تابع لموضوع المقاطعة بين أدلة الشريعة وانفعالات أهلها ( دراسة فقهيه ).
الوقفة السادسة
إن الإسلام جاء بسد الذرائع؛ فنهينا عن سب آلهة الكفار والمشركين، وحرم ذلك لكي لا يكون ذلك ذريعة لسب الله سبحانه وتعالى.
فالأولى في مثل ما حصل أن يترك فاعله يعوي على نفسه؛ لأن مناكفته كما حصل ستؤدي إلى إشهار سبه وتنقصه وتناصر الكفار على ذلك، وهذا ما حصل.
فإذا غلب على الظن أن ذلك يكون حُرِّمَ كل فعل يؤدي إلى إشهار سبه وإظهار تنقصه، وإن كان في أصله جائز.
ألا ترى في قصة عائشة - والأمر أقل من ذلك - نهي الصحابة عن الحديث فيه وأرشدهم الله إلى ذلك بقوله: (ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم) [النور/ 16] فأرشد الله المؤمنين إلى قطع الحديث فيه مطلقًا.
وكذلك جاء منهج أهل السنة والجماعة في ما حدث بين الصحابة من الفتنة فإنهم أوجبوا الإمساك عن الخوض فيه.
ولذلك أخطأ خطأً عظيمًا من أمر بنشرها زعمًا منه أنه يلهب مشاعر المسلمين؛ فهو بهذا ينشر إساءة النبي صلى الله عليه، ويحقق لمن أساء مقصوده.
الوقفة السابعة
أن النبي صلى الله عليه وسلم لم ينتصر لنفسه قط؛ فقد سحره اليهود عن طريق لبيد بن الأعصم، وعلم بذلك، وتأذى من ذلك ستة أشهر، ولم يقتل لبيدًا ولم يقتل الجارية التي أعانته بأخذ شعر النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك لم يقتل اليهودية التي سمّته، والذين قالوا إنه قتلها قالوا قتلها لما مات صاحبه الذي أكل معه، وهو البراء بن بشر.
ومع ما جرى من ذلك كله لم يقاطعهم ولم يأمر بمقاطعتهم تجاريًا.
الوقفة الثامنة
كيف ينصر الرسول صلى الله عليه وسلم؟
بل كيف ينصر الله أولاً؟
ينصر الله بنصر شريعته كما قال سبحانه وتعالى: (إن تنصروا الله ينصركم) والله ليس في حاجة لنصرة العبد. وإنما إعزاز الله بتوحيده وإظهار شريعته.
فإذا كان ذلك في جناب الله، فهو كذلك في جناب النبي صلى الله عليه وسلم نصرته بنصرة شريعته لا بتحريفها والابتداع فيها.
ولذلك كان الذب عن دينه أعظم من الذب عن نفسه؛ لأنه جاهد بنفسه وعرضها للهلاك من أجل دينه.
ومخالفة شرعه أعظم من نصرة مزعومة؛ وتأمل أنه في معركة أحد جعل الرماة على الجبل وقال لهم: "إن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم هذا".
فلما خالفوا أمره ونزلوا طلبًا للغنيمة انقلب نصرهم هزيمة بسبب مخالفة أمره صلى الله عليه وسلم.
وفي مقولته تلك – في معركة أحد - جعل المحافظة على شرعه بطاعته أعظم من نصرة جسده، لذلك قلنا إن الذب عن دينه أعظم من الذب عن نفسه، لأن المقصود من إرساله أصلاً هو إظهار الشريعة وإعزاز التوحيد.
وهذا الذي كان عليه الصحابة؛ فانظر إلى أبي بكر - كما ثبت في الصحيح - تأتيه فاطمة رضي الله عنها تسأله ميراث النبي صلى الله عليه وسلم فيقول: لا، سمعت الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: "لا نورث ما تركنا صدقة"؛ فتغضب عليه فاطمة إلى أن توفيت.
ولو كان أبو بكر رضي الله عنه يعمل بالعاطفة على حساب الشريعة لقال: هذه فاطمة بقية الرسول صلى الله عليه وسلم وهي ليست بالغنية، هذه أحب بناته إليه هذه سيدة نساء الجنة، هذه أم الحسن والحسين، هذه... إلخ.
ثم سوغ لنفسه أن يخالف أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ولكن حاشاه فبهذا حفظت الشريعة وتحفظ.
لذا لا يجوز أن ينصر الرسول صلى الله عليه وسلم إلا بأمر مشروع يوافق شريعته صلى الله عليه وسلم.
وليست المحبة أن يخالف شرعه، ولو كان بدعوى نصرته، وإذا كانت محبة الله إنما تثبت باتباع الرسول صلى الله عليه وسلم، فكذلك من باب أولى محبته.
الوقفة التاسعة
إننا لو عملنا بالمقاطعة لهذا السبب؛ فإن قياس الطرد والأولى سيجعلنا نقاطع دول العالم كلها فتأمل.
