قسما.. وأشراك الإشراك!
15-04-2009, 10:01 PM
قَسَمًا.. وَأَشْرَاكُ الإِشْرَاكِ!
عجيب أمرك يا "قسما".. عجيب أمرك يا نشيدنا الوطني! لم يخطر ببال بعض إخواننا أن ينبّهوا إلى ما في أول أبياتك من "قسم بغير الله"، إلا حين قرؤوا أن الشيخ عائضا القرني بكى عند سماعه لك!! كأن الذي يهمهم في البداءة، هو "انتقاد" الشيخ عائض، وتتبع زلاته؛ وكأنك لا ذنب لك إلا أنك أثرت في الشيخ عائض فبكى.. فكان ضحيتك، وكنت ضحيته!! وإلا، أفلا كانوا تكلموا عنك، وأنت ينشدك الناس منذ عقود؟؟!
هذا الذي هَجَسَ في خاطري، وأنا أقرأ كل ما أثاره موضوعٌ عنوانه: ((عائض القرني يبكي عند سماع "قسما"!! الله المستعان))من هوامش، وتفريعات، وتأصيلات، وتقعيدات (وتعقيدات، واحتجاجات!)..
بدايةً، وقبل أن أخوض في حديث الهزات الارتدادية التي تسبب الموضوع الأصلي فيها؛ أحبُّ أن أشير إلى أن هذا الموضوع الأصلي، كان ظالما غيرَ منصف! فقد كان -فيما أذكر- يتعجّب، ويعجِّب القراء، من بكاء عائض القرني عند سماعه (أو استماعه.. والسماع يكون بقصد وبدونه، فلهذا فهو يشارك الاستماع في معنى الإصغاء.. أقول هذا لأن أحد الإخوة سأل: "سمع أو استمع"؟؟! وهذا تحذلق لا معنى له، وتفلسف لا طائل من ورائه، ولا سيما إن كان "السامع" ميتا لا يقدر على الإجابة على السؤال!!..) سماعه أو أو استماعه "قسما"... كيف يبكي هذا الشيخ الداعية، وهو يسمع قسما بغير الله؟!! مع أن الشيخ عائضا القرني، ذكر بدقة، لحظة بكائه!.. وأن دموعه نزلت على خديه حينما سمع:
يا فرنسا قد مضى وقت العتاب ** وطويناه كما يطوى الكتاب
يا فرنسا إن ذا يوم الحساب ** فاستعدي وخذي منا الجواب
إن في ثورتنا فصل الخطاب ** وعقدنا العزم أن تحيا الجزائر
فاشهدوا
وهذا في ذوقي، أروع مقطع من النشيد الوطني! ومازلتُ أحسُّ بكهرباء تسري في جسدي كله، فتخضل مآقيَّ.. كلما ذكرتُ أو "اسمتعتُ": "يا فرنسا إن ذا يوم الحساب".. وإني إخال أن لو قال: "يا فرنسا إننا يوم الحساب" لكان أشعر المغاربة بهذا الشطر المعجز!!
ما أفخم، وما أفخر!.. وليتنا كُنَّا لفرنسا في الجزائر -كما أراد الشهداء الأبرار، وكتب مفدي- يومَ الحساب.. اليوم الآخر! فلم تقم لها قائمة في بلدنا بعد استرجاعنا السيادة الوطنية! (ولا لكل ما يمتُّ لها بصلة: أولادها، نظمها، عاداتها، ثقافتها...الخ)!! ليتنا التزمنا عهد الشهداء.. وقسمهم "بالدماء"!! (سأعود لهذا لاحقا)..
عائض القرني، بكى عند سماعه هذا المقطع، من "قسما".. بكى لأنه تذكر ملاحم المجاهدين في الجزائر أثناء الثورة الكبرى، وقبلها.. لأنه قرأها، واستمع إلى أمجادها.. لا كبعض الجزائريين المتنكرين لأصولهم، وجذورهم! (من العجب أن يقدم الدكتور الكبير الشريف الحسني محمد عقيل موسى -السعودي الجنسية- سلسلة تجاوز عدد حلقاتها أربعين عن تاريخ الجزائر، ويجتهد في جمع مادتها، وتنسيق فقراتها، وتبسيط عباراتها ليفهمها الجميع.. ولا نجد من دعاتنا وطلبة العلم عندنا، من يدرِّس تاريخ الجزائر العام للشيخ عبد الرحمن الجيلالي، أو تاريخ الجزائر في القديم والحديث للشيخ مبارك الميلي في المساجد!! مع أن الشيخ ابن باديس -الذي يزعم بعضٌ النسبة إليه- كان يدرِّسُ التاريخ في المسجد قبيل الفجر من كل يوم!!)
