شرح مبسط جداً لأزمة المال الأمريكية
01-10-2008, 02:42 PM
شرح مبسط جداً لأزمة المال الأمريكية
يعيش "عايش بثناعش" مع عائلته في شقة مستأجرة وراتبه ينتهي دائما قبل نهاية الشهر. حلم "عايش بثناعش" أن يمتلك بيتاً في "أمرستان"، ويتخلص من الشقة التي يستأجرها بمبلغ 700 دولار شهرياً. ذات يوم فوجئ "عايش بثناعش" بأن زميله في العمل، " قافز نافز من بلاستو مايتحركش "، اشترى بيتاً بالتقسيط. ما فاجأ "عايش بثناعش" هو أن راتبه الشهري هو نفس راتب " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " وكلاهما لا يمكنهما بأي شكل من الأشكال شراء سيارة مستعملة بالتقسيط، فكيف ببيت؟ لم يستطع "عايش بثناعش" أن يكتم مفاجأته فصارح " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " بالأمر، فأخبره أنه يمكنه هو أيضاً أن يشتري بيتا مثله، وأعطاه رقم تلفون المكتب العقاري الذي اشترى البيت عن طريقه.
لم يصدق "عايش بثناعش" كلام " قافز نافز من بلاستو مايتحركش "، لكن رغبته في تملك بيت حرمته النوم تلك الليلة، وكان أول ما قام به في اليوم التالي هو الاتصال بالمكتب العقاري للتأكد من كلام " قافز نافز من بلاستو مايتحركش "، ففوجئ بالاهتمام الشديد، وبإصرار الموظفة "مدام دليلة" على أن يقوم هو وزوجته بزيارة المكتب بأسرع وقت ممكن. وشرحت "مدام دليلة" ل "عايش بثناعش" أنه لا يمكنه الحصول على أي قرض من أي بنك بسبب انخفاض راتبه من جهة، ولأنه لا يملك من متاع الدنيا شيئا ليرهنه من جهة أخرى. ولكنها ستساعده على الحصول على قرض، ولكن بمعدلات فائدة عالية. ولأن "مدام دليلة" تحب مساعدة "عمال البوسيسي" أمثال "عايش بثناعش" فإنها ستساعده أكثر عن طريق تخفيض أسعار الفائدة في الفترة الأولى حتى "يقف "عايش بثناعش" على رجليه". كل هذه التفاصيل لم تكن مهمة "عايش بثناعش". المهم ألا تتجاوز الدفعات 700 دولار شهريا.
باختصار، اشترى "عايش بثناعش" بيتاً في شارع "طابڤ الكلب" دفعاته الشهرية تساوي ما كان يدفعه إيجاراً للشقة. كان "عايش بثناعش"يرقص "بلى محارم" عندما يتحدث عن هذا الحدث العظيم في حياته: فكل دفعة شهرية تعني أنه يتملك جزءا من البيت، وهذه الدفعة هي التي كان يدفعها إيجارا في الماضي. أما البنك، "بنك القرض الشعبي"، فقد وافق على إعطائه أسعار فائدة منخفضة، دعما منه " لبرنامج المليون سكن"، وهي العبارة التي ذكرها رئيس البلد، " اجعلو فاهم واله لا قرا "، في خطابه السنوي في "مجلس البرمه مال".
مع استمرار أسعار البيوت في الارتفاع، ازدادت فرحة "عايش بثناعش"، فسعر بيته الآن أعلى من الثمن الذي دفعه، ويمكنه الآن بيع البيت وتحقيق أرباح مجزية. وتأكد "عايش بثناعش" من هذا عندما اتصل ابن عمه " حسروم " ليخبره بأنه نظرا لارتفاع قيمة بيته بمقدار عشرة آلاف دولار فقد استطاع الحصول على قرض قدره 30 ألف دولار من البنك مقابل رهن جزء من البيت. وأخبره أنه سينفق المبلغ على الإجازة التي كان يحلم بها في جزر " الواق واق"، وسيجري بعض التصليحات في البيت. أما الباقي فإنه سيستخدمه كدفعة أولية لشراء " كروسه جديدة ".
