جديدو حصري على منتدى الشروق
23-07-2009, 08:32 AM
بسم الله و الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على آله و صحبه و من والاه أما بعد:
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ارتأيت أن أقدم كهدية دخول منتدى الشروق مقتطفا من كتاب شيخنا العزيز أحد أعمدة الجزائر و علمائها الشيخ بلقرد المعسكري الموسوم بـ "دفاع عن عقيدة أهل السنة و الجماعة" و ذلك قبل إصداره و خروجه إلى السوق طبعة دار الشريفة للنشر و التوزيع، و ذلك كهدية متواضعة مني لأهل المنتدى و ربما فيه بعض الإشهار لكتاب شيخنا حفظه الله و رعاه...
و لعل القارئ الجزائري قد يجد في كتب الشيخ بعض اللين مع أدعياء السلفية و رفعا لقدرهم من غير حق بما يخالف مع عهد من الشيخ في التشديد عليهم و على مشايخهم و رد شبههم بما هو أقسى و أعيى، و من يعرف الشيخ جيد يدرك ببساطة أن مراد الشيخ من ذلك الدعوة إلى الله بالحسنى و التذلل للمسلمين، و ما من سبيل لإخراج هذه الطائفة الضالة من بوتقة الإسلام و حدوده، فغالبيتهم أناس جهلة قلدوا أمور دينهم من أراد حظوظ نفسه عما أعده الله له و خدمة الإسلام و أبناء المسلمين... نسأل الله العافية و السلامة في الدين و الدنيا..
و أطمن إخواننا بأن من يقرأ كتاب الشيخ كاملا يرى كم كان الشيخ شديدا على مشايخهم و لو في ثوب ناعم بأسلوب علمي رصين، يرد كلامهم و يرجعهم إلى حاضرة أهل السنة و الجماعة و علماء المسلمين و ما دب عليه عامتهم.. و إليكم مقتطفا من الكتاب...
وممن رخص في التأويل الإمام الحافظ الناقد الذهبي
قال في سيره وهو يترجم لابن حزم بعد أن ذكر تأويله لصفة الصورة:"....فليعذر من تأول بعض الصفات."
وممن نقل عنه التأويل الإمام ابن العز شارح العقيدة الطحاوية
قال محقق شرح الطحاوية ص281 معلقا على قول الشارح:"ليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك.....وإنما المراد: إحاطة عظمته وسعة علمه وقدرته..." شارحا قوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا). قال محققه - في الطبعة التي خرج الالباني أحاديثها-:"..وهو من التأويل الذي ينقمه الشارح مع أنه لا بد منه أحيانا".
و ممن نقل عنه التأويل حافظ الدنيا وخاتمة أمراء الحديث الإمام ابن حجر
قال في فتح الباري3/152-وهو يتكلم على حديث النزول:"...استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن قولهم " .
وقال أيضا في شرح حديث مسح النخمة من قبلة المصلي:"...فيه رد على من زعم أن الله على العرش بذاته ومهما تؤول به هذا جاز أن يتأول به
ذلك والله أعلم."
نعم لقد اعترض هذا ابن باز رحمه الله فقال:" ليس في الحديث رد على من أثبت استواء الرب سبحانه على العرش بذاته لأن النصوص من الآيات والأحاديث في إثبات الاستواء على العرش قطعية و واضحة لا تحتمل أدنى تأويل وقد أجمع أهل السنة على الأخذ بها والإيمان بما دلت عليه على الوجه الذي يليق بالله....وأما قوله في هذا الحديث( فإن الله قبل وجهه إذا صلى)وفي لفظ( فإن ربه بينه وبين القبلة..) فهذا لفظ يحتمل يجب أن يفسر بما يوافق النصوص المحكمة كما أشار إليه الإمام ابن عبد البر، ولا يجوز حمل هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوص الاستواء....". بتصرف
قلت:كذا قال ولم يبين ما هو المعنى-أو المعاني-الذي يحتمله حديث مسح النخمة، فهي دعوى، ثم لماذا العتاب على من تأوّل الاستواء لأنه رآه يحتمل عدة معاني من حيث اللغة كما رأى هو رحمه الله في حديث مسح النخمة؟ ومع ذلك يبقى كلام الشيخ ابن باز رحمه الله منظورا فيه من وجوه
الوجه الأول:إن حديث(إن الله قبل وجهه إذا صلى) اتفق الشيخان عليه، مع العلم أن البخاري أخرجه من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر وأخرجه-أيضا- أبو داود وابن ماجة وغيرهم كثير..
و أما حديث(فإن ربه بينه وبين القبلة...) فقد أخرجه البخاري وأحمد و الدارمي.
ومعلوم أن الجمهور على أن ما في الصحيحين مقطوع به وهو التحقيق خاصة و أن هذا الحديث من رواية السلسلة الذهبية أي مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، وقد قيل أن ما كان كذلك يفيد القطع، ولو في غير الصحيحين، بل كيف لا يكون مقطوعا به وقد اتفق الحفاظ على تصحيحه..؟
هذا من حيث الثبوت، أما من حيث الدلالة- وهو متعلق كلام الشيخ في غالب الظن-فمعلوم أن هذا المعنى قد روي من طرق كثيرة إذ لم يتفرد ابن عمر برواية هذا المعنى بل رواه جمع من الصحابة منهم: أبو هريرة رضي الله عنه وحديثه عند الشيخين وغيرهما
أنس بن مالك رضي الله عنه وحديثه عند الشيخين وغيرهما
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وحديثه عند مسلم وابن ماجه وغيرهما
الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه رضي الله عنهما والحديث عند البخاري وأبي داود وغيرهما…
ثم قد ورد في القرآن ما يقوي هذا الظاهر كقوله تعالى(فأينما تولوا فثم وجه الله).ثم قد صح هذا المعنى على لسان بعض الصحابة موقوفا عليهم، منهم: حذيفة بن اليمان فقد أخرج البيهقي بسنده عنه أنه قال: "...ثم أقبل يصلي أقبل الله تعالى بوجهه يناجيه...." .
وإن كان هذا الوقف له حكم الرفع .
ثم قد صحّ هذا المعنى على لسان الأنبياء السابقين منهم: يحي بن زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما في حديث الحارث الأشعري عند
الترمذي وأحمد بسند صحيح كما في إعلام الموقعين، والله أعلم .
