مِن مناهج أهل العلم في التأليف - للشيخ سليم بن عيد الهلالي
09-08-2009, 12:08 PM
توثيق النصوص وطرائق النقل))
قد جعل الله لكل أجل كتاباً، ولكل غرض دافعاً، والداعي إلى تقييد هذه الكلمات المهمات في مناهج أهل العلم في التصنيف هو ما رأيته نزيلاً في ساحات المنتسبين إلى العلم حول مسألة توثيق النصوص وطرائق النقل من المصادر.
وعلى أعتاب ذلك نُحرت روابط الفهم والمنهج والأخوة، وعلى أعقابه فتن كقطع الليل المظلم تغلي مراجلها، وانتفخت في الصدور البغضاء أو كادت، وثار غبار الشحناء بعد أن ماتت، وتراشقت الأقلام بكلمات مسمومة، وتنابزت الألسنة بألقاب مذمومة، وترامي الجميع في مجاهل الصراع، وسلكت كل طائفة في الدفاع عن وجهة نظرها والمقاومة من أجلها طرائق قدداً؛ يحدّوها -أحياناً- هوى متَّبع، وإعجاب كل ذي قول بقوله، ففرخ التَّدابر ضعفاً وتصدُّعاً وتناثراً.
وحتى نسدَّ الطريق على كل قاطع طريق، نقول بعلم وتحقيق، واستقراء عميق، كي تستبين المحجّة، وتتضح الحجَّة، ونستأصل جذور كل ضجَّة، وننحر عبره الأقوال الفجّة؛ نُتحف القارئ بحقائق، تجلى الغوامض وتكشف المبهمات:
1- لم يزل أهل العلم وطلابه يستفيدون من بعضهم بعضاً، ويستعينون ببعضهم بعضاً، ومن ذلك:
* عن محمد بن علي الصوري قال: قال لي الحافظ عبد الغني الأزدي، ابتدأت بعمل ((المؤتلف والمختلف))؛ فقدم الدارقطني فأخذت أشياء كثيرة منه، فلما فرغتُ من تصنيفه؛ سألني أن أقرأه عليه؛ ليسمعه مني، فقلت: عنك أخذت أكثره! قال: لا تقل هذا، فإنّك أخذته مفرِّقاً وقد أوردته مجموعاً(1)، وفيه أشياء أخذتها من شيوخك. قال: فقرأته عليه))(2).
* ما قاله السيوطي في ((ذيل تذكرة الحفاظ)) (ص363): ((قال شيخ الإسلام ابن حجر: ذكر لي شيخنا العراقي أنّه كان يرافقه(3) في مطالعة الكتب الحديثية؛ لتخرج الكتب التي كانا قد اعتنيا بتخريجهما؛ فالعراقي لتخريج أحاديث ((الإحياء)) والأحاديث التي يشير إليها الترمذي في الأبواب، والزيلعي لتخريج الكتابين المذكورين(4)، فكان كل منهما يعين الآخر)).
2- كان الشيوخُ يستفيدون من تلاميذهم:
قال السخاوي مخبراً عن شيخه الحافظ ابن حجر: ((وأمرني بتخريج حديث ثمّ أملاه))(5).
3- كان أهل العلم يضمِّنون تصانيفهم تصانيف غيرهم:
ومن ذلك ما ذكره السخاوي في ((اليواقيت والدرر)) (1/315) نقلاً عن شيخه الحافظ ابن حجر: ((فصل: فيمن أخذ تصنيف غيره، فادَّعاه لنفسه وزاد فيه قليلاً، ونقص منه، ولكن أكثره مذكور بلفظ الأصل)).
ثمّ ساق كما كثيراً من ذلك عن كتب مشهورة، لعلماء معروفين.
4- بل من المناهج المعروفة أن يبني أهل العلم كتبهم على كتب من سبقهم:
ذكر أحمد الغماري في ((المثنوني والبتار في نحر العنيد المعثار)) (ص281) ((أن خليلاً الفقيه المالكي المشهور ألف ((مختصره)) وجله من ((مختصر ابن رجب))، وألف ابن الحاجب ((مختصره)) وجله من ((لجواهر)) لابن شاش، وألف ابن شاش كتاباً جله ((تهذيب)) البراذعي، وكتاب البراذعي جله ((مدونة)) سحنون، وكتاب سحنون جله كلام ابن القاسم)).
