابن عباس أنه كان إذا قام من الليل يصلي ينظر إلى السماء و يقرأ الآيات العشر من أواخر سورة آل عمران فيجمع بين الذكر و النظر و الفكر.
ولما كان النظر مبدأ و الذكر منتهى، لأن النظر يتقدم الإدراك و العلم، و الذكر يتأخر عن الإدراك و العلم، ولهذا كان المتكلمة في النظر المقتضي للعلم، وكان المتصوفة في الذكر المقرر للعلم قدم آلة النظر على آلة الذكر، و ختم بهداية الملك الجامع الذي هو الناظر الذاكر".
فإذا كان الفكر هو النظر، وهو نظر القلب و تأمله، وكان طريق العلم الفكر و النظر فإذا فسد الفكر فسد العقل، ولذلك كان من الفكر المعاصر فكر فاسد، فالإشكال ليس في أن نقول عن فلان إنه مفكر، ولكن الإشكال في ماذا يفكر، و إلى أي غرض يقصد؟
أنواع الفكر:
قال ابن القيم في "الفوائد"{199/1}:" أصل الخير و الشر من قبل التفكر، فإن الفكر مبدأ الإرادة و الطلب في الزهد و الترك و الحب و البغض، و أنفع الفكر الفكر في مصالح المعاد وفي طرق اجتلابها، وفي دفع مفاسد المعاد وفي طرق اجتنابها، فهذه أربعة أفكار هي أجل الأفكار و يليها أربعة: فكر في مصالح الدنيا و طرق تحصيلها، و فكر في مفاسد الدنيا و طرق الاحتراز منها فعلى هذه الأقسام دارت أفكار العقلاء".
و الفكر الفاسد موجود حتى في العقائد و الفقه و التفسير و الحديث مثله مثل وجود الأحاديث الموضوعة و الضعيفة.
الخلاصة:
نسبة الفكر إلى طائفة ما كالإخوان أو غيرهم كنسبة التأمل و التدبر لهم، وهذا خطأ، بل هم أقل المنتسبين للسنة فكرا صحيحا مستمدا من الشرع، و إن كانت لهم مساهمات في بعض المجالات كالرد على العلمانية وما شابه ذلك.
وعليه، فمصطلحات كالفكر، و فقه الواقع و الشمولية أو العموم هي مصطلحات أهل السنة هم أحق بها، فإن صدر من بعض المشاهير أنها إخوانية أو ما شابه ذلك، فهذا رأيه يكون قد صدر لملابسات ما، أما الدين فإنه يدل عليها بطرق عدة، فليس الإشكال في المصطلح ولكن فيما يحمله من معان.
وفي الأخير أنصح الأخ الفاضل أن يترك تصنيف المقالات والرد على الناس أو الاستدراك عليهم بتصنيف المقالات أو نسبة أقوالهم إلى فئة معينة و هي مقالات عامة يحتج بها الصديق و يحتج بها الزنديق، فإن كان القول مخالفا للشرع فيكفي بيان مخالفته للشرع بالأدلة، أما رده زعما انه من أقوال الإخوان فهذه طريقة يجب مراجعتها.
فمن يقول من أهل السنة أن العقل و الفكر و النظر لا مجال له في معالجة هذه الظاهرة انطلاقا من الشرع و الثقافة الموجودة، فهؤلاء لا يفرقون بين ما يدخل في ذلك من حق و باطل، و بعضهم قد يقصر عن الحق نصرا أو تفهيما أو درءا لما يعارضه من شبهات، ولا ريب أن التقصير ظاهر على كثير منا من جهة عدم معرفتنا بما دل عليه الكتاب و السنة ولوازم ذلك في بعض المسائل.
فمنا مقصر في الوعظ، ومنا مقصر في الفقه، ومنا مقصر في تمييز الصحيح من الضعيف، ومنا مقصر في معرفة عقيدته بادلتها النقلية، ومنا مقصر في معرفة عقيدته بادلتها الحجاجية، ونحن نريد جبر التقصير لا التغطية عليه.
نعم يمكن تصنيف المقال و نسبته إلى طائفة مشهورة به إن كان من أصولها التي انفردت بها، كما انفردت الفرق الإسلامية بأصول تخصها، فللمعتزلي أصول يعرف بها و مقالات يشركه فيها غيره، وكذلك الخارجي، و الأشعري و غيرهم، أما إن كان المقال لا يخصها وحدها كمسألة الفكر وفقه الواقع فالذي أراه أنه طريقة ضعيفة.
