الى التصوف ياعباد الله
05-06-2013, 05:17 PM
الى التصوف ياعباد الله
كثر الحديث عن التصوف والصوفية وزاد النقاش حول حقيقة الصوفية هل هم فرقة ضالة؟ هل هم خيرة وعصارة صالحي هذه الأمة؟ ولنا في الموضوع كلمة، فالتصوف ليس شيئا واحدا يمكن تعميم الحكم عليه، والصوفية ليسوا مدرسة واحدة يمكن تعميم الحكم عليهم مثلهم مثل المدارس الفقهية ومثلهم مثل المدارس العقائدية ومثلهم مثل السلفية، فهل من المعقول أن يعمد أحدهم لأناس يقفون على الجمر ويخرقون لحومهم بالمسامير ويأكلون الحيات والعقارب ثم يطيلون شعورهم حتى تحسدهم النساء عليها فيتمايلون زاعمين أنهم في جلسة ذكر، قلت يعمد أحدهم إلى مثل هذه الفِرَق ليزعم أنهم يمثلون الصوفية والتصوف، فإذا قيل له فما حكم جماعات القتل والسبي التي قتلت الأبرياء واغتصبت النساء وحرقت المنازل والحقول وكلها جماعات سلفية تُصرِّح بذلك وتعلنه في بياناتها، قال تلك الجماعات لا علاقة لها بالسلفية وإنما هي تدَّعي الانتساب للسلفية زورا وبهتانا، فنقول له وكذلك تلك الجماعات الجاهلة التي تزعم الانتساب للتصوف لا علاقة لها بتصوف أهل السنة.
إذن هناك تصوف وصوفية حقيقيين وهناك تصوف وصوفية مزيفين وهذا موجود في جميع الفِرَق والملل والنحل،ويكفي ان نضرب مثلا بمؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبد القادر وقد كان صوفيا ومفكرا له كتاب المواقف في التصوف، فهل يتصور عاقل أن الأمير عبد القادر المتصوف كان يضرب البندير ويأكل العقارب؟ !
التصوف الذي نعرفه هو تصوف الإمام السنوسي الذي حمل لواء الجهاد ضد موسوليني وأقام دولة إسلامية في ليبيا، وهو نفس تصوف الإمام النورسي الذي زلزل الأرض تحت أقدام الكماليين وجماعة تركيا الفتاة، وهو نفس تصوف عز الدين القسام الذي وضع قواعد الحرب على اليهود ولا تزال المقاومة تقصف المستوطنات اليهودية بقسَّامها، التصوف الذي نعرف هو الذي جعل رجلا كحسن البنا ينشئ كبرى الحركات الإسلامية في القرن الحديث، وهو الذي جعل رجلا كالشيخ إلياس يؤسس كبرى الحركات الدعوية في العصر الحديث وهي جماعة الدعوة والتبليغ، التصوف الذي نعرفه هو الذي كان عليه الحافظ ابن أبي الدنيا مؤدب الخلفاء، وابن أبي رواد الرجل الذي تتلمذ عليه سفيان بن عيينة، وهو تصوف حاتم الأصم الذي شارك في معركة كولان في حرب الترك وهي المعركة التي استشهد فيها شقيق البلخي سنة 194 هـ، ومثلهم أحمد الباعوني الصوفي الذي تقلد القضاء ورفض أن يوافق للسلطان برقوق بسلفة من أموال الأوقاف فحبسه ومات في دمشق، ومنهم الصوفي المجاهد الحسن التامودزتي الذي اتفق مع أحمد الهيبة الصوفي الكبير على إعلان الجهاد ضد الفرنسيين وكان من كبار فقهاء المالكية بالمغرب، وهو تصوف الإمام الترمذي المحدث المشهور الذي كان يقول: (إن المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، ولكن المنافق أخطر من الكافر)، ومنهم العلامة عبد الله بن زيد الجرمي الذي تتلمذ عليه عبد الله بن الإمام أحمد وجلس إليه الخليفة عمر بن عبد العزيز، وهو تصوف جعفر الصادق الإمام الناطق الذي قيل له مالنا ندعو الله فلا يستجاب لنا ؟ فقال: (لأنكم تدعون من لا تعرفونه)، وكان يقول: (أوحى الله تعالى إلى الدنيا أن اخدمي من خدمني، وأتعبي من خدمك).