وإذا علمت أن المعنى الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "..إن الله قبل وجهه إذ قام يصلي..." قد ورد مرفوعا عن جماعة من الصحابة، و ورد موقوفا عن بعضهم، و ورد على لسان الأنبياء السابقين، و ورد في القرآن أيقنت أنه مقصود لما تقرر في الأصول من أن الظواهر الشرعية إذا تكررت على حالها فلا تقبل تخصيصا ولا تأويلا.
قال العلامة الشاطبي في الموافقات3/271:"العمومات إذا اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص فهي مجراة على عمومها على كل حال وإن قلنا بجواز التخصيص المنفصل، والدليل على ذلك الاستقراء...".
وأصرح منه ما قاله الإمام ابن القيم في كتابه المستطاب"بدائع الفوائد2/15:"المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له و هنا نكتة ينبغي التفطن لها، وهي أن كون اللفظ نصا يعرف بشيئين: أحدهما: عدم احتماله لغير معناه وضعا كالعشرة
والثاني: ما اطرد استعماله على طريقة واحدة في جميع موارده، فإنه نص في معناه، لا يقبل تأويلا ولا مجازا وإن قدر تطرق ذلك إلى بعض أفراده، وصار هذا بمنزلة الخبر المتواتر لا يتطرق احتمال الكذب إليه وإن تطرق إلى كل واحد من أفراده بمفرده. وهذه عصمة نافعة تدلك على خطأ كثير من التأويلات للسمعيات التي اطرد استعمالها في ظاهرها، وتأويلها والحالة هذه غلط، فإن التأويل إنما يكون لظاهر قد ورد شاذا، مخالفا لغيره من السمعيات فيحتاج إلى تأويله لتوافقها، فأما إذا اطردت كلها على وتيرة واحدة صارت بمنزلة النص وأقوى وتأويلها ممتنع فتأمل هذا ".
قلت: هذا إذا سلمنا أن قوله صلى الله عليه وسلم:"فإن الله قبل وجهه إذا صلى" لفظ يحتمل كما قال ابن باز رحمه الله، وإلا فاللفظ واضح بنفسه وصريح لا يحتمل أي معنى زائد على ما دل عليه بمنطوقه إلا بتأويل بعيد وإن كنت في ريب فإليك قول من لا تشك ولا ترتب فيه، قال الإمام ابن تيمية في كتاب الإيمان :"...وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد إتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلام عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وصفاته ولا يحسب حاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبته مثل أن يقول القائل ما في الكتاب والسنة أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله تعالى( وهو معكم ) وقوله صلى اله عليه وسلم:"فإن الله قبل وجهه إذا قام يصلي..."، ونحو ذلك فإن هذا غلط وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه وتعالى:( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش...وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) هذا هو الحق...".
فكيف استجزتم إخراج هذه النصوص على كثرة عن ظاهرها ورحم الله الإمام ابن تيمية إذ قال في كتاب الإيمان:"فإن كثيرا من الناس يتأوّل النصوص المخالفة لرأيه فيسلك مسلك من يجعل التأويل كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ وقصده به دفع ذلك المحتجّ عليه بذلك النص وهذا خطأ بل جميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده صلى الله عليه وسلم في أحد النصين بأولى من العكس"
الوجه الثاني: قال ابن باز رحمه الله"استواء الرب سبحانه على العرش بذاته". كذا قال رحمه الله ومعلوم أن لفظة"بذاته"لم ترد في الكتاب العزيز، ولا في السنة المطهرة، ولا ثبتت على لسان صحابي، أي في عهد السلف قبل ظهور البدع فهي على هذا -وإن ثبتت على لسان بعض الأعلام- غير مقبولة في وصف الله لما تقرر أن الله سبحانه وتعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم و ورودها هي وغيرها من الألفاظ كبائن على ألسنة بعض التابعين لا يجعلها دينا وإلا فالتأويل أيضا ورد عن بعضهم فما الذي جعله بدعة وجعل وصف الله بغير ما وصف به نفسه ولا وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم ولا وصفه به صحابي سنة؟.
و إليك الآن إنكار علماء الحديث لمثل هذه العبارات :
قال الإمام ابن عبد البر متعقبا قول نعيم بن حماد:"ينزل بذاته وهو على كرسيه" قال:"ليس بشيء عند أهل الفن من أهل السنة لأن هذه كيفية وهم يفزعون منها".
و إليك ما قاله الإمام الذهبي في العلو معلقا على قول ابن أبي زيد القيراوني في رسالته:"فوق عرشه المجيد بذاته" قال:"نقموا عليه قوله(بذاته)فليته تركها".
وقال متعقبا قول الحافظ يحي بن عمار:(هو بذاته على العرش):"قولك بذاته من كيسك".
و قال في السير:"وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء ولا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام..".
وقال البدر بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل:"فمن جعل الاستواء في حقه تعالى ما يفهم من صفات المحدثين وقال استواء بذاته أو قال استواء حقيقة فقد ابتدع بهذه الزيادة التي لم تثبت في السنة ولا عن أحد من الائمة المقتدى بهم".
و زاد ابن الفخار في كتابه"التبصرة في نقد الرسالة" بعد أن استنكر كلمة بذاته:"موضع الغلط في هذا الكلام عدوله عن ظاهر نص القرآن لأنه تعالى قال(الرحمن على العرش استوى) ولم يقل فوق وهذا وهم"
وقال أيضا متعقبا قول ابن أبي زيد(لا يتفكرون في ماهية ذاته)
قال:"فأين في صفات الله ماهية أو في أسمائه، وهل يجوز أن يوصف الله أو
يسمى إلا بما وصف به نفسه أو سماه به رسوله أو أجمع المسلمون...".
وقال الحافظ الذهبي متعقبا قول القائل"استوى استقرارا"، قال"قد أغنى الله تعالى عن العبارات المبتدعة بأن النصوص في الصفات واضحة ".
قلت: لنا أن نتساءل ما معنى هذه الزيادة إذا لم تكن استدراكا على الصحابة في مجال العقيدة؟ ومما يعجب له المرء وهو يقرأ رسائل السلفية عيبهم على الأشاعرة حيث قالوا في تفسير استوى استولى حيث قارن السلفية بين لام الاشاعرة ونون اليهود التي زادوها في كلمة حنطة و قد أمروا أن يقولوا حطة ونسوا هم أنهم زادوا شبه جملة كاملة( بذاته) أو كلمة كاملة(حقيقة) كما فاتهم أن اليهود حرفوا النص المنزل والمتعبد به بينما فسر الأشاعرة النص المنزل من غير تحريف له إذ ليس على وجه الأرض مسلم يقرأ الآية الرحمن على العرش استولى والكل يقرأها( استوى)
و الغريب حقا في المسألة هو أن السلفية تتبنى مبدأ تفسير هذه النصوص ومعلوم أن التفسير يكون بالمرادف أو ما يقارب المعنى
ولا يقولن أحد:إنما قال من قال"بذاته"في مثل هذه الأحاديث ردا على الذين حملوا هذه النصوص على المجاز لأنه يمكن أن يقال له: إذا لا ضير على المؤولة لأنهم ما أوّلوا إلا ردا على من حمل مثل هذه النصوص على التشبيه والتجسيم.
