الخاتمة
وأختم – بتوفيق الله – هذه الرسالة بعدة مهمات :
المهمة الأولى/ أن أخانا الفاضل أبا العباس الشحري – وفقه الله – من بركة دعوة الإمام العلامة المحدث مقبل الوادعي – رحمه الله -، فقد أجرى الله على يد هذا الإمام خيراً كثيراً في بلاد اليمن، بل وتعداها مروراً بالدول العربية إلى أن وصل إلى بلاد أفريقيا وآسيا وأوربا وأمريكا .
وقد رجع إلى بلاد اليمن فرفع الله به منارة التوحيد والسنة ، فصبر واصطبر وضحى في الدعوة إليهما ، فأراه الله كثيراً من ثمرة دعوته في حياته وبعد مماته كثر ثمرها وحسن .
فليحافظ إخواننا السلفيون في اليمن على ما أنجزه أو حققه هذا الإمام، فكم أحمرت لها أنوف، وحنق بها من أهل البدع ألوف .
ولا أستبعد أن يدس أهل البدع بين صفوف هذه الدعوة المباركة في اليمن وغيرها كالسعودية والشام والكويت والإمارات والسودان والجزائر وليبيا ودول أوربا وأمريكا، أناساً من أهل البدع من الصوفية والحزبيين وغيرهما ؛ ليفرقوا الصف ويمزقوا الشمل .
لكن - بعون الله – إخواننا القائمون بالدعوة السلفية في اليمن وفي غيرها أهل لأن يكونوا دعاة تجميع على السنة؛ بأن يصدقوا الدعاء والتعلق بالله؛ ليرشدهم لما يرضيه، ويكثروا المشاورة فيما بينهم، وأن يتطاوعوا ولا يختلفوا، وألا يلتفوا لحظوظ نفوسهم، فإن الفلاح في مخالفة هواها وازدرائها فقد نهى الله نبيه داود –عليه السلام- عن إتباع هوى النفس كما قال تعالى ) يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ
(، وأن يراعوا المصالح والمفاسد في علاج أخطاء إخوانهم فإن دين الله قائم على جلب المصالح وتكميلها ودرء المفاسد وتقليلها .
أسأل الله بما هو أهله أن يجمع كلمة السلفيين على الحق في شرق الأرض وغربها .
المهمة الثانية/ إن هناك فرقاً كبيراً بين الخلاف مع بعض إخواننا أهل السنة ما داموا أهل سنة، وبين الخلاف مع بعض أهل البدعة من الصوفية والشيعة والأشاعرة والحزبيين من الإخوان المسلمين والتبليغيين وغيرهم ، فإن خلاف هؤلاء الحزبيين من الإخوان المسلمين والتبلغيين مع أهل السنة خلاف عقدي لا يسوغ الخلاف فيه، وليس في جزئية بل كليات فخلافنا مع المبتدعة خلاف عداء وبغضاء ، كما هي طريقة سلفنا الكرام بخلاف خلافنا مع إخواننا فهو خلاف تكميل وتقويم وإصلاح فيما يسوغ الخلاف فيه . وما لا يسغ الخلاف فيه وهو جزئي، فهو زلة لا يتابع عليها، ويجزم بخطئه وينبه الناس إلى ترك متابعته على خطئه هذا المعين من غير تزهيد فيه أو تشويش عليه .
