تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية _نوح_
_نوح_
عضو فعال
  • تاريخ التسجيل : 24-09-2009
  • الدولة : الجزائر_ ( دبي)
  • المشاركات : 207
  • معدل تقييم المستوى :

    17

  • _نوح_ is on a distinguished road
الصورة الرمزية _نوح_
_نوح_
عضو فعال
مهارات إتصال باللغة العربية رائع للتعلم
06-10-2009, 12:50 PM
مسرد الموضوعات

مهارات بحثية
§التلخيص.
§قائمة المصادر والمراجع.

دروس الإملاء.

من هدي الذكر الحكيم
§من سورة البقرة.
§سورة الحجرات.
من ملحقات الدرس: 1-أقسام الكلام وعلاماته.
2-أقسام الكلام وعلاماته.
§سورة العاديات.

من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم
§مع المنهج النبوي في تأليف القلوب.
§أبوابُ الخَير ومسالك الهدى.

من الشعر القديم
§قالت: حُبِستَ. شعر: علي بن الجهم
§الخطب الجلل. شعر: أبي تمام
من ملحقات الدرس: 1-البناء وعلاماته.

من الشعر الحديث
§من (ثلاثية أطفال الحجارة). شعر: نزار قباني
من ملحقات الدرس: 1-الإعراب وعلاماته.

من خطب العرب
§خطبة أكثم بن صيفي يدعو قومه إلى الإسلام.

من أدب الوصايا
§وصية أعرابية لولدها.


من أدب الرحلات
§ذكر بعض من أحوال أهل الصين. تأليف: ابن بطوطة
§على أرض الأندلس. أبو الحسن الندوي
من أدب الرسائل
§إلى ولدي. للأستاذ:أحمد أمين

من أدب التراجم
§شيخ الإسلام: ابن تيمية. بقلم: محمد كرد علي

من السيرة الذاتية
§في سبيل السعادة واليقين. للإمام أبي حامد الغزالي

من حديث الإذاعة
§مِمَّا حدث لي. الشيخ علي الطنطاوي

من الفن القصصي
§النمور في اليوم العاشر.زكريا تامر

من الأدب المسرحي
§مسرحية المؤلف

من النثر الحديث
§تعلّمت من أوقات الفراغ. للأستاذ: عباس محمود العقاد
§الدين الصناعي. للأستاذ:أحمد أمين
§المسلمون والعولمة. د. يوسف القرضاوي
§أغذية الهندسة الوراثية-الأرباح أولاً..!! د. وجدي عبد الفتاح سواحل



الـتـلـخـيـص

للتلخيص أهمية كبيرة في الدراسة عامة، والدراسة الجامعية خاصة؛ فبه يستطيع الطالب أن يسيطر على المادة الدراسية في جميع المساقات، فهمًا وحفظًا، بأقل ما يمكن من جهد ووقت وحيز من الذاكرة.
وتلخيص الفقرة هو تخليصها من المفردات والتراكيب التي يغني غيرها عنها، وحذف الشواهد والأمثال والعبارات التي تزيد الفكرة وضوحًا.
مثال ذلك قول الشاعر:
الخط يبقى زمانًا بعد صاحبه وصاحب الخط تحت الأرض مدفون
فكلمة (مدفون) تغني عن (تحت الأرض)، و(بعد صاحبه) تغني عن (وصاحب الخط تحت الأرض مدفون)، وكذلك تغني عن (زمانًا)، فنخلص بذلك إلى الفكرة الرئيسة، وهي: الخط يبقى بعد صاحبه.
والتلخيص عادة ما يكون في ثلث حجم النص الأصلي تقريبًا، فنـص يتـكون مـن (60) كلمة، يمكن تلخيصه بفقرة تقرب من (20) كلمة في الأغلب، وذلك بحسب أسلوب الكاتب من حيث الإيجاز أو الإسهاب.
وللتلخيص طريقتان:
الأولى: حذف المفردات والعبارات الثانوية، والإبقاء على الفكرة الرئيسة بألفاظ الكاتب وأسلوبه قدر الإمكان.
الثانية: إعادة تكوين الفكرة الرئيسة بمفردات وتراكيب جديدة، وأسلوب مختلف عن أسلوب كاتب النص الأصلي.


وفيما يأتي مثال للطريقتين:
النص الأصلي:
((أهمُّ قيمة -في نظري- لثقافة المثقف هي كيفية نظره إلى هذا العالم؛ ذلك لأن عيون الناس في نظرها إلى الأشياء وحكمها عليها ليست سواءً؛ فعيونهم الحسية وإن اتفقت في الحكم على الألوان بالسواد والبياض والحمرة والصفرة، وإن اتفقت في الحكم على الأبعاد قربًا وبُعدًا، وإن اتفقت في الحكم على الأحجام كبرًا وصغرًا، فإن العيون النفسية لا تتفق في نظرها ولا حكمها ، فالشيء في نظر الأبله غيره في نظر الفيلسوف، وبين هذين درجات لا حدَّ لها، وليس للشيء الواحد معنى واحد بل معان متعددة تتسلسل في الرقي، والناس يدركون من معانيه بحسب استعدادهم وثقافتهم وأذواقهم)).

تلخيص الفقرة وفق الطريقة الأولى:
أهم قيمة لثقافة المثقف هي كيفية نظره؛ لأن عيون الناس في نظرها إلى الأشياء وحكمها عليها ليست سواءً؛ فعيونهم الحسية تتفق في الحكم على الألوان و الأبعاد والأحجام، ولكن العيون النفسية لا تتفق في نظرها ولا حكمها، وللشيء الواحد معان، والناس يدركون منها بحسب ثقافتهم وأذواقهم.

تلخيص الفقرة وفق الطريقة الثانية:
تتفق نظرة الناس إلى ظاهر الأشياء من حيث الألوان والأبعاد والأحجام، ولكنها تتفاوت كثيرًا لدى التعمق في معانيها ودلالاتها، فكل منا يرى فيها بعين ثقافته وذوقه ما يميزه من غيره، وتلك هي قيمة الثقافة.



قائمة المصادر والمراجع
12-ابن جني، أبو الفتح عثمان:
الخصائص، تح: محمد علي النجار. دار الكتب المصرية، 1371هـ/1952م.
13-الرازي، زين الدين محمد بن أبي بكر:
- تفسير الرازي المسمَّى (أنْموذج جَليل في أسْئلة و أجْوبة من غَرائب آيّ التّنزيل)، تح: د. محمد رضوان الداية. دار الفكر، دمشق، ط2، 1995م.
- مختار الصحاح، تح: محمود خاطر. مكتبة لبنان، بيروت، 1995م.
14-الزركشي، محمد بن بهادر:
البرهان في علوم القرآن، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم. دار المعرفة، بيروت، ط3، 1391هـ.
15-سالم، د. رشاد محمد:
مع القرآن الكريم في إعجازه اللغوي. دار المنار، القاهرة، ط1، 1996م.
16-السامرائي، د. فاضل صالح:
- الجملة العربية والمعنى. دار ابن حزم، بيروت، ط1، 2000م.
- معاني الأبنية في العربية. جامعة بغداد، بغداد، ط1، 1981م.
- معاني النحو. مطبعة التعليم العالي، الموصل، 1989م.
17-السعدي، د. عبد القادر:
أثر الدلالة النحوية واللغوية في استنباط الأحكام من آيات القرآن التشريعية. دار عمار، عمّان، ط1، 2000م
18-السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر:
الإتقان في علوم القرآن، تح: محمد أبو الفضل إبراهيم. المكتبة العصرية، بيروت، 1980م.
19-الشوكاني، محمد بن علي:
فتح القدير الجَامع بين فَني الرّواية و الدّراية في علْم التّفسير. دار الفكر، بيروت، د.ت .
20-العمادي، أبو السعود محمد بن محمد:
إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم. دار إحياء التراث، بيروت، د.ت .
21-الغلاييني، مصطفى:
جامع الدروس العربية. المكتبة العصرية، بيروت، ط36، 1999م.
22-ابن فارس، أبو الحسين أحمد:
معجم مقاييس اللغة، تح: عبد السلام محمد هارون. مكتبة الخانجي، مصر، ط3، 1981م.



من هدي الذكر الحكيم



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
إِنَّفِيخَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِوَالْفُلْكِالَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَاللّهُمِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّفِيهَامِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِبَيْنَالسَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ(164)
وَمِنَالنَّاسِ مَنيَتَّخِذُمِن دُونِ اللّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَآمَنُواْأَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَالْعَذَابَأَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ(165) إِذْتَبَرَّأَ الَّذِينَاتُّبِعُواْمِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْبِهِمُالأَسْبَابُ (166) وَقَالَالَّذِينَاتَّبَعُواْلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَمِنَ النَّارِ (167)
يَاأَيُّهَا النَّاسُكُلُواْمِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّبًا وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِالشَّيْطَانِإِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (168) إِنَّمَايَأْمُرُكُمْبِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَتَعْلَمُونَ (169)
وَإِذَاقِيلَلَهُمُاتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَاعَلَيْهِآبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلاَيَهْتَدُونَ(170) وَمَثَلُالَّذِينَكَفَرُواْكَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاءصُمٌّبُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ (171)
يَاأَيُّهَاالَّذِينَآمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِإِنكُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (172)
سورة البقرة: 164-172




من هدي الذكر الحكيم


استمع إلى تلاوة السورة، ثم استمع وكرر مع القارئ كما تسمع من خلال الموقع الآتي:
http://audio.islamweb.net/audio/index.php?page=audioinfo&audioid=7786
اقرأ تفسير السورة في بعض كتب التفسير من خلال الموقع الآتي:
http://www.islamweb.net/ver2/archive/showsinglepage.php?Pageno=515
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ 1
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ 2 إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ 3 إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَاء الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ 4 وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 5
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ 6 وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِّنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُوْلَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ 7 فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ 8 وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ 9 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ 10
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَومٌ مِّن قَوْمٍ عَسَى أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاء مِّن نِّسَاء عَسَى أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ 11
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ 12
يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 13
قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِن تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُم مِّنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ 14 إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ 15 قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ 16 يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ 17
إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ 18




من هدي الذكر الحكيم



أعوذ بالله من الشيطان الرجيم
وَالْعَادِيَاتِضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِقَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِصُبْحًا (3) فَأَثَرْنَبِهِ نَقْعًا(4) فَوَسَطْنَبِهِ جَمْعًا (5)
إِنَّالْإِنسَانَلِرَبِّهِلَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُعَلَى ذَلِكَلَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُلِحُبِّالْخَيْرِلَشَدِيدٌ (8)
أَفَلايَعْلَمُ إِذَابُعْثِرَمَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَمَا فِيالصُّدُورِ(10) إِنَّرَبَّهُم بِهِمْيَوْمَئِذٍلَّخَبِير(11).
سورة العاديات: 1-11
شرح المفردات:
العاديات: الجاريات بسرعة.
الضبح: تصويت جهير عند العدو الشديد، ليس بصهيل ولا رغاء ولا نباح، بل هو غير المعتاد من صوت الحيوان الذي يضبح. وقال أهل اللغة: أصله للثعلب، فاستعير للخيل، وهو من ضبحته النار: غيرت لونه ولم تبالغ فيه، وانضبح لونه: تغير إلى السواد قليلاً.
القَدْح: الصك، وقيل: الاستخراج، ومنه قدحت العين: أخرجت منها الفاسد، والقَدَّاح والقَدَّاحة والمِقْدَّحة: ما تورى به النار
أغار على العدو: قصده لنهب أو قتل أو أسر.
النقع: الغبار. وقال أبو عبيدة: النقع: رفع الصوت.
الكنود: الكفور للنعمة، وعن ابن عباس: الكنود، بلسان كندة وحضرموت: العاصي، وبلسان ربيعة ومضر: الكفور، وبلسان كنانة: البخيل السيـىء الملكة.
حصل الشيء: جمعه، وقيل: ميزه من غيره، وحصل الشيء: ظهر واستبان.




من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم



مع المنهج النبوي في تأليف القلوب([1])
اقرأ دراسة للحديث من خلال المواقع الآتية:
http://www.almujtamaa-mag.com/Detail.asp?InNewsItemID=133378
http://www.ala7rar.net/navigator.php?pname=topic&tid=204


قال ابن إسحاق: وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد عن أبي سعيد الخدري قال:
لما أعطى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب ولم يكن في الأنصار منها شيء وَجَد([2]) هذا الحيُّ من الأنصار في أنفسهم حتى كثرت منهم القالة([3])، حتى قال قائلهم: لقي واللهِ- رسولُ اللهِ صلّى الله عليه وسلّم قومَه.
فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي من الأنصارِ قد وجدوا عليك في أنفسهم؛ لِما صنعت في هذا الفيء([4]) الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحيِّ من الأنصار منها شيء.
قال: "فأين أنت من ذلك يا سعد؟".
فقال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي.
قال: "فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة([5])".
(قال: فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردّهم، فلما اجتمعوا له أتى سعد)
فقال: قد اجتمع لك هذا الحيُّ من الأنصار.
فأتاهم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فحمِد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال:
"يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم؟ و جِدَة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ألم آتكم ضُلاَّلاً فهداكم الله بي؟ وعالةً فأغناكم الله؟ وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟".
قالوا: بلى، الله ورسوله أمنّ وأفضل.
ثم قال: "ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟".
قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المنّ والفضل.
قال: "أما والله لو شئتم لـقلتم- فلصدقْتُم ولصُدِّقْـتُم- أتيتنا مكذَّبًا فصدّقناك، ومخذولاً فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلاً فآسيناك.
أوجدتم -يا معشر الأنصار- في أنفسِكم في لُعاعة([6]) من الدنيا تألّفتُ([7]) بها قومًا؛ ليُسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟
ألا ترضون -يا معشر الأنصار- أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجِعوا برسول الله إلى رحالكم([8])؟
فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرةُ لكنت امرأً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعبًا([9]) وسلكت الأنصار شِعبًا لسلكتُ شِعب الأنصار.
اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار".
قال: فبكى القوم حتى أخضلوا ([10])لحاهم وقالوا: رضِينا برسول الله صلّى الله عليه وسلّم قِسْمًا([11]ُ)وحظًا.




من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم([12])