والذي يجب علينا هو أن نجتنب ـ كما يقول المفكرون ـ الأفكار الثابتة أي التصورات المسبقة التي تستحوذ على مجال الشعور و تستقطب جميع الذهن إليها فيتعذر على الإرادة استبعادها إلا أن تكون نصوصا صحيحة أو إجماعا فهذه ثوابت ثابتة.
والذي وقع فيه الأخ هو من هذا الجنس استولى على ذهنه تصور معين لم يستطع معه النظر في التقييدات و فصول الكلام المختلفة فدار كلامه على الذي مر.
على كل حال شكر الله لك سعيك ووفقك لما فيه خير الدنيا و الآخرة، والحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين، و السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أرزيو في، 2009-04-18
مختار الأخضر الطيـباوي
[1] موقف السلف من مصطلحات الكلام:
مما يجب ضبطه قبل ولوج علم الكلام معاني المصطلحات، فمن الناس من يحمل ما يسمع من كلام على عرفه هو، لا على مقصود السلف ولغتهم، كما أصاب كثيرا منهم في قوله تعالى:{ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث}"الأنبياء"، ظنوا أن المحدث و القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن، هو المحدث و القديم في اصطلاح المتكلمين، وهو ما لا أول لوجوده، ومالم يسبقه عدم، فكل ماكان بعد العدم فهو عندهم محدث، وكل ماكان لوجوده ابتداء فهو عندهم محدث، ثم تنازعوا فيما تقدم على غيره: هل يسمى قديما حقيقة أو مجازا؟على قولين لهم.
أما اللغة التي نزل بها القرآن، فالقديم فيها خلاف المحدث، وهما من الأمور النسبية، فالشيء المتقدم على غيره قديم بالنسبة إلى ذلك المحدث، والمتأخر محدث بالنسبة إلى ذلك القديم، وإن كان كلاهما محدثين بالنسبة إلى من تقدمهما، وقديمين بالنسبة إلى من تقدما عليهما، ولم يوجد في لغة القرآن لفظ" القديم" مستعملا إلا فيما يقدم على غيره، وإن كان موجودا بعد عدمه، لكن مالم يزل موجودا هو أحق بالقدم.
و المقصود أنه مستعمل في القرآن فيما تقدم على غيره، كقوله تعالى:{ حتى عاد كالعرجون القديم} "يس"، وقوله تعالى:{قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم}"يوسف"، وقوله:{ وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم}" الأحقاف"، وقوله تعالى:{ أفرأيتم ما كنتم تعبدون *أنتم و آباؤكم الأقدم ون} "الشعراء"، فالمحدث يقابل هذا القديم.
وكان القرآن ينزل شيئا فشيئا، فما تقدم نزوله فهو متقدم على ما تأخر نزوله، وما تأخر نزوله محدث بالنسبة إلى ذلك المتقدم، ولهذا قال:{ ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث}، فدل أن الذكر منه محدث، ومنه ما ليس بمحدث.{ الصفدية:85/2}.
[2] ــ ولكن مسألة كبدء الخلق أو الاقتران و التأثير هي من العقيدة النقضية، أي العقيدة التي ننقض بها عقيدة المتكلمين، فهي من لوازم إثبات العقيدة التقريرية المتمثلة في النصوص الصحيحة، فإذا خاض أهل الكلام في مسألة لم تتعرض لها النصوص بشكل صريح، فإما نلتزم السكوت، ونحكم فيما خاضوا فيه أحق هو أم باطل، ونترك لهم المجال، و إما ننظر في ذلك فإن كان باطلا رددناه بالأدلة التي تقتضي أنه باطل، و إن كان حقا تدل عليه النصوص بطريقة من طرق الدلالة بينا وجه الحق فيه، فنحن ندافع عن صحة و ثبات عقيدة النصوص من جهة، و من جهة أخرى نهدم العقائد الباطلة التي يستلزم إثباتها هدم عقيدة النصوص أو أصولها.