و بالجملة فصمام ديننا هو المتابعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد و قد رأينا أناسا في زماننا يدافعون عن كلمة(بذاته) وهم يعلمون أنها لم تردّ في الكتاب والسنة ولا فاه بها صحابي ثم يريدون منا أن نعتقد فيهم متابعة السلف وانتهاج نهجهم ونحن نرى إصرارهم المتعصب على بدعة وصف الله جل جلاله بما لم يعرف في كتاب وسنة ولا عند السلف،
و رحم الله ابن الجوزي لقوله في صيد الخاطر ص82:"فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد لم ألمه، وهذه طريقة السلف، فأما من قال الحديث يقتضي كذا، ويحمل على كذا، مثل أن يقول: استوى على العرش بذاته، ينزل إلى سماء الدنيا بذاته، فهذه زيادة فهمها قائلها من الحس لا من النقل..".
قلت: وكذلك أقول و مما يؤكد هذا القول النهي الثابت عن غير واحد من السلف رضي الله عنهم عن الزيادة على المسموع في وصف الله عز وجل كقول الإمام أحمد:"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ولا نتجاوز القرآن والحديث..". وفي رواية:"...ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية".
و الغريب عند السلفية أنهم يصّفون من يبيّن مدى مخالفتهم للسلف بالواقف في وجه الحق وكأنهم يعتقدون أنهم هم الحق بعينه وهذا هو عين التعصب المذهبي الذي أطبق السلف والخلف على ذمه، وما أرادوا أن يفهموا أن مخالفيهم إنما خالفهم لما اعتقد أنهم خالفوا الكتاب والسنة والسلف فيما ذهبوا إليه من اجتهادات.ثم (الوقوف في وجه الحق) ينطوي على تكفير مخالفيهم وإلا فأي إسلام يبقى للمرء إذا وقف في وجه الحق أي الإسلام وحاربه وهو يعلم أنه حق ؟
وأنا شخصيا أمنع جهدي-كما هو معروف عني- من وقوف الجماعات الإسلامية في وجه بعضها البعض وأدعو الجميع إلى التعاون فيما اتفقوا عليه و أن ينشغل الكل بما هو مقتنع به من غير أن يعارض غيره فيما اختلفوا فيه ريثما أوجدنا مرجعية علمية ذات قوة رادعة نتحاكم إليها.
و أدعو الجميع أن يقفوا في وجه العلمانيين ودعاة التغريب والملاحدة ومن لف لفهم من الذين يرفضون الحكم بما أنزل الله أو وقف إلى جانبهم كما هو شأن بعض السلفية الإرجائية الذين يقولون للعلمانيين:"نحن معكم وأنتم تحسبوننا ضدكم". وهذا من أجل مصلحتهم الدنيوية
الوجه الثالث: قال ابن باز رحمه الله في حديث ابن عمر:"يجب أن يفسر بما يوافق النصوص المحكمة كما أشار إليه الإمام ابن عبد البر..".
والمشار إليه من كلام ابن عبد البر هو ما نقله عنه الحافظ في الفتح أنه قال في حديث النهي عن البزق في القبلة:"خرج مخرج تعظيم شأن القبلة ".
وغير خاف على مطلع أن هذا القول شبيه بقول المتأول لحديث النزول بنزول الرحمة حيث قال فيه أنه خرج مخرج تعظيم شأن الأسحار…
قال ابن عبد البر- بعد ما نقل عن مالك من تأويل لصفة النزول بنزول الرحمة-في التمهيد7/144:"ويحتمل أن يكون كما قال مالك رحمه الله على معنى أنه تتنزل رحمة الله وقضاؤه بالعفو والاستجابة وذلك من أمره أي أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت والله اعلم".
الوجه الرابع: قال ابن باز رحمه الله:"و قد أجمع أهل السنة على الأخذ بها والإيمان بما دلت عليه..."
قلت: المتأوّل آخذ بتلك النصوص ومؤمن بما دلت عليه في نظره كما لا
يخفى وإن كان مقصود الشيخ رحمه الله ظواهرها التي لا تأخذ بها المتأوّلة فدعوى الإجماع لا تتحقق بثبوت المخالف، اللهم إلا أن يكون البخاري وابن حبان والبيهقي والعز بن عبد السلام وابن دقيق العيد وابن عساكر وغيرهم كثير ممن نقلنا لك عنهم التأويل من غير أهل السنة والجماعة، ولا يقول بهذا خائف من ربه.
قد يقال أن مقصود الشيخ ابن باز بأهل السنة: السلف بخاصة، فجوابه أن المنقول عن السلف كما سبق معك إما التأويل كما تقدم عن مثل مجاهد وابن جبير وقتادة وغيرهم وإما السكوت .
ثم إن لفظ الشيخ لا يعطي هذا المعنى إلا بشيء من التأويل لما بين أهل السنة والسلف من عموم و خصوص.
وللبيب أن يسأل ما الذي جعل خبر( الله في السماء) محكم وجعل خبر ( الله في قبلتنا) على كثرته و تنوعه متشابه يجب رده إلى الأول ؟ ولماذا لا يكون العكس هو الصواب والكل ثابت بالقرآن والسنة وأقوال السلف كما رأيت ؟
وعلى الجملة يمكن القول أن الشيخ ابن باز رحمه الله أكد الاستلزام الذي نص عليه الإمام ابن حجر منذ قرون بقوله:"ومهما تؤول به هذا-أي
حديث"إن الله قبل وجهه.."-جاز أن يتأول به ذلك-أي حديث النزول- والله أعلم".
و منهم الإمام ابن باديس
لقد ألّفت سلفية جزائرية رسالة بعنوان"الرد الوافي على من زعم أن ابن باديس سلفي". ونشر سلفي جزائري آخر مقالا في النت ذكر فيه أن الإمام تأوّل صفة الرحمة بالإنعام والإحسان في غير ما موطن من تفسيره مجالس التذكير، و أنه نفى صفة الصورة عن الله.بل ذكر مخالفة الإمام ابن باديس للعقيدة السلفية في كثير من الأبواب كمفهوم الإيمان ومسألة التكفير بالأعمال ومسألة رد الآحاد لمعارضته للقرآن وغير ذلك.