أبوابُ الخَير ومسالك الهدى

حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الصَّنْعَانِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ أَبِي النَّجُودِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ:
كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَر،ٍ فَأَصْبَحْتُ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ فَقُلْت:ُ يَارَسُولَ اللَّه،ِ أَخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الْجَنَّةَ، وَيُبَاعِدُنِي عَنْالنَّارِ.
قَالَ: لَقَدْ سَأَلْتَنِي عَنْ عَظِيمٍ، وَإِنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلَى مَنْيَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْه:ِ تَعْبُدُ اللَّهَ وَلا تُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِي الزَّكَاةَ، وَتَصُومُ رَمَضَانَ، وَتَحُجُّ الْبَيْتَ.
ثُمَّ قَالَ: أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْر؟ِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ.
قَال:َ ثُمَّ تَلا: ((تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنْ الْمَضَاجِعِ)) حَتَّى بَلَغَ ((يَعْمَلُونَ))([1])، ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِرَأْسِ الْأَمْرِ كُلِّهِ، وَعَمُودِهِ، وَذِرْوَةِ سَنَامِهِ؟
قُلْتُ: بَلَى، يَا رَسُولَ اللَّهِ.
قَالَ: رَأْسُ الْأَمْرِ الْإِسْلامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الْجِهَادُ.
ثُمَّ قَالَ: أَلا أُخْبِرُكَ بِمِلاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ؟
قُلْتُ: بَلَى، يَا نَبِيَّ اللَّهِ.
فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا.
فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟!‏
فَقَالَ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ. (قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ)
شرح المفردات:
(عنعظيم): أي عن عمل عظيم فعله على النفوس.
(وإنه ليسير):أي هين سهل.
(على من يسره الله): أي جعله سهلا.
(تعبد الله): إما بمعنى الأمر وكذا ما بعده، وإما خبر مبتدأ محذوف تعويلا على أقوى الدليلين, أي: هو أن تعبد، أي العمل الذي يدخلك الجنة عبادتك الله بحذف أن, أو تنزيل الفعل منزلةالمصدر, وعدل عن صيغة الأمر تنبيهًا على أن المأمور كأنه متسارع إلى الامتثال وهويخبر عنه إظهارًا لرغبته في وقوعه, وفصله عن الجملة الأولى لكونه بيانًا أو استئنافًا.
(الصوم جُنة): بضم الجيم: الترس، أي: مانع من النار، أو من المعاصي بكسرة الشهوة وضعف القوة. وقال في النهاية: الصومجنة. أي: يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات, والجنة: الوقاية انتهى.
(والصدقة تطفئ الخطيئة): من الإطفاء، أي: تذهبها، وتمحو أثرها, أي: إذا كانت متعلقة بحق الله تعالى, وإذا كانت من حقوق العباد فتدفع تلك الحسنة إلى خصمه عوضًا عن مظلمته.
(وصلاة الرجل من جوف الليل): مبتدأ خبره محذوف، أي: كذلك تطفئ الخطيئة. أو هي من أبواب الخير. والأول أظهر. قال القاضي: وقيل الأظهر: أن يقدر الخبر وهو شعار الصالحين كما في جامع الأصول ذكره القاري.
(تتجافى جنوبهم): أي تتباعد.
(عن المضاجع): أي المفارش والمراقد.
(يدعون ربهم): بالصلاة والذكر والقراءة والدعاء.
(ألا أخبرك برأس الأمر كله): أي بأصل كل أمر.
(وعموده): بفتح أوله أي ما يقومويعتمد عليه.
(وذروة سنامه): بكسر الذال وهو الأشهر وبضمها وحكي فتحها أعلى الشيء، والسنام: بالفتح ما ارتفع من ظهر الجمل قريب عنقه.
(قالرأس الأمر): أي أمر الدين.
(الإسلام): يعني الشهادتين وهو من باب التشبيه المقلوب؛ إذ المقصود تشبيه الإسلام برأس الأمر؛ ليشعر بأنه من سائر الأعمال بمنزلة الرأس من الجسد في احتياجه إليه وعدم بقائه دونه.
(عموده الصلاة ): يعني الإسلام هو أصل الدين، إلا أنه ليس له قوة وكمال ,كالبيت الذي ليس له عمود، فإذا صلى وداوم قوي دينه، ولم يكن له رفعة فإذا جاهد حصللدينه رفعة وهو معنى قوله: (وذروة سنامه الجهاد)وفيه إشعار إلى صعوبة الجهاد وعلو أمره وتفوقه على سائر الأعمال, والجهاد من الجهد بالفتح، وهو المشقة, أو بالضم وهو الطاقة؛ لأنه يبذل الطاقة في قتال العدو عند فعل العدو مثلذلك.
(ألا أخبرك بملاك ذلك كله): الملاك ما به إحكام الشيءوتقويته, من ملك العجين إذا أحسن عجنه وبالغ فيه, وأهل اللغة يكسرون الميم ويفتحونها، والرواية بالكسر، وذلك إشارة إلى ما ذكر من أول الحديث إلى هنا من العبادات, وأكده بقوله (كله لئلا يظن خلاف الشمول, أي بما تقوم به تلك العباداتجميعها.
(بلسانه): الباء زائدة والضمير راجع إلى رسول اللهصلى الله عليه وسلم.
(قال كف): الرواية بفتح الفاء المشددة، أي: امنع.
(هذا): إشارة إلىاللسان، أي: لسانكالمشافه له, وتقديم المجرور على المنصوب؛ للاهتمام به وتعديته بعلى للتضمين, أو بمعنى عن, وإيراد اسم الإشارة لمزيد التعيين أو للتحقير وهو مفعول كف, وإنما أخذ عليه الصلاة والسلامبلسانهوأشارإليه من غير اكتفاء بالقول, تنبيهًا على أن أمراللسانصعب.والمعنى: لا تكلم بما لا يعنيك؛ فإن من كثر كلامه كثر سقطه، ومن كثر سقطه كثرتذنوبه. ولكثرة الكلام مفاسد لا تحصى.
(وإنا لمؤاخذون): بالهمزويبدل, أي هل يؤاخذنا ويعاقبنا أو يحاسبنا ربنا.
(بما نتكلم به): يعني بجميعه؛ إذ لا يخفى على معاذ المؤاخذة ببعض الكلام.
(ثكلتك): بكسر الكاف، أي: فقدتك. وهو دعاء عليه بالموت على ظاهره, ولا يراد وقوعه، بل هو تأديب وتنبيه من الغفلة، وتعجيب وتعظيم للأمر.
(وهل يكب): بفتح الياء وضم الكاف من كبه إذا صرعه على وجهه بخلاف أكب فإن معناه سقط على وجهه وهو من النوادر, وهو عطف على مقدر، أي هل تظن غير ما قلت.
(وهل يكبالناس): أي يلقيهم ويسقطهم ويصرعهم.
(على وجوههم أو على مناخرهم): شك من الراوي, والمنخر بفتح الميم وكسر الخاء وفتحهما ثقب الأنف, والاستفهام للنفي خصهما بالكب؛ لأنهما أول الأعضاء سقوطًا.
(إلا حصائد ألسنتهم): أي محصوداتها, شبه ما يتكلم به الإنسان بالزرع المحصود بالمنجل، وهو من بلاغة النبوة, فكما أن المنجل يقطع ولا يميز بين الرطب واليابس والجيد والرديء, فكذلك لسان بعض الناس يتكلم بكل نوع من الكلام حسنًا وقبيحًا. والمعنى لا يكب الناس في النار إلا حصائدألسنتهممن الكفر والقذف والشتموالغيبة والنميمة والبهتان ونحوها والاستثناء مفرغ, وهذا الحكم وارد على الأغلب أي على الأكثر؛ لأنك إذا جربت لم تجد أحدًا حفظلسانهعن السوءولا يصدر عنه شيء يوجب دخول النار إلا نادرًا.

المعنى العام:
1. شدة اعتناء معاذ بالأعمال الصالحة.

2. الأعمال سببلدخول الجنة.

3. الإتيان بأركان الإسلام.

4. أبواب الخير: الصوم – الصدقة - صلاة الليل.

5. رأس الأمر وعموده وذروة سَنَامه.

6. ملاك الأمر كله حفظ اللسان.

7. أفضل أعمال البربعد الفرائض.


1.شدة اعتناء معاذ بالأعمال الصالحة: إن سؤال معاذ رضي الله عنه يدل على شدة اعتنائه بالأعمال الصالحة، واهتمامه بمعرفتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما يدل على فصاحته وبلاغته، فإنه سأل سؤالاً وجيزًا وبليغًا، وقد مدح النبي صلى الله عليه وسلم سؤاله، وعجب من فصاحته حيثقال: "لقد سألت عن عظيم".

2.الأعمال سبب لدخول الجنة: وقد دل على ذلك قول معاذ: "أخبرني بعمل يدخلني الجنة". وفي كتاب الله عز وجل {تِلْكُمْ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأعراف: 43]، وأما قول النبي عليه الصلاة والسلام "لن يَدخلَ الجنة أحدُكم بعمله" رواه البخاري: فمعناه أن العملبنفسه لا يستحق به أحد الجنة، وإنما لا بد مع العمل من القبول، وهذا يكون بفضلورحمةٍ من الله تعالى على عباده.

3.الإتيان بأركان الإسلام: أجاب النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا عن سؤاله، بأن توحيد الله، وأداء فرائض الإسلام: الصلاة والزكاة والصيام والحج، هي العمل الصالح الذي جعله بمنه وإحسانه ورحمتهسببًا لدخول الجنة.

4.أبواب الخير: وفي رواية ابن ماجه: "أبواب الجنة". وقد دلَّ النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا على أداء النوافل بعد استيفاء أداء الفرائض، ليظفر بمحبة الله، فعن رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ربه عز وجل أنه قال: "ما تَقَرَّبَ إليَّ عبدي بشيء أحبَّ إليَّ مما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أُحِبَّهُ" رواه البخاري. وأما أبواب الخيروأسبابه الموصلة إليه فهي:

أ-الصوم جُنَّة: والمراد به هنا صيام النفل لا صيام رمضان، وهو وقاية من النار في الآخرة؛ لأن المسلم يمتنع فيه عن الشهوات امتثالاً لأمر الله، وهذا الامتناع يُضْعِف تحكّم القوى الشهوانية في الإنسان، فلاتسيطر عليه، ويصبح بالصوم تقيًا نقيًا طاهرًا من الذنوب.
ب-الصدقة: والمرادبالصدقة هنا غير الزكاة، والخطيئة التي تطفئها وتمحو أثرها إنما هي الصغائرالمتعلقة بحق الله تعالى؛ لأن الكبائر لا يمحوها إلا التوبة، والخطايا المتعلقة بحقالآدمي لا يمحوها إلا رضا صاحبها.
ج- صلاة الليل: وهي صلاة التطوع في الليل بعد الاستيقاظ من النوم ليلاً، والمراد بـ: صلاة الرجل:صلاة الرجل والمرأة. قال الله تعالى :{إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ * كَانُوا قَلِيلا مِنْ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ * وَبِالأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} [ الذاريات:15-18].وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيامالليل" رواه مسلم.
5.رأس الدين الإسلام وعموده وذروة سَنَامه: وكأن الرسولصلى الله عليه وسلم رأى في عيني صاحبه معاذ حُبَّ الاستزادة من علم النبوة، فزادهمعرفة واضحة على طريقة التشبيه والتمثيل، ولم يُسْمِعْهُ هذه المعارف إلا بعد صيغة السؤال: ألا أُخْبِرُكَ؟" وهي طريقة تربوية ناجحة تزيد من انتباه المتعلم، وتجعله سائلاً متلهفًا لمعرفة الجواب، لا مجرد سامع ومتعلقٍّ. أما هذه المعارف النبويةفهي:

أ-رأس الأمر الإسلام: وقد ورد تفسير هذا في حديث معاذ الذي رواه الإمامأحمد؛ عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن رأس هذا الأمر أن تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله".
ب-وعموده الصلاة: أي إن الصلاة عماد الدين، وقِوَامه الذي يقوم به، كما يقوم الفُسْطَاط (الخيمة) على عموده. وكما أن العمود يرفع البيت ويهيئه للانتفاع، فكذلك الصلاة ترفع الدينوتظهره.
ج-وذروة سنامه الجهاد: أي أعلى ما في الإسلام وأرفعه الجهاد؛ لأن به إعلاء كلمة الله، فيظهر الإسلام ويعلو، وليس ذلك لغيره منالعبادات، فهو أعلاها بهذا الاعتبار.
6.ملاك الأمر كله حفظ اللسان: و أهمية حفظ اللسان وضبطه واضحة في قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقلخيرًا أو ليصمت". والمراد بحصائد الألسنة جزاء الكلام المحرّم وعقوباته؛ فإن الإنسان يزرع بقوله وعمله الحسنات والسيئات، ثم يحصد يوم القيامة ما زرع، فمن زرع خيرًا من قول وعمل حصد الكرامة، ومن زرع شرًا من قول أو عمل حصد غدًا الندامة.

روى الإمام أحمد والترمذي، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلىالله عليه وسلم قال: "أكثر ما يُدْخِلُ النار الأجوفان: الفم والفرج".
7.أفضل أعمالالبر بعد الفرائض: ذهب مالك وأبو حنيفة إلى أن أفضل أعمال البر بعد الفرائض العلم ثم الجهاد. وذهب الشافعي إلى أن أفضل الأعمال الصلاة فرضًا ونفلاً. وقال الإمام أحمد : الجهاد في سبيل الله.

وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم سئل أي الأعمال أفضل؟ فقال تارة: الصلاة لأول وقتها، وتارة: الجهاد، وتارة بِرّ الوالدين، وحُمِلذلك على اختلاف أحوال السائلين، أو اختلاف الأزمان.




من الشعر القديم



قالت: حُبِستَ([14])
شعر: علي بن الجهم
قالت: حُبِسـتَ. فقلتُ: ليس بضائري
حبسي، وأيُّ مهنَّدٍ لا يُغمـدُ
أوَمَا رأيتِ الليث يـألف غِيلَـه
كِبرًا، وأوباشُ السّـِباعِ تـردّد
والشـمسُ لولا أنها محجوبـةٌ
عن ناظريكِ، لما أضاء الفّرقـد
غِيَـرُ الليالي بـادئـاتٌ عُـوَّدٌ
والمال عارية، يُفاد، ويـنفَـد
ولكل حالٍ مُعْـقِـِبٌ، ولربـما
أجلى لك المـكروهُ عمـّا يُحمَدُ
لا يؤيسـنّـكَ من تفـرّج كربـة
خطبٌ رمـاكَ به الزمان الأنكدُ
واصبر؛ فإن الصبر يُعقِبُ راحةً
في اليـوم تأتي، أو يجيءُ بها الغد
كم من عليـل قد تخطـّاه الـرَّدى
فنجـا، ومات طبيبُه والعُـوَّدُ
والحبـس ما لم تَغشَـهُ لِدنِيَّـةٍ
شنعاءَ، نِعـْمَ المنزلُ المتورّد
بـيتٌ يُجـدِّد للكريمِ كـرامـة
ويُزار فيه ولا يَزور، ويُحفَدُ




من الشعر القديم



الخطب الجلل
شعر: أبي تمام
كَذا فَليَجِلَّ الخَطبُ وَليَفدَحِ الأَمرُ

فَلَيسَ لِعَينٍ لَم يَفِض ماؤُها عُذرُ
تُوُفِّيَتِ الآمالُ بَعدَ مُحَمَّدٍ

وَأَصبَحَ في شُغلٍ عَنِ السَفَرِ السَفرُ
فَتىً ماتَ بَينَ الضَربِ وَالطَعنِ ميتَة

تَقومُ مَقامَ النَصرِ إِذ فاتَهُ النَصرُ
وَما ماتَ حَتّى ماتَ مَضرِبُ سَيفِهِ

مِنَ الضَربِ وَاِعتَلَّت عَلَيهِ القَنا السُمرُ
وَقَد كانَ فَوتُ المَوتِ سَهلاً فَرَدَّهُ

إِلَيهِ الحِفاظُ المُرُّ وَالخُلُقُ الوَعرُ
وَنَفسٌ تَعافُ العارَ حَتّى كَأَنَّهُ

هُوَ الكُفرُ يَومَ الرَوعِ أَو دونَهُ الكُفرُ
فَأَثبَتَ في مُستَنقَعِ المَوتِ رِجلَهُ

وَقالَ لَها مِن تَحتِ أَخمَصِكِ الحَشرُ
كَأَنَّ بَني نَبهانَ يَومَ وَفاتِهِ

نُجومُ سَماءٍ خَرَّ مِن بَينِها البَدرُ
يُعَزَّونَ عَن ثاوٍ تُعَزّى بِهِ العُلى

وَيَبكي عَلَيهِ الجودُ وَالبَأسُ وَالشِعرُ
وَأَنّى لَهُم صَبرٌ عَلَيهِ وَقَد مَضى

إِلى المَوتِ حَتّى اِستُشهِدا هُوَ وَالصَبرُ
فَتىً كانَ عَذبَ الروحِ لا مِن غَضاضَةٍ

وَلَكِنَّ كِبرًا أَن يُقالَ بِهِ كِبرُ
فَتىً سَلَبَتهُ الخَيلُ وَهوَ حِمىً لَها

وَبَزَّتهُ نارُ الحَربِ وَهوَ لَها جَمرُ




من الشعر الحديث



من
ثلاثية أطفال الحجارة([15])
شعر: نزار قباني
بَهَرُوا الدنيا
وما في يدِِهم إلا الحجارة
وأضاؤوا كالقناديل
وجاؤوا كالبشارة
قاوموا
وانفجروا
واستشهدوا
وبقينا دِببًا قطبية
صُفِّحَتْ أجسادها ضد الحرارة
قاتلوا عنا
إلى أن قتلوا
وبقينا في مقاهينا
كبصاق المحارة
واحد
يبحث منا عن تجارة
واحد
يبحث في لندنَ عن قصر منيف
واحد
يعمل سمسار سلاح
واحد
يطلبُ في البارات ثاره
واحد
يبحث عن عرش وجيش
وإمارة
سوف يجتاحك، مهما أبطأ التاريخُ،
أطفالُ الحجارة
يا تلاميذ غزة
علمونا
بعض ما عندَكم
فنحن نسينا
علمونا
بأن نكون رجالا
فلدينا الرجالُ
صاروا عجينا
علمونا
كيف الحجارة تغدو
بين أيدي الأطفالِ
ماسًا ثمينا؟
كيف تغدو
درَّاجة الطفلِ لَغَمًا
وشريطُ الحرير
يغدو كمينا؟
كيف مصاصة الحليب
إذا ما اعتقلوها
تحولت سكينا؟
يا تلاميذ غزة
لا تبالوا
بإذاعاتنا
ولا تسمعونا
اضربوا
اضربوا
بكل قواكم
واحزموا أمركم
ولا تسألونا
نحن أهل الحساب
والجمع
والطرح
فخوضوا حروبكم
واتركونا
إننا الهاربون
من خدمة الجيش
فهاتوا حبالكم
واشنقونا
نحن موتى
لا يملكون ضريحًا
ويتامى
لا يملكون عيونا
قد لزِمنا جحورنا
وطلبنا منكم
أن تقاتلوا التنينا
قد صَغُِرنا أمامكم
ألف قرن
وكَبُرتم
خلال شهر قرونا
يا تلاميذ غزة
لا تعودوا
لكتاباتنا ولا تقرؤونا
نحن آباؤكم
فلا تشبهونا
نحن أصنامُكم
فلا تعبدونا
نتعاطى
القاتَ السياسيَّ
والقمع
ونبني مقابرًا
وسجونا
حررونا
من عقدة الخوف فينا
واطردوا
من رؤوسنا الأفيونا
يا أحباءنا الصغارَ
سلامًا
جعل الله يومكم
ياسمينا
من شقوق الأرض الخراب
طلعتم
وزرعتم جراحَنا
نسرينا
هذه ثورة الدفاتر
والحبر
فكونوا على الشفاه
لحونا
أمطرونا
بطولة وشموخًا
واغسلونا من قُبْحنا
اغسلونا






من خطب العرب



خطبة أكثم بن صيفي

يدعو قومه إلى الإسلام([16])