ولعل عائضا بكى، لأنه نظر إلى فلسطين، من خلال هذا المقطع... غيَّر كلمة أو كلمتين فيه.. فتطابقت الصورتان (الجزائر قبل 1962، وفلسطين في هذه الأيام) كأنهما نُسِخَتَا بالكاربون!!... (ما هذا التشبيه الأعرج المتخلف! أفي زمن التَّصوير الرقمي، والماسحات الضوئية، و"الاستنساخ".. مازلتُ أشبِّه بالـ"ديكالكاج" -كما يحلو للجزائريين القول؟!- "لعمري" إنني لَمُعْرِقٌ في التَّخلف!!) فاطمأن إلى أن طريق تحرير القدس ليس مفاوضات، أو سلما أو صلحا.. بل جهادا ودما ونارا، تحرق العدوَّ وتصليه نار الدنيا قبل الآخرة! واطمأنَّ إلى أن فرج فلسطين قريب، لأن جذوة الجهاد متقدة، ولأن سطوة الظالم شديدة.. وهكذا من يدنو إليه الموت، يمدُّه حب الحياة والتعلق بها بكل ما اختزنه جسده من قوة، وعرامة... ولكنه إلى الموت صائر بعد حُيَيْن!
..اعذروني -رحمكم الله- فإني أدافع الاستطراد كثيرا، فأغلبه حينا، ويغلبني أحيانا.. ولعل الشيخ الأديب علي الطنطاوي -رحمه الله- أوّل من نقل إلي هذا الداء.. فلما دخلتُ إلى رحاب الجاحظ استحال طبعا وعادة!!.. (وهذا من الاستطراد أيضا!)
والمهم الذي أردت أن ألفت القارئ إليه، أن عائضا، لم يبكِ حين سمع "القسم بغير الله" كما أوهم صاحب الموضوع الرئيس.. إنما أوضح متى وأين ولِمَ بكي!
ولكنها نفس الإنسان وسطوتُها:
إِنَّمَا أَنْفُسُ الأَنِيسِ سِبَاعٌ ** يَتَفَارَسْنَ جَهْرَةً وَاغْتِيَالاَ!
ولكن الموضوع فتح على الناس أبوابا من القول، والرد، والخوض في دقائق العلم بعلم وبجهل! ورصدتُ عدة موضوعاتٍ ميزها جميعها في الأعم الأغلب الحدة في الرد، والحيدة في الجدال، والخروج عن الموضوع، والتنابز بالألقاب...
من الموضوعات التي فتحت على هامش المقال الأصل:
- "أُخرجت الجزائر من الملّة.....!!! والله المستعان" لأبي أسامة،
- "أنواع القسم والحلف بالله" لجمال البليدي،
- "رفض واحتجاج" لأبي أسامة،
- "المشرك الجزائري الشهيد... أروع قصة قصيرة واقعية قرأتها" لـ القلم المسلول،
- "حكم ما جاء في النشيد الوطني...الرد الأخير ونتحدى" لجمال البليدي...الخ
وقبل أن أبدي رأيا في الموضوع.. أحب أن أسأل من أثار الموضوع الأصلي، ومن دافع عنه:
- لماذا الآن؟؟
- ولمن توجّه مقالك، وفتوى الحجوري عن "قسما، وألفاظه الشركية"؟
- وما هي الفائدة التي ترجوها من مقولك (أو منقولك)؟!
لا يقولنَّ لي قائل إن سبب كتابة المقال، هو أن الحاجة اقتضتْ البيان، وإنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة! فوقت الحاجة هذا عرضَ من يوم صار "قسما" النشيد الوطني الجزائري!