ثم نقل عنه أنه قال في كتابه"العقائد الإسلامية" عن أخبار الصفات ما نصه:"الظاهر المتعارف في حقنا غير مراد" واعتمد هذا النص كحجة على أن ابن باديس رحمه الله لا يقول بظاهر نصوص الصفات و هو كذلك ثم ذكر وجوها في تأييد رأيه منها: أن الإمام ابن باديس حقق كتاب العواصم لابن العربي ومعلوم أن كتاب العواصم مبني على اصول مذهب الأشعري ولم يتعقبه ابن باديس بشيء بل وافقه في تبديع فرقة "ظاهرية الإعتقاد" أي من أخذ بظاهر النصوص في العقيدة إذ قال في مقدمة تحقيقه مدحا للكتاب:"فتعرض فيه لأراء في العلم باطلة وعقائد في الدين ضالة وسماها قواصم...... فانتظم ذلك مناظرة السفسطائيين والطبائعيين والإلهيين ومناظرة الباطنية والحلولية وأرباب الإشارات من غلاة الصوفية وظاهرية العقائد، و ظاهرية الأحكام، وغلاة الشيعة والفرقة المتعصبة للأشخاص باسم الإسلام".
وجاء في المقال المنشور في الشبكة المشار إليه ما نصه:"الغلو الشديد في ابن باديس وإطراؤه ونسج الهالات حول شخصيته و آثاره مما بهر الناس به وبكتبه فجعلهم في وضع لا يفكرون فيه و لا يتصورون ابن باديس على حقيقته و لا يتصورون كتبه على حقيقتها و لا يدركون ما حوته من أخطاء عقائدية كبيرة إذا اكتشفها المؤمن ضاقت عليه الأرض بما رحبت وأدرك أن دينه يحتم عليه واجب البيان لما انطوت عليه هذه الآثار من باطل
وضلال قد أخفته تلك الدعايات".
قلت: لا أريد أن أظهر بمظهر المتعصب للإمام ابن باديس رحمه الله و لا لغيره ولكن ما قاله صاحب المقال يصدق تماما على السلفية مع الشيخ الألباني وابن باز والعثيمين رحمهم الله فضلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يقولون عنه أجمع علماء عصره على أنه أعرف بما كان عليه السلف افتراء وغلوا وإلا فشيخ الإسلام مجتهد يؤخذ من قوله ويرد
و الآن لا بد من التصريح أن الإمام ابن باديس إمام من أهل السنة والجماعة شاء ذلك صاحب المقال ومن على شاكلته أم أبى، وأنه سار في ما انتقده عليه صاحب المقال على قول جمهور أهل السنة، وأن حصر أهل السنة في أتباع شيخ الإسلام ابن تيمية بدعة شنيعة
وأن رد أقوال الرجال بأقوال رجال آخرين ممن ليس قولهم حجة-و لو شيح الإسلام ابن تيمية- ليس منهاجا لأهل السنة، بل هذا صنيع متعصبة الأشخاص الذين أشار إليهم الإمام بقوله السابق:"والفرقة المتعصبة للأشخاص باسم الإسلام".
ومما تعيبه السلفية المعاصرة على الإمام ابن باديس أنه أسس جمعية للعلماء و سمح للمبتدعة بالإنضمام إليها كالإباضية والطرقية لذا وجدناهم اليوم يمنعون من ليس على تصورهم من الدخول في بعض مكاتب الجمعية التي استولوا عليها وفات هؤلاء أن الإمام ابن باديس رحمه الله أفقه منهم وأعلم بالسنة، وأن الظروف التي كانت آنذاك لم تكن تسمح بالتفرّق والتشرذّم بل كانت تقتضي من المصلحين جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفهم ضد الإستعمار الفرنسي كما يقتضي ذلك عدم تحكيم الشريعة و هيمنة العلمانيين في زماننا... ولكن لا حيلة للعاقل مع متعصبة الرجال خاصة إذا صاحب ذلك الأغراض الدنيوية كحب التصدر والظهور
وختاما أقول: هذه بعض التأويلات لأخبار الصفات المنقولة عن أئمة الحديث وحفاظه إذ ما من واحد منهم إلا وهو مترجم له في طبقات الحفاظ، و بهذا تعلم أن التأويل في أهل الحديث خاصة وأهل السنة عامة ليس بقول شاذ أو غريب علما أنّني لم أنقل كل ما وقفت عليه من تأويلاتهم كتأويل الحافظ المازري في كتابه"المعلم بفوائد مسلم"، وتأويل الحافظ الباجي في"المنتقى"، وتأويل الحافظ ابن حزم في مطلع "المحلى"كما
أنّني لم أنقل تأويلات المفسرين والأصوليين وعلماء اللغة والبيان وأئمة الفقه من أهل السنة والجماعة...ويدلك على كثرتهم قول الحوالي في منهاجه- وهو يقدح في الاشاعرة- ص7:" إنها مسألة مذهب بدعي له وجوده الواقعي الضخم في الفكر الإسلامي حيث تمتلئ به كثير من كتب التفسير وشروح الحديث وكتب اللغة والبلاغة والأصول فضلا عن كتب العقائد والفكر..." .
فتأمل أخي هذا لتدركجهل أو تعصب قول من قال أن أهل السنة يذمّون التأويل من دون تفصيل ؟ ولا يستقيم قولهم هذا إلا بحصر أهل السنة في شيخ الإسلام ابن تيمية وأتباعه ومن سبقه من الحنابلة على هذا الرأي فسبحان الله ما أشنع التعصب للرجال...
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته
ارتأيت أن أقدم كهدية دخول منتدى الشروق مقتطفا من كتاب شيخنا العزيز أحد أعمدة الجزائر و علمائها الشيخ بلقرد المعسكري الموسوم بـ "دفاع عن عقيدة أهل السنة و الجماعة" و ذلك قبل إصداره و خروجه إلى السوق طبعة دار الشريفة للنشر و التوزيع، و ذلك كهدية متواضعة مني لأهل المنتدى و ربما فيه بعض الإشهار لكتاب شيخنا حفظه الله و رعاه...