لما سمع برسول الله -صلى الله عليه وآله- بعث ابنه حليسًا([17]) فقال:
يا بني، إني أعظك بكلمات فخذ بهن من حين تخرج من عندي إلي أن ترجع إلي،
ائت نصيبك في شهر رجب فلا تستحلَّه فيستحلّ منك، فإن الحرام ليس يحرِّم نفسه، وإنما يحرِّمه أهله،
ولا تمرَّن بقوم إلاَّ نزلت عند أعزِّهم، وأحدث([18]) عقدًا مع شريفهم، وإيَّاك والذليل؛ فإنه أذلَّ نفسه، ولو أعزَّها لأعزَّه قومه،
فإذا قدمت على هذا الرجل، فإني قد عرفته وعرفت نسبه، وهو في بيت قريش وأعز العرب، وهو أحد رجلين: إما ذو نفس أراد ملكًا، فخرج للملك بعزه فوقره وشرفه وقم بين يديه، ولا تجلس إلاَّ بإذنه حيث يأمرك ويشير إليك؛ فإنه إن كان ذلك([19]) كان أدفع لشره عنك، وأقرب لخيره منك، فإن كان نبيًّا فإن الله لا يحس فيتوهم، ولا ينظر فيتجسم، وإنما يأخذ الخيرة حيث يعلم([20]) لا يخطئ فيستعتب، إنما أمره على ما يحب، وإن كان نبيًا فستجد أمره كله صالحًا وخبره كله صادقًا، وستجده متواضعًا في نفسه، متذللاً لربه، فذلّ له،
ولا تحدثن أمرًا دوني، فإن الرسول إذا أحدث الأمر من عنده خرج من يدي الذي أرسله، واحفظ ما يقول لك إذا ردَّك إلي؛ فإنك لو توهَّمت أو نسيت جشَّمتني([21]) رسولاً غيرك.
وكتب معه باسمك اللهم من العبد إلى العبد، أما بعد: فأبلغنا ما بلغك فقد أتانا عنك خبر لا ندري ما أصله، فإن كنت أريت فأرنا، وإن كنت علمت فعلمنا وأشركنا في كنزك والسلام.
فكتب إليه رسول الله -صلى الله عليه وآله- فيما ذكروا: «من محمد رسول الله إلى أكثم بن صيفي: أحمد الله إليك، إن الله تعالى أمرني أن أقول: لا إله إلا الله، وآمر الناس بقولها، والخلق خلق الله عز وجل والأمر كلُّه لله، خلقهم وأماتهم وهو ينشرهم وإليه المصير، أدبتكم بآداب المرسلين، ولتسألن عن النبأ العظيم، ولتعلمن نبأه بعد حين».
فلما جاءه كتاب رسول الله -صلى الله عليه وآله- قال لابنه: يا بني ماذا رأيت ؟ قال: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فجمع أكثم بن صيفي إليه بني تميم ثم قال:
يا بني تميم لا تحضروني سفيهًا؛ فإن من يسمع يخل، ولكل إنسان رأي في نفسه، وإن السفيه واهن الرأي وإن كان قوي البدن ولا خير فيمن لا عقل له.
يا بني تميم كبرت سني ودخلتني ذلة الكبر، فإذا رأيتم مني حسنًا فأتوه، و إذا أنكرتم مني شيئًا فقوموني بالحق أستقم له.
إن ابني قد جاءني وقد شافه هذا الرجل فرآه يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويأخذ بمحاسن الأخلاق، وينهى عن ملائمها، ويدعو إلى أن يعبد الله وحده، وتخلع الأوثان ويترك الحلف بالنيران. ويذكر أنه رسول الله، وأن قبله رسلاً لهم كتب،
وقد علمت رسولاً قبله كان يأمر بعبادة الله عز وجل وحده،
إن أحق الناس بمعاونة محمد صلى الله عليه وآله ومساعدته على أمره أنتم، فإن يكن الذي يدعو إليه حقًا فهو لكم، وإن يك باطلاً كنتم أحق من كف عنه وستر عليه.
وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته، ولقد كان سفيان بن مجاشع قبله يحدث به وسمى ابنه محمدًا،
وقد علم ذوو الرأي منكم أن الفضل فيما يدعو إليه ويأمر به، فكونوا في أمره أولاً ولا تكونوا أخيرًا، اتبعوه تشرفوا، وتكونوا سنام العرب، وأتوه طائعين من قبل أن تأتوه كارهين، فإني أرى أمرًا ما هو بالهوينا لا يترك مصعدًا إلا صعده ولا منصوبًا إلا بلغه، إن هذا الذي يدعو إليه لو لم يكن دينًا لكان في الأخلاق حسنًا، أطيعوني واتبعوا أمري أسأل لكم ما لا ينزع منكم أبدًا، إنكم أصبحتم أكثر العرب عددًا، وأوسعهم بلدًا، وإني لأرى أمرًا لا يتبعه ذليل إلا عزَّ، ولا يتركه عزيز إلا ذلَّ، اتبعوه مع عزّكم تزدادوا عزًّا، ولا يكن أحد مثلكم، إن الأول لم يدع للآخر شيئًا، وإن هذا أمر له ما بعده، من سبق إليه فهو الباقي، واقتدى به الثاني، فأصرموا أمركم؛ فإن الصريمة قوة، والاحتياط عجز([22]).
فقال مالك بن نويرة: خرف شيخكم.
فقال أكثم: ويل للشجي من الخلي([23]). أراكم سكوتًا، وإن آفة الموعظة الإعراض عنها. ويلك يا مالك إنك هالك، إن الحق إذا قام وقع القائم معه وجعل الصرعى قيامًا؛ فإياك أن تكون منهم، أما إذا سبقتموني بأمركم فقربوا بعيري أركبه، فدعا براحلته فركبها فتبعه بنوه وبنو أخيه، فقال: لهفي على أمر لن أدركه ولم يسبقني.




































من أدب الوصايا



وصية أعرابية لولدها([24])

حدثنا محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن رستم، قال: حدثني محمد بن عيسى النحوي، قال: قال أبان بن تغلب -وكان عابدًا من عباد البصرة:
شهدت أعرابية وهي توصي ولدًا لها يريد سفرًا وهي تقول له:
أي بني! اجلس أمنحك وصيتي، وبالله تعالى توفيقك؛ فإن الوصية أجدى عليك من كثير عقلك.
قال أبان: فوقفت مستمعًا لكلامها، مستحسنًا لوصيتها، فإذا هي تقول:
أي بني! إياك والنميمة؛ فإنها تزرع الضغينة، وتفرِّق بين المحبين.
وإياك والتعرُّض للعيوب؛ فتتخذ غرضًا، وخليق ألاَّ يثبت الغرض على كثرة السهام، وقلَّ ما اعتورت السهام هدفًا إلا كلَّمته حتى يهي ما اشتد من قوته.
وإياك والجود بدينك، والبخل بمالك.
وإذا هززت فاهزز كريمًا يلين لهزتك، ولا تهزز اللئيم؛ فإنه صخرة لا يتفجر ماؤها.
ومثل لنفسك أمثال ما استحسنت من غيرك فاعمل به، وما استقبحت من غيرك فاجتنبه؛ فإن المرء لا يرى عيب نفسه.
ومن كانت مودتَه بشرُه، وخالف ذلك فعلُه، كان صديقه منه على مثل الريح في تصرفها.
ثم أمسكت.
فدنوت منها فقلت: بالله يا أعرابية إلا زدته في الوصية.
قالت: أوقد أعجبك كلام الأعراب يا عراقي?
قلت: نعم.
قالت: والغدر أقبح ما تعامل به الناس بينهم، ومن جمع الحلم والسخاء فقد أجاد الحلة ريطتها وسربالها.




من أدب الرحلات



ذكر بعض من أحوال أهل الصين([25])


تأليف: ابن بطوطة
وأهل الصين كفّار يعبدون الأصنام ويحرقون موتاهم كما تفعل الهنود. وملك الصين تتريّ من ذرية تنكيزخان. وفي كلّ مدينة من مدن الصين مدينة للمسلمين ينفردون بسكناها. ولهم فيها المساجد لإقامة الجُمُعات وسواها. وهم معظَّمون محترَمون. وكُفَّارُ الصين يأكلون لحومَ الخنازير والكلاب، ويبيعونها في أسواقهم، وهم أهل رفاهية وسعة عيش إلاَّ أنهم لا يحتفلون في مطعم ولا ملبس. وترى التاجر الكبير منهم الذي لا تُحْصى أمواله كثرةً، وعليه جبَّة قطن خشنة.
وجميع أهل الصين إنما يحتفلون في أواني الذهب والفضَّة، ولكل واحد منهم عكَّاز يعتمد عليه في المشي، ويقولون هو الرِّجل الثالثة. والحرير عندهم كثير جدًا؛ لأن الدود تتعلَّق بالثمار وتأكل منها، فلا تحتاج إلىكثير مؤونة؛ ولذلك كثر. وهو لباس الفقراء والمساكين بها. ولولا التجار لما كانت له قيمة، ويباع الثوب الواحد من القطن عندهم بالأثواب الكثيرة من الحرير.
وعادتهم أن يسبك التاجر ما يكون عنده من الذهب والفضَّة قطعًا تكون القطعةُ منها من قنطار فما فوقه وما دونه. ويجعل ذلك على باب داره. ومن كان له خمسُ قطع منها جعل في أصبعه خاتمًا، ومن كانت له عشرٌ جعل خاتمين، ومن كان له خمسَ عشْرَةَ سَمَّوْه السَّـتي، وهو بمعنى الكارمي([26]) بمصر، ويسمون القطعة الواحدة منها (بَرْكَالة).
وأهل الصين لا يتبايعون بدينار ولا درهم، وجميع ما يتحصل ببلادهم من ذلك يسبكونه قطعًا كما ذكرناه، وإنَّما بيعهم وشراؤهم بقطع كاغَد([27])ٍ كلّ قطعة منها بقدر الكفّ مطبوعةٌ بطابع السلطان، وتسمى الخمس والعشرون قطعةً منها (بالِشْـت)، وهو بمعنى الدينار عندنا، وإذا تمزَّقت تلك الكواغد في يد إنسان حملها إلى دار كدار السكَّة عندنا، فأخذ عوضها جُدُدًا، ودفع تلك، ولا يُعطي على ذلك أجرة ولا سواها؛ لأن الذين يتولَّون عملها لهم الأرزاق الجارية من قبل السلطان.
وقد وُكِل بتلك الدار أمير من كبار الأمراء. وإذا مضى الإنسان إلى السوق بدرهم فضة أو دينار يريد شراء شيء لم يؤخذ منه ولا يُلْتَفَتُ إليه حتى يصرفه بالـ (بالِشْـت)، ويشتري به ما أراد.
وأهل الصين أعظم الأمم إحكامًا للصناعات وأشدُّهم إتقانًا فيها، وذلك مشهور من حالهم قد وصفه الناس في تصانيفهم فأطنبوا فيه. وأما التصوير فلا يجاريهم أحدٌ في إحكامه من الروم ولا من سواهم، فإن لهم فيه اقتدارًا عظيمًا. ومن عجيب ما شاهدت لهم من ذلك أني ما دخلت قطُّ مدينة من مدنهم ثم عدت إليها إلاَّ ورأيت صورتي وصورة أصحابي منقوشةً في الحيطان والكواغد، موضوعة في الأسواق.
ولقد دخلت إلى مدينة السلطان فممرت على سوق النقَّاشين، ووصلت إلى قصر السلطان مع أصحابي، ونحن على زيِّ العراقيين، فلما عدت من القصر عشيًّا مررت بالسوق المذكورة فرأيت صورتي وصور أصحابي منقوشة في كاغد قد ألصقوه بالحائط، فجعل الواحدُ منا ينظر إلى صورة صاحبه لا تخطئ شيئًا من شبهه. وذُكِرَ لي أن السلطان أمرهم بذلك، وأنهم أتوا إلى القصر، ونحن به، فجعلوا ينظرون إلينا ويصوِّرون صورنا، ونحن لم نشعر بذلك. وتلك عادة لهم في تصوير كلِّ من يمرُّ بهم، وتنتهي حالهم في ذلك إلى أن الغريب إذا فعل ما يوجب فِرَاره عنهم بُعثت صورته إلى البلاد وبُحث عنه، فحيثما وجد شبه تلك الصورة أُخِذ.
وعادة أهل الصين إذا أراد جنك([28]) من جنوكهم السفَر صعد إليه صاحب البحر وكُتَّابُه وكتبوا من يسافر فيه من الرماة والخدَّام والبحرية، وحينئذ يباح لهم السفر، فإذا عاد الجنك إلى الصين صعدوا إليه أيضًا وقابلوا ما كتبوه بأشخاص الناس، فإن فقدوا أحدًا مما قيَّدوه طلبوا صاحب الجنك به، فإمَّا أن يأتي ببرهان على موته أو فراره أو غير ذلك ممَّا يحدث عليه، وإلاَّ أُخِذ فيه. فإذا فرغوا من ذلك أمروا صاحب المركب أن يُمليَ عليهم تفصيلاً بجميع ما فيه من السلع قليلها وكثيرها، ثم ينزل من فيه، ويجلس حفَّاظ الديوان لمشاهدة ما عندهم، فإن عثروا على سلعة قد كُتِمَتْ عنهم عاد الجنك بجميع ما فيه مالاً للمخزن، وذلك نوع من الظلم ما رأيته ببلاد من بلاد الكفَّار ولا المسلمين إلاَّ بالصين، اللهم إلاَّ أنه كان بالهند ما يقرب منه...
وإذا قدم التاجر المسلم على بلد من بلاد الصين خُيِّرَ في النزول عند تاجر من المسلمين المتوطنين معيَّن، أو في الفندق، فإن أحبَّ النزول عند التاجر حُصِر مالُه وضُمِّنَه التاجرُ المستوطن، وأنفق عليه منه بالمعروف، فإذا أراد السفر بُحِث عن ماله، فإن وُجِد شيء منه قد ضاع أُغْرِمَه التاجر المستوطن الذي ضُمِّنَه، وإن أراد النزول بالفندق سُلِم مالُه لصاحب الفندق وضُمِّنَه، وهو يشتري له ما أحبَّ ويحاسبه، فإن أراد التسرِّي اشترى له جارية وأسكنه بدار يكون بابها في الفندق، وأنفق عليهما.
والجواري رخيصات الأثمان؛ لأن أهل الصين أجمعين يبيعون أولادهم وبناتهم وليس ذلك عيبًا عندهم، غير أنهم لا يُجبَرون على السفر مع مشتريهم، ولا يُمنَعون أيضًا منه إن اختاروه. وكذلك إن أراد التزوُّج تزوَّج. وأمَّا إنفاق ماله في الفساد فشيء لا سبيل له إليه، ويقولون: لا نريد أن يُسْمَع في بلاد المسلمين أنهم يخسرون أموالهم في بلادنا.
وبلاد الصين آمن البلاد وأحسنها حالاً للمسافر؛ فإن الإنسان يسافر منفردًا مسيرة تسعةِ أشهر، وتكون معه الأموالُ الطائلة فلا يخاف عليها. وترتيب ذلك أن لهم في كلّ منزل ببلادهم فندقًا عليه حاكم يسكن به في جماعة من الفرسان والرجَّالة، فإذا كان بعد المغرب والعشاء جاء الحاكم إلى الفندق ومعه كاتبه، فكتب أسماء جميع من يبيت به من المسافرين وختم عليها، وأقفل باب الفندق عليهم، فإذا كان بعد الصبح جاء ومعه كاتبه، فدعا كلّ إنسان باسمه وكتب به تفصيلاً، وبعث معهم من يوصلهم إلى المنزل الثاني له، ويأتيه ببراءة من حاكمه أن الجميع قد وصلوا إليه، وإن لم يفعل طلبه بهم. وهكذا العمل في كلّ منزل ببلادهم من صين الصين إلى خان بالق.
وفي هذه الفنادق جميع ما يحتاج إليه المسافر من الأزواد، وخصوصًا الدجاج والإوزّ، وأما الغَنَم فهي قليلة عندهم.