القانون لا يحمي المغفلين
إلا أن صاحبنا "عايش بثناعش" أبو الحزن وزميله " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " لم يقرآ العقد والكلام الصغير المطبوع في أسفل الصفحات. فهناك فقرة تقول إن أسعار الفائدة متغيرة وليست ثابتة. هذه الأسعار تكون منخفضة في البداية ثم ترتفع مع الزمن. وهناك فقرة تقول إن أسعار الفائدة سترتفع كلما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة. وهناك فقرة أخرى تقول إنه إذا تأخر عن دفع أي دفعة فإن أسعار الفائدة تتضاعف بنحو ثلاث مرات. والأهم من ذلك فقرة أخرى تقول إن المدفوعات الشهرية خلال السنوات الثلاث الأولى تذهب كلها لسداد الفوائد. هذا يعني أن المدفوعات لا تذهب إلى ملكية جزء من البيت، إلا بعد مرور ثلاث سنوات.
بعد أشهر رفع البنك المركزي أسعار الفائدة فارتفعت الدفعات الشهرية ثم ارتفعت مرة أخرى بعد مرور عام كما نص العقد. وعندما وصل المبلغ إلى 950 دولاراً تأخر "عايش بثناعش" في دفع الدفعة الشهرية، فارتفعت الدفعات مباشرة إلى 1200 دولار شهريا. ولأنه لا يستطيع دفعها تراكمت عقوبات إضافية وفوائد على التأخير وأصبح "عايش بثناعش" بين خيارين، إما إطعام عائلته وإما دفع الدفعات الشهرية، فاختار الأول، وتوقف عن الدفع. في العمل اكتشف "عايش بثناعش" أن زميله " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " قد طرد من بيته وعاد ليعيش مع أمه مؤقتا، واكتشف أيضاً أن قصته هي قصة عديد من زملائه فقرر أن يبقى في البيت حتى تأتي الشرطة بأمر الإخلاء. مئات الألوف من "أمرستان" عانوا المشكلة نفسها، التي أدت في النهاية إلى انهيار أسواق العقار.
أرباح البنك الذي قدم قرضا "عايش بثناعش" يجب أن تقتصر على صافي الفوائد التي يحققها من هذا القرض، ولكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد. قام البنك ببيع القرض على شكل سندات لمستثمرين، بعضهم من دول الخليج، وأخذ عمولة ورسوم خدمات منهم. هذا يعني أن البنك كسب كل ما يمكن أن يحصل عليه من عمولات وحول المخاطرة إلى المستثمرين. المستثمرون الآن يملكون سندات مدعومة بعقارات، ويحصلون على عوائد مصدرها مدفوعات "عايش بثناعش" وزميله " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " وابن عمه " حسروم" الشهرية. هذا يعني أنه لو أفلس "عايش بثناعش" أو نبهان فإنه يمكن أخذ البيت وبيعه لدعم السندات. ولكن هؤلاء المستثمرين رهنوا هذه السندات، على اعتبار أنها أصول، مقابل ديون جديدة للاستثمار في شراء مزيد من السندات. نعم، استخدموا ديونا للحصول على مزيد من الديون! المشكلة أن البنوك تساهلت كثيرا في الأمر لدرجة أنه يمكن استدانة 30 ضعف كمية الرهن. باختصار، "عايش بثناعش" يعتقد أن البيت بيته، والبنك يرى أن البيت ملكه أيضاً. المستثمرون يرون أن البيت نفسه ملكهم هم لأنهم يملكون السندات. وبما أنهم رهنوا السندات، فإن البنك الذي قدم لهم القروض، بنك " اعمار المدينة الجديدة خربت شالة "، يعتقد أن هناك بيتا في مكان ما يغطي قيمة هذه السندات، إلا أن كمية الديون تبلغ نحو 30 ضعف قيمة البيت!
