يعيب كثير من الفقهاء على " السلفيين " انشغالهم بقضايا جزئية، وإثارة مشكلات فقهية
14-09-2009, 02:06 PM
السؤال :
يعيب كثير من الفقهاء على " السلفيين " انشغالهم بقضايا جزئية، وإثارة مشكلات فقهية فرعية ظلت قرونا تدخل في دائرة " اختلاف أمتي رحمة " ما ردكم ؟
الجواب:
لا بد من تصحيح بعض الأمور وردت في السؤال :
- وأولها: انشغال "السلفيين" بالقضايا الجزئية، فإذا أردت بالسلفيين: بعض العوام والجهلة، ممن لم يعرفوا حقيقة العلم والدعوة، فهذا كثير جدا، ويوجد مثله في كل الطوائف ممن يتخذ قضايا معينة محدودة، يجعلها هي الدين كله، وغيرها هو الباطل، كمن يجعل ميزان أهل السنة هو بعض السنن المستحبة، أو الكلام في فلان والتشغيب على علان، وكذلك ممن يجعل " التربية الروحية " و" العمل القلبي " هو الدّين كلّه، فيترك طلب العلم، ويستهين بعمل الجوارح، ويفعل الكثير من المحرّمات بحجة أن الأساس هو صفاء السريرة والمحبة وغير ذلك من المزاعم الباطلة، أو ممن يجعل السياسة هي كل همه، فالقضية أن الكثير من الفرق والطوائف، والأتباع، حصروا الدين في أمور معينة، ثم نظروا إلى غيرهم نظرة ازدراء وتحقير ممن ينشط في مجالات أخرى لا تتعارض مع الشرع.
أما أهل العلم والبصيرة والفهم الصحيح الذين أخبرنا الله عن دعوتهم فقال:{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }، فلا نجد عندهم مثل هذه الأفكار، والعلماء والحمد لله من أهل السنة لا يخلو منهم قطر ولا مصر، ولا نعرف عنهم هذا الضيق في الأفق ولا هذا التحجر، وإن تخصص بعضهم في فن من الفنون واشتهر به وعُرف به، فهذا من فضله كما عُرف مثلا القرطبي بالتفسير، والحافط ابن حجر بـ" الحديث "، وابن أبي زيد القيرواني بالفقه، وعُرفت دعوة الشيخ ابن باديس، بالتركيز على مسائل التوحيد ومحارية البدع والخرافات والشركيات، وعدم خوضها في القضايا السياسية بشكل كبير ومباشر، كما كان حال الأحزاب الوطنية والسياسية في ذلك الوقت، وهذا ما جعل خصومهم السياسيين يرمونهم بالانبطاح والتميع، وخصومهم الطرقيين يرمونهم بالوهابية، وتاريخ هذا الصراع معروف ومدون في الكتب والمجلات.
والواجب هو التكامل والتعاون بين الدعاة وأهل العلم، فالله جل وعز لم يجعل العقول على مستوى واحد، فهذا نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم يقول عن أصحابه وهم من هم كما روى الترمذي وأحمد من حديث أنس: (( أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُم فِي أَمْرِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أُبَيّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكلّ أمّة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح )).
فهذا التنوع يوجد بين بني البشر والمدارك العقلية تختلف ولكن لا ينبغي أن يكون هناك تصادم بين العاملين في ساحة الدعوة، فكل في تخصصه الشرعي الصحيح، وعمله الدعوى، السائر على طريقة النبي وهدي أصحابه، حيث كل واحد يعرف فضل الآخر، فقد عرفنا بعض الأشخاص لم يحسن في كل حياته إلا تحفيظ القرآن في اللوح وتخرج على يديه الجم الغفير من الحفاظ، فهل يقال عنه أنه اهتم بجزئية واحدة في حياته ؟ وإذا جلست إليه فلا يحسن إلاّ الحديث عن التحفيظ، فهل هذا يُقصى من الساحة أم أننا نحافظ عليه،ونشجعه ونعرف فضله ونتعاون معه ؟
والأمر الثاني يتعلق بالقضايا الجزئية، فهذه المسائل الجزئية أو الفرعية ليست وليدة اليوم، وليست اختراعا واكتشافا جديدا، بل هي معروفة في الكتب، ومبثوثة في دواوين العلم، والخلاف فيها قديم، ولا حرج أن يعرف الناس الجزئيات وينتشر العلم، وتشيع السنن والمستحبات، كما يجب أن نعرف الواجبات، ولكن مع ضرورة تنزيل كل شيء منزلته والأعمال مراتب ودرجات، واليوم والحمد لله قد عرف الناس الكثير من المسائل التي لم تكن معروفة من قبل من السنن والآداب الشرعية والمنهيات وهذا يعود بعد فضل الله ورحمته إلى العلماء الذين نشروا هذا العلم الشرعي وأشاعوا هذا الميراث النبوي.
