قبل ساعة من الآن أكملت كتاب "العبراتْ" ، لا بأس كان كتابا رائعا كما تعوّدنا من صاحبه بوصفه الدقيق المشوق لأدق التفاصيل لم يكن وصفا مملا بقدر ما كان ملما بكل ما نحتاج إليه حتى نشعر بما يشعر به الكاتب...
لكن : " يا أستاذ قرأت لك الكثير من كتاباتك على غرار ماجدولين ، بول و فرجينيا ... و هذا الأخير" لكن بصراحة ما لم يعجبني أنّ جل ما كتبت عن الحب أي نعم هكذا يظهر من الوهلة الأولى حبٌ شريف عفيف هكذا أردت أن تصوره و أعترف لك قد نجحت في أكثر من مناسبة أن تنسيني أن بطلاتك جلّهن خائنات بعيدا عن العاطفة أنت أردت أن تظهر لنا أنّهن لا يخن عهدا قطعنه لعشيق و أحسنت تصوير مقاطع الحب العفيف بين من يتخذن من عشّاق بل قد نجحت في أكثر من مناسبة أن تصوّر لنا الساقطات في صورة العفيفيات الشريفات ، و لكن يا أستاذ اسمح لي أن أقول لك : شتّان بين العفيفة الشريفة ، و بين من تحاول أن تصورها كذلك... شتّان بين من لم تخن عهد والدها و لم تدنس شرف عائلتها حتى لا تكون بحاجة تضحية تضحيها في سبيل عشيقها كي نروي قصتها لبناتنا كيف صانت عشيقها و ضحت من أجله و عانت في سبيل قبلة من شفتيه أو ضمة إلى صدره متجاهلين أنّ هذه التي نحكي عن عفّتها و آمانتها قد خانت نت قبل عائلتها و والدها... نحن نخرّب عقول بناتنا بمثل هذه القصص الواهية...
لكن لا بأس اضافة على ما أخذنا عنك من وصف أعجبتني قصّة الحجاب تلك و لو لم أقرأ في كتابك كلّها غير هذه الكلمات لكانت كافية بالنسبة لي:
اقتباس:
|
هذِّبوا رجالكم قبل أن تُهذِّبوا نساءكم، فإن عجزتم عن الرجال، فأنتم عن النساء أعجز. أبواب الفخر أمامكم كثيرة؛ فاطرقوا أيها شئتم، ودعوا هذا الباب موصداً، فإنكم إن فتحتموه فتحتم على أنفسكم ويلاً عظيماً، وشقاءً طويلا. أروني رجلاً واحداً منكم يستطيع أن يزعم في نفسه أنه يمتلك هواه بين يدي امرأة يرضاها، فأصدق أن امرأة تستطيع أن تملك هواها بين يدي رجل ترضاه. إنكم تُكلِّفون المرأة ما تعلمون أنكم تعجزون عنه وتطلبون عندها ما لا تعرفونه عند أنفسكم، فأنتم تخاطرون بها في معركة أحسبكم إلا خاسرين. ما شكَت المرأة إليكم ظلماً، ولا تَقدَّمت إليكم في أن تَحلِّوا قيدها وتطلقوها من أسرها، فما دخولكم بينها وبين نفسها؟ وما تمضغكم ليلكم ونهاركم بقصصها وأحاديثها؟! إنها لا تشكو إلا فضولكم وإسفافكم ومضايقتكم لها، ووقوفكم في وجهها حيثما سارت وأينما حلَّت، حتى ضاق بها وجه الفضاء فلم تجد لها سبيلاً إلا أن تَسجِن نفسها بنفسها في بيتها فوق ما سجنها أهلها، فأوصدت من دونها بابها، وأسبلت أستارها، تبرُّماً بكم وفِراراً من فضولكم، فواعجباً لكم تسجنونها بأيديكم، ثم تقفون على بابِ سجنها تبكونها وتندبون شقاءها! إنكم لا ترثون لها؛ بل ترثون لأنفسكم، ولا تبكون عليها، بل على أيام قضيتموها في ديار يسيل جوها تبرُّجاً وسفوراً، ويتدفَّق خلاعةً واستهتاراً، وتودون بجدع الأنف لو ظفرتم هنا بذلك العيش الذي خلفتموه هناك. لقد كنا، وكانت العِفَّة في سقاءٍ من الحجاب موكوء، فما زِلتم به تثقبون في جوانبه، كل يوم ثُقباً، والعِفَّة تتسلّل منه قطرةً قطرة حتى تقبَّض وتكرّش، ثم لم يكفكم ذلك منه حتى جئتم اليوم تريدون أن تحلّوا وِكاءه حتى لا تبقى فيه قطرة واحدة. عاشت المرأة المصرية حقبةً من دهرها مطمئنةً في بيتها، راضيةً عن نفسها وعن عيشها، ترى السعادة كل السعادة في واجب تؤديه لنفسها، أو وقفةً تقفها بين يدي ربها، أو عطفةً تعطفها على ولدها، أو جلسةً تجلسها إلى جارتها تبثها ذات نفسها، وتستبثها سريرة قلبها، وترى الشرف كل الشرف في خضوعها لأبيها وائتمارها بأمر زوجها، ونزولها عند رضاهما. وكانت تفهم معنى الحب، وتجهل معنى الغرام؛ فتُحِب زوجها لأنه زوجها، كما تُحب ولدها لأنه ولدها، فإن رأى غيرها من النساء أن الحب أساس الزواج، رأت هي أن الزواج أساس الحب.