من أدب الرحلات



على أرض الأندلس


أبو الحسن الندوي
لقد كان أهم أجزاء هذا السفر وأحبّه إليَّ هو زيارة الفردوس المفقود الأندلس (إسبانيا اليوم)، ولا أذكر بلدًا عاش فيه المسلمون، ثمّ مُحيت منه آثارهم، واندرست ديارهم، وشعرت في زيارته بذلك الأنس والقرب، والودّ والجاذبية الفتنة، حتّى كأنّ أجواءها تعانقني وتضمّني إلى جوانحها، وتحكي كلّ ذرّة من ذراتها رسالة الحبِّ والأنس، كما شعرت في زيارتي للأندلس، لقد وجدت في الصلوات هناك، ووجدت في ذكر الله من الرقّة والتأثير ما لم أجده إلاّ في أماكن معدودة، زرت أطلال مدينة الزهراء، وآثار الحمراء وسقوفها وجدرانها، ونقوشها وجمالها، وللأسف لم أستطع أن أقيّد مذكرات هذه الرحلة، إلاّ أنّني أذكر فيما يلي بعض مشاهداتي وانطباعاتي، وكنت أنشد بلسان الحال:
لمن الديار ببرقة الروحان

إذ لا نبيع زماننا بزمان
صدع الليالي إذ رمين دياره

صدع الزجاجة ما لذاك تدان
لقد نكأت هذه الرحلة جروحي وقروح قلبي، وأصبح تاريخ المجد الحافل والقوّة والشوكة والسلطان، والعلم والفضل والكمال عبر القرون والأجيال، الذي انبث على آلافٍ من صفحات "نفح الطيب"، و"الحلل السندسية"، والذي كنت قرأته – أيام الطلب – في "غابر الأندلس وحاضرها" للعلاّمة كرد علي، و"أخبار الأندلس" للشيخ خليل الرحمن، ماثلاً في عالم الخيال أمامي، وعاد غضًّا طريًا في ذاكرتي.
وتوجد أكثر الآثار الإسلامية في مدريد (مجريط سابقًا)، وتوليد و(طليطلة سابقًا). خرجنا من مدريد إلى طليطلة بالحافلة (السيارة الكبيرة السياحية)، وقسّم السياحُ والزوار إلى قسمين: قسم من يفهم الإنجليزية، وقسم من يفهم الفرنسية، وقد كان دليلنا يحدّثنا بالإنجليزية، ويعـرّفنا بالآثـار والأماكن التاريخية، وكان إذا عرّف بشـيء بـدأه بكلمتـه (When we expelled the Arabs) (عندما أخرجنا العرب)، سـمعت هذه الكلمة مرّة أو مرّتـين، ثمّ لم أصبر ولم أتمالك، وقلت له: من فضلك، لا تكرّر هذه العبارة فإنّها تؤلمنا، فأمسك عنها واعتذر إلينا، وقال: إنّ لحاكمنا الجنرال "فرانكو" صلات طيّبة مع العرب، وإنّنا نأخذ بالتسامح.
ووقفت عند الشبّاك في رحلتنا من مدريد إلى قرطبة على القطار، أصدّقُ قول الدكتور إقبال:"لا تزال رائحة اليمن في أجوائنا العطرة، ولا تزال صبغة الحجاز ولونها في أنغامنا وألحاننا"، وأنشد قول الأندلسي:
جادك الغيث إذا الغيث همى

يا زمان الوصل في الأندلس
ولمّا وصلت إلى قرطبة بدأت ترنّ في أذني قصيدة إقبال الرائعة بعنوان "مسجد قرطبة"، التي هي آية في الأدب، وتحتلّ – حسب رأي البروفيسور رشيد أحمد الصدّيقي ورأيي أيضًا – لا في ديوان إقبال فحسب، بل في آداب العالم مكانتها الخاصّة الفريدة، وقد تذكرت هذه الأبيات منها – بصفة خاصّة – التي يقول فيها الشاعر:
(إنّ روعتك وجمالك، وجلالك ومهابتك دليل رجال الله، فهم من الجمال والروعة والمهابة بمكانك أنت من الجمال والجلال، بنيانك قويٌ محكمٌ، وإنّ أعمدتك كثيرةٌ لا تعدُّ، كأنّها في صحراء الشام جنّات من نخيل).
وقد غيرت الكنائس التي بنيت داخل المسجد شكل المسجد، ويصعبُ تعيين القبلة، ولكن رغم ذلك تحرّيت وتحققتُ من القبلة، وقمت في المحراب، وقال لي الدليل: إنّ أي صوتٍ من هنا يسمعُ في أقصى نواحي المسجد، فهي مكبّرة طبيعية اكتشفها البناؤون العرب في الأندلس، فلم أملك أن رفعت صوتي وصرخت [قل جاء الحقّ وزهق الباطل إنّ الباطلَ كان زهوقًا]، وحاول الدليل بصخبه ورفع صوته أن يغلبني على صوتي، فتذكرت قول الله تعالى: [وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلّكم تغلبون]، وشاهدت ترجمتها العملية، وصليت كالدكتور "إقبال" - رغم عدم السماح – ركعتين في مكان، وكان وقت العصر، وخرجنا، ثمّ صلّّينا في صحن المسجد صلاة العصر بأذان وجماعة، وكان ينظر سكان المدينة المسيحيون في حيرة وعجب إلى هذا المشهد الغريب.
وقد ازداد هذا التأثّر، واشتدت هذه العواطف في غرناطة، التي ودَّعتها أخيرًا البقية الباقية من المسلمين، والتي شاهدت أرضها الأيام الأخيرة من حكومة العرب ومدنيتهم، ورأيت هذا البيت من شعر "إقبال" يصدق عليها، الذي يقول فيه:
(إنّ أرضك الطيّبة في عين النجوم المتلألئة كالسماء العالية، يا للأسف الشديد! إنّ أجواءك لم تسمع الأذان من قرون).
وجاء يوم الجمعة أثناء الإقامة بغرناطة، فدعوت الطلابَ العرب الذين كان أكثرهم من المغرب الأقصى إلى أن نقيم الجمعة، ولم يحضر لضيق الوقت، وقلّة همّة الشباب وعزيمتهم إلاّ عددٌ قليل، ولكنّنا صلّينا الجمعة في غرفة أحد الطلاب، ولا أدري بعد كم قرن صليت الجمعة على هذه البقعة من الأرض، وأخبرني بعد عودتي بزمن أحدُ الطلاب العرب بأنّ هذه الجمعة لم تزل تقام، ولا أدري هل هي مستمرة أو لا؟ وإنّه لتقطّع القلب وينزف دمًا على تخاذل المسلمين، وقلّة همّتهم وتوفيقهم.
إنّه لم يحاول المسلمون في أي بلدٍ – لا سيما المسلمين العرب – لاستعادة هذا الفردوس المفقود، ولم تبذل الجهود في سبيل الدعوة الإسلامية، والتعريف بالإسلام في هذه البلاد، فضلاً عن استعادة الحكم والسلطان، ولم يتحقّق أيضًا أن يتفرّغ عددٌ من الشباب لتعلّم اللغة الإسبانية، ليُعلّموا أهل إسبانيا مدى ما خسروه، ومدى ما ربحوه بإخراج الإسلام والمسلمين من هذه الديار، ومن أي رفعة وعلوٍ نزلوا بشعبهم وبلادهم إلى الحضيض الأسفل، فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله.




من أدب الرسائل



إلى ولدي


أحمد أمين
أي بني!
سأقص عليك شيئًا من تجاربي التي أعتقد أنها تفيدك، مهما اختلفت بيئاتنا ومدارسنا وثقافتنا.
أهم ما جربت في حياتي أني رأيت قول الحق والتزامَه، وتحري العدلِ وعمله، يكسب الإنسان من المزايا ما لا يقدَّر، لقد احتملت في سبيل ذلك بعض الآلام، وأغضبت بعض الأنام، وضاعت عليَّ من أجله بعض المصالح، ولكني برغم ذلك كله قد استفدت منه أكثر مما خسرت؛ لقد استفدت منه راحة الضمير، واستفدت منه ثقة الناس بما أقول وما أعمل، واستفدت منه حسن ظنهم بما يصدر عني ولو لم يفهموا سببه، ومع هذا فقد استفدت منه أيضًا ماديًا أكثر مما استفاد غيري، ممن لم يلتزموا الحق ولم يراعوا الصدق والعدل، لقد وُجِدت في أوساط كثيرة، وعاشرت زملاء كانوا يُرضون رؤساءهم أكثر مما يُرضون ضمائرهم، ويقولون ما يعجب الناس لا ما يعتقدون أنه الصدق، ويرتكبون الظلم طلبًا للجاه أو العلو في المنصب، ومع هذا فقد ربحوا قليلاً وخسروا كثيرًا؛ لقد خسروا الفضيلة وخسروا الضمير، وفازوا بقليل من الحظ العاجل تبعه كثير من الفشل الآجل؛ فلو حسبت بالدقة ما كسبت وما خسرت، وما كسب هؤلاء وما خسروا لوجدتني أسعد حالاً وأوفر حظًا. فإذا أردت أن تنتفع بتجربتي فالتزمِ الحقَّ والصدقَ والعدلَ في جميع أعمالك مهما تكن النتيجة.

نعم رأيت من زملائي من تمسكوا بهذه الفضيلة فخسروا كثيرًا وفشلوا فشلاً ذريعًا، ولكن لم يكن عيبهم أنهم التزموا الحق والصدق والعدل، بل عيبهم أنهم التزموا هذه الصفات في سماجة؛ فقالوا الحق في غير أدب، والتزموا الصدق في غير لباقة، وتحرَّوا العدل في غير لياقة، فلم يكن الذنب ذنب الحق، ولكن الذنب ذنب السماجة. فتعلّم من هذا أن تقول الحق في أدب، وتتحرّى العدل والصدق في لباقة ولياقة. فمن غضب بعد ذلك كان الذنبُ ذنبَه ولا ذنب عليك.
ولا تتعجلَنّ النتيجة؛ فقد تمَس من الحق نارًا، ويهب عليك من العدل لفحة جحيم، ولكن ذلك أشبه ما يكون بالامتحان، إن صبرْت له انقلبت النار جنة، واللفحة الحارة نسيمًا عليلاً.

ومن أهم تجاربي أيضًا أني رأيت كثيرًا من الناس يخطئون فيظنون أن المال هو كل شيء في الحياة؛ يبيعون أنفسهم للمال، يتزوجون للمال، ويضيعون أعمارهم للمال، ويفرطون في الفضيلة للمال.
وقد أقنعتني التجارب أن المال وسيلة من وسائل السعادة حقًا، بشرط أن يطلب باعتدال، وينفق في اعتدال، وبشرط ألا يكون ما تحصله كثيرًا جمّا، فتنقلب عبدًا له، وبشرط أن يبقى المال وسيلة أبدًا. ولا ينقلب غاية أبدًا. فإن أكثر الناس وقعوا في متاعب شتى من هذه الأخطاء.
فمنهم من بدأ حياته يطلب المال على أنه وسيلة، ثم استمر في طلبه بعد أن استوفى حاجته منه فانقلب غاية. ومنهم من صرف حياته وتفكيره في المال وفي الاستزادة منه حتى فقد سعادته بل وفقد نفسه، وقد دلتني التجارب على أن أسعد الناس من وضع المال في موضعه اللائق به، فلم يرفضه رفضًا باتًا، ولم يذل له ذلاً تامًّا، ونظر إلى المال على أنه وسيلة من وسائل السعادة لا كل السعادة، ولم يطلبه إلا مع الشرف والعزة والإباء، فإن تعارض معها ضحى المال للفضيلة، والغنى للضمير.
. . . .
أي بني!
أَكتب إليك هذا في أواخر مارس، موسم الربيع، وموسم الجمال، وموسم البهجة، والدنيا كما قال أبو تمام:
دنيا معاش للورى حتى إذا

جاء الربيع فإنما هي منظر
ولشد ما آسف إذ أرى مدارسكم وجامعاتكم تعنى بالعقل، فتضع له المناهج الطويلة العريضة في مختلف العلوم، وتمعن في الإجرام فتقلب الآداب والفنون إلى علوم عقلية، أو نظريات فلسفية، وتعنى بالجسم فتنظم له الألعاب الرياضية، وتقيم له مباريات السباق وكرة القدم ورفع الأثقال.. ثم لا تقيم وزنًا ولا تضع منهجًا للذوق وتربيته، وهو الأحق بالعناية، والأجدر بالرعاية، فإن قصرت مدارسك وجامعاتك في ذلك، فتولَّ أنت تربية ذوقك بنفسك، ووجه إليه كل همتك، فما الحياة بلا ذوق، وما الدنيا بلا جمال؟ وجزى الله خيرًا من وجهني إلى الجمال فهويته، ورتبت في شبابي بائع الزهور بجانب بائع الخبز واللبن، فأُعجبت بالورد وجماله، وبديع ألوانه، وبالزهور على اختلاف أنواعها، في تناسقها وانسجامها، فكان هذا متعة لنفسي، وحياة لروحي بجانب متعة عقلي.

أي بني!
إن الذوق عمل في ترقية الأفراد والجماعات أكثر مما عمل العقل.فالفرق بين إنسان وضيع وإنسان رفيع، ليس فرقًا في العقل وحده، بل أكثر من ذلك فرق في الذوق. ولئن كان العقل أسس المدن، ووضع تصميمها، فالذوق جمَّلها وزينها.إن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الفرد فجرده من الطرب بالموسيقى والغناء، وجرده من الاستمتاع بمناظر الطبيعة وجمال الأزهار، وجرده من أن يهتز للشعر الجميل، والأدب الرفيع، والصورة الرائعة، وجرده من الحب في جميع أشكاله ومناحيه، ثم انظر بعد ذلك ماذا عسى أن يكون وماذا عسى أن تكون حياته.
وإن شئت أن تعرف قيمة الذوق في الأمة، فجردها من دور فنونها، وجردها من حدائقها وبساتينها. وجردها من مساجدها الجميلة والجليلة ، وعمائرها الضخمة، وجردها من نظافة شوارعها، وتنظيم متاحفها، ثم انظر بعد ذلك في قيمتها، وفيما يميزها عن غيرها من الأمم المتوحشة والأمم البدائية.

أي بنيّ!
إن للذوق مراحل كمراحل الطريق، ودرجات كدرجات السلم. فهو يبدأ بإدراك الجمال الحسي: من صورة جميلة، ووجه جميل، وزهرة جميلة، وبستان جميل، ومنظر طبيعي جميل. ثم إذا أحسنت تربيته ارتقى إلى إدراك المعاني: فهو يكره القبح في الضعة والذلة، ويعشق الجمال في الكرامة والعزة، وينفر من أن يَظلم أو يُظلم، ويحب أن يَعدل ويُعدل معه، ثم إذا هو ارتقى في الذوق كره القبح في أمته، وأحب الجمال فيها، فهو ينفر من قبح البؤس والفقر والظلم فيها، وينشد جمال الرخاء والعدل في معاملتها، فيصعد به ذوقه إلى مستوى المصلحين. فالإصلاح المؤسس على العقل وحدَه لايجدي، وإنما يجدي الإصلاح المؤسس على العقل والذوق جميعًا. ثم لايزال الذوق يرقى إلى أن يبلغ درجة عبادة الجمال المطلق والفناء فيه.
فعلى هذا الأساس نظم ذوقك:استشعر الجمال في مأكلك وملبسك ومسكنك، وصادق الزهور وتعشقها، ثم انشد الجمال في مجال الطبيعة، ومد بين قلبك ومناظر البساتين والحدائق_ والسماء ونجومها، والشمس ومطلعها ومغيبها، والبحار وأمواجها، والجبال وجلالها_ خيوطًا حريرية دقيقة تتموج بموجاتها، وتهتز بهزاتها، ثم انظر إلى الأخلاق على أن فضائلها جمال، ورذائلها قبح، لا على أن فضائلها منفعة ورذائلها متلفة، ثم غنِّ للجمال واهتف به حيثما كان، واعشقه وافنَ فيه، وأنا واثق أنْ ستسعد بذلك سعادة لا يتذوقها ذوو الشهوات، ولا أصحاب رؤوس الأموال، بل الفلاسفة والعلماء.
بل إني أجزم لو وجدت طائفة كبيرة من أمثال هؤلاء الذين رقي ذوقهم إلى هذا الحد في أمة، لنهضوا بها، وأعلوا شأنها؛ إن أمثال هؤلاء من أصحاب الذوق الرفيع لو تولوا شؤون السياسة ورياسة الأحزاب لكانوا مثلاً في حب الخير، ورقة القلب، وإدراك ما يجب أن يعمل وكيف يعمل، وما يجب أن يترك وكيف يترك. ولو كان أمثال هؤلاء رؤساء مصالح، أو مديري لأعمال، لوجهوا همتهم لإتقان عملهم، وإيصال الخير لذويهم، وتحري وجوه النفع لمن يلوذ بهم. وإنما أفسد هؤلاء جميعًا قلة الذوق لا قلة العقل. فأنت إذا رأيت الشوارع لامنظمة ولا نظيفة، والأمور الصحية مهملة لا يعنى بها، والفلاح بائسًا فقيرًا، أو رأيت معاملة الناس بعضهم بعضًا جافة سيئة، تُحدث ضوضاء وجلبة، كالآلة لم تُزيَّت، أو رأيت العداوة والحقد والخصومة بين رجال الأحزاب السياسية، أو رأيت رجال الحكومات تعنى بمناصبها أكثر مما تعنى بمصالح رعيتها، فاعلم أن منشأ ذلك فقدان الذوق الرفيع لا العقل النابه.
أي بني!
إنك محتاج إلى مجهود جبار، وإرادة قوية لتربية ذوقك، وإرهاف شعورك بالجمال، فكل ما حولك مفسد للذوق، متلف للمشاعر السامية: بيوت لم يعن فيها بالجمال، وشوارع لم يعن فيها بنظافة ولا نظام، وحافلات تكدس فيها الناس أسوأ مما تكدست علب السردين، وهرجلة وفوضى وضوضاء في دور المحاضرات والسينما والتمثيل، ومهاترة غير نبيلة بين الجرائد الحزبية، وارتباك واضطراب وسوء معاملات في المكاتب الحكومية وغير الحكومية، ورؤية البؤس والمرض والفقر والجهل والقذارة على الأرصفة في المدن، وبين الفلاحين في القرى، وبين العمال في المصانع، ونبوّ في أحاديث المتحدثين، وفي النكت بين المتنادرين، ومئات ومئات غير ذلك، وكلها كفيلة أن تفسد الذوق وتقضي عليه، فتربيتك لذوقك واحتفاظك به ساميًا لا يتأثر بهذه المفاسد، أمر عسير لا ينال إلا ببذل الجهد وقوة العزم.
أي بني!
لقد جربت الناس فوجدتهم يخضعون للذوق أكثر مما يخضعون للمنطق، فبالذوق لا بالعقل تستطيع ان تستميلهم، وأن تأسرهم، وأن توجههم، وأن تصلحهم إن شئت، أما العقل وحده فلا يستطيع أن يأسر إلا الفلاسفة وقليل ماهم.
أي بني!
ليس عندي نصيحة لك أغلى من أن تكوِّن ذوقك ثم تنميه وترقيه. فإن فعلت ذلك ضمنت لك سعادة الحياة والاستمتاع بها، وضمنت لك سمو أخلاقك ونبل عواطفك، وضمنت لك نجاحك على قدر كفايتك، والله يوفقك.