و لعل القارئ الجزائري قد يجد في كتب الشيخ بعض اللين مع أدعياء السلفية و رفعا لقدرهم من غير حق بما يخالف مع عهد من الشيخ في التشديد عليهم و على مشايخهم و رد شبههم بما هو أقسى و أعيى، و من يعرف الشيخ جيد يدرك ببساطة أن مراد الشيخ من ذلك الدعوة إلى الله بالحسنى و التذلل للمسلمين، و ما من سبيل لإخراج هذه الطائفة الضالة من بوتقة الإسلام و حدوده، فغالبيتهم أناس جهلة قلدوا أمور دينهم من أراد حظوظ نفسه عما أعده الله له و خدمة الإسلام و أبناء المسلمين... نسأل الله العافية و السلامة في الدين و الدنيا..
و أطمن إخواننا بأن من يقرأ كتاب الشيخ كاملا يرى كم كان الشيخ شديدا على مشايخهم و لو في ثوب ناعم بأسلوب علمي رصين، يرد كلامهم و يرجعهم إلى حاضرة أهل السنة و الجماعة و علماء المسلمين و ما دب عليه عامتهم.. و إليكم مقتطفا من الكتاب...
وممن رخص في التأويل الإمام الحافظ الناقد الذهبي
قال في سيره وهو يترجم لابن حزم بعد أن ذكر تأويله لصفة الصورة:"....فليعذر من تأول بعض الصفات."
وممن نقل عنه التأويل الإمام ابن العز شارح العقيدة الطحاوية
قال محقق شرح الطحاوية ص281 معلقا على قول الشارح:"ليس المراد من إحاطته بخلقه أنه كالفلك.....وإنما المراد: إحاطة عظمته وسعة علمه وقدرته..." شارحا قوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطا). قال محققه - في الطبعة التي خرج الالباني أحاديثها-:"..وهو من التأويل الذي ينقمه الشارح مع أنه لا بد منه أحيانا".
و ممن نقل عنه التأويل حافظ الدنيا وخاتمة أمراء الحديث الإمام ابن حجر
قال في فتح الباري3/152-وهو يتكلم على حديث النزول:"...استدل به من أثبت الجهة وقال هي جهة العلو وأنكر ذلك الجمهور لأن القول بذلك يفضي إلى التحيز تعالى الله عن قولهم " .
وقال أيضا في شرح حديث مسح النخمة من قبلة المصلي:"...فيه رد على من زعم أن الله على العرش بذاته ومهما تؤول به هذا جاز أن يتأول به
ذلك والله أعلم."
نعم لقد اعترض هذا ابن باز رحمه الله فقال:" ليس في الحديث رد على من أثبت استواء الرب سبحانه على العرش بذاته لأن النصوص من الآيات والأحاديث في إثبات الاستواء على العرش قطعية و واضحة لا تحتمل أدنى تأويل وقد أجمع أهل السنة على الأخذ بها والإيمان بما دلت عليه على الوجه الذي يليق بالله....وأما قوله في هذا الحديث( فإن الله قبل وجهه إذا صلى)وفي لفظ( فإن ربه بينه وبين القبلة..) فهذا لفظ يحتمل يجب أن يفسر بما يوافق النصوص المحكمة كما أشار إليه الإمام ابن عبد البر، ولا يجوز حمل هذا اللفظ وأشباهه على ما يناقض نصوص الاستواء....". بتصرف
قلت:كذا قال ولم يبين ما هو المعنى-أو المعاني-الذي يحتمله حديث مسح النخمة، فهي دعوى، ثم لماذا العتاب على من تأوّل الاستواء لأنه رآه يحتمل عدة معاني من حيث اللغة كما رأى هو رحمه الله في حديث مسح النخمة؟ ومع ذلك يبقى كلام الشيخ ابن باز رحمه الله منظورا فيه من وجوه
الوجه الأول:إن حديث(إن الله قبل وجهه إذا صلى) اتفق الشيخان عليه، مع العلم أن البخاري أخرجه من رواية مالك عن نافع عن ابن عمر وأخرجه-أيضا- أبو داود وابن ماجة وغيرهم كثير..
و أما حديث(فإن ربه بينه وبين القبلة...) فقد أخرجه البخاري وأحمد و الدارمي.
ومعلوم أن الجمهور على أن ما في الصحيحين مقطوع به وهو التحقيق خاصة و أن هذا الحديث من رواية السلسلة الذهبية أي مالك عن نافع عن عبد الله بن عمر، وقد قيل أن ما كان كذلك يفيد القطع، ولو في غير الصحيحين، بل كيف لا يكون مقطوعا به وقد اتفق الحفاظ على تصحيحه..؟
هذا من حيث الثبوت، أما من حيث الدلالة- وهو متعلق كلام الشيخ في غالب الظن-فمعلوم أن هذا المعنى قد روي من طرق كثيرة إذ لم يتفرد ابن عمر برواية هذا المعنى بل رواه جمع من الصحابة منهم: أبو هريرة رضي الله عنه وحديثه عند الشيخين وغيرهما
أنس بن مالك رضي الله عنه وحديثه عند الشيخين وغيرهما
أبو سعيد الخدري رضي الله عنه وحديثه عند مسلم وابن ماجه وغيرهما
الوليد بن عبادة بن الصامت عن أبيه رضي الله عنهما والحديث عند البخاري وأبي داود وغيرهما…
ثم قد ورد في القرآن ما يقوي هذا الظاهر كقوله تعالى(فأينما تولوا فثم وجه الله).ثم قد صح هذا المعنى على لسان بعض الصحابة موقوفا عليهم، منهم: حذيفة بن اليمان فقد أخرج البيهقي بسنده عنه أنه قال: "...ثم أقبل يصلي أقبل الله تعالى بوجهه يناجيه...." .
وإن كان هذا الوقف له حكم الرفع .
ثم قد صحّ هذا المعنى على لسان الأنبياء السابقين منهم: يحي بن زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما في حديث الحارث الأشعري عند
الترمذي وأحمد بسند صحيح كما في إعلام الموقعين، والله أعلم .
وإذا علمت أن المعنى الظاهر من قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر رضي الله عنهما: "..إن الله قبل وجهه إذ قام يصلي..." قد ورد مرفوعا عن جماعة من الصحابة، و ورد موقوفا عن بعضهم، و ورد على لسان الأنبياء السابقين، و ورد في القرآن أيقنت أنه مقصود لما تقرر في الأصول من أن الظواهر الشرعية إذا تكررت على حالها فلا تقبل تخصيصا ولا تأويلا.
قال العلامة الشاطبي في الموافقات3/271:"العمومات إذا اتحد معناها وانتشرت في أبواب الشريعة أو تكررت في مواطن بحسب الحاجة من غير تخصيص فهي مجراة على عمومها على كل حال وإن قلنا بجواز التخصيص المنفصل، والدليل على ذلك الاستقراء...".