وبالتالي نعيش في عزلة تنافي مقصود الشارع، ولذلك بدل أن يكون عدونا من كتب ونشر وسعنا دائرة أعدائنا إلى جميع قارات العالم، وانتشرت المفسدة التي زعمًا كنا ندرؤها.
وبلغ من فرط جهل كثير من الناس والجمعيات المسلمة المطالبة بسن قانون دولي يحترم الأديان، وهذا عام يلزم المسلم أن يحترم كل النحل الأرضية.
ويا ليت المسلمين غضبوا قبل هذه الغضبة على من سب عيسى عليه السلام في تلك البلاد، وذلك كثير! لأن عقيدتنا في الأنبياء واحدة.
ومن عجيب أمر الناس في هذا العصر أنهم قاطعوا تلك البلد الذي سب فيه الرسول صلى الله عليه وسلم، ولم يقاطعوا بلدًا مسلمًا حرف حاكمها كتاب الله وأنكر سنته وأبطل شريعته وغير قبلته وحارب أتباعه.
ومع الأسف فإنه يأمر بالمقاطعة وكأنه يضحك على المسلمين، أليس هذا أحق بالمقاطعة من غيره؟!
كذلك ألا يلزمنا القياس بمقاطعة من سلم المسجد الأقصى وأعان على احتلاله وأبطل الجهاد من أجله.
كذلك أليس القياس يلزمنا بمقاطعة تلك الدول، التي تزعم أنها مسلمة، وليس لها هم إلا محاربة الإسلام.
فعلينا أن نجزم ونؤمن أن الله متم نوره ولو كره الكافرون، وكما حمى النبي صلى الله عليه وسلم في حياته برغم كل ما حدث وعصمه، فكذلك يحميه وهو ميت. ولنتصف بالحلم، وتأمل كيف يحلم ربك على من كفر به وسبه وشتمه وتنقصه وعصاه.
والأمور كلها بيد الله والعاقبة لله ولرسوله ولدينه.
وتأكيدًا لذلك فقد قال تعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: (ولا تطع الكافرين والمنافقين ودع أذاهم وتوكل على الله وكفى بالله وكيلاً) [الأحزاب/ 48].
وقال تعالى: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورًا ولو شاء ربك ما فعلوه فذرهم وما يفترون) [الأنعام/ 112].
فإذا كانت المصلحة فلنذرهم وما يفترون، وكذلك قال: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدوًا من المجرمين وكفى بربك هاديًا ونصيرًا) [الفرقان/ 31].
وتأمل كيف ختم الآية بالكفاية والهداية والنصر.
وقال تعالى: (إنا كفيناك المستهزئين) [الحجر/ 95].
وقد حصل مفاسد عظيمة على المسلمين؛ فكم من دماء المسلمين أهريق ولم يهرق دم من سب وشتم.
وكم خسر المسلمون في ملصقات أكثرها ملصقات كتبت بعبارات ليست موافقة للشرع مثل (محمد وبس)، وهي بالإطلاق لا تجوز لما في ذلك من نفي لحق الرب.
ومن المفاسد أنها وزعت وألصقت في مساجد المسلمين في البلاد الإسلامية وكأنهم هم من سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم.
وكذلك ركبت المنامات وانتشرت بدع بسبب ذلك؛ بل ووضعت أقوال على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم.
الوقفة العاشرة
أنه لا يعبد الله إلا بما شرع، وأنه لا جهاد بدون تطبيق لأحكام الجهاد وأنه لا يرفع الجهل إلا العلم.
وعليه أقول: إن مقتضيات تشريع المقاطعة وجدت في جميع عصور الأنبياء ومع ذلك لم تشرع في أي دين سماوي.
فقد سب الله، وقتل الأنبياء وسبوا، وحوربت الشرائع، وقتل المؤمنون. ومع ذلك لم يفعلها الأنبياء انتصارًا لله ولرسوله ولشرائعه وللمؤمنين.
وفي شريعة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة، ولم يفعلها الصحابة، ولم يقل بها التابعون، ولم يفتِ بها إمام.
لذلك أقول - والله المستعان ;كما قال شيخ الإسلام بن تيميه ( من تقرب إلى الله بما ليس من الحسنات المأمور بها أمر إيجاب ولا استحباب فهو ضال متبع للشيطان وسبيله من سبيل الشيطان )- وعليه يمكن أن يقال إنَّ تعبُّدَ الله بالمقاطعة بدعة لا يؤجر عليها ولا يثاب.
ولا يصح للمسلم أن يفعلها على وجه التعبد، وقال بعض المحققين: إنه يؤجر على حسن القصد، فليس من أراد الخير وأخطأه كمن أراد الشر وأصابه، ولكن تبقى المقاطعة أمرًا مباحًا تحدده المصلحة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.