وفي المقابل لا يبدع كما قال الإمام أحمد – رحمه الله – في السنة للخلال : إخراج الرجل من السنة شديد ا.هـ وقال الإمام ابن تيمية في " الفتاوى" (12/492): وكان القاضي شريح ينكر قراءة من قرأ ( بل عجبتُ ) ويقول : إن الله لا يعجب ، فبلغ ذلك إبراهيم النخعي فقال : إنما شريح شاعر يعجبه علمه ، كان عبد الله أفقه منه وكان يقول: ( بل عجبتُ ) . فهذا قد أنكر قراءة ثابتة ،وأنكر صفة دل عليها الكتاب والسنة ، واتفقت الأمة على أنه إمام من الأئمة ا.هـ
وليس لأهل البدعة من الشيعة والصوفية وأهل التحزب من الإخوان المسلمين وغيرهم الفرح والتشمت بمثل هذه الردود ، لأنها من القيام بدين الله الذي خلقنا من أجله ، فهي من جملة النصيحة عن أبي رقية تميم بن أوس الداري-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الدين النصيحة " قلنا: لمن . قال:" لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم " أخرجه مسلم ، وهي من جملة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي قال الله فيه) كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ
(والقول المرجوح منكر من وجه، كما أفاده ابن القيم في "إعلام الموقعين " (4/132).
فيا لله ما أسعدنا إذا قمنا برضا الله ولو شمت من شمت فالله يقول) وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ
( وقال)وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ
(هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن هذه الردود ردود تكميل وإصلاح وتقويم وهي طريقة للكمال البشري ، وقد كان سلفنا قائمين بهذه الردود حتى فيما يسوغ الخلاف فيه ، وقد أورد الإمام ابن عبدالبر في كتابه " جامع بيان العلم وفضله " آثاراً في ذلك (2/913) تحت باب ذكر الدليل من أقاويل السلف على أن الاختلاف خطأ وصواب يلزم طالب الحجة عنده ، وذكر بعض ما خطّأ فيه بعضهم بعضاً وأنكره بعضهم على بعض عند اختلافهم ا.هـ
المهمة الثالثة/إن من أهم المهمات أن يعتني طلاب علم أهل السنة السلفيين بدراسة مسائل التوحيد والاعتقاد ؛ دراسة تحقيق وتمحيص ، وأن يتمكنوا فيها أشد التمكن فيقرؤوا " كتاب التوحيد " للإمام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله ، وشروحه كـ "تيسير العزيز الحميد " و" فتح المجيد " و" قرة عيون الموحدين " و" القول المفيد " . وأن يكثروا من قراءة كتب أئمة الدعوة النجدية السلفية كـ" الدرر السنية " و"الرسائل والمسائل النجدية " ، وكتب الردود التي أفردوها على المخالفين كـ" مصباح الظلام " وكتاب " التأسيس والتقديس " وكتاب " القول الفصل النفيس " . ويقرؤوا كتاب "صيانة الإنسان " للهندي محمد بشير السهسواني، فما أحسنه من كتاب، ويقبلوا بكليتهم على كتب الإمام المحقق شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله -، فيقرؤوا العقيدة الواسطية وشروحها مثل " التنبيهات السنية " و" الروضة الندية " وشرح شيخنا العلامة محمد بن صالح العثيمين ، ويقرؤوا " الفتوى الحموية " ويتفهموا كتاب " التدمرية " فهو خلاصة ردوده على المتكلمين ، ثم يقبلوا على كتبه العظام مثل " منهاج السنة " و" درء تعارض العقل والنقل" و" بيان تلبيس الجهمية " و" الجواب الصحيح " و"مجموع فتاواه" و"الرد على البكري " و" الأخنائية " و" الاستقامة" وكل ما تيسر من تأليفه وتصنيفه .
ويقرؤوا كتب الإمام ابن القيم ومن أنفسها " الصواعق المرسلة " مع مختصرها ، ويقرؤوا " شرح الطحاوية " لابن أبي العز الحنفي ، ثم بعد ذلك ينهلوا من علم السلف وكتبهم مثل " الإبانة الكبرى " " والصغرى " و" الشريعة " للآجري وكتاب " السنة " للخلال و" السنة " لعبدالله بن الإمام أحمد و" كتاب التوحيد " لابن خزيمة و" الإيمان " لابن منده ، وكتابي الإمام عثمان بن سعيد الدارمي " الرد على الجهمية " و" الرد على بشر المريسي " فهما من أنفس الكتب وأقواها حجة وبياناً للمحجة . وقد أوصى الإمام ابن تيمية تلميذه ابن القيم بهما .