|
اقتباس:
فقلتم لها إنَّ هؤلاء الذين يستبدون بأمركِ من أهلكِ، ليسوا بأوفر منكِ عقلاً ولا أفضل رأياً، ولا أقدر على النظر لكِ من نظركِ لنفسكِ، فلاحق لهم في هذا السلطان الذي يزعمونه لأنفسهم عليكِ، فازدرت أباها، وتمرّدت على زوجها، وأصبح البيت الذي كان بالأمس عُرساً من الأعراس الضاحكة، مناحةً قائمة، لا تهدأ نارها، ولا يخبو أوارها. وقلتم لها: لا بد لكِ أن تختاري زوجكِ بنفسكِ حتى لا يخدعكِ أهلكِ عن سعادة مستقبلكِ، فاختارت لنفسها أسوأ مما اختار لها أهلها، فلم يزدِ عمر سعادتها على يوم وليلة، ثم الشقاء الطويل بعد ذلك، والعذاب الأليم. قلتم لها: إن الحب أساس الزواج، فما زالت تُقلِّب عينيها في وجوه الرجال مُصعِدَةً مُصوِّبة، حتى شغلها الحب عن الزواج فعُنيَت به عنه. وقلتم لها: إن سعادة المرأة في حياتها أن يكون زوجها عشيقها، وما كانت تعرِف إلا أن الزواج غير العشيق، فأصبحت تطلب في كل يوم زوجاً جديداً يُحيي من لوعةِ الحب ما أمات الزوج القديم. فلا قديماً استبقت ولا جديداً أفادت. وقلتم لها: لا بد أن تتعلمي لتُحسِني تربية ولدكِ، والقيام على شؤون بيتكِ، فتعلمت كل شيء إلا تربية ولدها، والقيام على شؤون بيتها. وقلتم لها: نحن لا نتزوج من النساء إلا من نُحبها ونرضاها، ويلائم ذوقُها ذوقَنا، وشعورُها شعورَنا، فرأت أن لا بد لها أن تعرِف مواقع أهوائكم، ومباهج أنظاركم، لتتجمَّل لكم بما تُحبُّون، فراجعت فهرس حياتكم، صفحةً صفحة، فلم ترَ فيه غير أسماء الخليعات المستهترات، والضاحكات اللاعبات، والإعجاب بهن والثناء على ذكائهن وفطنتهن، فتخلَّعت، واستهترت لتبلغ رضاكم، وتنزل عند محبتكم، ثم مشت إليكم بهذا الثوب الرقيق الشفاف، تعرِض نفسها عليكم عرضاً، كما تُعرَض الأَمَةُ في سوق الرقيق، فأعرضتم عنها ونَبَوتُم بها، وقلتم لها: إنا لا نتزوج النساء العاهرات، كأنكم لا تبالون أن يكون نساء الأمة جميعاً ساقطات، إذا سلَّمت لكم نساؤكم، فرجعت أدراجها خائبةً منكسرة، وقد أباها الخليع، وتَرَفَّع عنها المحتشم، فلم تجد بين يديها غير باب السقوط فسقطت. وكذلك انتشرت الريبة في نفوس الأمة جميعاً، وتمشّت الظنون بين رجالها ونسائها، فتعاجز الفريقان، وأظلم الفضاء بينهما، وأصبحت البيوت كالأديرة لا يرى فيها الرائي إلا رِجالاً مترهبين، ونساءً عانسات. ذلك بكاؤكم على المرأة أيها الراحمون... وهذا رثاؤكم لها وعطفكم عليها!
|