ولا يقولنَّ آخر (وكل هذه الحجج ذكرها إخوان لنا في ثنايا مقالاتهم)، إن علماء الجزائر، كل علماء الجزائر، سكتوا عنه، وهو شرك أصغر كما قيل، جلبا لمصلحة ما، أو دفعا لمفسدة متوقعة لا نعرف بعد ماهيتها! فإنَّ سكوت كل أهل العلم في الجزائر، من دون استثناءٍ وصل إلينا، أو سمعنا به، أو ذكر لنا؛ عن بيان الحق في "قسما" وقتها.. هو شبه إقرار منهم له. "إذ يبعد سكوت الكل مع اعتقاد المخالفة" كما يقول الأصوليون!.. فعوام الجزائريين -إذن- يعذرون، إن يكن "قسما" شركا أصغر، بِتَوهُّم الجواز من سكوت العلماء الإقراري!.. وقد تكلَّم الإمام الشاطبي في الاعتصام عن أثر سكوت أهل العلم في تقرير البدع عند العامة، لأن العلماء ورثة الأنبياء يَدُلُّون على الأحكام بأقوالهم وأفعالهم وتقريراتهم، فليرجع إليه من شاء (فصلٌ: فإن قيل أما الابتداع بمعنى أنه نوع من التشريع.. الخ، 1/364) فإني أكتفي بالإشارة إليه عن النقل المطول..
وعهْدُ الله إل العلماء -كما روي عن أبي حازم رحمه الله- (لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلاَ تَكْتُمُونَهُ)
فإن قيل، إن سكوتهم عن "قسما" يندرج تحت عنوان "المسائل التي جوابها السكوت"، خشية الفتنة، ونظرا في المآلات.. فما الذي دعا إخواننا هؤلاء، ممن أثار الكلام حول "قسما" إلى الخوض فيما سكتَ عنه العلماء؟!!
ولا يقولنَّ آخر إن العلماء سنة 1963 كانوا قلة، قليلة.. فقد كان الإمام الإبراهيمي حيًّا يصدع بالحق، ويرد الباطل، وينصح للناس؛ وكذا كان الْمُفتون الأعلام، ومنهم أعضاء لجنة الإفتاء الشرعي الذين شهد لهم الإمام البشير (وحسبك بشهادته وتزكيته) بأنهم: "من العلماء المشهود لهم بسعة الاطلاع، وحسن الإدراك لحوادث هذا العصر"، وهم -كما رتبهم الشيخ-: "أحمد سحنون (الذي ذكر صاحب المدارك، أنه ليس عالماً فقيها.. فلم ندرِ أنأخذ بشهادته هو، أم بشهادة الإمام الإبراهيمي؟!!)؛ وعبد اللطيف القنطري (السلطاني)؛ ونعيم النعيمي؛ ومصطفى الفخار -مفتي المدية-؛ والفضيل اسكندر" رحمهم الله جميعا، وأجزل لهم المثوبة وحشرنا معهم (مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيئِينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً).
ومعلوم أن الإمام الإبراهيمي، كان صداعا بالحق قائلا به، وما بيان 16 أفريل 1964 عنا ببعيد؛ وما محنته (مع نظام بن بلة) التي ختم بها سجله الحافل بالجهاد، والنضال، والبذل في سبيل الله بالتي تنسى.. فكيف يسكت الإمام، وهو أمير البيان والتبيين؟!!
ولا يقولنَّ آخر، إن العالم أسير من يستفتيه، فإن مثل هذه المسائل، لا تحتاج إلى استفتاء، حتى يفتوا فيها.. لأن علماءنا، لم يكونوا يعيشون في المريخ، ولم يكونوا في "الكُومَا"، حتى لا يعرفوا ما يدور حولهم في بلدهم! ولا يقولنَّ إن عدم سماعنا إنكارهم لا يعني أنهم لم ينكروا!! فقد كانت المعارضة الإسلامية -خاصة في السبعينيات- في أوج وعيها، وقوتها، ونشاطها، وحركتها؛ ولو كان الشيخ عبد اللطيف، رحمه الله، أو الشيخ سحنون رحمه الله، أو غيرهما من العلماء أفتيا في مثل هذا الموضوع المهم، ألا ترى أن "الحركة الإسلامية" كانت ستنشر هذه الفتوى؟ (ولو من باب التشنيع على النظام القائم! إن خطر ببال بعضٍ التشكيك في النيات؟؟).
وليسَ هذا كلُّه دفاعا عن "قسما"، أو رداًّ على من تكلم في القسم بغير الله، بلسان الشرع.. لكنها استشكالات أحببت أن أدفعها إلى من دخلوا في الموضوع بكل عدتهم المنقولة، وغير المنقولة!.. ليقولوا كلمة الفصل، ويتحدوا الناس أن يأتوا بما ينقض ردهم!