[3] ــ مثل لفظ" الجسم" فإن المتكلمين اختلفوا في معناه، كما اختلفوا في غيره من المصطلحات، فأخذوا اللفظ العربي و ركبوا عليه المعنى اليوناني، فقالوا:
هو عبارة عن المؤلف من جوهرين فردين فأكثر، أو المؤلف من الهيولي و الصورة، ولا وجود لهيولي تخلو عن الصورة إلا في الوهم، وكذلك لا وجود لصورة تخلو عن الهيولي إلا في الوهم.
فالجسم اسم مشترك قد يطلق على المسمى به من حيث أنه متصل محدود ممسوح في أبعاد ثلاثة بالقوة، أعني أنه ممسوح بالقوة، و إن لم يكن بالفعل.
ـ وقد يقال جسم لصورة يمكن أن تعرض فيها أبعاد كيف نسبت طولا و عرضا و عمقا ذات حدود معينة، وهذا يفارق الأول في انه لو لم يشترط كون الجملة محدودا ممسوحا بالقوة أو بالفعل، أو اعتقد أن أجسام العالم لا نهاية لها، لكان كل جزء منها يسمى جسما بهذا الاعتبار.
ـ ويقال جسم لجوهر مؤلف من هيولي و صورة، وهو بالصفة التي ذكرناها فتسمى جسما بهذا الاعتبار، والفرق بين الكم وهذه الصورة أن الماء و الشمع كلما بدلت أشكالهما تبدلت فيها الأبعاد المحدودة الممسوحة ولم يبق واحد منها بعينه واحدا بالعدد، وبقيت الصورة القابلة لهذه الأحوال هي جسمية، و كذلك إذا تكاثف الجسم مثلا كانقلاب الهواء بالتكاثف إلى ماء، أو تخلخل مثلا الجمد لما يستحيل صورته الجسمية و استحال أبعاده و مقداره، ولهذا يظهر الفرق بين الصورة الجسمية التي هي من باب الكم و بين الصورة التي هي من باب الجوهر.
ـ فهو عندهم: المؤلف، وقالوا: هو الجوهر الواحد بشرط تأليفه، أو هو: الذي يمكن فرض الأبعاد الثلاثة فيه، وقالوا: هو المركب من المادة و الصورة، أو المجرد القائم بنفسه، أو المشار إليه، المتحيز، المرئي.
أما الجسم في لغة العرب فهو البدن الكثيف، فالعرب تقول عن الجسد و البدن هو الجسم، قال في" مختار الصحاح"{40/1}:" أبو زيد: الجسمان الجثمان، يقال: ما أحسن جثمان الرجل و جسمانه، أي:جسده، وقال الأصمعي: الجثمان الشخص، و الجسمان الجسم."
وعلى هذا الأساس اليوناني للفظ" الجسم" نفوا الرؤية و العلو، لأنهم قالوا:كل مرئيّ في جهة، و ما كان في جهة فهو جسم، و ما كان جسما فهو حادث.
و الجواب عليهم أن يقال لهم: أين في القرآن أو في لغة العرب أن كل ما يرى، أو يشار إليه، أو كان له مقدار فهو جسم ؟
فلفظ الجسم المذكور في القرآن في قوله تعالى:{ و زاده بسطة في العلم و الجسم }، و قوله: { و إذا رأيتهم تعجبك أجسامهم }، يراد به الجسد، كما هو في لغة العرب..
فيقال لهم حينئذ: أنتم نقلتم معنى هذا اللفظ الخاص إلى ما هو أعم منه، فسميتم الهواء جسما، ولهيب النار جسما، وهذا لا تسميه العرب جسما، كما لا تسميه جسدا و لا بدنا.
و ماذا تعنون بقولكم: ما كان في جهة فهو جسم، أو ما يرى فهو جسم، أو أن كل جسم مرئيّ ؟
فإن فسروا ذلك بأن كل مرئيّ يجب أن يكون مركبا لأنه جسم، قيل لهم: هذه السماوات مرئية مشهورة لا نعلم أنها كانت متفرقة مجتمعة، و إذا جاز أن يرى ما يقبل التفريق، فما لا يقبله أولى بإمكان رؤيته، فالله أحق بالوجود، و كلما كانت الرؤية أجوز، والنبي قال:(إنكم سترون ربكم كما ترون الشمس والقمر) الحديث.