أما "حسروم"، ابن عم "عايش بثناعش"، فقد أنفق جزءا من القرض على إجازته وإصلاح بيته، ثم حصل على سيارة جديدة عن طريق وضع دفعة أولية قدرها ألفا دولار، وقام بنك " دبارت الفار على مول الدار سيتي" بتمويل الباقي. ثم قام البنك بتحويل الدين إلى سندات وباعها إلى بنك استثماري اسمه "لالي لالي يمى لالي"، الذي احتفظ بجزء منها، وقام ببيع الباقي إلى صناديق تحوط وصناديق سيادية في أنحاء العالم كافة. "حسروم" يعتقد أنه يمتلك السيارة، وبنك " دبارت الفار على مول الدار سيتي" يعتقد أنه يملك السيارة، وبنك "لالي لالي يمى لالي" يعتقد أنه يمتلك السيارة، والمستثمرون يعتقدون أنهم يملكون سندات لها قيمة لأن هناك سيارة في مكان ما تدعمها. المشكلة أن كل هذا حصل بسبب ارتفاع قيمة بيت " حسروم"، وللقارئ أن يتصور ما يمكن أن يحصل عندما تنخفض قيمة البيت، ويطرد " حسروم" من عمله!
القصة لم تنته بعد!
بما أن قيمة السندات السوقية وعوائدها تعتمد على تقييم شركات التقييم هذه السندات بناء على قدرة المديون على الوفاء، وبما أنه ليس كل من اشترى البيوت له القدرة نفسها على الوفاء، فإنه ليست كل السندات سواسية. فالسندات التي تم التأكد من أن قدرة الوفاء فيها ستكون فيها أكيدة ستكسب تقدير "أأأ"، وهناك سندات أخرى ستحصل على "ب" وبعضها سيصنف على أنه لا قيمة له بسبب العجز عن الوفاء. لتلافي هذه المشكلة قامت البنوك بتعزيز مراكز السندات عن طريق اختراع طرق جديدة للتأمين بحيث يقوم حامل السند بدفع رسوم تأمين شهرية كي تضمن له شركة التأمين سداد قيمة السند إذا أفلس البنك أو صاحب البيت، الأمر الذي شجع المستثمرين في أنحاء العالم كافة على اقتناء مزيد من هذه السندات. وهكذا أصبح "عايش بثناعش" و" قافز نافز من بلاستو مايتحركش " و" حسروم " أبطال الاقتصاد العالمي الذي تغنى به الكاتب "توماس فريدمان".
في النهاية، توقف "عايش بثناعش" عن سداد الأقساط، وكذلك فعل " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " و"حسروم " وغيرهم، ففقدت السندات قيمتها، وأفلست البنوك الاستثمارية وصناديق الاستثمار المختلفة. أما الذين اشتروا تأمينا على سنداتهم فإنهم حصلوا على قيمتها كاملة، فنتج عن ذلك إفلاس شركة التأمين "أي آي جي". عمليات الإفلاس أجبرت البنوك على تخفيف المخاطر عن طريق التخفيض من عمليات الإقراض، الأمر الذي أثر في كثير من الشركات الصناعية وغيرها التي تحتاج إلى سيولة لإتمام عملياتها اليومية، وبدأت بوادر الكساد الكبير بالظهور، الأمر الذي أجبر حكومة أمرستان على زيادة السيولة عن طريق ضخ كميات هائلة لإنعاش الاقتصاد الذي بدأ يترنح تحت ضغط الديون للاستثمار في الديون! أما "توماس فريدمان" فقد قرر أن يكسب مزيدا من الملايين حيث سينتهي من كتابة قصة "عايش بثناعش" أبو الحزن عما قريب.
