نفوسنا التي يجب أن تتغيّر 1
04-08-2009, 07:44 PM
كثيراً ما يحب الإنسان أن يبدأ حياته من جديد، فيقرن بدايته بصباح يتنفس بإشراقة نهار جديد يحمل بين نسماته الهادئة الكثير من الأمل أو يقرنها بليل يلفظ اليأس والكسل الذي فيه. يطرق التفكير طويلاً من أين يبدأ في إصلاح ذاته وتطويرها: عبادته، ايمانياته، ثقافته، عمله،دعوته، اجتماعياته… يلملم همته وينفض عنه غبار التثاقل يتوضأ بماء التفويض ويعزم المضي في الميدان وسط معترك الحياة المزدحم بالعقبات.
يمضي دون تخطيط ولا برامج، دون هدف واضح ولا محاسبة ويحسب أنه التوكل ويحسب أنه يسير على الطريق المستقيم الذي طالما ترنم به ويحسب أنها البدايات المحرقة التي لا بُد أن تكون نهاياتها مشرقة… يحمل الفوضى التي في نفسه وحياته ويمضي مثقلا..وما هي إلا أيام حتى يرجع لحزنه وعثراته وتقصيره هنا وهناك،رغم دبيب الحياة الذي تحرك فيه ورغم همته التي اشتعلت بداخله إلا أنه انهار سريعاً بعد خطوات قليلة وليتها كانت على الصراط المستقيم بل كان كمن يدور حول نفسه دون أن يتقدم خطوة واحدة للأمام وتخيل أنه قد تحرك للأمام!!إن التعميم وأخذ الأمور كلها محبط وله تأثير سلبي على الإنسان حتى في الإيمانيات وعلاقته مع ربه. والقصد هنا أن الداعية في أول الطريق ينطلق متحمساً وقد يكون متميزاً في باب من أبواب حياته كالعلم مثلاً ثم بعد التزامه وسيره في الدعوة تجده يُقصر في طلبه العلم لا لإهمال منه بل لحماسة زائدة في الدعوة وأما في باب الإيمانيات وعلاقته بربه فتجده يكثر الصوم، الذكر، والصدقة بعد الفرائض حتى يكون كالمنبت الذي حدثنا عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم في قوله: إن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى. فلا نريد أن نكون كالمنبت بل نريد السير بخطى ثابتة ولو كانت بطيئة وما الشجاعة إلا صبر ساعة فهيا نعيد ترتيب حياتنا من جديد.
من صَلُحت بدايته صَلُحت نهايته
إن صحة المنطلق هي الأساس في المسار الصواب في الطريق المستقيم وتبدو صحة المنطلق في استحضار النية وتحقيق الإخلاص والتوجه بالأعمال كلها لله وحده وطلب الأجر منه وحده وعدم الالتفات إلى الناس. قال الله تعالى في كتابه الكريم: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاء وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ }البينة5
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم.
والقاعدة تقول: من صحت بدايته استقامت طريقه وصحت نهايته. ومن فسدت بدايته اعوجت طريقه وساءت نهايته. أما الشاعر فيقول:
وكل امرئٍ – والله بالناس عالم- *** له عادة قامت عليها شمائله
تعوّدها فيما مضى من شبابه *** كذلك يدعو كل أمر أوائله
وقال علماءنا قديماً: (الفترة بعد المجاهدة من فساد الإبتداء). لكن الإيمان يزيد وينقص وكذلك الهمم تفتر فكيف نثبت على الطريق رغم العقبات والأزمات؟ لقد منحنا الشيخ المربي محمد أحمد الراشد الجواب لنتخذه شعارًا عملياً وقد لخصه البحتري في قوله: (نفس تضيئ وهمة تتوقد) إذن هما جناحان لا تحلق أيها الفارس إلا بهما. أما قصده في قوله النفس المضيئة فهي:
1. النية الحرة: ومعناها النية الصالحة فالنفس المضيئة هي تلك التي احتوت نية صافية تنير بما يكون لها في هذا الصفاء فهي حرة من الأهواء والأطماع والمصالح فلا درهم ولا دينار يشوبها ولا شهوة ولا مصلحة. فلا يصح للداعية المسلم الذي يريد القمة والتميز في الدارين أن تكون له سكنة أو حركة دون نية حرة. كان هشام بن عبد الملك يقول عن الخليفة الخامس عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ( ما أحسب عمر خطا خطوة قط إلا وله فيها نية). لذا كان هذا التمييز والتجديد منه رحمه الله. فإن نيته كانت حرة وهمته كانت عالية. فاحرص على أن تكون لك نية في كل عمل صغر أو كبر فرب عمل صغير تعظمه النية ورب عمل كبير تصغره النية.
فقلبك قلبك..هو سر نجاحك. رتبه ولا تترك الفوضى فيه تعوم وكما قال مصطفى صادق الرافعي: (إن الخطأ الأكبر أن تنظم الحياة من حولك وتترك الفوضى في قلبك).
2 بعد النية لا يكون إلا الهمة وبعد الهمة لا يوجد إلا الإتقان وإلا كنت أثقل ما يكون خطوًا ووجدت السراب عند العطش.ولا تترك همتك تدنو من الأرض وفتن الدنيا وشهواتها وملذاتها فإن نفسك تأبى إلا علواً كشعلة من النار يصوبها صاحبها وتأبى إلا ارتفاعاً. وهذا الحديث يتناسق تناسق تاماً كاملاً مع قلبك ونيتك فإن ضعف الإرادة من ضعف القلب فاطلب معالي الأمور وعلى قدر أهل العزم تأتي العزائم وانصب واتعب ولا تركن نفسك للأماني فتهلك.
تابع