التصوف الذي نعرفه هو تصوف شيخ الإسلام العثماني علاء الدين الجمالي الذي كان له نفوذ على بايزيد الثاني وكان يجاهر بإنكار المنكر ولا يسكت أمام الحكام حتى جرت بينه وبين السلطان سليم مشاحنات، فلما احتج السلطان بأن الجمالي لا دخل له في الحكم، قال الجمالي إنه مسؤول عن حياة السلطان في الآخرة ولا يحب له أن يخسرها بالدنيا، وهو تصوف الإمام بشر الحافي الذي كان محدثا وعدَّه ابن حبان من الثقات، وكان يقول: (حسبك أقوام موتى تحيا القلوب بذكرهم، وأن أقواما أحياء تقسوا القلوب برؤيتهم)، ولما أُخذ الإمام أحمد وضرب بالسياط في محنة خلق القرآن علّق بشر فقال: (أُدخل أحمد بن حنبل الكيـر فخرج ذهبا أحمرا) وبلغ ذلك أحمد بن حنبل فقال: (الحمد لله الذي أرضى بِشرا بما صنعنا).
وهو تصوف الحسن البصري الرجل الذي كان يجلس تحت كرسيه قتادة صاحب التفسير وابن أبي إسحاق صاحب النحو وفرقد السبخي صاحب الرقائق، وهو صاحب نظرية هامة في معاملة الحكام وهي قاعدة: (لا خروج ولا كتمان) أي لا عصيان لولي الأمر ولكن كذلك لا كتمان لكلمة الحق التي يجب على العلماء أن يقولوها وعلى الحكام أن يسمعوها، وهو تصوف الإمام الجليل شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الذي بلغ درجة الاجتهاد فأخرج لنا عالما كالإمام الشعراني الذي أخذ أيضا عن علي الخواص الذي كان يحب للمريد أن تكون له حرفة، ولم يكن يقبل ضمن تلاميذه إلا من كان من أصحاب الحرف، ويقول: (إن السوقة وأهل الصنائع والحرف أعظم درجة عند الله ، وأنفع من المجاذيب، لقيامهم بالأسباب) .
والتصوف الذي نعرف هو تصوف الإمام الدهلوي الذي أحيا الله به علم الحديث والسنة بالهند، وهو تصوف مالك بن دينار الذي قال له بعض الحكام: ادع لنا يا إمام، فقال: (كيف أدعو لكم، وألف واحد يدعو عليكم؟)، وهو تصوف رابعة العدوية التي كانت تقوم الليل بين يدي الله تعالى فإذا طلع الفجر قالت: (إلهي هذا الليل قد أدبر، وهذا النهار قد أسفر، فليت شعري أقبلت مني ليلتي فأُهنأ، أم رددتها علي فأُعَزَّى؟ فوعزتك هذا دأبي ما أحييتني وأعنتني)، وهو تصوف سفيان الثوري أمير المحدثين الذي كان يقول: (الأعمال السيئة داء، والعلماء دواء، فإذا فسد العلماء فمن يشفي الداء ؟)، وهو مثل تصوف سفيان بن عيينة محدث الحرم المكي الذي كان يقول: (لم تصل إلى العباد نعمة أفضل من العلم بالله، والعلم بأمر الله، ولم تصل إليهم عقوبة أشد من الجهل بالله، والجهل بأمر الله، والعالم بأمر الله هو الذي يعلم السنة، ولا يخاف الله، والعالم بالله هو الذي يخاف الله ولا يعلم السنة، والعالم بالله وبأمر الله هو الذي يعلم السنة ويخاف الله، فذاك يدعى عظيما في ملكوت السموات)، وهو تصوف الحافظ السيوطي الذي قال: (رزقني الله تعالى التبحر في سبعة علوم هي: التفسير، والفقه، والحديث، والنحو، والمعاني، والبيان، والبديع) وبلغ مرتبة الاجتهاد المطلق، وهو تصوف الإمام الشاذلي الذي جاهد في موقعة المنصورة بين المسلمين بزعامة الظاهر بيبرس، وجيش الكفر بزعامة لويس التاسع ملك فرنسا، وكان مسناً قد كفَّ بصره وكان في مقدمة المجاهدين، وكان يقول: (من ثبتت ولايته من