د. أنس بن فيصل الحجي
أكاديمي وخبير في شؤون النفط / الكويت
منقول مع تعديل طفيف
يعيش "عايش بثناعش" مع عائلته في شقة مستأجرة وراتبه ينتهي دائما قبل نهاية الشهر. حلم "عايش بثناعش" أن يمتلك بيتاً في "أمرستان"، ويتخلص من الشقة التي يستأجرها بمبلغ 700 دولار شهرياً. ذات يوم فوجئ "عايش بثناعش" بأن زميله في العمل، " قافز نافز من بلاستو مايتحركش "، اشترى بيتاً بالتقسيط. ما فاجأ "عايش بثناعش" هو أن راتبه الشهري هو نفس راتب " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " وكلاهما لا يمكنهما بأي شكل من الأشكال شراء سيارة مستعملة بالتقسيط، فكيف ببيت؟ لم يستطع "عايش بثناعش" أن يكتم مفاجأته فصارح " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " بالأمر، فأخبره أنه يمكنه هو أيضاً أن يشتري بيتا مثله، وأعطاه رقم تلفون المكتب العقاري الذي اشترى البيت عن طريقه.
لم يصدق "عايش بثناعش" كلام " قافز نافز من بلاستو مايتحركش "، لكن رغبته في تملك بيت حرمته النوم تلك الليلة، وكان أول ما قام به في اليوم التالي هو الاتصال بالمكتب العقاري للتأكد من كلام " قافز نافز من بلاستو مايتحركش "، ففوجئ بالاهتمام الشديد، وبإصرار الموظفة "مدام دليلة" على أن يقوم هو وزوجته بزيارة المكتب بأسرع وقت ممكن. وشرحت "مدام دليلة" ل "عايش بثناعش" أنه لا يمكنه الحصول على أي قرض من أي بنك بسبب انخفاض راتبه من جهة، ولأنه لا يملك من متاع الدنيا شيئا ليرهنه من جهة أخرى. ولكنها ستساعده على الحصول على قرض، ولكن بمعدلات فائدة عالية. ولأن "مدام دليلة" تحب مساعدة "عمال البوسيسي" أمثال "عايش بثناعش" فإنها ستساعده أكثر عن طريق تخفيض أسعار الفائدة في الفترة الأولى حتى "يقف "عايش بثناعش" على رجليه". كل هذه التفاصيل لم تكن مهمة "عايش بثناعش". المهم ألا تتجاوز الدفعات 700 دولار شهريا.
باختصار، اشترى "عايش بثناعش" بيتاً في شارع "طابڤ الكلب" دفعاته الشهرية تساوي ما كان يدفعه إيجاراً للشقة. كان "عايش بثناعش"يرقص "بلى محارم" عندما يتحدث عن هذا الحدث العظيم في حياته: فكل دفعة شهرية تعني أنه يتملك جزءا من البيت، وهذه الدفعة هي التي كان يدفعها إيجارا في الماضي. أما البنك، "بنك القرض الشعبي"، فقد وافق على إعطائه أسعار فائدة منخفضة، دعما منه " لبرنامج المليون سكن"، وهي العبارة التي ذكرها رئيس البلد، " اجعلو فاهم واله لا قرا "، في خطابه السنوي في "مجلس البرمه مال".
مع استمرار أسعار البيوت في الارتفاع، ازدادت فرحة "عايش بثناعش"، فسعر بيته الآن أعلى من الثمن الذي دفعه، ويمكنه الآن بيع البيت وتحقيق أرباح مجزية. وتأكد "عايش بثناعش" من هذا عندما اتصل ابن عمه " حسروم " ليخبره بأنه نظرا لارتفاع قيمة بيته بمقدار عشرة آلاف دولار فقد استطاع الحصول على قرض قدره 30 ألف دولار من البنك مقابل رهن جزء من البيت. وأخبره أنه سينفق المبلغ على الإجازة التي كان يحلم بها في جزر " الواق واق"، وسيجري بعض التصليحات في البيت. أما الباقي فإنه سيستخدمه كدفعة أولية لشراء " كروسه جديدة ".