وأنا أغتنم الفرصة لأوجه الأنظار إلى أهل العلم الكبار، وليس إلى تصرفات الصغار وأخطاء العوام؛ لأن تصرفات هؤلاء ليست هي المقياس والمعيار، ولو شئت لضربت لكم أمثلة من التاريخ في صراع أصحاب المذاهب الفقهية السنية والذي كان يؤججه في الغالب الأتباع والعوام والمتعصبون للشيوخ، فلم يقل أحد يومئذ بضرورة محاربة وإلغاء هذه المذاهب أو إقصاء علماء المذاهب الفقيهة، فالقضية إنما تعود إلى الفهم الواسع للواقع والتاريخ وليس لأحكام مسبقة دون روية ونظر.
والأمر الثالث: أن الاختلاف ليس رحمة بل الاختلاف عذاب وعقاب فقد صحّ من رواية الإمام أحمد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ: (( الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ )).
كل يرى رأيا وينصر قولـه وله يعادي سائر الإخوان
ولو أنهم عند التنازع وفقـوا لتحاكموا لله دون تــوان
ولأصبحوا بعد الخصام أحبة غيظ العدا ومذلة الشيطان
من جواب الشيخ بدر الدين يحى على سؤال صحفي من جريدة المسلمين
يعيب كثير من الفقهاء على " السلفيين " انشغالهم بقضايا جزئية، وإثارة مشكلات فقهية فرعية ظلت قرونا تدخل في دائرة " اختلاف أمتي رحمة " ما ردكم ؟
الجواب:
لا بد من تصحيح بعض الأمور وردت في السؤال :
- وأولها: انشغال "السلفيين" بالقضايا الجزئية، فإذا أردت بالسلفيين: بعض العوام والجهلة، ممن لم يعرفوا حقيقة العلم والدعوة، فهذا كثير جدا، ويوجد مثله في كل الطوائف ممن يتخذ قضايا معينة محدودة، يجعلها هي الدين كله، وغيرها هو الباطل، كمن يجعل ميزان أهل السنة هو بعض السنن المستحبة، أو الكلام في فلان والتشغيب على علان، وكذلك ممن يجعل " التربية الروحية " و" العمل القلبي " هو الدّين كلّه، فيترك طلب العلم، ويستهين بعمل الجوارح، ويفعل الكثير من المحرّمات بحجة أن الأساس هو صفاء السريرة والمحبة وغير ذلك من المزاعم الباطلة، أو ممن يجعل السياسة هي كل همه، فالقضية أن الكثير من الفرق والطوائف، والأتباع، حصروا الدين في أمور معينة، ثم نظروا إلى غيرهم نظرة ازدراء وتحقير ممن ينشط في مجالات أخرى لا تتعارض مع الشرع.
أما أهل العلم والبصيرة والفهم الصحيح الذين أخبرنا الله عن دعوتهم فقال:{ قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ }، فلا نجد عندهم مثل هذه الأفكار، والعلماء والحمد لله من أهل السنة لا يخلو منهم قطر ولا مصر، ولا نعرف عنهم هذا الضيق في الأفق ولا هذا التحجر، وإن تخصص بعضهم في فن من الفنون واشتهر به وعُرف به، فهذا من فضله كما عُرف مثلا القرطبي بالتفسير، والحافط ابن حجر بـ" الحديث "، وابن أبي زيد القيرواني بالفقه، وعُرفت دعوة الشيخ ابن باديس، بالتركيز على مسائل التوحيد ومحارية البدع والخرافات والشركيات، وعدم خوضها في القضايا السياسية بشكل كبير ومباشر، كما كان حال الأحزاب الوطنية والسياسية في ذلك الوقت، وهذا ما جعل خصومهم السياسيين يرمونهم بالانبطاح والتميع، وخصومهم الطرقيين يرمونهم بالوهابية، وتاريخ هذا الصراع معروف ومدون في الكتب والمجلات.
والواجب هو التكامل والتعاون بين الدعاة وأهل العلم، فالله جل وعز لم يجعل العقول على مستوى واحد، فهذا نبيّنا محمّد صلّى الله عليه وسلّم يقول عن أصحابه وهم من هم كما روى الترمذي وأحمد من حديث أنس: (( أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ، وَأَشَدُّهُم فِي أَمْرِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهُمْ حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ أُبَيّ بن كعب، وأفرضهم زيد بن ثابت، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل، ولكلّ أمّة أمين، وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح )).