الله، لا يكره الموت) ورغم عذره فإنه أصرَّ على مشاركة جيش المسلمين لعلمه بأن مثله يرفع معنويات الجيش المسلم، وكان يقول: (من لا يعمل فليس من طريقتنا في شيء)، وهو تصوف الشبلي الذي كتب الحديث عشرين سنة ثم جلس إلى فقهاء المالكية عشرين سنة ثم شغلته العناية عن الرواية، وهو تصوف شقيق البلخي الزاهد التائب الذي توفي شهيدا سنة 194هـ في معركة كولان من بلاد الترك، يقول عنه تلميذه حاتم الأصم: (كنا مع شقيق البلخي لا أرى فيه إلا رؤوسا تطير، وسيوفا تقطع، ورقابا تقصف، فقال لي شقيق ونحن بين الصفين: كيف ترى نفسك يا حاتم؟ تراه مثلما كنت في الليلة التي زفت إليك امرأتك ؟)، وهو تصوف عبد الحق الفاروقي الذي ألف تفسيرا للقرآن باللغة الأوردية في اثني عشر مجلدا وألف كتابا ينتصر فيه لتعاليم الإسلام الخاصة بالمرأة في عشرة مجلدات باللغة الأوردية، وهو تصوف أبي حامد الغزالي الذي تصدى للفكر المادي الفلسفي فدمره وكان مجددا، وهو تصوف علي بن الحسين زين العابدين السجَّاد الذي ضاق به الحكام ذرعا حتى أثقله عبد الملك بن مروان بالحديد وحمله من المدينة إلى الشام والغل في يديه ورقبته، وكان من عادته أن يحمل على ظهره أكياس الدقيق ليلا وسرا يضعها أمام أبواب الفقراء، ولما مات افتقدت مائة عائلة من أهل المدينة ذلك، ولما غسلوه وجدوا بظهره آثارا مما كان يحمل بالليل إلى المساكين، وقالوا: ما فقدنا صدقة السر حتى مات علي بن الحسين، ومثله تصوف الفضيل بن عياض شيخ الحرم المكي الذي قال عنه الذهبي: (كان الفضيل ثقة في الحديث بلا نزاع)، وهو أحد شيوخ الإمام الشافعي، ومن كلام الفضيل بن عياض قوله: (مالكم وللملوك ما أعظم منتهم عليكم، قد تركوا لكم طريق الآخرة، فاركبوا طريق الآخرة ولا تبيعونهم الآخرة بالدنيا وتزاحمونهم عليها)، ولما دخل عليه هارون الرشيد قال له: (لقد وليت أمرا عظيما، ما رأيت أحداً أحسن وجها منك، فإن قدرت أن لا تسوِّد هذا الوجه بلفحة من النار فافعل)، فقال له هارون الرشيد: عظني ؟ فقال: (ما أعظك ؟ هذا كتاب الله بين الدفتين، انظر ماذا عمل بمن أطاعه، وماذا عمل بمن عصاه)، وهو تصوف شمس الدين الفاسي الذي نجح في تأسيس المجلس الصوفي العالمي، واتخذ من لندن مقرا له لعلمه بحاجة الإنسان الغربي الذي تنخره الأمراض المادية للصفاء الروحي، يقول الفاسي في أحد الاجتماعات السنوية للمجلس العالمي: (هل نكتفي بالاجتماع كل عام للاحتفال، أم نحول احتفالنا بمولد نبينا إلى جهاد نجتمع فيه على الحق كالبنيان المرصوص، أين منا فلسطين وصبرا وشتيلا ؟ أين منا مسجدنا وقبلتنا الثانية؟ الحاكم وظيفته أن يرعى البلاد ويذودَ عنها شر المعتدين ويحفظ شرع الله ويؤدي الحقوق للناس بالعدل والقسطاس، ولكن كيف تصلح الإنسانية؟ وإصلاحها ليس من حق الحاكم وإنما من حقكم أنتم، حق الأئمة والزعماء، وحقنا نحن المسلمين)، وهو تصوف الإمام الفزاري الذي كان لأهل السنة إماما وعلى أهل الزيغ والبدعة زماما وكان من أصحاب الأوزاعي، قال عنه ابن عساكر: والفزاري هو الذي أدب أهل الثغر يقصد بيروت وأطرافها وعلمهم السنة، ورحل إلى بغداد فأكرمه هارون الرشيد وأجله، وقال له: أيها الشيخ، إنك في موضع من القرب، فقال الفزاري إن ذاك لا يغني عني يوم القيامة من الله شيئا، وكان يقول: الناس ليس دأبهم الكفر وإنما هو الجهل وقلة التعقل، والصوفي عليه تعليمهم وتأديـبهم، وهو تصوف الإمام القُشيري الذي لما قامت سوق المبتدعة ألف رسالته المشهورة "شكاية أهل السنة بما نالهم من المحنة"، وفيها إمضاءات كبار علماء أهل السنة ومنهم الإمام البيهقي، ولما رأى بعض الفرق تدعي التصوف وتنسب إليه ما ليس منه ألف رسالته المشهورة التي ضمنها رجال التصوف حتى لا يتلاعب أحد فيدعي ما ليس له، وهو تصوف الشيخ نجم الدين أبو الجناب الذي مات شهيدا في غارة للمغول على خوارزم، وقد طالبه الطاغية جينكيز خان بترك البلاد ولكنه رفض وأعلن الجهاد والتقى الكفار ومات وهو قابض على رأس كافر وترك وراءه تفسيرا للقرآن الكريم في اثني عشر مجلدا، وهو تصوف الإمام المغيلي العالم الجزائري الذي خاض المعارك الكبرى في الصحراء الجزائرية وصحراء إفريقيا لأجل تطهيرها من دنس اليهود، وهو تصوف الإمام الحداد وما أدراك ما الإمام الحداد شيخ الطريقة الرحمانية الذي وقف على المنبر ودعا إلى الجهاد المقدس في كامل بلاد القبائل، ولما قبض عليه حكمت عليه المحكمة الفرنسية بخمسين سنة سجنا فقال للقاضي تريدونها خمسين ويريدها الله تعالى خمسا، فمات بعد خمسة أيام وترك كلمته الخالدة لأتباعه وهو على فراش الموت فقال لهم: (إذا سمعتم الرصاص في قبري فاعلموا أني أكافح فرنسا) رضي الله عنه و كان عمره 90 سنة.
التصوف الذي نعرفه هو تصوف الليث بن سعد وشيخ الإسلام ابن المبارك، وهو تصوف شامل النقشبندي الرجل الذي أعلن الجهاد ضد الروس منذ أربعمائة سنة لأجل تحرير الشيشان، ولا يزال أحفاده إلى اليوم ومنهم شامل باساييف يقودون المقاومة، ولن ينسى التاريخ الأمير عبد القادر ولا الحداد ولا الخطابي ولا عمر المختار ولا السرهندي ولا الفلاني ولا المغيلي ولا السنوسي ولا محمد إقبال ولا حسن البنا ولا آلاف مؤلفة من غيرهم من صوفية أهل السنة الذين نجحوا في نشر الإسلام في إفريقيا وآسيا وأوروبا وأمريكا وقادوا شعوبهم نحو التحرر من الاستعمار، وقالوا كلمة الحق في وجه الظلمة لأن تصوفهم كان هو أخلاق القرآن الكريم، وفيهم يقول ابن خلدون: (إن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، وهي طريقة الحق والهداية، وأصلها العكوف على العبادة والانقطاع إلى الله والإعراض عن زخرف الحياة وزينتها، والزهد فيما تقبل عليه الجماهير من لذات ومال وجاه، وكان ذلك عاما في الصحابة والسلف، فلما نشأ الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وما بعده، وجنح الناس إلى مخالطة الدنيا، اختص المقبلون على الله بأنفسهم باسم الصوفية) انتهى كلام ابن خلدون.
قلت: هذا هو التصوف الذي نعرفه.
من مواضيعي
0 غايات القرآن .حسن المالكي
0 لماذا يحرمون الاحتفال بالمولد
0 بين الرسول والسلطان
0 المولد النبوي بين التقليد والاجتهاد
0 بمناسبة عاشوراء
0 شباب الجيل
0 لماذا يحرمون الاحتفال بالمولد
0 بين الرسول والسلطان
0 المولد النبوي بين التقليد والاجتهاد
0 بمناسبة عاشوراء
0 شباب الجيل






.gif)


.gif)