وما تيسر من كتب أئمة السنة السابقين واللاحقين ، فإن من وفق لهذا مع الضبط والتحرير ، وفق لخير كثير .
فهلموا إلى ذلك يا شباب السنة فما أحوج السنة وأهلها إليكم .
المهمة الرابعة/المسائل الشرعية المختلف فيها نوعان:
النوع الأول / لا ينكر ولا يعنف فيه على القائل، ولا يلزم بتركه، أما القول نفسه فللمجتهد المخالف أن يبين ضعفه وكونه مرجوحاً، هذا النوع هو المسمى عند العلماء بالمسائل الاجتهادية أو بالمسائل التي يسوغ فيها الخلاف. وهو كل قول لم يخالف إجماعاً أو سنة ظاهرة صريحة .
النوع الثاني / ينكر ويعنف فيه على القائل، ويلزمه من له ولاية بتركه، والقول نفسه يرد ويبدع، وهذا النوع هو المسمى عند العلماء بالمسائل الخلافية، وهو كل قول يخالف إجماعاً أو سنة ظاهرة صريحة، قال ابن مفلح: وقال – أي ابن تيمية – في كتاب " بطلان التحليل" – قولهم: ومسائل الخلاف لا إنكار فيها ليس بصحيح، فإن الإنكار إما أن يتوجه إلى القول بالحكم أو العمل: أما الأول، فإن كان القول يخالف سنة أو إجماعاً قديماً وجب إنكاره وفاقاً، وإن لم يكن كذلك فإنه ينكر، بمعنى بيان ضعفه عند من يقول المصيب واحد وهم عامة السلف والفقهاء . وأما العمل إذا كان على خلاف سنة أو إجماع، وجب إنكاره أيضاً بحسب درجات الإنكار كما ذكرنا من حديث شارب النبيذ المختلف فيه، وكما ينقض حكم الحاكم إذا خالف سنة، وإن كان قد اتبع بعض العلماء، وأما إذا لم يكن في المسألة سنة ولا إجماع، وللاجتهاد فيه مساغ، فلا ينكر على من عمل بها مجتهداً أو مقلداً. وإنما دخل هذا اللبس من جهة أن القائل يعتقد أن مسائل الخلاف هي مسائل الاجتهاد، كما اعتقد ذلك طوائف من الناس. والصواب الذي عليه الأئمة أن مسائل الاجتهاد، ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه فيسوغ – إذا عدم ذلك – الاجتهاد لتعارض الأدلة المقاربة، أو لخفاء الأدلة فيها .ا.هـ
[1] وقال أبو المظفر السمعاني: فأما الضرب الذي لا يسوغ فيه الاختلاف، كأصول الديانات من التوحيد وصفات الباري عز اسمه، وهي تكون على وجه واحد، لا يجوز فيه الاختلاف، وكذلك فروع الديانات التي يعلم وجوبها بدليل مقطوع به، مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج، وكذلك المناهي الثابتة بدليل مقطوع به، فلا يجوز اختلاف القول في شيء من ذلك . فأما الذي يسوغ فيه الاختلاف، وهي فروع الديانات إذا استخرجت أحكامها بأمارات الاجتهاد ومعاني الاستنباط، فاختلاف العلماء فيه مسوغ، ولكل واحد منهم أن يعمل فيه بما يؤدي إليه اجتهاده ا.هـ
[2]
وقال ابن القيم: وهذا يرد قول من قال: لا إنكار في المسائل المختلف فيها، وهذا خلاف إجماع الأئمة، ولا يعلم إمام من أئمة الإسلام قال ذلك…ا.هـ[3]
تنبيه / إذا فهمت ما سلف عرفت أن المخالفين في الباب طائفتان :
الأولى / شددت على مخالفها في كل مسألة متنازع فيها حتى عاملت المسائل الاجتهادية معاملة المسائل الخلافية وهذا خطأ كما تقدم .