فشبه الرؤية بالرؤية لا المرئيّ بالمرئيّ، حتى تقولوا بتماثل الأجسام؛ لأنه لا يوجد في القرآن أو اللغة أنّ السماء مثل البحر و الهواء، و الماء مثل النار؛ فليس في القرآن أن كل شيئين اشتركا في المقدارية بحيث يكون لكل منهما قدر، كالطول و العرض و العمق أنه مثل الآخر، بل اللغة التي نزل بها القرآن تبين أن الإنسانين مع اشتراكهما في كون كل منهما جسما حساسا ناميا متحركا بإرادة، ناطقا، لا يكون أحدهما مثل الآخر، كما قال تعالى: { و إن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم }( محمد:38 )، أي أمثال المخاطبين، فقد نفى عنهم المماثلة مع اشتراكهم فيما ذكرنا.
فكيف يكون في لغتكم أن كل جسم نام حساس، مماثل لجسم آخر ؟
بل كيف تقولون: إن لكم جسم مولد عنصريا مماثلا لكل جسم فلكي و غير فلكي؟ و الله أرسل الرسول بلسان قومه، و هم قريش خاصة، و العرب عامة، لم ينزل هذا بلغة من قال: " الأجسام متماثلة"، حتى يحمل القرآن على لغة هؤلاء، هذا لو كان ما قالوه صحيحا في العقل، فكيف و هو باطل في العقل بما بيناه وأكثر.
إن النصوص دلت على أن الربّ ليس له مثل في شيء من الأشياء، و ذلك لا ينفي كونه متصفا بصفات الكمال، فإذا قيل: هو حي و لا يماثله شيء من الأحياء في أمر من الأمور، كان ما دل عليه السمع مطابقا لما دل عليه العقل، من عدم مماثلة شيء من الأشياء له في أمر من الأمور.
و أما كون ماله حقيقة أو صفة أو قدر لمجرد ذلك يكون مماثلا لما له حقيقة أو صفة أو قدر، فهذا باطل عقلا و سمعا، فليس في لغة العرب إطلاق لفظ " المثل " على مثل هذا، و إلا لزم أن يكون كل موصوف مماثلا لكل موصوف، أو كل ماله حقيقة لكل ماله حقيقة، و كل ماله قدر مماثلا لكل ماله قدر، وهذا يستلزم أن يكون كل موجود مماثلا لكل موجود، فلا يبقى شيئان مختلفان غير متماثلين قط؛ و حينئذ يلزم أن يكون الربّ مماثلا لكل شيء، فلا يجوز نفي مماثلة شيء له، فهم متناقضون مخالفون للشرع سمعا و عقلا.
و إذا فهمت هذا، فهمت لماذا يقولون: أن الله ليس داخل العالم و لا خارجا عنه فيصفونه بالعدم.
فلا يلزم حينئذ من إثبات رؤية الله أو أنه مستو على عرشه، أن يكون مماثلا لخلقه لأنهم يرون و يستوون.
كذلك مصطلح:"الهيولي":HYLE، و "الأسطقس":STOICHEION، ألفاظ يونانية لم تعرب، ومعنى الأول: كما في رسالة الحدود لابن سينا: حوهر وجوده بالفعل غنما يحصل بقبوله الصورة الجسمية لقوة فيه قابلة للصور، وليس له في ذاته صورة تخصه إلا معنى القوة، ومعنى ذلك: قابلية طينة الأشياء للأشكال، فقبول الحديد أن يصنع منه سيف هو الهيولي و شكل السيف هو الصورة.
ومعنى الثاني: ما يتحلل إليه المركب أو آخر ما ينتهي إليه تحليل العناصر، لا يقبل بعد ذلك القسمة، وهو عند المعاصرين: العنصر:ELEMENT.
فهذه الألفاظ إما أنها ليست عربية، أو عربية حملوا عليها معاني يونانية، ثم خاضوا في العقيدة الإسلامية بذلك فصار الأمر إلى ما صار إليه.
[4] الحديث رواه البخاري في صحيحه{5845}.
[5] يفهم من هذا الشرح لشيخ الإسلام ـ رحمه الله ـ أن من الكلام الحق مالا يقال لكل واحد باعتبار الزمان والمكان، فمن الأمور ماهي حق، لذلك يظهر من هذا الشرح أنه يجب مراعاة حال المخاطب، وقدرته على الفهم، ولو كان الخطاب الموجه له مما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ المراد أن يفهم كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أن يكذبه ، فليس كل ما يعلم يقال بإطلاق.