من السيرة الذاتية


في سبيل السعادة واليقين([29])

للإمام أبي حامد الغزالي
وكان قد ظهر عندي أنه لا مطمع ( لي ) في سعادةالآخرة إلا بالتقوى،وكف النفس عن الهوى، وأن رأس ذلك كله قطعُ علاقة القلب عنالدنيا بالتجافي عن دارالغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإقبال بكُنه الهمة على الله تعالى. وأن ذلك لا يتم إلا بالإعراض عن الجاه والمال، والهرب منالشواغل والعلائق.
ثم لاحظت أحوالي فإذا أنا منغمس في العلائق، وقد أحدقت بي من الجوانب، ولاحظت أعمالي -وأحسنها التدريس والتعليم- فإذا أنا فيها مقبل علىعلوم غير مهمة ولا نافعة في طريق الآخرة.
ثم تفكرت في نيتي في التدريس فإذا هي غير خالصة لوجه الله تعالى، بل باعثها ومحركها طلب الجاه وانتشار الصيت؛ فتيقنت أني على شفا جُرُف هار، وأني قد أشفيتعلى النار إن لم أشتغل بتلافي الأحوال.
فلم أزل أتفكر فيه مدة، وأنا بعدُ على مقام الاختيار، أُصمِّم العزم على الخروج من بغداد ومفارقة تلك الأحوال يومًا، وأحلُّ العزم يومًا، وأقدم فيه رجلاً وأؤخر عنه أخرى. لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة بكرة، إلا ويحمل عليها جند الشهوة حملة فيفترها عشية. فصارت شهوات الدنيا تجاذبني بسلاسلها إلى المقام، ومنادي الإيمان ينادي: الرحيل! الرحيل! فلم يبق من العمر إلا قليل، وبين يديك السفر الطويل، وجميع ما أنت فيه من العلم والعمل رياء وتخييل! فإن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد؟ وإن لم تقطع الآن [ هذه العلائق ] فمتى تقطع؟ فعند ذلك تنبعث الداعية، وينجزم العزم على الهرب والفرار.
ثم يعود الشيطان ويقول: (( هذه حال عارضة، إياك أن تطاوعها، فإنها سريعة الزوال؛ فإن أذعنت لها وتركت هذا الجاه العريض، والشأن المنظوم الخالي عن التكدير والتنغيص، والأمر المسلم الصافي عن منازعة الخصوم، ربما التفتت إليه نفسك، ولا يتيسر لك المعاودة)).
فلم أزل أتردَّد بين تجاذب شهوات الدنيا، ودواعي الآخرة، قريبًا من ستة أشهر، أولها رجب سنة ثمان([30])وثمانين وأربع مائة. وفي هذا الشهر([31]) جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار، إذ أقفل الله على لساني حتى اعتُقل عن التدريس، فكنت أجاهدنفسي أن أدرس يومًا واحدًا تطييبًا لقلوب المختلفة [ إلي ]، فكان لاينطق لساني بكلمة [ واحدة ] ولا أستطيعها البتة، حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزنًا في القلب، بطلت معه قوة الهضم ومراءة الطعام والشراب: فكان لا ينساغ لي ثريد، ولاتنهضم ( لي ) لقمة، وتعدى إلى ضعف القوى، حتى قطع الأطباء طمعهم من العلاج، وقالوا: (( هذاأمر نـزل بالقلب، ومنه سرى إلى المزاج، فلا سبيل إليه بالعلاج، إلا بأن يتروح السر عن الهم الملم )).
ثم لما أحسست بعجزي، وسقط بالكلية اختياري، التجأت إلى الله تعالى التجاء المضطر الذي لا حيلة له، فأجابني الذي (( يجيب المضطر إذا دعاه ))، وسهل على قلبي الإعراض عن الجاه والمال (والأهل والولد والأصحاب)، وأظهرت عزم الخروج إلى مكة وأنا أدبّر في نفسي سفر الشام حذرًا أن يطلع الخليفة وجملة الأصحاب على عزمي على المقام في الشام؛ فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد على عزم أن لا أعاودها أبدًا. واستهدفت لأئمة أهل العراق كافة، إذ لم يكن فيهم من يجوِّز أن يكون للإعراضعما كنت فيه سبب دينيّ، إذ ظنواأن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين، وكان ذلكمبلغهم من العلم.
ثم ارتبك الناس في الاستنباطات، وظن من بعُد عن العراق، أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة؛ ( وأما من قرب من الولاة ) كان يشاهد إلحاحهم في التعلق بي والانكباب عليَّ، وإعراضي عنهم، وعن الالتفات إلى قولهم، فيقولون: (( هذا أمر سماوي، وليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام وزمرة أهل العلم )).
ففارقت بغداد، وفرَّقت ما كان معي من المال، ولم أدَّخر إلاَّ قدر الكفاف، وقوت الأطفال، ترخصًا بأن مال العراق مرصد للمصالح، ولكونه وقفًا على المسلمين. فلم أر في العالم مالاً يأخذه العالم لعياله أصلح منه.
ثم دخلت الشام، وأقمت به قريبًا من سنتين لا شغل لي إلا العزلة والخلوة؛ والرياضة والمجاهدة، اشتغالاً بتزكية النفس، وتهذيب الأخلاق، وتصفية القلب لذكر الله ( تعالى )، كما كنت حصلته من كتب([32]) الصوفية. فكنت أعتكف مدة في مسجد دمشق، أصعد منارة المسجد طول النهار، وأغلق بابـها على نفسي.
ثم رحلت منها إلى بيت المقدس، أدخل كل يوم الصخرة، وأغلق بابـها على نفسي.
ثم تحركت فيَّ داعية فريضة الحج، والاستمداد من بركات مكة والمدينة. وزيارة رسول الله صلى اللهعليه وسلم بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات الله وسلامه عليه؛ فسرت إلى الحجاز.
ثم جذبتني الهمم، ودعوات الأطفال إلى الوطن، فعاودته بعد أن كنت أبعد الخلق عن الرجوعإليه. فآثرت العزلة [ به ] أيضًا حرصًا على الخلوة، وتصفية القلب للذكر.
وكانت حوادثالزمان، ومهمات العيال، وضرورات المعاش([33])، تغير فيَّ وجه المراد، وتشوش صفوة الخلوة. وكان لا يصفو [ لي ] الحال إلا في أوقات متفرقة. لكني مع ذلك لا أقطع طمعي منها، فتدفعني عنها العوائق، وأعود إليها.
ودمت على ذلك مقدار عشر سنين؛ وانكشفتلي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها واستقصاؤها، والقدر الذي أذكره لينتفع به: إني علمت يقينًا أن الصوفية هم السالكون لطريق الله ( تعالى ) خاصة، وأن سيرتهم أحسن السير، وطريقهم أصوب الطرق، وأخلاقهم أزكى الأخلاق. بل لو جُمع عقل العقلاء، وحكمة الحكماء، وعلم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء، ليغيروا شيئًا من سيرهم وأخلاقهم، ويبدلوه بما هو خير منه، لم يجدوا إليه سـبيلاً. فإن جميع حركاتـهم وسكناتـهم، في ظاهرهم وباطنهم، مقتبسـة من (نور) مشكاة النبوة؛ وليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به...
وبالجملة، فمن لم يرزق منه شيئًا بالذوق، فليس يدرك من حقيقة النبوة إلا الاسم، وكرامات الأولياء، [ هي ] على التحقيق، بدايات الأنبياء، وكان ذلك أول حال رسول الله صلى اللهعليه وسلم، حين أقبل إلى جبل (( حراء ))، حيث كان يخلو فيه بربه ويتعبد، حتى قالت العرب: (( إن محمدًا عشق ربه!)).




من أدب التراجم



شيخ الإسلام: ابن تيمية([34])


بقلم: محمد كرد علي
ولد بحرَّان سنة إحدى وستين وست مئة، وقدم مع والده وأهله إلى دمشق، وكانوا قد خرجوا من بلاد حرَّان مهاجرين بسبب جور التتار وقدموا دمشق سنة سبع وستين.
طلبه للعلم:
سمع الحديث من أئمته في دمشق، وسمع "مسند" أحمد مرات، و"معجم" الطبراني الكبير، والكتب الكبار والأجزاء.
وعُني بالحديث، وقرأ بنفسه الكثير، ولازم السماع مدة سنتين، ونسخ وانتقى وكتب الطباق والأثبات، وتعلم الخط والحساب في المكتب، واشتغل بالعلوم وحفظ القرآن، وأقبل على الفقه، وقرأ أيامًا في العربية على ابن عبد القوي ثم فهمها، وأخذ يتأمل كتاب سيبويه حتى فهمه، وبرع في النحو، وأقبل على التفسير إقبالاً كليًا حتى حاز فيه قصب السبق، وأحكم أصول الفقه، كل هذا وهو ابن بضع عشرة سنة، فعجب الفضلاء من فرط ذكائه، وسيلان ذهنه، وقوة حافظته، وسرعة إدراكه.
ذلك ما قاله من ترجموا له في نشأته.
أخلاقه:
أما أخلاقه فقالوا:
إنه نشأ في تصوُّن تام، وعفاف وتألُّه، واقتصاد في الملبس والمأكل، ولم يزل على ذلك خُلُقًا صالحًا، برًا بوالديه تقيًا ورعًا عابدًا ناسكًا صوَّامًا قوَّامًا، ذاكرًا لله تعالى في كل أمر، وعلى كل حال، رجّاعًا إلى الله تعالى في سائر الأحوال والقضايا، وقّافًا عند حدود الله تعالى وأوامره ونواهيه، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر، "فارغًا من شهوات المأكل والملبس والجماع، لا لذة له في غير نشر العلم وتدريسه، عرض عليه منصب قاضي القضاة ومشيخة الشيوخ فلم يقبل".
وقبل وظائف والده في التدريس وله إحدى وعشرون سنة.
وكان والده من كبار الحنابلة وأئمتهم، ودرس هو بعده، فاشتهر أمره وبَعُدَ صيته في العالم، وما أتى له ثلاثون سنة، حتى كان من أعظم علماء عصره، بل أعظم عالم في عصره، لا تكاد نفسه تشبع من العلم، ولا تروى من المطالعة، ولا تملّ من الاشتغال به، ولا تكلّّ من البحث، وقلّ أن يدخل في باب من أبواب العلوم إلاَّ وفُتح له من ذلك الباب أبواب، واستدرك أشياء في ذلك العلم على حذّاق أهله.
وكان يحضر المجالس والمحافل في صغره، فيتكلم ويناظر ويفحم الكبار، ويأتي بما يحار منه أعيان البلد، وشرع في الجمع والتأليف وله نحو سبع عشرة سنة.
قال الحافظ الزملكاني:
- كان إذا سُئل عن فنٍّ من الفنون ظنَّ الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرف مثله.
وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جلسوا معه استفادوا من مذاهبهم منه ما لم يكونوا عرفوه قبل ذلك، ولا يُعرَف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا تكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرها إلاَّ فاق فيه أهله والمنسوب إليه. وكانت له اليد الطولى في حسن التصنيف، وجودة العبارة والترتيب والتقسيم والتبيين.
وقالوا فيه: وأخذ في تفسير الكتاب العزيز أيام الجُمَع على كرسي من حفظه، فكان يورد ما يقوله من غير توقف ولا تلعثم، وكذا كان يورد الدروس بتؤدة وصوت جهوري فصيح.
وانتهت إليه الإمامة في العلم، والعمل، والزهد،، والورع، والشجاعة، والكرم، والتواضع، والحلم، والأناة، والجلالة، والمهابة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مع الصدق، والأمانة، والعفة، والصيانة، وحسن القصد، والإخلاص، والابتهال إلى الله تعالى، وشدة الخوف منه، ودوام المراقبة له، والتمسك بالأمر، والدعاء إلى الله تعالى، وحسن الأخلاق، ونفع الخَلْق والإحسان إليهم.
وكان رحمه الله سيفًا مسلولاً على المخالفين، وشجى في حلوق أهل الأهواء والمبتدعين، وإمامًا قائمًا ببيان الحق ونصرة الدين،، طنَّتْ بذكره الأمصار، وضنَّتْ بمثله الأعصار.