5- ولذلك كان أهل العلم السابقون إذا لخص أحدهم فكره، أو استوعب معنى وزاد عليه أو تصرف فيه لا يقفون عند بيان أصله، ولا يعدون ذلك قدحاً في منهج التأليف والتصنيف:
وهاك بعض الأمثلة عن بعض العلماء والتصنيف:
1- الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله- أخذ ديباجة كتابه: ((الرد على الجهميّة)) من كلمات مروية عن الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- عند ابن وضاح القرطبي في: ((البدع والنهي عنها)) (ص3).
وقد نبَّه الإمام ابن قيّم الجوزيّة في ((الصواعق المرسلة)) (3/927-928) قائلاً: ((قال الإمام أحمد في خطبة كتابه في ((الرد على الجهمية)) وذكرها))، ثم قال: ((وهذه الخطبة تلقاها الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب، أو وافقه فيها، فقد ذكرها محمد بن وضاح في أوَّل كتابه في ((الحوادث والبدع)).
قلت: وعن الإمام أحمد اشتهرت كما قال ابن قيم الجوزية في ((إعلام الموقعين)) (1/9).
ومع هذا الوضوح كله لدى ابن قيم الجوزيّة -رحمه الله- فقد افتتح بها كتابه ((مفتاح دار السعادة)) دون عزو، ولكنه تصرف فيها يسيراً.
2- ابن قيم الجوزيّة –رحمه الله-.
أ- نقل في كتابه ((مفتاح دار السعادة)) فصولاً كاملة حول عجائب الحيوانات في الخلق والتكوين من كتاب ((الحيوان)) للجاحظ، ونقل في كتابه ((الطب النبوي)) فصولاً كاملة من كتب ابن سينا الفيلسوف.
ونقل عن شيخه ابن تيمية فوائد في إخفاء الدعاء بنصّها وفضّها، قارن ((التفسير القيم)) (ص245-250) مع ((مجموع الفتاوى)) (15/15-22).
3- ابن كثير –رحمه الله- أخذ مقدمة تفسيره من ((مقدمة التفسير)) لشيخ الإسلام ابن تيمية حرفاً حرفاً.
ب- وقد استفاد في تفسير كثير من الآيات من أقوال ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزيّة -رحمهما الله- ومن أمثلة ذلك تفسيره لقول الله -تعالى-: }أنزل من السماء ماءً فسالت أودية…{ الآية مأخوذة من كلام ابن قيم الجوزية في ((إعلام الموقعين)) و ((مفتاح دار السعادة)) و ((الجواب الكافي)) ومقدمة ((اجتماع الجيوش الإسلاميّة)).
4- ابن أبي العز الحنفي -رحمه الله-.
فقد استقى شرحه للعقيدة الطحاوية من كتب ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزيّة، وانظر جدول الإحالات الموجودة في بداية ((شرح العقيدة الطحاوية)).
5- الإمام الشاطبي -رحمه الله- نقل كلاماً لابن قتيبة -رحمه الله- من كتابه ((تأويل مختلف الحديث))(6) بترتيبه وتبويبه ولكنه أجرى عليه بعض التصرف والزيادة فقال (2/253)(7): ((وإذا رجعنا إلى الاستدلالات القرآنية أو السنية على الخصوص فكل طائفة تستدل بذلك أيضاً، فالخوارج…)) إلى قوله (2/254): ((إلى أشباه ذلك مما يرجع إلى معناه)).
ونقل جل كتاب أبي بكر الطرطوشي المسمى ((البدع والحوادث)) حتى أنه وقع في بعض الأخطاء العلميّة نتيجة لذلك، فقد تابع الطرطوشي في تخريجه لحديث ((الرويبضة)) فقال: أخرجه البخاري! وليس كذلك، انظر ((الاعتصام)) (2/680- بتحقيقي(8))، وقارن مع ((البدع والحوادث)) (ص76)، وكذلك قارن ((الاعتصام)) (2/679-682) مع ((البدع والحوادث))(9) (ص76-80).
6- الزيلعي -رحمه الله-: قال الشيخ بكر بن عبد الله أبو زيد -حفظه الله- في ((التأصيل)) (ص159): ((تخريج أحاديث الهداية)) لابن التركماني المتوفى سنة (750هـ) -رحمه الله-، وعنه ((نصب الراية لتخريج أحاديث الهداية)) للزيلعي -رحمه الله تعالى-، وهو مستلٌّ من الذي قبله، فانظر كيف شرف به، والأصل لغيره! فرحم الله الجميع)).