فهذا التنوع يوجد بين بني البشر والمدارك العقلية تختلف ولكن لا ينبغي أن يكون هناك تصادم بين العاملين في ساحة الدعوة، فكل في تخصصه الشرعي الصحيح، وعمله الدعوى، السائر على طريقة النبي وهدي أصحابه، حيث كل واحد يعرف فضل الآخر، فقد عرفنا بعض الأشخاص لم يحسن في كل حياته إلا تحفيظ القرآن في اللوح وتخرج على يديه الجم الغفير من الحفاظ، فهل يقال عنه أنه اهتم بجزئية واحدة في حياته ؟ وإذا جلست إليه فلا يحسن إلاّ الحديث عن التحفيظ، فهل هذا يُقصى من الساحة أم أننا نحافظ عليه،ونشجعه ونعرف فضله ونتعاون معه ؟
والأمر الثاني يتعلق بالقضايا الجزئية، فهذه المسائل الجزئية أو الفرعية ليست وليدة اليوم، وليست اختراعا واكتشافا جديدا، بل هي معروفة في الكتب، ومبثوثة في دواوين العلم، والخلاف فيها قديم، ولا حرج أن يعرف الناس الجزئيات وينتشر العلم، وتشيع السنن والمستحبات، كما يجب أن نعرف الواجبات، ولكن مع ضرورة تنزيل كل شيء منزلته والأعمال مراتب ودرجات، واليوم والحمد لله قد عرف الناس الكثير من المسائل التي لم تكن معروفة من قبل من السنن والآداب الشرعية والمنهيات وهذا يعود بعد فضل الله ورحمته إلى العلماء الذين نشروا هذا العلم الشرعي وأشاعوا هذا الميراث النبوي.
وأنا أغتنم الفرصة لأوجه الأنظار إلى أهل العلم الكبار، وليس إلى تصرفات الصغار وأخطاء العوام؛ لأن تصرفات هؤلاء ليست هي المقياس والمعيار، ولو شئت لضربت لكم أمثلة من التاريخ في صراع أصحاب المذاهب الفقهية السنية والذي كان يؤججه في الغالب الأتباع والعوام والمتعصبون للشيوخ، فلم يقل أحد يومئذ بضرورة محاربة وإلغاء هذه المذاهب أو إقصاء علماء المذاهب الفقيهة، فالقضية إنما تعود إلى الفهم الواسع للواقع والتاريخ وليس لأحكام مسبقة دون روية ونظر.
والأمر الثالث: أن الاختلاف ليس رحمة بل الاختلاف عذاب وعقاب فقد صحّ من رواية الإمام أحمد عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الْمِنْبَرِ: (( الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ )).
كل يرى رأيا وينصر قولـه وله يعادي سائر الإخوان
ولو أنهم عند التنازع وفقـوا لتحاكموا لله دون تــوان
ولأصبحوا بعد الخصام أحبة غيظ العدا ومذلة الشيطان
من جواب الشيخ بدر الدين يحى على سؤال صحفي من جريدة المسلمين
أخوكم في الخدمة
من مواضيعي
0 المنهاج في وجوب نصرة أهل السنة في دمّاج.للشّيخ سليم بن صفية الجزائري ,حفظه الله,
0 تغيير مؤقت على منتديات تبسة الإسلامية
0 بيان وإستنكار على ما نشرته جريدة الشروق لكلام أحمد عيساوي حول القروض الربوية
0 بيان وإستنكار على ما نشرته جريدة الشروق لكلام أحمد عيساوي حول القروض الربوية
0 المظاهرات والمسيرات من وسائل الإفساد لا الإصلاح . للشيخ سليم بن صفية الجزائري -
0 بشرى بصدور كتاب جديد لشيخ جزائري
0 تغيير مؤقت على منتديات تبسة الإسلامية
0 بيان وإستنكار على ما نشرته جريدة الشروق لكلام أحمد عيساوي حول القروض الربوية
0 بيان وإستنكار على ما نشرته جريدة الشروق لكلام أحمد عيساوي حول القروض الربوية
0 المظاهرات والمسيرات من وسائل الإفساد لا الإصلاح . للشيخ سليم بن صفية الجزائري -
0 بشرى بصدور كتاب جديد لشيخ جزائري