القانون لا يحمي المغفلين
إلا أن صاحبنا "عايش بثناعش" أبو الحزن وزميله " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " لم يقرآ العقد والكلام الصغير المطبوع في أسفل الصفحات. فهناك فقرة تقول إن أسعار الفائدة متغيرة وليست ثابتة. هذه الأسعار تكون منخفضة في البداية ثم ترتفع مع الزمن. وهناك فقرة تقول إن أسعار الفائدة سترتفع كلما رفع البنك المركزي أسعار الفائدة. وهناك فقرة أخرى تقول إنه إذا تأخر عن دفع أي دفعة فإن أسعار الفائدة تتضاعف بنحو ثلاث مرات. والأهم من ذلك فقرة أخرى تقول إن المدفوعات الشهرية خلال السنوات الثلاث الأولى تذهب كلها لسداد الفوائد. هذا يعني أن المدفوعات لا تذهب إلى ملكية جزء من البيت، إلا بعد مرور ثلاث سنوات.
بعد أشهر رفع البنك المركزي أسعار الفائدة فارتفعت الدفعات الشهرية ثم ارتفعت مرة أخرى بعد مرور عام كما نص العقد. وعندما وصل المبلغ إلى 950 دولاراً تأخر "عايش بثناعش" في دفع الدفعة الشهرية، فارتفعت الدفعات مباشرة إلى 1200 دولار شهريا. ولأنه لا يستطيع دفعها تراكمت عقوبات إضافية وفوائد على التأخير وأصبح "عايش بثناعش" بين خيارين، إما إطعام عائلته وإما دفع الدفعات الشهرية، فاختار الأول، وتوقف عن الدفع. في العمل اكتشف "عايش بثناعش" أن زميله " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " قد طرد من بيته وعاد ليعيش مع أمه مؤقتا، واكتشف أيضاً أن قصته هي قصة عديد من زملائه فقرر أن يبقى في البيت حتى تأتي الشرطة بأمر الإخلاء. مئات الألوف من "أمرستان" عانوا المشكلة نفسها، التي أدت في النهاية إلى انهيار أسواق العقار.
أرباح البنك الذي قدم قرضا "عايش بثناعش" يجب أن تقتصر على صافي الفوائد التي يحققها من هذا القرض، ولكن الأمور لم تتوقف عند هذا الحد. قام البنك ببيع القرض على شكل سندات لمستثمرين، بعضهم من دول الخليج، وأخذ عمولة ورسوم خدمات منهم. هذا يعني أن البنك كسب كل ما يمكن أن يحصل عليه من عمولات وحول المخاطرة إلى المستثمرين. المستثمرون الآن يملكون سندات مدعومة بعقارات، ويحصلون على عوائد مصدرها مدفوعات "عايش بثناعش" وزميله " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " وابن عمه " حسروم" الشهرية. هذا يعني أنه لو أفلس "عايش بثناعش" أو نبهان فإنه يمكن أخذ البيت وبيعه لدعم السندات. ولكن هؤلاء المستثمرين رهنوا هذه السندات، على اعتبار أنها أصول، مقابل ديون جديدة للاستثمار في شراء مزيد من السندات. نعم، استخدموا ديونا للحصول على مزيد من الديون! المشكلة أن البنوك تساهلت كثيرا في الأمر لدرجة أنه يمكن استدانة 30 ضعف كمية الرهن. باختصار، "عايش بثناعش" يعتقد أن البيت بيته، والبنك يرى أن البيت ملكه أيضاً. المستثمرون يرون أن البيت نفسه ملكهم هم لأنهم يملكون السندات. وبما أنهم رهنوا السندات، فإن البنك الذي قدم لهم القروض، بنك " اعمار المدينة الجديدة خربت شالة "، يعتقد أن هناك بيتا في مكان ما يغطي قيمة هذه السندات، إلا أن كمية الديون تبلغ نحو 30 ضعف قيمة البيت!