7- القرطبي المفسر -رحمه الله-:
نقل كلاماً من ((المحرر الوجيز)) لابن عطية -رحمه الله- في عشرات المواطن دون عزو.
8- الحافظ ابن حجر العسقلاني -رحمه الله- أخذ عنوان كتابه الذي شرح فيه ((صحيح البخاري)) كم كتاب لابن رجب الحنبلي هو ((فتح الباري بشرح صحيح البخاري))التقط فيه من شرح برهان الدين الحلبي المعروف بسبط ابن العجمي(10)، وقد وقع له كثير مما ذكرناه عن غيره، ومن أمثلة ذلك أنه عند شرح حديث ((الثلاثة الذين خلفوا)) (8/117-125) أخذ فوائد مما كتبه ابن قيم الجوزيّة -رحمه الله- في ((زاد المعاد)) (3/573- وما بعدها))، حتى أنه لما أراد أن يردَّ عليه في مسألة كون هلال بن أمية ومرارة بن الربيع من أهل بدر لم يذكر اسمه قال: ((واستدل بعض المتأخرين لكونهما لم يشهدا بدراً .
قلت: هو ابن قيم الجوزية كما في ((زاد المعاد)) (3/577).
9- الغزالي -رحمه الله-: تبطن في كتابه ((إحياء علوم الدين)) كتابي ((الرعاية)) و ((رسالة المسترشدين)) للمحاسبي، وكذلك ((قوت القلوب)) لأبي طالب المكي(11)، واتبع في كتابه ((فضائح الباطنية)) البغدادي في كتابه ((الفرق بين الفرق)) كما ذكر ذلك عبد الرحمن بدوي(12).
10- ابن الجوزي –رحمه الله-:
أ- أخذ عنوان كتابه الذي نقد فيه التصوف والصوفيّة من كتاب للغزالي هو ((تلبيس إبليس))، واعتمد في كتابه ((القرامطة)) على كتاب الغزالي ((فضائح البطانية)) كما بيَّنة الدكتور محمد لطفي الصباغ في مقدمته لكتاب ((القرامطة)) لابن الجوزي (ص21-22)، قال: ((ولقد تبيَّن لي عندما شرعت في العمل أنَّ الإمام ابن الجوزي قد اعتمد اعتماداً كلياً على كتاب الإمام الغزالي: ((فضائح الباطنية)) ولم يخرج عنه إلا قليلاً، ولقد ضغط ابن الجوزي ذلك الكتاب المطوًّل واختصره.
ومن هنا كانت عبارة الغزالي واضحة المراد ظاهرة الدلالة، وابن الجوزي يلتزم هذه العبارة ويتصرف فيها بعض التصرف حسب ما يقتضيه الاختصار، ولم يشر إلى المصدر الذي استقى منه(13)، ولكنّ هذه الحقيقة التي وقفتُ عليها لا تهوّن أبداً من شأن هذه الرسالة الني أقدمها للناس اليوم، ذلك أنَّ كتاب ((فضائح الباطنيّة)) مطوَّل؛ فاختصار مثل هذا الكتاب أمر مفيد، بل إنه واجب لما آل إليه واقع المسلمين اليوم، الذي يعرفه كل دارس واع لأحوال المسلمين.
ومن مواطن الجودة في الاختصار أنَّ ابن الجوزي حذف كلَّ ما له صلة بالمنطق والفلسفة من الأمور المعقدة التي يصعب فهمها من قبل غير المختصين، وابن الجوزي له خبرة تامّة بالعامّة، يعرف ما يصلح لها وما ينبغي أن تواجه به، فلقد خبر العامّة، وخاطبهم ووُفَّق في وعظهم، حتى كان من أعاظم الوعاظ في تاريخنا الطويل، هذا بالإضافة إلى فضله وعلمه وتقواه وورعه.
فما كتبه ابن الجوزي عن القرامطة معتمداً على كتاب الغزالي هو خير ما يمكن أن يقدم للقراء المسلمين في هذا الموضوع.
ورحم الله الغزالي وابن الحوزي وجزاهما عن الإسلام خيراً)).
11- أول من ذكر غايات التصنيف ابن حزم الأندلسي فقال في ((رسائله)) (2/186): ((وإنما ذكرنا التآليف المستحقة للذكر، والتي تدخل تحت الأقسام السبعة… (وذكرها))).