وقال الذهبي:
- إنه صار من أكابر العلماء في حياة شيوخه... ولعلّ تصانيفه في هذا الوقت تكون أربعة آلاف كراس وأكثر، وفسَّرَ كتاب الله تعالى مدة سنين من صدره أيام الجُمَع، وكان يتوقد ذكاءً، وسماعاته من الحديث كثيرة، وشيوخه أكثر من مئتي شيخ، ومعرفته بالتفسير إليه المنتهى، وحفظه للحديث ورجاله وصحيحه وسقيمه مما لا يُلْحَقُ فيه، وأما نقلُه للفقه ولمذاهب الصحابة والتابعين، فضلاً عن مذاهب الأربعة، فليس فيه نظير، وأما معرفته بالملل والنحل، والأصول والكلام فلا أعلم له فيه مثيلاً، ويدري جملة صالحة من اللغة، وعربيته قوية جدًا، وأما معرفته بالتاريخ والسِّيَر فعجب عجيب.
قال: فإذا ذُكر التفسير، فهو حامل لوائه، وإن عُدَّ الفقهاء، فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا، واستزيد وأبلسوا، واستغنى وأفلسوا.
وإن سُمِّي المتكلمون، فهو فَرْدُهم وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة، فلَّسَهُمْ وبخسهم وهتك أستارهم، وكشف عوارهم.
وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة.
وهو أعظم من أن تصفه كلمي، أو تبينه إشارة قلمي.
وقال في مكان آخر:
- وله خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث، وبالعالي والنازل، وبالصحيح والسقيم، مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، فلا يبلغ أحد في العصر رتبته، ولا يقاربه، وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى "الكتب الستة" و"المسند" بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث ولكن الإحاطة لله، غير أنه يغترف فيه من بحر، وغيره يغترف من السواقي.
وقال أيضًا: كان يقضى منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف واستدل ورجح، وكان يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه.
قال: وما رأيت أسرع انتزاعًا للآيات الدَّالة على المسألة التي يوردها منه، ولا أشدَّ استحضارًا للمتون وعزوها منه، كأنَّ السنة نصب عينيه، وعلى طرف لسانه، بعبارة رشيقة وعين مفتوحة..
ومن خالطه وعرفه قد ينسبني إلى التقصير فيه، ومن نابذه وخالفه قد ينسبني إلى التغالي فيه، وقد أوذيت من الفريقين من أصحابه وأضداده..
وكان أبيض، أسود الرأس واللحية، قليل الشيب، شعره إلى شحمة أذنيه، كأن عينيه لسانان ناطقان، ربعة من الرجال، بعيد ما بين المنكبين، جهوري الصوت فصيحًا، سريع القراءة، تعتريه حدة لكن يقهرها بالحلم...
وقال: تعتريه حدة في البحث وغضب تزرع له عداوة في النفوس.
كتب الذهبي إلى السبكي يعاتبه بسبب كلام وقع منه في حق ابن تيمية فأجابه:
وأما قول سيدي في الشيخ تقي الدين، فالمملوك يتحقق كبير قدره، وزخارة بحره، وتوسعه في العلوم النقلية والعقلية، وفرط ذكائه واجتهاده وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف، والمملوك يقول ذلك دائمًا، وقدره في نفسي أكثر من ذلك وأجل، مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه، لا لغرض سواه، وجريه على سنن السلف، وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى، وغرابة مثله في هذا الزمان، بل من أزمان.
وقال ابن سيد الناس:
- إنه برَّز في كلِّ فنٍّ على أبناء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه.
محنة ابن تيمية:
بدأت محنة شيخ الإسلام لما تمَّت أدواته، وشاعت فتاويه في مسائل وجد منها حساده مدخلاً لهم، فناقشوه وكفّروه وبدّعوه، واعتقله الولاة وغرّبوه.
وكان منذ سنة تسع وتسعين وست مئة ظهرت شخصيته السياسية في البلاد، وبدأ تعويل الأمة عليه في دفع أعدائها عنها في نوبة (غازان) فقام بأعباء الأمر بنفسه، واجتمع بنائبه وجرؤ على المغول، وتوجّه بعد ذلك بعام إلى الديار المصرية لما اشتد الأمر بالشام من المغول، واستصرخ بأركان الدولة، وحضّهم على الجهاد، ثم عاد بعد أيام إلى دمشق، وظهر اهتمامه بجهاد التتار، وتحريضه الأمراء على ذلك إلى ورود الخبر بانصرافهم، وقيامه القيام المحمود في وقعة (شقحب) سنة اثنتين وسبعمائة واجتماعه بالخليفة والسلطان، وأرباب الحلّ والعقد، وتحريضهم على الجهاد.
ثم توجهه في آخر سنة أربع وسبع مئة لقتال الكسروانيين واستئصال شأفتهم.
ثم مناظرته للمخالفين في سنة خمس في المجالس التي عقدت له بحضرة نائب السلطنة الأفرم، وظهوره عليهم بالحجة والبيان، ورجوعهم إلى قوله طائعين ومكرهين.
ثم توجهه بعد ذلك في السنة المذكورة إلى الديار المصرية، في صحبة قاضي القضاة الشافعية، وعقدهم له مجلسًا حين وصوله بحضور القضاة وأكابر الدولة، ثم حبسه في الجبِّ بقلعة الجبل، ومعه أخواه سنة ونصفًا.
ثم إخراجه بعد ذلك، وعقدهم له مجلسًا ظهر فيه على خصومه، ثم عقدهم له مجلسًا سنة سبع لكلامه في طريقة الاتحادية ثم الأمر بتسفيره إلى الشام على البريد، ثم الأمر بردِّه من مرحلة وسجنه بحبس القضاة سنة ونصفًا، ثم إخراجه منه وتوجيهه إلى الإسكندرية، وجعله في برج، حبس فيه ثمانية أشهر.
ثم توجهه إلى مصر واجتماعه بالسلطان في مجلس ضم القضاة وأعيان الأمراء وإكرامه له إكرامًا عظيمًا ومشاورته له في قتل بعض أعدائه، وامتناع الشيخ عن ذلك.
ثم سكناه القاهرة، ثم توجهه إلى الشام، ثم ملازمته بدمشق لنشر العلوم وتصنيف الكتب وإفتاء الخلق.
إلى أن تكلم بمسألة الحلف بالطلاق، فأشار عليه بعض القضاة بترك الإفتاء بها في سنة ثماني عشرة (وسبع مئة)، فقبل إشارته دفعًا للفتنة، ثم ورد كتاب السلطان بعد أيام بالمنع من الفتوى بها، ثم عاد الشيخ إلى الإفتاء بها وقال:
"لا يسعني كتمان العلم"
وبقي كذلك مدة إلى أن حبسوه بالقلعة خمسة أشهر وثمانية عشر يومًا، ولم يزل على عادته من الاشتغال والتعليم.
إلى أن ظفروا له بجواب يتعلق بمسألة شدِّ الرحال إلى قبور الأنبياء والصالحين، وكان أجاب به من نحو عشرين سنة، فشنعوا عليه بسبب ذلك، وورد مرسوم السلطان في شعبان من سنة ست وعشرين بجعله في القلعة، فأخليت له قاعة حسنة وأقام فيها ومعه أخوه يخدمه، فكتب في المسألة التي حبس بسببها مجلدات عديدة وظهر بعض ما كتبه واشتهر، وآل الأمر إلى أن منع من الكتابة والمطالعة، وأخرجوا ما عنده من الكتب، ولم يتركوا له دواة ولا قلمًا ولا ورقًا، وكتب عقيب ذلك بفحم. وكان إخراج الكتب من عنده من أعظم النقم، وبقي أشهرًا على ذلك، وأقبل على التلاوة والعبادة والتهجد حتى أتاه اليقين.
* * *
هذا مجمل ما قيل في حال شيخ الإسلام، ومع ما حاول أعداؤه أن ينغصوا عيشه، دأب في كل زمن على التأليف، فألف ثلاث مئة مجلد وكلها في الشرع، وفي حلّ مسائل عويصة من الدين تقرأ فيما وصلنا منها مثالاً من علمه النفيس، وعمله الذي عقمت القرون أن يأتي رجل بما يماثله.
كثرت تآليفه؛ لأنه كان يؤلف من صدره، حفظ الكتاب والسنة وما دُوِّنَ في شروحهما، وما قاله العلماء في تفسيرهما، وقد ساعدته كثرة محفوظه، وفيض خاطره، وسعة بيانه على تدوين حقائق لم يُكتب لعالم مثله في موضوعه، ولو لم يكن له إلاَّ "منهاج السنة" لكفاه على الأيام فخرًا لا يبلى، ففيه مثال من علمه وقوة حجته، ومعرفته بالملل والنحل، وإذا قلنا: إنه لم يؤلَّفْ نظيرُه في الردّ على المخالفين لأهل السنة، لصدّقنا كل منصف من أهل القبلة.
وكتاب "منهاج السنة" من أصح الشهادات على علو كعبه في معرفة الشرع وما تقلَّب عليه، وما حاول بعض أهل الأهواء من العبث به، وفيما أورده الموافقون والمخالفون من صحيح الآراء وبهرجها، وكان عنوان مداركه الواسعة بتاريخ الإسلام، وتاريخ الملل والنحل.
ولو ادعينا: أنه لم يأت عالم (مثله) يعرف ما طرأ على الدين ومذاهب أهله فيه ساعة ساعة ويومًا يومًا ما قدر أحد على رد دعوانا.
اعتقلوه في القاهرة والإسكندرية أشهرًا لم تمنعه عن التأليف والتدريس والوعظ، وما حالوا دون إعجاب المنصفين من العلماء به وقول الحق فيه، ولا دون تقديس الأمة له يوم موته، وهي التي عرفته سبّاقًا إلى كل خير يقصد منه صلاح دنياها ودينها، وكان له في انتصار دولة المماليك على التتار اليد الطولى التي لا تنكر، ودلَّ أنه في السياسة كما هو في الدين إمام عظيم، وأن الدين لا ينفصل عن السياسة في نظره.
وما سُمع لأحد علماء الدين في عصره صوتٌ مثلُ صوته، في إحقاق الحق، ونصرة سلطان الإسلام.
ونسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى، فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه، فكان ذلك مؤكدًا لطول سجنه.
ولم يرض يوم عَقد الصلح مع التتار أن يتخلى عن الأسرى من النصارى واليهود، وقال:
"إنهم ذمتنا ولا بد من إرجاعهم إلى ديارهم".
وكم له من مثل هذه الحسنات التي أصبحت كأنها قواعد من قواعد الشرع والسياسة، لا يستغني عنها خليفة ولا سلطان.
إن استعانة خصوم ابن تيمية بقوة رجال الدولة في مسألة شدِّ الرحال إلى قبور الأنبياء والأولياء والصالحين، وفي غير ذلك من البدع التي أقروها، والشريعة تنكرها إنكارًا ظاهرًا!! كما يفهم من آي الكتاب العزيز، وهدي الصحابة والتابعين والعلماء العاملين، واغتباطهم بما ظنوه ظفرًا لهم، في تلك المعركة الشديدة- قد كان من نتائجه مسخ الشريعة عند المتأخرين، وبقيت الأمة على إقرار الخرافات والبدع، إلى يوم الناس هذا في بلاد المسلمين كافة، وكأنهم اخترعوا شريعة أخرى، استمالوا بها العوام ومزجوها بالشريعة الأصلية، رغم أنوف الخواص فركبوا عار الأبد، ولُعنوا بما بدّلوا وحرّفوا، وهو لم يأت ببدع، وهم سلّموا بكل البدع، فكان العالم العامل حقًا، وكانوا عبدة أوهام وضلالات.. أراد شرعًا نقيًا من الأدران، وهم تساوت عندهم النقاوة والنفاية؛ لأنهم يقصدون بمناقشاتهم الظهور، وكسب قلوب الغوغاء على أي حال.
لو عمّتْ دعوة ابن تيمية - ولدعوته ما يماثلها في المذاهب الإسلامية ولكنها عنده كانت حارة، وعند غيره فاترة - لسلم هذا الدين من تخريف المخرفين على الدهر، ولما سمعنا أحدًا في الديار الإسلامية يدعو لغير الله، ولا ضريحًا تشدُّ إليه الرحال بما يخالف الشرع، ولا يعتقد بالكرامات على ما ينكره دين أتى للتوحيد لا للشرك، ولسلامة العقول لا للخبال والخيال.
وكان الملك الناصر صاحب مصر يرفع من مقام ابن تيمية كثيرًا، وأراد أن يقتل من أفتوا بخلعه من العلماء، وحثه على أن يفتيه في قتل بعضهم، فأنكر أن ينال أحدًا منهم بسوء، وقال له:
- إذا قتلت هؤلاء لا تجد بعضهم مثلهم.
فقال له:
- إنهم آذوك وأرادوا قتلك مرارًا.
فقال الشيخ:
- من آذاني فهو في حلّ، ومن آذى الله ورسوله فالله ينتقم منه، أنا لا أنتصر لنفسي.
وما زال به حتى حلم عنهم السلطان وصفح.
فعل هذا ابن تيمية وخصومه يقولون:
- يجب التضييق عليه إن لم يقتل، وإلا فقد ثبت كفره.
ونحن نقول:
- إن هذا هو الفرق العظيم بين أخلاقه وأخلاق مشاكسيه، ثم كانوا ممن يهتمون لدنياهم ومظاهرهم، وهو كان يهتم للأخرى فقط، وشتان بين المطلبين.
كان يهتم لنظر الدين والقضاء على البدع بقلبه ولسانه وقلمه، وهمهم أن يرضى عنهم السلطان فيبقيهم في مناصبهم ويستميلوا العامة فيقبّلوا أيديهم.
هو يقول لنائب قلعة دمشق في فتنة غازان:
- لو لم يبق فيها إلا حجر واحد، فلا تسلمهم ذلك إن استطعت.
فسلمت القلعة من أذى التتار، وكان يدور كل ليلة على الأسوار يحرض الناس على الصبر والقتال، ويتلو عليهم آيات الجهاد والرباط.
وكذلك كان شأنه في وقعة شقحب، وكان يعد المسلمين بالنصر هذه المرة، ويؤكد كلامه في ذلك حتى نُصروا على عدوهم.
وفي قتال الجرديين والكسروانيين، أبان أيضًا عن سياسة رشيدة، وأرجع بعض الناشزين من أهلها إلى الإسلام.
من أهم المسائل التي حاول حساد ابن تيمية أن ينالوا بها منه: مسألة شدِّ الرحال إلى قبور الصالحين وغيرهم.
قال ابن كثير:
- إن جواب ابن تيمية في هذه المسألة ليس فيه منع زيارة قبور الأنبياء، والصالحين، وإنما فيه ذكر قولين في شدِّ الرحل والسفر إلى مجرد زيارة القبور.
وزيارة القبور من غير شدِّ رحل إليها مسألة، وشدّ الرحل لمجرد الزيارة مسألة أخرى.
والشيخ لم يمنع الزيارة الخالية عن شدِّ رحل بل يستحبها، ويندب إليها وكتبه ومناسكه تشهد بذلك، ولم يتعرض إلى هذه الزيارة في هذا الوجه في الفتيا، ولا قال: إنها معصية، لا حكى الإجماع على المنع منها، ولا هو جاهل قول الرسول صلى الله عليه وسلم:
"زوروا القبور فإنها تذكّركم الآخرة".
وثار عليه مرة جماعة من الحسدة، وشكوا منه أن يقيم الحدود، ويعزر، ويحلق الرؤوس أيضًا، وتكلم هو فيمن يشكو منه ذلك وبيَّنَ خطأهم.
وراح مرة في ثلة من أصحابه ومعهم حجّارون وأمرهم بقطع صخرة، كانت بنهر قلوط بدمشق تزار وينذر لها، فقطعها وأراح المسلمين منها ومن الشرك بها، فأزاح عن المسلمين شبهة كان شرها عظيمًا.
وله اختيارات كثيرة في مجلدات عديدة أفتى فيها بما أدى إليه اجتهاده، واستدلَّ على ذلك من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والسلف.
قال ابن كثير:
- وبهذا، وأمثاله حسدوه وأبرزوا له العداوة، وكذلك بكلامه بابن عربي وأتباعه فحسد على ذلك وعودي، ولم يصلوا إليه بمكروه، وإنما أخذوه وحبسوه بالجاه.
قال: ولم يزل الشيخ ملازمًا الاشتغال في العلوم، ونشر العلم، وتصنيف الكتب، وإفتاء الناس بالكلام والكتابة المطولة والاجتهاد في الأحكام الشرعية.
ففي بعض الأحكام يفتي بما أدى إليه اجتهاده من موافقة أئمة المذاهب الأربعة، وفي بعضها يفتي بخلافهم وبخلاف المشهور في مذاهبهم.
وجمعوا الحنابلة من صالحية دمشق وغيرها، وأشهدوا على أنفسهم أنهم على معتقد الإمام الشافعي.



قال الصلاح الصفدي: كان كثيرًا ما ينشدني:
تَـموتُ النـفوس بأوصابها

ولم يـدرِ عُوَّادُها مـا بها
ومـا أنصفتْ مُهجةٌ تشتكي

أذاهـا إلى غـير أحـبابها
وأنشد على لسان الفقراء (جماعة الطرق):
واللهِ مـا فَقرُنا اختيارُ

وإنمـا فـقرنا اضطرارُ
جمـاعةٌ كلُّـنا كُسالى

وأكـلُنا مـا لـه عِيار
تَسمعُ منا إذا اجتمعنـا

حـقـيقةً كلها فَشـَار





من حديث الإذاعة



مِمَّا حدث لي([35])


الشيخ علي الطنطاوي
أنا رجل يتصورني القرّاء من بعيد (شيئًا) أكبر من حقيقتي، فلماذا أفضح نفسي عندهم؟ وعم أتحدث إليهم؟ والأحاديث كثيرة، وما حدث لي يملأ كتبًا؟
ثم قلت: لماذا لا أتحدث عن هذا. عن حقيقتي في نفسي وصورتي عند القراء. ولي في هذا الباب طرائف عجيبة. وأنا أكتب منذ أكثر من عشرين سنة في جرائد الشام ومجلات مصر ولبنان كتابة شيخ مكتهل، فكان القراء يحسبونني شيخًا، أشيب الشعر، محني الظهر، يدبّ دبيبًا، وعلى وجهه من كتابة الأيام والتجارب سطور من (الأخاديد) فوق سطور، وما كنت أحب أن أذيع هذه الطرائف؛ لأنها لا تنفع السامعين، وإن كانت قد تلذ لهم. ولكن المحطة أرادت أن أحدث المستمعين عن بعض ما حدث لي مضحكًا كان أم غير مضحك. ولا بأس فالضحك ينفع الجسم ويدفع الدم، ويزيد الشهية، أما المصيبة أن تجيء النكتة باردة لا تضحك، أو أن أكون ثقيلاً يتخفف، والثقيل إذا تخفف صار طاعونًا... والعياذ بالله.
سيداتي وسادتي!! مما وقع لي:
أن جاءني مرة -وكنت في عنفوان الشباب أكتب في أوائل كتاباتي في الرسالة (عام 1933)- ثلاثة من الغرباء عن البلد، لم يعجبني شكلهم، ولم يطربني قولهم، فوقفت على الباب أنظر إليهم فأرى الشكل يدلّ على أنهم غلاظ، وينظرون إليّ فيرون فيّ (ولدًا)،
فقالوا: هذه دار فضيلة الشيخ الطنطاوي؟
قلت كارهًا: نعم.
فقالوا: الوالد هنا؟
قلت: لا.
قالوا: فأين نلقاه؟
قلت: في مقبرة الدحداح، على الطريق المحاذي للنهر من جهة الجنوب.
قالوا: يزور أمواته؟
قلت: لا.
قالوا: إذن؟
قلت: هو الذي يزار.
فصرخ أحدهم في وجهي صرخة أرعبتني، وقال: مات؟ كيف مات؟
قلت: جاء أجله فمات.
قالوا: عظم الله أجركم، إنا لله وإنا إليه راجعون، يا خسارة الأدب.
قلت: إن والدي كان من جلّ أهل العلم، ولكن لم يكن أديبًا.
قالوا: مسكين أنت لا تعرف أباك.
وانصرفوا وأغلقت الباب وطفقت أضحك وحدي مثل المجانين، وحسبت المسألة قد انتهت، فما راعني العشية إلا الناس يتوافدون عليّ فأستقبلهم، فيجلسون صامتين إن كانوا لا يعرفون شخصي، ومن عرفني ضحك وقال: ما هذه النكتة السخيفة؟
قلت: أي نكتة؟
فأخرج أحدهم الجريدة وقال: هذه؟ هل تتجاهل؟
فأخذتها وإذا فيها نعي الكاتب الـ … كذا وكذا.. علي الطنطاوي… هذه واحدة‍.

ومما حدث لي أنني:
لما كنت أعمل في العراق سنة 1936 نقلت مرة من بغداد إلى البصرة إثر خصومة بيني وبين مفتش دخل علي الفصل فسمع الدرس. فلما خرجنا (نافق) لي، وقال: إنه معجب بكتاباتي وفضلي. (ونافقت) له، فقلت: إني مكبر فضله وأدبه. وأنا لم أسمع اسمه من قبل. ثم شرع ينتقد درسي فقلت: ومن أنت يا هذا؟ وقال لي وقلت له..
وكان مشهدًا طريفًا أمام التلاميذ، رأوا فيه مثلاً أعلى من (تفاهم) أخوين، وصورة من التهذيب والأخلاق، ثم كتبت عنه مقالة كسرت بها ظهره، فاستقال و(طار) إلى بلده، ونقلت أنا عقوبة إلى البصرة.
وصلت البصرة فدخلت المدرسة، فسألت عن صف (البكالوريا) بعد أن نظرت في لوحة البرنامج ورأيت أن الساعة لدرس الأدب. توجهت إلى الصف من غير أن أكلم أحدًا أو أعرفه بنفسي.
فلما دنوت من باب الصف وجدت المدرِّس، وهو كهل بغدادي على أبواب التقاعد، يخطب التلاميذ يودعهم وسمعته يوصيهم (كرمًا منه) بخلفه الأستاذ الطنطاوي، ويقول هذا وهذا ويمدحني... فقلت: إنها مناسبة طيبة لأمدحه أنا أيضًا وأثني عليه، ونسيت أني حاسر الرأس، وأني من الحرّ أحمل معطفي على ساعدي وأمشي بالقميص بالأكمام القاصر، فقرعت الباب قرعًا خفيفًا، وجئت أدخل. فالتفت إليّ وصاح بي: ايه زمال وين فايت؟ (والزمال الحمار في لغة البغداديين) فنظرت لنفسي هل أذناي طويلتان؟ هل لي ذيل؟… فقال: شنو؟ ما تفتهم (تفهم) أما زمال صحيح. وانطلق بـ (منولوج) طويل فيه من ألوان الشتائم ما لا أعرفه وأنا أسمع مبتسمًا.
ثم قال: تعال لما نشوف تلاميذ آخر زمان. وقف احك شو تعرف عن البحتري. حتى تعرف إنك زمال ولاّ لأ؟
فوقفت وتكلمت كلامًا هادئًا متسلسلاً، بلهجة حلوة، ولغة فصيحة. وبحثت وحلّلت وسردت الشواهد وشرحتها، وقابلت بينه وبين أبي تمام وبالاختصار، ألقيت درسًا يلقيه مثلي، والطلاب ينظرون مشدوهين، ممتدة أعناقهم، محبوسة أنفاسهم، والمدرِّس المسكين قد نزل عن كرسيه وانصبّ أمامي، وعيناه تكادان تخرجان من محجريهما من الدهشة، ولا يملك أن ينطق ولا أنظر أنا إليه كأني لا أراه حتى قرع الجرس.
قال: من أنت؟ ما اسمك؟
قلت: علي الطنطاوي.
وأدع للسامعين الكرام أن يتصوروا موقفه.
والبصرة (بندقية العرب) فيها مع كل شارع قناة. فأنت إن شئت انتقلت بحرًا، وإن شئت سرت برًا، وفيها شط العرب، لا يعدل جمالَه -وأنت تخطر فيه العشية بهذه الزوارق الحلوة- مكان في الدنيا. والبصرة كانت دار الأدب، ومثابة الشعر ومنبع العربية، وتاريخها تاريخ البيان العربي، ولكن أيامي في البصرة، كانت شقاء دائمًا، وكانت إزعاجًا مستمرًا. ولي فيها أحاديث مضحكات، وأحاديث مبكيات، ولولا أن أجاوز هذه الدقائق التي منحتني إياها المحطة لعرضت لأحاديثها.
ولكن لا، ولك أيتها الإذاعة الشكر على أن حددت الوقت، فتركتني أتعلل بذكريات أمسي وحدي، وأن أعيش في ماضي على هواي، لا يراقبني المستمعون ولا يشاركني لذة الادكار أحد.