أما "حسروم"، ابن عم "عايش بثناعش"، فقد أنفق جزءا من القرض على إجازته وإصلاح بيته، ثم حصل على سيارة جديدة عن طريق وضع دفعة أولية قدرها ألفا دولار، وقام بنك " دبارت الفار على مول الدار سيتي" بتمويل الباقي. ثم قام البنك بتحويل الدين إلى سندات وباعها إلى بنك استثماري اسمه "لالي لالي يمى لالي"، الذي احتفظ بجزء منها، وقام ببيع الباقي إلى صناديق تحوط وصناديق سيادية في أنحاء العالم كافة. "حسروم" يعتقد أنه يمتلك السيارة، وبنك " دبارت الفار على مول الدار سيتي" يعتقد أنه يملك السيارة، وبنك "لالي لالي يمى لالي" يعتقد أنه يمتلك السيارة، والمستثمرون يعتقدون أنهم يملكون سندات لها قيمة لأن هناك سيارة في مكان ما تدعمها. المشكلة أن كل هذا حصل بسبب ارتفاع قيمة بيت " حسروم"، وللقارئ أن يتصور ما يمكن أن يحصل عندما تنخفض قيمة البيت، ويطرد " حسروم" من عمله!
القصة لم تنته بعد!
بما أن قيمة السندات السوقية وعوائدها تعتمد على تقييم شركات التقييم هذه السندات بناء على قدرة المديون على الوفاء، وبما أنه ليس كل من اشترى البيوت له القدرة نفسها على الوفاء، فإنه ليست كل السندات سواسية. فالسندات التي تم التأكد من أن قدرة الوفاء فيها ستكون فيها أكيدة ستكسب تقدير "أأأ"، وهناك سندات أخرى ستحصل على "ب" وبعضها سيصنف على أنه لا قيمة له بسبب العجز عن الوفاء. لتلافي هذه المشكلة قامت البنوك بتعزيز مراكز السندات عن طريق اختراع طرق جديدة للتأمين بحيث يقوم حامل السند بدفع رسوم تأمين شهرية كي تضمن له شركة التأمين سداد قيمة السند إذا أفلس البنك أو صاحب البيت، الأمر الذي شجع المستثمرين في أنحاء العالم كافة على اقتناء مزيد من هذه السندات. وهكذا أصبح "عايش بثناعش" و" قافز نافز من بلاستو مايتحركش " و" حسروم " أبطال الاقتصاد العالمي الذي تغنى به الكاتب "توماس فريدمان".
في النهاية، توقف "عايش بثناعش" عن سداد الأقساط، وكذلك فعل " قافز نافز من بلاستو مايتحركش " و"حسروم " وغيرهم، ففقدت السندات قيمتها، وأفلست البنوك الاستثمارية وصناديق الاستثمار المختلفة. أما الذين اشتروا تأمينا على سنداتهم فإنهم حصلوا على قيمتها كاملة، فنتج عن ذلك إفلاس شركة التأمين "أي آي جي". عمليات الإفلاس أجبرت البنوك على تخفيف المخاطر عن طريق التخفيض من عمليات الإقراض، الأمر الذي أثر في كثير من الشركات الصناعية وغيرها التي تحتاج إلى سيولة لإتمام عملياتها اليومية، وبدأت بوادر الكساد الكبير بالظهور، الأمر الذي أجبر حكومة أمرستان على زيادة السيولة عن طريق ضخ كميات هائلة لإنعاش الاقتصاد الذي بدأ يترنح تحت ضغط الديون للاستثمار في الديون! أما "توماس فريدمان" فقد قرر أن يكسب مزيدا من الملايين حيث سينتهي من كتابة قصة "عايش بثناعش" أبو الحزن عما قريب.
د. أنس بن فيصل الحجي
أكاديمي وخبير في شؤون النفط / الكويت
منقول مع تعديل طفيف
من مواضيعي
0 الصورة التي عرضها الامريكان بشأن مقتل بن لادن مُفبركه
0 كتب منوعة محاصيل فاكهة بساتين....انجليزية
0 ماهذا الشئ
0 صور نباتات غريبة ونادره متجدد
0 هل شاهدت قلبك من قبل وهو ينبض ؟ شاهده
0 مخطط يوضح مراحل يوم القيامة
0 كتب منوعة محاصيل فاكهة بساتين....انجليزية
0 ماهذا الشئ
0 صور نباتات غريبة ونادره متجدد
0 هل شاهدت قلبك من قبل وهو ينبض ؟ شاهده
0 مخطط يوضح مراحل يوم القيامة