الثانية / فرطت وتميعت وعاملت المسائل الخلافية معاملة المسائل الاجتهادية، فلم تنكر على من وقع في مسألة خلافية بزعم أن لكلٍ وجهة نظر.
وأخونا الفاضل أبو العباس – عفا الله عنه – شدد في هذه التنبيهات وجعلها هفوات كباراً وأغلظ في القول وشدد بل ومما ذكر في أوائل تنبيهاته : ثمَّ نُطقِهِ أَخِيرًا بأنَّ هناكَ مسائلَ فيها مَجَالٌ للنَّظرِ عندَه !، فَحسبُنا اللهُ ونعمَ الوَكيل .
وصدَقَ ربُّنَا عَزَّ وجَلَّ) قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(؟. أارسلتا
والكتَابُ أيُّها النَّاظرُ بينَ يَديكَ؛ فانظُرْ هل فيهِ مايدَّعِيهِ؟. انتهى كلام أخينا .
وما كان ينبغي لأخينا أن يسلك هذه الطريقة التي هي عن مسالك أهل العلم أجنبية لاسيما وأكثر تنبيهات عند المنصوح غير مرضية ، والعجيب أنه كتبها نصيحة سر بينه وبين المنصوح ، فكيف يريد منه الاستجابة وقد أغلظ له في القول فهلا تأدب بما أمر الله به موسى وهارون – عليهما السلام – لما قال تعالى ) فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى
(هذا في أول الحال قبل أن يظهر إعراضه واستكباره .
وشدته هذه ترجع – والله أعلم – إلى أحد أمرين ، إما أن أخانا لا يعرف طريقة أهل العلم في التعامل مع أصحاب الخلافين السائغ وغير السائغ، وأن لكل واحد منهما تعاملاً يناسبه ، أو أنه يعرف هذا لكنه لا يميز عملياً بين الأخطاء أهي مما يسوغ الخلاف فيه أم لا؟ والذي أظنه من حال أخينا الثاني .
المهمة الخامسة/ إن أهل السنة في زمن غربة وهذا علامة صدقهم وصحة طريقتهم؛ لما في صحيح مسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ فطوبى للغرباء "
وقد كان أئمة السلف في القرون المفضلة يستشعرون هذه الغربة فكيف بزمننا هذا ، روى اللالكائي (1/64) بإسناده عن الإمام سفيان الثوري أنه قال: استوصوا بأهل السنة خيراً فإنهم غرباء . وروى عنه (1/64) أيضاً أنه قال: إذا بلغك عن رجل بالمشرق صاحب سنة وآخر بالمغرب فابعث إليهما بالسلام وادع لهما ، ما أقل أهل السنة والجماعة. وروى (1/66) عن أبي بكر بن عياش أنه قال: السنة في الإسلام أعز من الإسلام في سائر الأديان . وروى (1/166) عن أسد بن موسى قال: كنا عند سفيان بن عيينة فنعى إليه الدراوردي فجزع وأظهر الجزع ولم يكن قد مات ، فقلنا: ما علمنا أنك تبلغ مثل هذا المبلغ . قال: إنه من أهل السنة .