من الفن القصصي



(النمور في اليوم العاشر) ([36])



قصة زكريا تامر
رحلت الغابات بعيدًا عن النمر السجين في قفص، ولكنه لم يستطع نسيانها، وحدَّق غاضبًا إلى رجال يتحلقون حول قفصه وأعينهم تتأمله بفضول ودونما خوف، وكان أحدهم يتكلم بصوت هادئ ذي نبرة آمرة:
إذا أردتم حقًا أن تتعلموا مهنتي، مهنة الترويض، عليكم ألا تنسوا في أي لحظة أن معدة خصمكم هدفكم الأول، وسترون أنها مهمة صعبة وسهلة في آن واحد. انظروا الآن إلى هذا النمر، إنه نمر شرس متعجرف، شديد الفخر بحريته وقوته وبطشه، ولكنه سيتغير ويصبح وديعًا ومطيعًا كطفل صغير، فراقبوا ما سيجري بين من يملك الطعام وبين من لا يملكه، وتعلموا.
فبادر الرجال إلى القول إنهم سيكونون التلاميذ المخلصين لمهنة الترويض، فابتسم المروِّض مبتهجًا، ثم خاطب النمر متسائلاً بلهجة ساخرة: كيف حال ضيفنا العزيز؟
قال النمر: أحضر لي ما آكله، فقد حان وقت طعامي.
فقال المروِّض بدهشة مصطنعة: أتأمرني وأنت سجيني؟ يالك من نمر مضحك! عليك أن تدرك أني الوحيد الذي يحق له هنا إصدار الأوامر.
قال النمر: لا أحد يأمر النمور.
قال المروِّض: ولكنك الآن لست نمرًا. أنت في الغابات نمر. أما وقد صرت في القفص فأنت الآن مجردعبد تمتثل للأوامر وتفعل ما أشاء.
قال النمر بنزق: لن أكون عبدًا لأحد.
قال المروِّض: أنت مرغم على إطاعتي؛ لأني أنا الذي أملك الطعام.
قال النمر: لا أريد طعامك.
قال المروِّض: إذن جع كما تشاء، فلن أرغمك على فعل ما لا ترغبفيه.
وأضاف مخاطبًا تلاميذه: سترون كيف سيتبدل، فالرأس المرفوع لا يشبع معدةجائعة.
وجاع النمر، وتذكر بأسى أيام كان فيها ينطلق كريح دون قيود مطاردًا فرائسه.
وفي اليوم الثاني
أحاط المروِّض وتلاميذه بقفص النمر، وقال المروِّض: ألست جائعًا؟ أنت بالتأكيد جائع جوعًا يعذب ويؤلم، قل إنك جائع فتحصل على ماتبغي من اللحم.
ظل النمر ساكتًا.
فقال المروِّض له: افعل ما أقول ولا تكن أحمق. اعترف بأنك جائع فتشبع فورًا.
قال النمر: أنا جائع.
فضحك المروِّض، وقال لتلاميذه: ها هو ذا قد سقط في فخ لن ينجو منه. وأصدر أوامره، فظفر النمربلحم كثير.

وفي اليوم الثالث
قال المروِّض للنمر: إذا أردت اليوم أن تنال طعامًا فنفذ ما سأطلب منك.
قال النمر: لن أطيعك.
قال المروِّض: لا تكن متسرعًا فطلبي بسيط جدًا. أنت الآن تحوص في قفصك، وحين أقول لك: قف،فعليك أن تقف.
قال النمر لنفسه: إنه فعلاً طلب تافه، ولا يستحق أن أكون عنيدًاوأجوع.
وصاح المروِّض بلهجة قاسية آمرة: قف.
فتجمد النمر توًّا.
وقال المروِّضبصوت مرح: أحسنت.
فسر النمر، وأكل بنهم، بينما كان المروِّض يقول لتلاميذه: سيصبح بعد أيام نمرًا من ورق.

وفي اليوم الرابع
قال النمر للمروض: أنا جائع؛فاطلب مني أن أقف.
فقال المروِّض لتلاميذه: ها هو ذا قد بدأ يحب أوامري.
ثم تابع موجهًا كلامه إلى النمر: لن تأكل اليوم إلا إذا قلّدت مواء القطط.
فكظم النمر غيظه. وقال: سأتسلى إذا قلّدت مواء القطط.
وقلّد مواء القطط، فعبس المروِّض، وقال باستنكار: تقليدك فاشل. هل تعد الزمجرة مواء؟!
فقلّد النمر ثانية مواء القطط، ولكن المروِّض ظل متجهم الوجه، وقال بازدراء: اسكت اسكت. تقليدك مازال فاشلاً. سأتركك اليوم تتدرب على مواء القطط، وغدًا سأمتحنك، فإذا نجحت أكلت أما إذا لم تنجح فلن تأكل.
وابتعد المروِّض عن قفص النمر وهو يمشي بخطى متباطئة، وتبعه تلاميذه وهم يتهامسونمتضاحكين.
ونادى النمر الغابات بضراعة، ولكنها كانت نائية.

وفي اليومالخامس
قال المروِّض للنمر: هيا، إذا قلّدت مواء القطط بنجاح نلت قطعة كبيرة مناللحم الطازج.
قلّد النمر مواء القطط، فصفق المروِّض، وقال بغبطة: عظيم أنت! تموء كقط في شباط.
ورمى إليه بقطعة كبيرة من اللحم.

وفي اليوم السادس
ما إن اقترب المروِّض من النمر حتى سارع النمر إلى تقليد مواء القطط، ولكن المروِّضظل واجمًا مقطب الجبين، فقال النمر: ها أنا قد قلّدت مواء القطط.
قال المروِّض: قلّد نهيق الحمار.
قال النمر باستياء: أنا النمر الذي تخشاه حيوانات الغابات، أُقلّد الحمار؟، سأموت ولن أنفذ طلبك!.
فابتعد المروِّض عن قفص النمر دون أن يتفوه بكلمة.

وفي اليوم السابع
أقبل المروِّض نحو قفص النمر باسم الوجه وديعًا، وقال للنمر: ألا تريد أن تأكل؟
قال النمر: أُريد أن آكل.
قال المروِّض: اللحم الذي ستأكله له ثمن، انهق كالحمار تحصل على الطعام.
فحاول النمر أن يتذكر الغابات، فأخفق، واندفع ينهق مغمض العينين.
فقال المروِّض: نهيقك ليس ناجحًا، ولكني سأعطيك قطعة من اللحم إشفاقًا عليك.

وفي اليوم الثامن
قال المروِّض: سألقي مطلع خطبة، وحين سأنتهي صفق إعجابًا.
قال النمر: سأصفق.
فابتدأ المروِّض إلقاء خطبته، فقال: (أيها الناس... سبق لنا في مناسبات عديدة أن أوضحنا موقفنا من كل القضايا المصيرية، وهذا الموقف الحازم الصريح لن يتبدل مهما تآمرت القوى المعادية، وبالإيمان سننتصر).
قال النمر: لم أفهمما قلت.
قال المروِّض: عليك أن تعجب بكل ما أقول، وأن تصفق إعجابًا به.
قال النمر: سامحني أنا جاهل أُمي، وكلامك رائع، وسأصفق كما تبغي. وصفقالنمر.
فقال المروِّض: أنا لا أحب النفاق والمنافقين ستحرم اليوم من الطعام عقابًا لك.

وفي اليوم التاسع
جاء المروِّض حاملاً حزمة من الحشائش، وألقى بها للنمر، وقال: كل.
قالالنمر: ما هذا؟ أنا من آكلي اللحوم.
قال المروِّض: منذ اليوم لن تأكل سوىالحشائش.
ولما اشتد جوع النمر حاول أن يأكل الحشائش فصدمه طعمها وابتعد عنها مشمئزًا، ولكنه عاد إليها ثانية، وابتدأ يستسيغ طعمها رويدًا رويدًا.

وفي اليومالعاشر
اختفى المروِّض وتلاميذه، والنمر والقفص، فصار النمر إنسانًا والقفص مدينة.




من الأدب المسرحي



مسرحية مسرحية مسرحية


مؤلف مؤلف










من النثر الحديث



تعلّمت من أوقات الفراغ


للأستاذ: عباس محمود العقاد
أوقات العمل تملكنا، ولكن نحن الذين نملك أوقات الفراغ، ونتصرّف فيها كما نريد؛ فهي من أجل هذا ميزان قدرتنا على التصرّف، وميزان معرفتنا بقيمة الوقت كلّه.

ساعات الفراغ مقياس معرفتنا بأهمية الوقت كلّه؛ لأننا لسنا أحرارًا في ساعات العمل، في حين نملك التصرف في ساعات الفراغ كما نريد؛ فهي من أجل هذا مقياس دقيق لقدرتنا على التحكم بالوقت.

وليست قيمة الوقت إلاّ قيمة الحياة؛ فالذي يعرف قيمة وقته يعرف قيمة حياته، ويستحقّ أن يحيا، وأن يملك هذه الثروة التي لا تساويها ثروة الذهب؛ لأنّ مالك وقته يملك كلّ شيء، ويصبح في حياته سيّد الأحرار.





إنّ أفرغ النّاس هو الذي يستطيع أن يملأ ساعات فراغه، وعندنا في الشرق كثيرون، بل كثيرون جدًا من هؤلاء الفارغين، على القهوات، وعلى أفاريز الطرقات، في الصباح وفي المساء، خلال الصيف وخلال الشتاء، في كلّ وقت، وكلّ موسم، وكلّ مكان، ألوفٌ من الشبان الأقوياء والرجال الناضجين، يقضون ساعات الفراغ في لعب النردِ والورق، أو تعاطي الراح والدخان، أو في مراقبةِ الغادين والغاديات، والرائحين والرائحات، ليس هذا وقتًا فارغًا؛ لأنّهم مشغولون فيه، وليس هذا وقتًا مملوءًا؛ لأنّهم يملؤونه بما هو أفرغ من الفراغ، هذا ليس بوقت على الإطلاق، هذا عدمٌ خارجٌ من الزمان، خارجٌ من الحياة!


وليس معنى "وقت الفراغ" أنّه الوقت الذي نستغني عنه، ونبدّده ونرمي به مع الهباء، ولكن وقت الفراغ هو الوقت الذي بقي لنا لنملكه، ونملك أنفسنا فيه، بعد أن قضينا وقت العمل مملوكين مسخرين لما نزاوله من شواغل العيش وتكاليف الضرورة.





قرأت مرّةً في تاريخ أمريكا الشمالية أنّ الإنجليز والفرنسيين تسابقوا على استعمار "كندا"، فنجح الإنجليز حيث أخفق الفرنسيون.. لماذا؟
زعموا في تعليل ذلك - وأصابوا - أنّ استعمار القفار من الأرض البور يحتاج إلى قضاء الأوقاتِ الطوال في عزلة عن المدن الحافلة، وأنّ الإنجليز نجحوا في استعمار تلك الأرض؛ لأنّهم يستطيعون أن يقضوا أوقات الفراغ منفردين منعزلين، وأنّ الفرنسي لا يطيق العزلة، ولا يحتمل أن يفرغ لنفسه، ولا يزال في شوق إلى المدينة لقضاء السهرات والأصائل بين الناس في الأندية والمجتمعات، فترك ميدان الخلاء لمن هم قادرون عليه.
ويصدق علينا في الشرق ما يصدق على الفرنسيين؛ فإنّ الإنسان منّا لا يستطيع أن يجد في نفسه ما يشغله ساعة فراغ، ولا يحسّ بفراغ من الوقت حتّى يلوذ بالطرقات والقهوات، ولا يهتدي بعد البحث الطويل في أعماق ضميره، وأطواء دماغه إلى شيء يملأ به ذلك الفراغ.
إنّ قصارى ما أصاب الفرنسيين من هذه الخصلة أنّهم أخفقوا في استعمار "كندا"؛ فالأمر معنا أخطر وأعظم، فلعلّنا لم نذهب فريسة الاستعمار، إلاّ لأنّنا فارغون، وأنّنا لا نجد في نفوسنا ما ننطوي عليه!






قيل عن أهل (إسبرطة): إنّهم كانوا ينبذون الطفل الضعيف في العراء، وإنّهم كانوا يمتحنون قوّة الأطفال بوضعهم في إناء مملوءٍ بالنبيذ، فمن بقي منهم مفيقًا بعد هذه التجربة أبقوه، واستحقَ عندهم عناء التربية، ومن ظهر عليه التخدّر والسبات أهملوه ونبذوه،
ولو أنّني أردت امتحان الأقوياء من الرجال لما تركتهم فترةً في آنيةِ النبيذ، بل تركتهم فترات في مكان مغلق يقضون فيه ساعات فراغهم، فمن صبر على هذه الساعات فهو رجلٌ ملآن بقوّة الفكر، وقوّة الخلق، وقوّة الاحتمال، ومن لم يصبر عليها فهو الفارغ الذي لا خير فيه.






ماذا نتعلم من ساعات الفراغ؟ نتعلّم كلّ شيء، ولا نتعلّم شيئًا من الحوادث أو الكتب أو الأعمال إلاّ احتجنا بعده أن نتعلّمه مرّة أخرى في وقت فراغ؛ فالمعارف التي نجمعها من التجارب والكتب محصولٌ نفيس، ولكنّه محصولٌ لا يفيدنا ما لم نغربله، ونوزعه على مواضعه من خزائن العقل والضمير، ولن تتيسّر لنا هذه الغربلة وهذا التوزيع في غير أوقات الفراغ.
إنّ معارف التجربة والاطلاع زرع في حقله ينتظر الحصاد والجمع والتخزين، ولا فائدة للحرث والسقي والرعاية ما لم تأت بعد ذلك ساعة التخزين، وهي ساعة الفراغ، ساعة هي ألزم لنا من ساعات العمل؛ لأنّ العمل كلّه موقوفٌ عليها في النهاية، فلا ثمرة لأعمال الحياة بغير فراغ الحياة.
ولولا أنّنا نخشى أن يقدّس النّاس الفراغ، لقلنا إنّ تاريخ الإنسانية من أوّله إلى عهده الحاضر مدينٌ لساعات الفراغ؛ لقد عرف التاريخ الإنساني أقوامًا فارغين جنوا عليه بفراغهم أشنع الجناياتِ، ودفعوا به إلى الحرب تارةً، وإلى الفتنةِ تارة أخرى؛ لأنّهم وجدوا أمامهم متّسعًا من الفراغ يعيشون فيه، ولكنّنا –حتّى مع هذا– لا نستغني عن ثمرات ذلك الفراغ جميعًا، دون أن نجازف بالجانب الصالح النافع من تاريخ الإنسان.
ماذا يبقى من تاريخ الإنسانية لولا الفارغون الذين اتّسعت أوقاتهم للبذخ والترف بين الحلي والحلل في ظلال القصور؟!. من كان يجوب الأرض ويمخر عباب البحر؛ ليجلب الحرير والبهار، والحجر النفيس والحجر الذي تبنى به الصروح؟ من كان يتعلّم الملاحة؟ من كان يتعلّم صناعةَ السفن؟ من كان يتعلّم النسيج؟ من كان يستخرج اللآلئ أو يبحث عن شذور الذهب والفضة؟ من كان يرسل القوافلَ ويحذق فنون التجارة؟ من كان يرصد النجوم ويدرس حركة الأفلاك في السماء؟ من كان يعرف هذه الأعمال التي يعيش عليها الملايين، لولا ذلك الفراغ الذي تقدّم به الزمن في تواريخ الأمم؟
لقد كان فراغًا ذميميًا في أكثر نواحيه؛ ولكنّه على مذمّته قد أفادنا درسًا خالدًا لا يصحّ أن ننساه، ذلك الدرس الخالد هو حاجةُ النّاس جميعًا إلى أوقاتِ الفراغ؛ فهو شيءٌ لا غنى عنه في حياة أمّة، ولا في حياة أحد .. وحبّذا قضاءُ الفراغ كلّه فيما هو خير، ولكنّنا إذا خيّرنا بين الفراغ بخيره وشره، وبين ضياع الفراغ كلّه لاخترنا أهون الشرين.
إنّ العقلاءَ من أصحاب الأعمال يطلبون اليوم متّسعًا من الفراغ لعمالهم، بعد أن كان طلب الفراغ مقصورًا على العمال، فالعامل الذي يتّسعُ وقته للرياضة ينشط لعمله بعد عودته إليه، والعامل الذي ينفق بعض الوقت ينفق بعض المال فتدور الحركة، حركة البيع والشراء في الأسواق. حسبة من حساب الحرص لا من حساب الإسراف، وحسبة يرضى عنها علم الاقتصاد، ولا يغضبُ عليها علم الأخلاق، والاقتصاد الأعظم بعد هذا وذاك، هو الذي تعلمناه ونتعلّمه من تاريخ الإنسانية من أوله إلى عهده الحاضر.
لا بدَّ من فراغ! ولا بدَّ من فراغٍ نحفظه!
والفراغ الذي نحفظه هو الذي يحفظنا؛ لأنّنا نستخلص فيه خير ما ندّخره من غربلة التجارب والمعارف والعظات.