وقبل أن أعرض برأيٍ للموضوع (بالرغم من أن هذه الصفحات لا تلزمني بإبداء رأيي في تفصيلات الموضوعات، إذ أن هدفي منها -كما يفهم القارئ اللبيب- نقد طريقة العرض، وطريقة النقاش، في موضوعات بعض الإخوان.. لا نقد للموضوعات نفسها.. بالرغم من ذلك، فسأخرج عن شرطي، وأقول رأيي.. لئلا يقال: هرب، وتملص، وتمسك بالكليات دون الدخول في التفصيلات...الخ!).
أحب أن أشير إلى أنني قرأتُ منذ سنوات عدة (في حدود سنة 2000) في أسبوعية البصائر، التي تصدر عن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين (يوم كان الدكتور عبد الرزاق قسوم رئيس تحريرها) مقالا كتبه أحد الأساتذة (لم أعد أذكر اسمه) عن "قسما"..
وقد أعياني البحث عن عدد البصائر هذا في أكداس الجرائد المجتمعة عندي، والعجيب أنني وجدتُ أعداد السلسلة الثانية من "البصائر" [1947-1948]؛ ولم أجد أعداد سنة 2000 و 2001!! ولو أني وجدت المقال، لنقلتُه لكم بحرفه، لأنه من "النقل العزيز"!!
خلاصة هذا المقال، فيما أذكر، كلام عن النشيد الوطني، وما فيه من قسم بغير الخالق.. ونقد أدبي لنشيد مفدي، إذ سأل: كيف يقسم مفدي بالنازلات الماحقات؟.. وهل جاءنا البلاء إلا منها؟؟ وهل أحرق البشر والشجر والحجر والدْشُر، وشرد الأطفال، وروع الآمنين، إلا النازلات الماحقات؟!..
ثم إنه في الأخير رأى وجوب "تعديل" البيت الأول من النشيد الوطني، واقترح لذلك -فيما أذكر-:
- قسما بالله رب الماحقات
-باسم رب النازلات الماحقات
هذه خلاصة لما أذكر من هذا المقال.
وقبل أن يسألني سائل.. فلِمَ تُحرمون علينا، قول ما استجازت جمعية العلماء نشره في جريدتها؟ ولم هذه "الاستقصاد" للسلفيين بالذات؟؟!
أَحَرَامٌ عَلَى بَلاَبِلِهِ الـدَّوْحُ، حَلاَلٌ لِلطَّيْرِ مِنْ كُلِّ جِنْسِ؟؟
أقول له: أنا لا أملك إلا نفسي! فلا أتكلم إلا عنها.. لستُ أمنع أحدا من أن يناقش أي مسألة، وإننا نعتذر لمن يناقش في مسلمات الشريعة، وقضايا الاعتقاد الكلية، وقد تعرض لمسلم شبهة الإيمان بها، بل النطق بها كفر أكبر، موبق.. لكنها -إذ تكون شبهة- يسأل عنها أهل العلم، وينقل الكفر وليس بكافر، ويناظر ويذاكر.. من دون حرج، ولا عتب، ولا ضغينة! وليست مسلَّماتنا الوطنية بأعز علينا من مسلماتنا الشرعية، ولا أغلى، ولا أعلى، ولا أقدس!!
ولكن لا تعرض المسائل الشرعية هكذا، ولا تكثف النقول لأجلها كذلك، فيعرض ما له علاقة وما ليس له علاقة! ولا تساق فتوى لعالم -مهما بلغ من الرتبة والإمامة – في مسألة تعظم بها البلوى، هكذا، دون نظر في العواقب ولا المآلات..
والشيخ الحجوري في الفتوى التي نقلت عنه يقول: "هذا القسم شركي؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم "من كان حالفًا فلا يحلف إلابالله" ويجب إنكار هذا المنكر، بقدر ما يستطيع الإنسان بلسانه أو بقلبه، وحظورتحية العلم المصحوب بهذا النشيد لا يجوز".
فأنا أحب أن أسأل من أورد هذه الفتوى: هل ذُكِر للشيخ أن حضور "تحية العلم" في المدارس الجزائرية إلزامي؟ وأن المتخلف أو المتواني قد يطرد من المدرسة؟؟
وأسألهم أيضا، هل فكرتم فيما قد تجره الفتوى التي نقلتموها عن الحجوري على مقلدي الشيخ، من طلبة المتوسِّطات والثَّانويات؟ وماذا لو طرد أحد بسبب التزامه بهذه الفتوى، وتبعه بعد ذلك من العنت والضرر وتضييق الوالدين (حتى أنه قد يمنع من الصلاة في المسجد)؟؟..