[6] ـ قلت: من أنكر نسبة كتاب" الحيدة "إلى عبد العزيز الكناني له مأخذان:
1 ـ تكذيب الذهبي لنسبة هذا الكتاب إلى عبد العزيز الكناني المكي.
2 ـ الإشكال في إثبات قضية تتعلق بسماع لله سبحانه و تعالى.
و نحن نجيب بإذن الله على الإشكال الأول وندع الثاني لموطنه:
أ ـ عمدة الذهبي في نفي نسبة هذا الكتاب أن راويه عن عبد العزيز الكناني هو محمد بن الحسن بن أزهر الدعاء، قال في "ميزان الاعتدال"{377/4}:" عبد العزيز بن يحي بن عبد العزيز الكناني المكي الذي ينسب إليه الحيدة في مناظرته لبشر المريسي.. ولم يصح إسناد كتاب الحيدة إليه فكأنه وضع عليه و الله اعلم".
وقال في الكتاب نفسه:{133/8}:" محمد بن الحسن بن أزهر الدعاء عن عباس الدوري، اتهمه أبو بكر الخطيب بأنه يضع الحديث، قلت: هو الذي انفرد برواية كتاب"الحيدة" رواه عنه أبو عمرو بن السماك، ورأيت له حديثا إسناده ثقات سواه، وهو كذب في فضل عائشة، و يغلب على ظني انه هو الذي وضع كتاب"الحيدة" فإنني لأستبعد وقوعها جدا".
قلت:1 ـ أبو بكر الخطيب لم يتهم محمد بن الحسن الدعاء بالوضع، بل بروايات الموضوعات، وبينهما فرق، فإنه قال عنه: ثقة يروي الموضوعات.
2 ـ قال في" تاريخه"{449/10}عن عبد العزيز الكناني المكي:"وهو صاحب كتاب "الحيدة" فنسبه إليه صراحة.
3 ـ الحافظ ابن حجر لم يذهب إلى ما ذهب إليه الذهبي للفارق المذكور، فإنه قال في ترجمة عبد العزيز الكناني من"تهذيب الكمال"{220/18}:"قال أبو بكر الخطيب: قدم بغداد في أيام المأمون و جرى بينه و بين بشر المريسي مناظرة في القرآن، وهو صاحب كتاب"الحيدة"، وكان من أهل العلم و الفضل، وله مصنفات عدة.
... قال الداقرطني:قرأت في كتاب داود بن علي الأصبهاني الذي صنفه في فضائل الشافعي،....و قد كان أحد اتباعه و المقتبسين عنه و المعترفين بفضله عبد العزيز بن يحي الكناني.... و آثار الشافعي في كتب عبد العزيز المكي بينة ثم ذكر الخصوص و العموم و البيان، كل ذلك مأخوذ من كتاب المطلبي رحمه الله".
قلت: ومن قرأ الحيدة وجد فيها علم و أسلوب الشافعي بينا، وكذلك يجد فيها براعة الشافعي في الاستدلال و الاحتجاج بالقرآن، وهذه قرينة قوية.
قال الحافظ في"فتح الباري"{402/13}:" و أشار ابن بطال إلى أن البخاري انتزع هذه الترجمة من كلام عبد العزيز بن يحي المكي، فإنه قال في كتاب" الحيدة" سمى الله تعالى نفسه شيئا إثباتا لوجوده و نفيا للعدم عنه...".
وهذه قرينة أخرى أقوى من سابقتها، فإن البخاري له خبرة بالأسانيد، وهذا لم يكذبه الحافظ ابن حجر وهو كذلك ممن له خبرة بالأسانيد.
4 ـ أما شيخ الإسلام ابن تيمية فنسب إليه الكتاب، وصرح بشهرته عنه في مواضع، منها: في "الدرء"{245/2}، {247/2}، {115/6}، و في " بيان تلبيس الجهمية"{341/2}، و"مجموع الفتاوى"{24/5}، {314/5}، {166/6}، {325/6}.