ومن جاء بعده أخذ عنه حتى قال محمد بن الطيب في ((إضاءة الرَّاموس)) (2/289): ((ثم إني رأيت أول من تكلم على ترتيب هذه المسائل وحصرها في الثمانية هو ابن حزم الظاهري -رحمه الله-، ومنه أخذها ابن حيان وغيره، ونقلها ابن سيد الناس في أول شرحه لجامع الترمذي، رحم الله الجميع)).
قلت: وذكرها حاجي خليفة في ((كشف الظنون)) (1/35) دون عزو.
هذه بعض الأمثلة تلقي الضوء على ما قدمناه وقررناه من أنَّ هذا الأسلوب منهج للمتقدمين، أمّا المتأخرون فحدث ولا حرج، ولقد اجتمعت لدى بسطة من الأمثلة تزيد على الألف، والقائمة تطول بذكر الكتب والمصنفات المقول فيها شيء من ذلك كـ ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم، و ((فتح البيان)) لصديق حسن خان، و ((فتح القدير)) للشوكاني، و ((إتحاف السادة المتقين)) للزَّبيدي، ولم أقف على قول معتبر لأهل العلم عدَّ هذا المنهج في باب السرقات العلميّة (!)، بل قال الدكتور بشار عواد معروف في كتابه ((الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام)) (ص422) مبيناً طرائق النقل والإشارة إلى المصادر:
(اختلف المؤرخون المسلمون في الإشارة إلى المصادر الني ينقلون معلوماتهم عنها أو عدم الإشارة إليها، ولم يكن عدم الإشارة عيباً كبيراً في الكتاب آنذاك، وقد جرَّبنا وجود كثرة من كبار المؤرخين لم يذكروا القسم الأكبر من مصادرهم مثل ابن الجوزي ((المنتظم))، وابن الأثير في ((الكامل))، وبدر الدين العيني في ((عقد الجمان)) وغيرهم، كما جربنا عدم ذكر المصادر نهائياً عند طائفة من ثقات المؤرخين كالمنذري في كتابه ((التكملة))).
وأخيراً: هذه نُبذ حول منهج مشهور لأهل العلم في توثيق النصوص والإشارة إلى المصادر -وليس من شك أنَّ غير هذا الأسلوب أولى منه-، فمن لم يقنع منهم بذلك، ففي حسن الظن بهم مندوحة عن الاتهام بالسرقات العلميّة أو الطعن في الإخلاص والنيّة، فما من أحد من أهل العلم فضلاً عن طلابه إلا وله كبوة بل كبوات ينبغي أن تغمر في بحر فضله، وتطوى ولا تروى.
وللتاريخ وللأمانة أقول: لقد أتى عليَّ حينٌ من الدهر سلكت شيئاً من سبيل الأقدمين في هذه المسألة، ثم تبين لي أن الفضل والأولى ترك ذلك من باب: حدِّثوا الناس على قدر عقولهم! لأن من جهل شيئاً عاداه، والله أعلى وأعلم.
ولقد كان لنصح شيخنا ووالدنا العلامة المحدث الفقيه أبي عبد الرحمن الألباني –رحمه الله- وتوضيحه فضلٌ في تقرير ذلك وبيانه؛ فجزاه الله خيراً ونفع به، والله الموعد.
____________________
(1) وهذا من غايات التصنيف كما سيأتي.
(2) ((سير أعلام النبلاء)) (17/270)، و ((تذكرة الحفاظ)) (3/1094) كلاهما للذهبي، ونحوه في ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (3/224).
(3) يعني: الزيلعي.
(4) يعني: ((الهداية)) و ((الكشاف)).
(5) ((الضوء اللامع)) (2/40).
(6) (ص11-13) منه.
(7) طبعة المنار بتحقيق محمد رشيد رضا.
(8) طبعة دار ابن عفان.
(9) طبعة دار ابن الجوزي.
(10) ((إتحاف القاري)) (ص72).
(11) ا ((مجموع الفتاوى)) (10/55).
(12) انظر ((فضائح الباطنية)) (ص170-171).
(13) ثمّ علق في الحاشية قائلاً: ((والذي يطيل النظر في كتب المتقدمين يجد أنّهم كثيراً ما يتناقلون عبارات بعضها مع شيء من التصرف دون الإشارة إلى مصدرها)).