سلسلة بنت سلسلة كما قال إمامنا مالك رضي الله عنها لأسد بن الفرات رحمه الله! أحببتُ من كشف أولها تذكير هؤلاء الإخوة، بأن المآلات معتبرة كما قرَّر الإمام الشاطبي وغيره، ولنفرض معاً أن "قسما بالنازلات الماحقات" قسم بغير الله من المخلوقين.. شرك أصغر؛ ألم تروْا إلى ما أدَّى إليه "هجومكم الكاسح" غير المتبصر بالعواقب، ولا الناظر في المآلات؟؟
كاتب فاضل، من كتاب المنتدى، قال لكم باللفظ الصريح:
اقتباس:
| "خذوا جنّتكم واتركوا لنا الجزائر! أريد أن أدخل جهنم مع عبان رمضان يا أخي.. عندك مانع؟"!! |
وما قصد -بلا أدنى شك- ما يلزم من هذه القولة الشنيعة، وإني لأجزم أنه استغفر الله منها مرارا! لكنه الاستفزاز حين يكون، والشيطان حين ينفخ، و"التاغنانت" الجزائرية حين تثور بصاحبها!!
(ملاحظة هامشية: عجبتُ جدا من الأخ الذي سأل: "مَنْ عبان رمضان؟" ولا أدري أهازئ هو أم جاد؟!! ولا يضرّه أن لا يعرف عبان، ولا يضرُّ الشهيد القائد الشيخ زيَّان رحمه الله، مثلا، أن لا يعرفه إلا قليل من قليل.. ولكن العجب ممن درس بالمدارس الجزائرية ولم يسمع بحياته بعبان!!)
فأسألك يا أخي الذي جررت كاتبا فاضلا إلى هذا القول.. ما رأيك، قوله هذا أشد وأخطر أم "قسما"؟!! وفي لازم مذهبك، ألا يناقض فعلك قول الله تعالى: (وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) [واعذروني.. لا يفهمنِّي أحد كما يريد هو!! ما أريد إلا القياسَ الجزئي، وإنما نهى الله المسلمين أن يسبوا المشركين، وهم عبدة الأوثان، التي لا يؤمن أحد حتى يكفر بها، ويسفهها، ولا يصرف إليها وجها من وجوه العبادة والتعظيم، ويتبرَّأ منها، وممن يعبدها.. لئلاَّ يفضي ذلك بالمشركين إلى سبِّ الله تعالى.. وهذا هو اعتبار المآل الذي أشرتُ إليه... فكذلك، إذا كان الكلام عن "قسما" -وإن كان الحكم عليها، بجلاء ووضوح الحكم على المشركين ومعبوداتهم- يؤدي بالكبار من الكُتَّاب والحكماء من الناس إلى أن يقولوا -تحت الصدمة- خذوا جنتكم واتركوا لنا الجزائر.. فإن قسما وإن تكن شركا أصغر كما يقول الحجوري خيرٌ ألف مرة من هذه الكلمة!!]
هذه واحدة..
ثم إني أعود إلى ثالث أسئلة كنتُ وطأت بها لكلامي:
- وما هي الفائدة التي ترجوها من مقولك (أو منقولك)؟!
ليس في كتاب المنتدى -فيما نظن- نائب في البرلمان، أو مسؤول في الحكومة.. وليس "السي عبد القادر" عضوا في منتديات الشروق!!
ليس في المنتدى من بيده أن يغيِّرَ هذا "المنكر"! فما الفائدة المرجوَّة من هذا المقول والمنقول؟؟
المشكل أن هؤلاء الإخوة الذين أثاروا الموضوع ممن يرَوْن "وجوب طاعة ولي الأمر"، وعدم الخروج عليه، وعدم ذكره بسوء، وعدم الإشارة إليه بقدح أو انتقاد!! بل إن بعضهم بايعه قبل عشر سنوات بالسمع والطاعة في المنشط والمكره والعسر واليسر!! (مع أنه لم يطلب منه أحد ذلك!) أليس في هذا بابا من أبواب إثارة الفتن النائمة، وتهييج العامة، والتشهير بأولياء الأمور؟؟!!