وأصرح منه ما قاله الإمام ابن القيم في كتابه المستطاب"بدائع الفوائد2/15:"المجاز والتأويل لا يدخل في المنصوص وإنما يدخل في الظاهر المحتمل له و هنا نكتة ينبغي التفطن لها، وهي أن كون اللفظ نصا يعرف بشيئين: أحدهما: عدم احتماله لغير معناه وضعا كالعشرة
والثاني: ما اطرد استعماله على طريقة واحدة في جميع موارده، فإنه نص في معناه، لا يقبل تأويلا ولا مجازا وإن قدر تطرق ذلك إلى بعض أفراده، وصار هذا بمنزلة الخبر المتواتر لا يتطرق احتمال الكذب إليه وإن تطرق إلى كل واحد من أفراده بمفرده. وهذه عصمة نافعة تدلك على خطأ كثير من التأويلات للسمعيات التي اطرد استعمالها في ظاهرها، وتأويلها والحالة هذه غلط، فإن التأويل إنما يكون لظاهر قد ورد شاذا، مخالفا لغيره من السمعيات فيحتاج إلى تأويله لتوافقها، فأما إذا اطردت كلها على وتيرة واحدة صارت بمنزلة النص وأقوى وتأويلها ممتنع فتأمل هذا ".
قلت: هذا إذا سلمنا أن قوله صلى الله عليه وسلم:"فإن الله قبل وجهه إذا صلى" لفظ يحتمل كما قال ابن باز رحمه الله، وإلا فاللفظ واضح بنفسه وصريح لا يحتمل أي معنى زائد على ما دل عليه بمنطوقه إلا بتأويل بعيد وإن كنت في ريب فإليك قول من لا تشك ولا ترتب فيه، قال الإمام ابن تيمية في كتاب الإيمان :"...وجماع الأمر في ذلك أن الكتاب والسنة يحصل منهما كمال الهدى والنور لمن تدبر كتاب الله وسنة نبيه وقصد إتباع الحق وأعرض عن تحريف الكلام عن مواضعه والإلحاد في أسماء الله وصفاته ولا يحسب حاسب أن شيئا من ذلك يناقض بعضه بعضا ألبته مثل أن يقول القائل ما في الكتاب والسنة أن الله فوق العرش يخالفه الظاهر من قوله تعالى( وهو معكم ) وقوله صلى اله عليه وسلم:"فإن الله قبل وجهه إذا قام يصلي..."، ونحو ذلك فإن هذا غلط وذلك أن الله معنا حقيقة وهو فوق عرشه حقيقة كما جمع الله بينهما في قوله سبحانه وتعالى:( هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش...وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير ) هذا هو الحق...".
فكيف استجزتم إخراج هذه النصوص على كثرة عن ظاهرها ورحم الله الإمام ابن تيمية إذ قال في كتاب الإيمان:"فإن كثيرا من الناس يتأوّل النصوص المخالفة لرأيه فيسلك مسلك من يجعل التأويل كأنه ذكر ما يحتمله اللفظ وقصده به دفع ذلك المحتجّ عليه بذلك النص وهذا خطأ بل جميع ما قاله الله ورسوله يجب الإيمان به، فليس لنا أن نؤمن ببعض الكتاب ونكفر ببعض، وليس الاعتناء بمراده صلى الله عليه وسلم في أحد النصين بأولى من العكس"
الوجه الثاني: قال ابن باز رحمه الله"استواء الرب سبحانه على العرش بذاته". كذا قال رحمه الله ومعلوم أن لفظة"بذاته"لم ترد في الكتاب العزيز، ولا في السنة المطهرة، ولا ثبتت على لسان صحابي، أي في عهد السلف قبل ظهور البدع فهي على هذا -وإن ثبتت على لسان بعض الأعلام- غير مقبولة في وصف الله لما تقرر أن الله سبحانه وتعالى لا يوصف إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به النبي صلى الله عليه وسلم و ورودها هي وغيرها من الألفاظ كبائن على ألسنة بعض التابعين لا يجعلها دينا وإلا فالتأويل أيضا ورد عن بعضهم فما الذي جعله بدعة وجعل وصف الله بغير ما وصف به نفسه ولا وصفه به نبيه صلى الله عليه وسلم ولا وصفه به صحابي سنة؟.
و إليك الآن إنكار علماء الحديث لمثل هذه العبارات :
قال الإمام ابن عبد البر متعقبا قول نعيم بن حماد:"ينزل بذاته وهو على كرسيه" قال:"ليس بشيء عند أهل الفن من أهل السنة لأن هذه كيفية وهم يفزعون منها".
و إليك ما قاله الإمام الذهبي في العلو معلقا على قول ابن أبي زيد القيراوني في رسالته:"فوق عرشه المجيد بذاته" قال:"نقموا عليه قوله(بذاته)فليته تركها".
وقال متعقبا قول الحافظ يحي بن عمار:(هو بذاته على العرش):"قولك بذاته من كيسك".
و قال في السير:"وقد تلفظ بالكلمة المذكورة جماعة من العلماء ولا ريب أن فضول الكلام تركه من حسن الإسلام..".
وقال البدر بن جماعة في كتابه إيضاح الدليل:"فمن جعل الاستواء في حقه تعالى ما يفهم من صفات المحدثين وقال استواء بذاته أو قال استواء حقيقة فقد ابتدع بهذه الزيادة التي لم تثبت في السنة ولا عن أحد من الائمة المقتدى بهم".
و زاد ابن الفخار في كتابه"التبصرة في نقد الرسالة" بعد أن استنكر كلمة بذاته:"موضع الغلط في هذا الكلام عدوله عن ظاهر نص القرآن لأنه تعالى قال(الرحمن على العرش استوى) ولم يقل فوق وهذا وهم"
وقال أيضا متعقبا قول ابن أبي زيد(لا يتفكرون في ماهية ذاته)
قال:"فأين في صفات الله ماهية أو في أسمائه، وهل يجوز أن يوصف الله أو
يسمى إلا بما وصف به نفسه أو سماه به رسوله أو أجمع المسلمون...".
وقال الحافظ الذهبي متعقبا قول القائل"استوى استقرارا"، قال"قد أغنى الله تعالى عن العبارات المبتدعة بأن النصوص في الصفات واضحة ".