[7] ـ لأن للفلاسفة الإلهيين مقالتين:من يقول بقدم العالم، ومن يقول بحدوثه، فأرسطو و اتباعه يقولون بقدمه و انه بالنسبة لله سبحانه كنسبة الخاتم إلى يد حاملها من حيث الحركة، أي إذا تحركت اليد تحركت معها الخاتم، مع أن الخاتم غير متحرك أصلا بل اليد هي المتحركة، ومنهم ـ وهذا ينسب لأفلاطون ـ من يقول:إن المادة كانت في فوضى و الله سبحانه وتعالى قام بترتيبها.
فهذان قولان للفلاسفة، و للأشاعرة و المعتزلة قول، و شيخ الإسلام يقول بقول آخر لا يشبه قول الفلاسفة لا من قريب ولا من بعيد، ولكن الناس عندما يخوضون في مسالك كلامية بمعلومات فقهية يقعون في مثل هذا، فلا يميزون بين المقالات و أوجه الاختلاف و أوجه التشابه بينها.
[8] ـ لا يجب أن نذهب بعيدا لتحديد هذه النقطة، فإذا كان واجبا معرفة تاريخ الفرق الإسلامية وأئمتها وأمهات مراجعها، و أصولها العلمية، ومختلف تطوراتها عبر التاريخ في المجال العلمي وفي المجال السياسي، و إذا كانت الإحاطة بهذه الأبعاد عامل حاسم في الإخبار عنها أو التعامل معها بالتقويم والرد لم يبرز في التاريخ الإسلامي ممن تولى هذه العملية إلا قلة، ولو استثنى المطلع على هذا الميدان شيخ الإسلام وبعض الأئمة لم يجد مرجعا موثوقا يرجع إليه في معرفة الفرق، و الثقة هنا ليست الصدق في الإخبار عنها ولكن تحرير الأقوال و تمييزها فكتب المقالات مملوءة بمقالات لم تصح أو تم الزيادة فيها أو النقصان منها، وجلها مراجع من الفكر الاعتزالي والأشعري، ولما كان هؤلاء الأئمة على دراية واسعة بالأبعاد التي ذكرتها ظهر ذلك جليا في مؤلفاتهم، ومنها استفدنا نحن في هذا العصر.
أما اعتبار أن أي منتسب للعلم يمكنه القيام بهذا الدور فهذا لا يؤيده البحث العلمي.
[9] ــ إن الفكر عملية يقوم بها العقل لا يمكن جحدها أو تجاهلها أو ذمها، ومبدأ الفكر الخواطر التي تؤدي متعلقاتها إلى الفكر فيأخذها الفكر فيؤديها إلى التذكر، الذي يأخذها و يؤديها إلى الإرادة التي تؤديها بدورها إلى الجوارح.
[10] ـ ولذلك جعلت مرتبته دون العلم، فهناك علماء مفكرون كما بينت، وهناك علماء غير مفكرين، وهناك مفكرين غير علماء، لأنهم يعرفون بعض الكليات الشرعية و يتكلمون فيها ولم يحيطوا بالجزئيات الشرعية، و إذا شئت بتعبير أصولي:هناك علماء الأنظار وهناك علماء الوقائع، فالأصولي يطرح نظرة كلية بخلاف الفقيه فإنه يعرف الوقائع، ومن كان اعلم بالوقائع أي الجزئيات كان اعلم بالكليات وبجنس النظر، وهذا بحث له مجال آخر ننزله في يوم من الأيام ـ إن شاء الله ـ
[11] ـ قال ابن تيمية في "الدرء"{60/8} عن ابن عقيل:"كان من أذكياء العالم كثير الفكر و النظر في كلام الناس"
من مواضيعي
0 الالتزام الأخلاقي في التّعلم و التّعليم
0 انتبهوا إلى خطر التبشير الرافضي
0 أسباب انهيار السلفية التجريحية
0 الحرب الضروس على الطاعن في الشيخ فركوس للشيخ مختار طيباوي
0 رسالة من الشيخ طيباوي الى algeroi
0 ذم أشباه القضاة بعدم التفريق بين جرح العلماء وجرح الرواة
0 انتبهوا إلى خطر التبشير الرافضي
0 أسباب انهيار السلفية التجريحية
0 الحرب الضروس على الطاعن في الشيخ فركوس للشيخ مختار طيباوي
0 رسالة من الشيخ طيباوي الى algeroi
0 ذم أشباه القضاة بعدم التفريق بين جرح العلماء وجرح الرواة