فإذا كان أئمة السنة عاشوا غربة في زمانهم فما نعيشه في زماننا أشد بأضعاف مضاعفة، بل قد لا تكون غربتهم بالنسبة إلى غربتنا شيئاً . وهذا مصداق ما في صحيح البخاري عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:" لا يأتي زمان إلا والذي بعده أشر منه " وهذا كله مع صلابة دين أئمة السنة وغزير علمهم وكبير تقواهم ويقينهم . فكيف بنا وقد اجتمعت لنا غربة شديدة مع ضعف دين وقلة علم كما قال القائل :
لا تعرضنّ بذكرنا في ذكرهم ليس الصحيح إذا مشى كالمقعد
فإذا كان الحال كذلك – وإلى الله المشتكى وعليه التكلان – فكان لزاماً على أهل السنة السلفيين التواصي فيما بينهم بالحق والصبر مع المحبة والائتلاف فيستر بعضهم عيوب بعض ويكمل أحدهم نقص أخيه ويدعو لإخوانه في ظهر الغيب ، ويحمل خطأ أخيه على أحسن المحامل إحساناً للظن ، ويكون كثير الإعذار لإخوانه، وهذه شيمة كرماء النفوس وقد اتصف الله بها ، ففي الصحيحين عن ابن مسعود – رضي الله عنه – قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ولا أحد أحب إليه العذر من الله " بل ينبغي أن يكون السلفي مع إخوانه ذليلاً كما قال تعالى)أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ
(وقال) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
(
قال الإمام ابن تيمية كما في " مجموع الفتاوى " (20/142): ولا ريب أن الحرص والرغبة في الحياة الدنيا، وفي الدار الدنيا من المال والسلطان مضر، كما روى الترمذي عن كعب بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:" ما ذئبان جائعان أرسلا في زريبة غنم بأفسد لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه " قال الترمذى: حديث حسن صحيح . فذم النبي صلى الله عليه وسلم الحرص على المال والشرف، وهو الرياسة والسلطان، وأخبر أن ذلك يفسد الدين مثل أو فوق إفساد الذئبين الجائعين لزريبة الغنم .
وهذا دليل على أن هذا الحرص إنما ذم؛ لأنه يفسد الدين الذي هو الإيمان والعمل الصالح، فكان ترك هذا الحرص لصالح العمل، وهذان هما المذكوران في قوله تعالى ) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ . هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ
(وهما اللذان ذكرهما الله في سورة القصص حيث افتتحها بأمر فرعون، وذكر علوه فى الأرض، وهو الرياسة والشرف والسلطان، ثم ذكر في آخرها قارون وما أوتيه من الأموال وذكر عاقبة سلطان هذا وعاقبة مال هذا، ثم قال )تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
(كحال فرعون وقارون؛ فإن جمع الأموال من غير إنفاقها في مواضعها المأمور بها وأخذها من غير وجهها هو من نوع الفساد .
وكذلك الإنسان إذا اختار السلطان لنفسه بغير العدل والحق لا يحصل إلا بفساد وظلم ا.هـ
وقال (28/392): وقال تعالى ) تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ
( فإن الناس أربعة أقسام؛
القسم الأول؛ يريدون العلو على الناس، والفساد في الأرض وهو معصية الله، وهؤلاء الملوك والرؤساء المفسدون كفرعون وحزبه . وهؤلاء هم شرار الخلق . قال الله ) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ
(وروى مسلم في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله e" لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال ذرة من كبر ولا يدخل النار من في قلبه مثقال ذرة من إيمان " فقال رجل يا رسول الله: إني أحب أن يكون ثوبي حسناً ونعلي حسناً أفمن الكبر ذاك؟ قال :" لا إن الله جميل يحب الجمال الكبر بطر الحق وغمط الناس" فبطر الحق دفعه وجحده، وغمط الناس، احتقارهم وازدراؤهم، وهذا حال من يريد العلو والفساد .
والقسم الثانى: الذين يريدون الفساد، بلا علو، كالسراق والمجرمين من سفلة الناس .
والقسم الثالث: يريدون العلو بلا فساد، كالذين عندهم دين يريدون أن يعلوا به على غيرهم من الناس .