حينَ قرأتُ مقالات "قسما".. تذكَّرتُ النشيد الوطني السعودي، وتذكَّرتُ أني استبشعتُ جدا أحد أبياته حين سمعتُه أول مرة. "عَاشَ الْمَلِكْ == لِلْعَلَمْ وَالْوَطَنْ"!
فلما تذكَّرتها بحثت عمَّن نقد هذا البيت من علماء الجزيرة؛ ومن عجبي، لم أظفر بشيء، كأن هذا النشيد الوطني هو لدولة أخرى غير السعودية.. إلا كلاما للشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى.
واسمحوا لي هذه المرة أن أتقمَّص وجه "ناقل"، وأن أنقل الكلام على وجهه، [وهو من تفريغ الشبكة الإسلامية لسلسلة لقاءات الباب المفتوح الصوتية].. أنقله على وجهه (حتى نهاية كلامه عن النشيد الوطني السعودي، ثم إنه شرع في الكلام عن حب الوطن، وضوابطه الشرعية فهذا لا أنقله لعدم تعلقه بالموضوع، ومن أراد الفائد فليبحث عن الفتوى كاملة) لئلا أتهم بأنني أتصرف في فتاوى الشيوخ بما يخدم فكرتي! ولتبيين طريقة العثيمين في الإجابة عن استفتاء شبيه بقضيتنا، وتفصيله، ثم نصحه للمستفتي؛ وأنقله أيضا لسبب طريف، هو طريقة الشيخ العثيمين رحمه الله التعليمية، حتى في تحليله للنشيد الوطني وفك عباراته.. تماما كما يفعل بالمتون! رحمه الله وغفر له، وعفا بمنّه وكرمه عمّن قال من قراء هذا الموضوع: آمين!
اقتباس:
| حكم النشيد الوطني: |
اقتباس:
|
- السؤال: في بعض المدارس وفي نهاية الطابور الصباحي في المدارس يقوم الطلاب بترديد ما يسمى بالنشيد الوطني، فما رأيكم في هذا؟ - الشيخ: ما هو النشيد الوطني؟ - السائل: والله لا أحفظه؛ لستُ أدري إذا كان أحد الإخوان يحفظه! لكنَّه هو قولُهم: سارعي للمجدِ والعلياءِ ** مَجِدِّي لخالق السماءِ - الشيخ: سارعي! يخاطب مَن؟! امرأة؟! أم أنه يخاطب نفسه؟! - السائل: وطنَه. - مداخلة: العَلَم. - الشيخ: إذا كان العَلَم فيقال: سارعْ، أليس العَلَم مذكَّراً؟! - مداخلة: إذاً: الراية! - الشيخ: الراية! - السائل: سارعي للمجدِ والعلياءِ ** مَجِدِّي لخالق السماءِ - الشيخ: على كل حال، أرى أن الذي يجب أن يُسأل عنها هم الذين بيدهم إلغاؤه أو إبقاؤه، وهذه قاعدة أحب أن يتنبَّه لها من يُستفتَى.. يأتي مثلاً بعض الناس ممن هم تحت إدارة معينة، ويكون في هذه الإدارة بعض التجاوزات، وبعض المنكرات، فيأتي أحد الإخوة يسأل عنها، ربما يجيب المجيب بحسن نية، فيتخذ السائل من هذا الجواب سُلَّماً للمنازعة مع المسؤولين والتشويش عليهم، ولا يحصل المقصود؛ لأن المسؤولين إذا جاءهم الأمر من أسفل قد لا يخضعون ولا يستجيبون، ويزيدون في ما هم عليه؛ لكن يجب أن تُعالَج هذه الأمور من فوق، فيُنْظَر؛ وارفعي الخفَّاقَ أخضرْ ** يحمل النور المسطَّرْ ردِّدي: الله أكبر *** يا موطني عاش الملك للعَلَم والوطن. أولاً: هل العَلَم وهو جماد يُخاطَب بمثل هذا الخطاب أم لا؟! هذه واحدة. ثانياً: عندما يقال: عاش الملك للعَلَم والوطن ما معنى هذه الكلمة؟! عاش المليك، لا بأس، ندعو له بالعيش الحميد، والحياة الطيبة، وأن يسدد الله خُطاه، وأن يدله على الخير.. هذا لا بأس، ندعو له بذلك. لكن العبارة الثانية: ..... للعَلَم والوطن.. ما معنى للعَلَم والوطن؟! هل المعنى: عاش للعَلَم، وعاش للوطن؟! أم أن المعنى: أنني أقول ذلك تعظيماً للعَلَم وللوطن؟! ما ندري!... اهـ |
لاحظ معي ما لوَّنتُه وسطَّرتُه وعرضت بنطه، ثم قارنه بثالث أسئلتي المفتاحية: "- وما هي الفائدة التي ترجوها من مقولك (أو منقولك)؟!"..
بالعربي الفصيح -كما يقول المصريون- من أراد الكلام على "قسما" فليتوجه إلى المسؤولين!!
ثم إني وجدت في فتاوى الشبكة الإسلامية (Islamweb.net) سؤالا وجهه إليهم أحد الأساتذة الجزائريين عن "قسما".. وقد أفتت الشبكة -التي يشرف على مركز الفتوى بها الشيخ عبد الله الفقيه الشنقيطي- بما يقرب من فتوى الحجوري (مع ملاحظة أن السؤال "انطلق" من مسلَّمة عند المستفتي أن النشيد الوطني يبدأ بـ"كلمات شركية" كأنه يوجه المفتي!! وما كان عليه إلا أن يذكر تحرجه مما فهمه من النشيد، وينتظر ما يقرره مفتوه! وأن المفتين أجابوا بجواب عام، ولم يتعرضوا بالتحليل أو المناقشة لكلمات النشيد الوطني نفسها)... لكن هناك فرقا يسيرا.. يصنع كل الفرق؛ تميز به بين المفتي العارف بصنعته، الناظر في المآلات المعتبر لها، وبين من يورد الناس الهلكة بأحكامه دون استفصال ولا تفصيل؛ أخذا بأحوط يعرفه كل أحد.
واسمحوا لي يا قرائي الكرام، ولقد أعلم أن المنقولات قد أسأمتكم و"أقهمتكم"، اسمحوا لي مرة ثانية أن أنقل الفتوى..
اقتباس:
|
رقم الفتوى : 18122 عنوان الفتوى: العاجز عن تغيير المنكر يسعه السكوت مع الإنكار بالقلب تاريخ الفتوى: 15 ربيع الثاني 1423 السؤال: مؤسسة تربوية في مطلع كل سبت ترفع العلم الوطني، بحيث يجتمع الأساتذة والتلاميذ حول سارية العلم، ثم يقوم التلاميذ ينشدون قصيدة تبدأ بكلمات شركية (قسما بالنازلات الماحقات...) وهكذا يوم الخميس؛ هل يجوز لي بصفتي أستاذ في هذه المؤسسة أن أشاركهم في هذا العمل؟ مع العلم أنني في حالة الرفض قد أتعرض إلى عقوبات من بينها التخلي عن عملي.أفتونا جزاكم الله خيراً. الفتوى: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أما بعد: فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان" رواه مسلم وغيره.ومن علم شيئاً مما يجب على العباد وجهلوه، فالواجب عليه إبلاغهم إياه؛ فالواجب أولاً على هذا الأخ محاولة تغيير هذا المنكر شريطة القدرة على ذلك، وأن لا يؤدي إلى منكر أكبر، وذلك بالنصح لهيئة التدريس إن أمكن، فإن لم يتمكن من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واستطاع أن يعمل في مكان آخر فليبادر.. فإن الله ورسوله قد أمرنا باجتناب مكان المعصية، وإن لم تجد عملاً آخر، وكنت محتاجاً، وتتضرر بالإنكار، فإنه يسعك السكوت مع الإنكار بالقلب، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها -وقال مرة أنكرها- كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها" رواه أبو داود. والله أعلم. المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه
|
هذا نص فتوى الشبكة الإسلامية، وهي هيئة رسمية تابعة لوزارة الأوقاف القطرية، يشرف على مركز الفتوى فيها الدكتور عبد الله الفقيه، ويعمل به عشرات من أهل العلم والفقه والفتيا. قارن وناقش!
هذا رأيي في المسألة من زاوية جدوى إثارتها من عدمه.. وإذن، فإني أرى -استتباعاً- أن كل تلك الموضوعات، كانت عواقر عقمى لا طائل من ورائها، ولا فائدة!!.
(يتبع..)
التعديل الأخير تم بواسطة اليعقوبي ; 16-04-2009 الساعة 02:21 PM