قلت: لنا أن نتساءل ما معنى هذه الزيادة إذا لم تكن استدراكا على الصحابة في مجال العقيدة؟ ومما يعجب له المرء وهو يقرأ رسائل السلفية عيبهم على الأشاعرة حيث قالوا في تفسير استوى استولى حيث قارن السلفية بين لام الاشاعرة ونون اليهود التي زادوها في كلمة حنطة و قد أمروا أن يقولوا حطة ونسوا هم أنهم زادوا شبه جملة كاملة( بذاته) أو كلمة كاملة(حقيقة) كما فاتهم أن اليهود حرفوا النص المنزل والمتعبد به بينما فسر الأشاعرة النص المنزل من غير تحريف له إذ ليس على وجه الأرض مسلم يقرأ الآية الرحمن على العرش استولى والكل يقرأها( استوى)
و الغريب حقا في المسألة هو أن السلفية تتبنى مبدأ تفسير هذه النصوص ومعلوم أن التفسير يكون بالمرادف أو ما يقارب المعنى
ولا يقولن أحد:إنما قال من قال"بذاته"في مثل هذه الأحاديث ردا على الذين حملوا هذه النصوص على المجاز لأنه يمكن أن يقال له: إذا لا ضير على المؤولة لأنهم ما أوّلوا إلا ردا على من حمل مثل هذه النصوص على التشبيه والتجسيم.
و بالجملة فصمام ديننا هو المتابعة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد و قد رأينا أناسا في زماننا يدافعون عن كلمة(بذاته) وهم يعلمون أنها لم تردّ في الكتاب والسنة ولا فاه بها صحابي ثم يريدون منا أن نعتقد فيهم متابعة السلف وانتهاج نهجهم ونحن نرى إصرارهم المتعصب على بدعة وصف الله جل جلاله بما لم يعرف في كتاب وسنة ولا عند السلف،
و رحم الله ابن الجوزي لقوله في صيد الخاطر ص82:"فإنه من قرأ الآيات والأحاديث ولم يزد لم ألمه، وهذه طريقة السلف، فأما من قال الحديث يقتضي كذا، ويحمل على كذا، مثل أن يقول: استوى على العرش بذاته، ينزل إلى سماء الدنيا بذاته، فهذه زيادة فهمها قائلها من الحس لا من النقل..".
قلت: وكذلك أقول و مما يؤكد هذا القول النهي الثابت عن غير واحد من السلف رضي الله عنهم عن الزيادة على المسموع في وصف الله عز وجل كقول الإمام أحمد:"لا يوصف الله إلا بما وصف به نفسه أو وصفه به رسوله ولا نتجاوز القرآن والحديث..". وفي رواية:"...ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية".
و الغريب عند السلفية أنهم يصّفون من يبيّن مدى مخالفتهم للسلف بالواقف في وجه الحق وكأنهم يعتقدون أنهم هم الحق بعينه وهذا هو عين التعصب المذهبي الذي أطبق السلف والخلف على ذمه، وما أرادوا أن يفهموا أن مخالفيهم إنما خالفهم لما اعتقد أنهم خالفوا الكتاب والسنة والسلف فيما ذهبوا إليه من اجتهادات.ثم (الوقوف في وجه الحق) ينطوي على تكفير مخالفيهم وإلا فأي إسلام يبقى للمرء إذا وقف في وجه الحق أي الإسلام وحاربه وهو يعلم أنه حق ؟
وأنا شخصيا أمنع جهدي-كما هو معروف عني- من وقوف الجماعات الإسلامية في وجه بعضها البعض وأدعو الجميع إلى التعاون فيما اتفقوا عليه و أن ينشغل الكل بما هو مقتنع به من غير أن يعارض غيره فيما اختلفوا فيه ريثما أوجدنا مرجعية علمية ذات قوة رادعة نتحاكم إليها.
و أدعو الجميع أن يقفوا في وجه العلمانيين ودعاة التغريب والملاحدة ومن لف لفهم من الذين يرفضون الحكم بما أنزل الله أو وقف إلى جانبهم كما هو شأن بعض السلفية الإرجائية الذين يقولون للعلمانيين:"نحن معكم وأنتم تحسبوننا ضدكم". وهذا من أجل مصلحتهم الدنيوية
الوجه الثالث: قال ابن باز رحمه الله في حديث ابن عمر:"يجب أن يفسر بما يوافق النصوص المحكمة كما أشار إليه الإمام ابن عبد البر..".
والمشار إليه من كلام ابن عبد البر هو ما نقله عنه الحافظ في الفتح أنه قال في حديث النهي عن البزق في القبلة:"خرج مخرج تعظيم شأن القبلة ".
وغير خاف على مطلع أن هذا القول شبيه بقول المتأول لحديث النزول بنزول الرحمة حيث قال فيه أنه خرج مخرج تعظيم شأن الأسحار…
قال ابن عبد البر- بعد ما نقل عن مالك من تأويل لصفة النزول بنزول الرحمة-في التمهيد7/144:"ويحتمل أن يكون كما قال مالك رحمه الله على معنى أنه تتنزل رحمة الله وقضاؤه بالعفو والاستجابة وذلك من أمره أي أكثر ما يكون ذلك في ذلك الوقت والله اعلم".
الوجه الرابع: قال ابن باز رحمه الله:"و قد أجمع أهل السنة على الأخذ بها والإيمان بما دلت عليه..."
قلت: المتأوّل آخذ بتلك النصوص ومؤمن بما دلت عليه في نظره كما لا
يخفى وإن كان مقصود الشيخ رحمه الله ظواهرها التي لا تأخذ بها المتأوّلة فدعوى الإجماع لا تتحقق بثبوت المخالف، اللهم إلا أن يكون البخاري وابن حبان والبيهقي والعز بن عبد السلام وابن دقيق العيد وابن عساكر وغيرهم كثير ممن نقلنا لك عنهم التأويل من غير أهل السنة والجماعة، ولا يقول بهذا خائف من ربه.
قد يقال أن مقصود الشيخ ابن باز بأهل السنة: السلف بخاصة، فجوابه أن المنقول عن السلف كما سبق معك إما التأويل كما تقدم عن مثل مجاهد وابن جبير وقتادة وغيرهم وإما السكوت .
ثم إن لفظ الشيخ لا يعطي هذا المعنى إلا بشيء من التأويل لما بين أهل السنة والسلف من عموم و خصوص.
وللبيب أن يسأل ما الذي جعل خبر( الله في السماء) محكم وجعل خبر ( الله في قبلتنا) على كثرته و تنوعه متشابه يجب رده إلى الأول ؟ ولماذا لا يكون العكس هو الصواب والكل ثابت بالقرآن والسنة وأقوال السلف كما رأيت ؟
وعلى الجملة يمكن القول أن الشيخ ابن باز رحمه الله أكد الاستلزام الذي نص عليه الإمام ابن حجر منذ قرون بقوله:"ومهما تؤول به هذا-أي
حديث"إن الله قبل وجهه.."-جاز أن يتأول به ذلك-أي حديث النزول- والله أعلم".