وأما القسم الرابع: فهم أهل الجنة الذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، مع أنهم قد يكونون أعلى من غيرهم، كما قال الله تعالى ) وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ
(وقال تعالى ) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ
(وقال) وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ
(
فكم ممن يريد العلو، ولا يزيده ذلك إلا سفولاً، وكم ممن جعل من الأعلين وهو لا يريد العلو ولا الفساد؛ وذلك لأن إرادة العلو على الخلق ظلم لأن الناس من جنس واحد، فإرادة الإنسان أن يكون هو الأعلى ونظيره تحته ظلم. ومع أنه ظلم فالناس يبغضون من يكون كذلك ويعادونه؛ لأن العادل منهم لا يحب أن يكون مقهوراً لنظيره، وغير العادل منهم يؤثر أن يكون هو القاهر . ثم إنه مع هذا لابد له - في العقل والدين - من أن يكون بعضهم فوق بعض كما قدمناه كما أن الجسد لا يصلح إلا برأس قال تعالى ) وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ
(وقال تعالى ) نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً سُخْرِيّاً
(فجاءت الشريعة بصرف السلطان والمال في سبيل الله ا.هـ
وكم يحصل من خلاف لإرادة علو ورفعة ويظهره صاحبه بمظهر الدين؛ ليعذر أمام العالمين، وقد تغافل أن رب العالمين بسريرته عليم، وبعضهم قد يكون مبدأ أمره لله، ثم تنقلب نيته إلى إرادة العلو، وعدم إظهار النقص بخطأ أو غير ذلك ، فاللهم سلّم سلّم ولنفوسنا أصلح وكمّل .
ومن لطيف استنباط الإمام محمد بن عبدالوهاب – رحمه الله - أنه قال عند قوله تعالى ) قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ
( التنبيه على الإخلاص؛ لأن كثيراً من الناس لو دعا إلى الحق فهو يدعو إلى نفسه ا.هـ
ومن أمارات هذا الخلاف أن ترى بعضهم يشن حملات وغارات على أفراد وإذا حققت، ومحصت لم تجد شيئاً، أو وجدت خطأ لا يستحق هذا كله ، وهذا من البغي الذي لا يحبه الله وهو لفاعله بالمرصاد قال ابن الجوزي في كتابه "تلبيس إبليس" ص 143 : ومن تلبيس إبليس على أصحاب الحديثقدح بعضهم في بعض طلبا للتشفي ويخرجون ذلك مخرج الجرح والتعديل الذي استعمله قدماء هذه الأمة للذب عن الشرع -والله أعلم بالمقاصد- ودليل مقصد خبث هؤلاء سكوتهم عمن أخذوا عنه، وما كان القدماء هكذا فقد كان علي بن المديني يحدث عن أبيه وكان ضعيفا ثم يقول : وفي حديث الشيخ ما فيه ا.هـ
يا أهل السنة احمدوا الله على النعمة بأن نجاكم من أهواء وبدع مضلة ، فاتقوا الله واعلموا أنه يعلم ما في أنفسكم فاحذروه ، فاجمعوا كلمتكم وغضوا الطرف عن أخطاء إخوانكم بأن لا تعادوهم وتشنعوا عليهم ، وكونوا حبالاً تجمع لا سيوفاً تقطع فإنكم نقاوة الناس، وأعداء السنة والسلفية قد أحاطوا بكم من كل جانب وغزوا عامة الناس حتى في عقر دورهم، وبعض إخواننا لبس عليهم الشيطان وأشغلهم بإخوانهم تأويلاً باسم الغيرة على السلفية والذود عن حياض السنة قال الإمام ابن القيم –رحمه الله- في " أعلام الموقعين" (4/251) : وَبِالْجُمْلَةِ فَافْتِرَاقُ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ وَافْتِرَاقُ هذه الْأُمَّةِ على ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً؛ إنَّمَا أَوْجَبَهُ التَّأْوِيلُ، وَإِنَّمَا أُرِيقَتْ دِمَاءُ الْمُسْلِمِينَ يوم الْجَمَلِ وَصِفِّينَ وَالْحَرَّةِ وَفِتْنَةِ بن الزُّبَيْرِ وَهَلُمَّ جَرًّا بِالتَّأْوِيلِ، وَإِنَّمَا دخل أَعْدَاءُ الْإِسْلَامِ من الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّة وَالنُّصَيْرِيَّةِ من بَابِ التَّأْوِيلِ، فما اُمْتُحِنَ الْإِسْلَامُ بِمِحْنَةٍ قَطُّ إلَّا وَسَبَبُهَا التَّأْوِيلُ، فإن مِحْنَتَهُ إمَّا من الْمُتَأَوِّلِينَ، وَإِمَّا أَنْ يُسَلَّطَ عليهم الْكُفَّارُ بِسَبَبِ ما ارْتَكَبُوا من التَّأْوِيلِ، وَخَالَفُوا ظَاهِرَ التَّنْزِيلِ وَتَعَلَّلُوا بِالْأَبَاطِيلِ. فما الذي أَرَاقَ دِمَاءَ بَنِي جَذِيمَةَ وقد أَسْلَمُوا غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ حتى رَفَعَ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم يَدَيْهِ وَتَبَرَّأَ إلَى اللَّهِ من فِعْلِ الْمُتَأَوِّلِ بِقَتْلِهِمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ . وما الذي أَوْجَبَ تَأَخُّرَ الصَّحَابَةِ رضى اللَّهُ عَنْهُمْ يوم الْحُدَيْبِيَةِ عن مُوَافَقَةِ رسول اللَّهِ صلى اللَّهُ عليه وسلم غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ حتى اشْتَدَّ غَضَبُهُ لِتَأَخُّرِهِمْ عن طَاعَتِهِ حتى رَجَعُوا عن ذلك التَّأْوِيلِ. وما الذي سَفَكَ دَمَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ ظُلْمًا وَعُدْوَانًا وَأَوْقَعَ الْأُمَّةَ فِيمَا أَوْقَعَهَا فيه حتى الْآنَ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الذي سَفَكَ دَمَ عَلِيٍّ رضى اللَّهُ عنه وَابْنِهِ الْحُسَيْنِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ -رضي اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الذي أَرَاقَ دَمَ عَمَّارِ بن يَاسِرٍ وَأَصْحَابِهِ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الذي أَرَاقَ دَمَ بن الزُّبَيْرِ وَحُجْرِ بن عَدِيٍّ وَسَعِيدِ بن جُبَيْرٍ وَغَيْرِهِمْ من سَادَاتِ الْأُمَّةِ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الذي أريقت عليه دِمَاءُ الْعَرَبِ في فِتْنَةِ أبي مُسْلِمٍ غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الذي جَرَّدَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بَيْن الْعِقَابَيْنِ وَضُرِبَ السِّيَاطَ حتى عَجَّتْ الْخَلِيقَةُ إلَى رَبِّهَا تَعَالَى غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ وما الذي قَتَلَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بن نَصْرٍ الْخُزَاعِيَّ وَخَلَّدَ خَلْقًا من الْعُلَمَاءِ في السُّجُونِ حتى مَاتُوا غَيْرُ التَّأْوِيلِ؟ ا.هـ
وليس معنى ما تقدم عدم الرد على المخالف بل هذا مطلب شرعي -كما تقدم بيانه- لكن الأخطاء ليست على درجة واحدة، ثم الواجب التثبت بحق مع من تحبون ومن لا تحبون ، وترك الظنون التي هي أكذب الحديث .
أسأل الله أن يوفقنا وأخانا أبا العباس لتحقيق مراضيه لنكون من عباده الصالحين ، إنه سبحانه جواد كريم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته
عبد العزيز بن ريس الريس
24 / 1 / 1429هـ
الرياض
[1]الآداب الشرعية (1/ 191 ) وانظر كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل ص 181 .
[2]قواطع الأدلة في أصول الفقه ( 5/ 62)
[3]أعلام الموقعين ( 3/ 299)