و منهم الإمام ابن باديس
لقد ألّفت سلفية جزائرية رسالة بعنوان"الرد الوافي على من زعم أن ابن باديس سلفي". ونشر سلفي جزائري آخر مقالا في النت ذكر فيه أن الإمام تأوّل صفة الرحمة بالإنعام والإحسان في غير ما موطن من تفسيره مجالس التذكير، و أنه نفى صفة الصورة عن الله.بل ذكر مخالفة الإمام ابن باديس للعقيدة السلفية في كثير من الأبواب كمفهوم الإيمان ومسألة التكفير بالأعمال ومسألة رد الآحاد لمعارضته للقرآن وغير ذلك.
ثم نقل عنه أنه قال في كتابه"العقائد الإسلامية" عن أخبار الصفات ما نصه:"الظاهر المتعارف في حقنا غير مراد" واعتمد هذا النص كحجة على أن ابن باديس رحمه الله لا يقول بظاهر نصوص الصفات و هو كذلك ثم ذكر وجوها في تأييد رأيه منها: أن الإمام ابن باديس حقق كتاب العواصم لابن العربي ومعلوم أن كتاب العواصم مبني على اصول مذهب الأشعري ولم يتعقبه ابن باديس بشيء بل وافقه في تبديع فرقة "ظاهرية الإعتقاد" أي من أخذ بظاهر النصوص في العقيدة إذ قال في مقدمة تحقيقه مدحا للكتاب:"فتعرض فيه لأراء في العلم باطلة وعقائد في الدين ضالة وسماها قواصم...... فانتظم ذلك مناظرة السفسطائيين والطبائعيين والإلهيين ومناظرة الباطنية والحلولية وأرباب الإشارات من غلاة الصوفية وظاهرية العقائد، و ظاهرية الأحكام، وغلاة الشيعة والفرقة المتعصبة للأشخاص باسم الإسلام".
وجاء في المقال المنشور في الشبكة المشار إليه ما نصه:"الغلو الشديد في ابن باديس وإطراؤه ونسج الهالات حول شخصيته و آثاره مما بهر الناس به وبكتبه فجعلهم في وضع لا يفكرون فيه و لا يتصورون ابن باديس على حقيقته و لا يتصورون كتبه على حقيقتها و لا يدركون ما حوته من أخطاء عقائدية كبيرة إذا اكتشفها المؤمن ضاقت عليه الأرض بما رحبت وأدرك أن دينه يحتم عليه واجب البيان لما انطوت عليه هذه الآثار من باطل
وضلال قد أخفته تلك الدعايات".
قلت: لا أريد أن أظهر بمظهر المتعصب للإمام ابن باديس رحمه الله و لا لغيره ولكن ما قاله صاحب المقال يصدق تماما على السلفية مع الشيخ الألباني وابن باز والعثيمين رحمهم الله فضلا عن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي يقولون عنه أجمع علماء عصره على أنه أعرف بما كان عليه السلف افتراء وغلوا وإلا فشيخ الإسلام مجتهد يؤخذ من قوله ويرد
و الآن لا بد من التصريح أن الإمام ابن باديس إمام من أهل السنة والجماعة شاء ذلك صاحب المقال ومن على شاكلته أم أبى، وأنه سار في ما انتقده عليه صاحب المقال على قول جمهور أهل السنة، وأن حصر أهل السنة في أتباع شيخ الإسلام ابن تيمية بدعة شنيعة
وأن رد أقوال الرجال بأقوال رجال آخرين ممن ليس قولهم حجة-و لو شيح الإسلام ابن تيمية- ليس منهاجا لأهل السنة، بل هذا صنيع متعصبة الأشخاص الذين أشار إليهم الإمام بقوله السابق:"والفرقة المتعصبة للأشخاص باسم الإسلام".
ومما تعيبه السلفية المعاصرة على الإمام ابن باديس أنه أسس جمعية للعلماء و سمح للمبتدعة بالإنضمام إليها كالإباضية والطرقية لذا وجدناهم اليوم يمنعون من ليس على تصورهم من الدخول في بعض مكاتب الجمعية التي استولوا عليها وفات هؤلاء أن الإمام ابن باديس رحمه الله أفقه منهم وأعلم بالسنة، وأن الظروف التي كانت آنذاك لم تكن تسمح بالتفرّق والتشرذّم بل كانت تقتضي من المصلحين جمع كلمة المسلمين وتوحيد صفهم ضد الإستعمار الفرنسي كما يقتضي ذلك عدم تحكيم الشريعة و هيمنة العلمانيين في زماننا... ولكن لا حيلة للعاقل مع متعصبة الرجال خاصة إذا صاحب ذلك الأغراض الدنيوية كحب التصدر والظهور
وختاما أقول: هذه بعض التأويلات لأخبار الصفات المنقولة عن أئمة الحديث وحفاظه إذ ما من واحد منهم إلا وهو مترجم له في طبقات الحفاظ، و بهذا تعلم أن التأويل في أهل الحديث خاصة وأهل السنة عامة ليس بقول شاذ أو غريب علما أنّني لم أنقل كل ما وقفت عليه من تأويلاتهم كتأويل الحافظ المازري في كتابه"المعلم بفوائد مسلم"، وتأويل الحافظ الباجي في"المنتقى"، وتأويل الحافظ ابن حزم في مطلع "المحلى"كما
أنّني لم أنقل تأويلات المفسرين والأصوليين وعلماء اللغة والبيان وأئمة الفقه من أهل السنة والجماعة...ويدلك على كثرتهم قول الحوالي في منهاجه- وهو يقدح في الاشاعرة- ص7:" إنها مسألة مذهب بدعي له وجوده الواقعي الضخم في الفكر الإسلامي حيث تمتلئ به كثير من كتب التفسير وشروح الحديث وكتب اللغة والبلاغة والأصول فضلا عن كتب العقائد والفكر..." .
فتأمل أخي هذا لتدركجهل أو تعصب قول من قال أن أهل السنة يذمّون التأويل من دون تفصيل ؟ ولا يستقيم قولهم هذا إلا بحصر أهل السنة في شيخ الإسلام ابن تيمية وأتباعه ومن سبقه من الحنابلة على هذا الرأي فسبحان الله ما أشنع التعصب للرجال...