من النثر الحديث



الدين الصناعي([37])


للأستاذ:أحمد أمين
هل تعرف الفَرْق بين الحرير الطبيعي والحريرالصناعي؟
وهل تعرف الفَرْق بين الأسد وصورةالأسد؟
وهل تعرف الفَرْق بين الدنيا في الخارج والدنياعلى الخريطة؟
وهل تعرف الفَرْق بين عملك في اليقظة وعملك فيالمنام؟
وهل تعرف الفَرْق بين النار أمامك وهي تلتهبوتأتي على كل ما يُقدَّم لها من وقود، وبين نطقك بكلمة النار وهي تجري على لسانكفلا تمسه بسوء؟
وهل تعرف الفَرْق بين إنسان يسعى في الحياة، وبينإنسان من جبس في متجر؛ لتعرض عليه الملابس؟
وهل تعرف الفَرْق بين النائحة الثَّكْلَىوالنائحة المُستأجَرَة، وبين التكحل في العينين والكحل؟
وهل تعرف الفَرْق بين السيف يُمسكه الجنديالمُحارِب وبين السيف الخشبي يُمسكه الخطيب يوم الجمعة؟
وهل تعرف الفَرْق بين الناس في الحياة والناس علىالشاشة البيضاء؟
وهل تعرف الفَرْق بين الصوت والصدى؟
إن عرفتَ ذلك فهو بعينه الفَرْق بين الدين الحقوالدين الصناعي
يكد الباحثون أذهانهم، ويجهد المؤرخون أنفسهم فيتقليب صحفهم ووثائقهم عن تعرف السبب في أن المسلمين أول أمرهم أتوا بالعجائب؛ فغزواوفتحوا وسادوا، والمسلمين في آخر أمرهم أتوا بالعجائب أيضًا؛ فضعفوا وذلواواستكانوا، والقرآن هو القرآن، وتعاليم الإسلام هي تعاليم الإسلام، و"لا إله إلاالله" هي "لا إله إلا الله".
وكل شيء هو كل شيء؛ ويذهبون في تعليل ذلك مذاهبشتَّى، ويسلكون مسالك متعددةً. ولا أرى لذلك إلا سببًا واحدًا هو الفَرْق بين الدينالحق والدين الصناعي.
الدين الصناعي دين حركات وسكنات، وألفاظ، ولا شيءوراء ذلك، والدين الحق دين رُوح وقلب وحرارة.
الصلاة في الدين الصناعي ألعاب رياضية، والحجحركة آلية ورحلة بدنية، والمظاهر الدينية أعمال مسرحية وأشكال بهلوانية.
و(لا إله إلا الله) في الدين الصناعي قول جميل لامدلول له، أما في الدين الحق فهي كل شيء؛ هي ثورة على عبادة المال، وثورة على عبادةالسلطان وثورة على عبادة الجاه، وثورة على عبادة الشهوات، وثورة على كل معبود غيرالله.
(لا إله إلا الله) في الدين الصناعي تتفق معإحناء الرأس والخضوع لشهوة البدن، وتتفق مع الذلة والمسكنة، و(لا إله إلا الله) فيالدين الحق لا تتفق إلا مع الحق.
(لا إله إلا الله) في الدين الصناعي تذهب معالريح، وفي الدين الحق تُزلزل الجبال.
الدين الصناعي صناعة كصناعة النجارة والحياكة،يمهر فيها الماهر بالحذق والمران، أما الدين الحق فرُوح وقلب وعقيدة، ليس عملاً،ولكنه يبعث على كل عمل جليل وكل عمل نبيل.
الدين الحق (إكسير) يحل في الميت فيحيا، وفيالضعيف فيقوى.
هو "حجر الفلاسفة" تضعه على النحاس والفضةوالرصاص فتكون ذهبًا.
هو العقيدة التي تأتي بالمُعجِزات فيقف العلموالتاريخ والفلسفة أمامها حائرةً: بِمَ تُعلَّل، وكيف تُشرَح؟!
هو التِّرْيَاق الذي تتعاطى منه قليلاً فيذهب بكلسموم الحياة، هو العنصر الكيماوي الذي تُمزَج به الشعائر الدينية فتطير بكَ إلىالله، وتُمزَج به الأعمال الدنيوية؛ فتذلل العقبات مهما صعبت، وتصل بك إلى الغرضمهما لاقت.
هو الذي وجده كل مَن نجح، وهو الذي فقده كل مَنخاب.
هو الكهرباء الذي يتصل فيُدَوِّر العَجَل،ويُسيِّر العمل، وينقطع فلا حركة ولا عمل.
هو الذي يحل في الأوتار فتوقع وكانت قبلُ حبالاً،وفي الصوت فيُغنِّي وكان قبلُ هواءً.
الدين الحق يحمل صاحبه على أن يحيا له ويحارب له،والدين الصناعي يحمل صاحبه على أن يحيا به ويُتاجر به ويحتال به.
الدين الحق يجعل صاحبه فوق كل سلطة وفوق كلسياسة، والدين الصناعي يحمل صاحبه على أن يلوي الدين ليخدم السلطة ويخدمالسياسية.
الدين الحق قلب وقوة، والدين الصناعي نحو وصرفوإعراب وكلام وتأويل. الدين امتزاج بالرُّوح والدم، وغضب للحق، ونفور من الظلم،وموت في تحقيق العدل. والدين الصناعي عمامة كبيرة، وقباء يلمع، وفَرَجِيّة واسعةالأكمام.
"الشهادة" في الدين الحق هي ما قاله الله تعالى: (إنَّ اللهَ اشترى من المؤمنين أنفُسَهُم وأموالَهم بأنَّ لهم الجنَّةَ يُقاتِلونفي سبيلِ اللهِ فَيَقْتُلُون ويَقْتُلُون). و"الشهادة" في الدين الصناعي إعرابُجملةٍ، وتخريجُ متنٍ، وتفسيرُ شرحٍ، وتوجيه (حاشيةٍ)، وتصحيحُ قولٍ مُؤلَّفٍ وردالاعتراض عليه.
الدين الحق تحسين علاقة الإنسان بالله، وتحسينعلاقة الإنسان بالإنسان؛ لتحسن علاقتهم جميعًا بالله. والدين الصناعي تحسين علاقةصاحبه بالإنسان لاستدرارِ رزقٍ، أو كسبِ جاهٍ، أو تحصيلِ مَغنَمٍ، أو دفعِمَغرَمٍ.
لقد صدق مَن قال: إن هذا الدين (لا يصلُح آخرهإلاَّ بما صلُح به أوله) وهل كان أوله إلا دين رُوحٍ، وهل كان آخره إلا دينصناعةٍ؟
جناية أهل كل دين أن يبتعدوا – كلما تقدم بهمالزمان – عن رُوحه ويحتفظوا بشكله، وأن يقلبوا الأوضاع، ويعكسوا التقدير، فلا يكونللرُّوح قيمة، ويكون للشكل كل القيمة.
شأن "الإيمان" شأن العشق، يُحوِّل البرودةحرارةً، والخمول نباهةً، والرذيلة فضيلةً والأثرة إيثارًا.
والإيمان الحق كالعصا السحرية، لا تمس شيئًا إلاألهبته، ولا جامدًا إلا أذابته، ولا مواتًا إلا أحيته.
من لي بمن يأخذ الدين الصناعي بكل ما فيه،ويبيعني ذرةً من الدين الحق في أسمَى معانيه؟
ولي كَبِدٌ مقروحةٌ مَن يبيعُني بها كَبِدًاليستْ بذاتِ قُرُوح



من النثر الحديث



المسلمون والعولمة([38])


د. يوسف القرضاوي
العولمة مصطلح من المصطلحات التي شاعت بيننا في هذهِ السنين الأخيرة، وهو تعبير جديد على لغتنا، مترجم عن لغة أخرى. وهو مصدر على وزن (فوعلة) مشتق من كلمة (العالم)، كما يقال: (قَوْلَبَة) اشتقاقًا من كلمة (قالَب).
والعولمة تعني في نظر البعض: إزالة الحواجز والمسافات بين الشعوب، والأوطان، والثقافات، وبذلك يقترب الجميع من (ثقافة كونية)، و(سوق كونية)، و(أسرة كونية).
وهي ترجمة لكلمة (Globalization) الإنكليزية، التي ظهرت أول ما ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية، وتفيد معنى تعميم الشيء وتوسيع دائرته ليشمل الكل. وبهذا المعنى يمكن أن نحدس، أو على الأقل نفترض، أن الدعوة إلى العولمة إذا صدرت من بلد أو جماعة فإنها تعني تعميم نمط من الأنماط التي تخصّ ذلك أو تلك الجماعة وجعله يشمل الجميع، العالم كله، من هنا نستطيع أن نحدس أن الأمر يتعلق بالدعوة إلى توسيع النموذج الأمريكي وفسح المجال له ليشمل العالم كله.
وبعبارة أخرى، فبما أن الدعوة إلى العولمة قد ظهرت فعلاً في الولايات المتحدة الأمريكية بهذا المعنى، في أوساط المال والاقتصاد، فإن لنا أن نستنتج أن الأمر يتعلق ليس فقط بآلية من آليات التطور الرأسمالي الحديث، بل أيضًا بالدعوة إلى تبني نموذج معين، وبالتالي فالعولمة، إلى جانب كونها نظامًا اقتصاديًا، هي أيضًا (أيديولوجيا) تعبر عن هذا النظام وتخدمه وتكرسه،
ومن الكتّاب من يَقرِن بينها وبين (الأمركة)، أي نشر وتعميم الطابع الأمريكي.
وربما كان معنى العولمة في ظاهره يقترب من (العالمية) الذي جاء به الإسلام، وأكده القرآن في سوره المكية، مثل قوله تعالى: ((وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين))[الأنبياء: 107]، ((تبارك الذي نزَّل الفرقانَ على عبده ليكون للعالمين نذيرًا))[الفرقان:1]، ((إنْ هو إلا ذِكْرٌ للعالمين. ولَتَعْلَمُنَّ نبأّه بعد حين))[ص: 87-88].
ولكنْ هناك في الواقع فرق كبير بين مضمون (العالمية) الذي جاء به الإسلام، ومضمون(العولمة) الذي يدعو إليه اليوم الغربُ عامة، وأمريكا خاصة؛فالعالمية في الإسلام تقوم على أساس تكريم بني آدم جميعًا ((ولقد كرَّمْنا بني آدم))[الإسراء:70]، فقد استخلفهم الله في الأرض، وسخر لهم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه. وكذلك على أساس المساواة بين الناس في أصل الكرامة الإنسانية، وفي أصل التكليف والمسؤولية، وأنهم شركاء في العبودية لله تعالى، وفي البنوة لآدم، كما قال النبي الكريم أمام الجموع الحاشدة في حجة الوداع: "يا أيها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا أعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر، إلا بالتقوى.."([39]).
وهو بهذا يؤكد ما قرره القرآن في خطابه للناس، كل الناس: ((يا أيها الناسُ إناّ خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شُعوبًا وقبائلَ لِتَعارَفوا إن أكرَمكم عند الله أتقاكم)) [الحجرات:13].
ولكن القرآن في هذه الآية التي تقرِّر المساواة العامة بين البشر، لا يُلغي خصوصيات الشعوب، فهو يعترف بأن الله جعلهم (شعوبًا وقبائل) ليتعارفوا.
أما العولمة فالذي يظهر لنا من دعوتها حتى اليوم: أنها فرض هيمنة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية من الولايات المتحدة الأمريكية على العالم، وخصوصًا عالم الشرق، والعالم الثالث، وبالأخص العالم الإسلامي.
إنها لا تعني معاملة الأخ لأخيه، كما يريد الإسلام، بل ولا معاملة الند للند، كما يريد الأحرار والشرفاء في كل العالم، بل تعني معاملة السادة للعبيد، والأقوياء للضعفاء.
العولمة في أجلى صورها اليوم تعني (تغريب العالم)، أو بعبارة أخرى (أمركة العالم). إنها اسم مهذب للاستعمار الجديد، الذي خلع أرديته القديمة، وترك أساليبه القديمة؛ ليمارس عهدًا جديدًا من الهيمنة تحت مظلة هذا العنوان اللطيف (العولمة) إنها تعني فرض الهيمنة الأمريكية على العالم، وكذلك تعني فرض السياسات الاقتصادية التي تريدها أمريكا عن طريق المنظمات العالمية التي تتحكم فيها إلى حد كبير، مثل البنك الدولي، وصندوق النقد الدولي، ومنظمة التجارة العالمية وغيرها.
كما تعني فرض ثقافتها الخاصة، التي تقوم على الفلسفة المادية والنفعية وتبرير الحرية إلى حد الإباحية، وتستخدم أجهزة الأمم المتحدة لتمرير ذلك في المؤتمرات العالمية.
وقد تجلَّى ذلك في (مؤتمر السكان) الذي عقد بالقاهرة في صيف م1994 والذي أريد فيه أن تُمرر وثيقة تبيح الإجهاض بإطلاق، وتجيز الأسرة الوحيدة الجنس، وإطلاق العنان للأولاد في السلوك الجنسي، والاعتراف بالإنجاب خارج إطار الزواج الشرعي، إلى غير ذلك من الأمور التي تخالف الأديان السماوية كلها، كما تخالف ما تعارفت عليه مجتمعاتنا، وغدا جزءًا من كينونتها الروحية والحضارية.
ومن هنا وجدنا الأزهر الشريف في مصر، ورابطة العالم الإسلامي في مكة، تقف جنبًا إلى جنب مع الفاتيكان ورجال الكنيسة، لمقاومة هذا التوجه المدمّر، إذ شعر الجميع أنهم أمام خطر يهدّد قيم الإيمان بالله تعالى ورسالاته، والأخلاق التي بعث الله بها رسله عليهم السلام.
كما تجلت هذه العولمة في (مؤتمر المرأة) في بكين سنة 1995م، وكان امتدادًا لمؤتمر القاهرة وتأكيدًا لمنطلقاته، وتكميلاً لتوجّهاته.
والاعتراف بالخصوصيات قضية في غاية الأهمية، حتى لا يطغى بعض الناس على بعض، وحتى لا يحاولوا محو هويتهم بغير رضاهم.
إن فتح الأبواب على مصاريعها -بدعوى العولمة- في مجالات التجارة والاقتصاد، والتصدير والاستيراد، أو في مجالات الثقافة والإعلام، سيكون لحساب القوى الكبرى، والدولة التي تملك ناصية العلم والإعلام الجبّار، والتكنولوجيا العالية المتطورة، إنه الاستعمار القديم بوجه جديد، واسم جديد.



من النثر الحديث



أغذية الهندسة الوراثية
الأرباح أولاً..!!([40])


د. وجدي عبد الفتاح سواحل
مع ولادة أول نبَات مُهنْدَس وراثيًّا في عام 1993م صار بالإمكان "تفصيل" نباتات، تقوم بمهام متباينة لم تكن تخطر على البال، وتحولت جهود الإنسان فى تحسين النباتات من مجرد متابعتها وهى تتكاثر وتتحسن أجيالها، إلى التدخل فى "الكود" الوراثي لها باستخدام تقنية القطع والوصل والترقيع في بنية المورثات (الجينات) أي تفصيلها، في نهاية المطاف حسب الطلب؛ لتقوم بمهام "صناعية" محددة، وبشَّر ذلك بثورة زراعية تتيح وفرة من الغذاء عن طريق زراعة أصناف محسنة وراثيًّا.. أصناف من القطن والقمح والأرز والبطاطس إنتاجيتها أكثر وتقاوم ظروف الجفاف والصقيع والملوحة والأمراض والحشرات، ويمكنها أن تنمو بأقل قدر من الأسمدة والمبيدات، وأيضًا هناك وعود بإنتاج نباتات تصنع غذاءها من الهواء مباشرة بدلاً من أن تستنزف التربة أو تعتمد على السماد.
وتحولت الهندسة الوراثية النباتية من مجال بحثي إلى تكنولوجيا فاعلة تُدِرُّ بلايين الدولارات، يمسك بدفتها رجال أعمال عُتاة، يديرون تطبيقاتهم وسط بحر تزلزله أعاصير السياسة والسوق والاستثمار والإعلام. وقد انعكس ذلك في المظاهرات التي اندلعت في ديسمبر 1999م بجنيف بجوار مبنى منظمة التجارة العالمية، أثناء انعقاد المؤتمر الوزاري الثالث لمنظمة التجارة العالمية بمدينة "سياتل" الأمريكية، والتي اتهمت أمريكا بممارسة السيادة الغذائية، بحيث تجعل الماء هو الكوكاكولا والغذاء هو اللحم المُهَرْمَن (نسبة إلى الهرمونات والهندسة الوراثية المستخدمة على نطاق واسع في اللحوم وبعض الأغذية في أمريكا)، وقد حذَّرت المظاهرات من توحش الأطماع التجارية؛ لتحول ثمرة "الثورة الجينية الغذائية" إلى الجيوب بدلاً من إطعام العالم، ومن أن الرعب الغذائي -سمة العصر القادم- سيكون أكثر خطرًا من الرعب النووي.
اقتصاديات إنتاج النباتات المهندسة وراثيًّا:
يتم إنتاج النباتات المهندسة وراثيًّا إما باستخدام تكنولوجيا الخلايا والأنسجة النباتية أو تكنولوجيا التحوير الوراثي أو باستخدامهما معًا.
(أ) تكنولوجيا مزارع الخلايا والأنسجة النباتية:
تعتبر هذه التكنولوجيا إحدى الطرق الحديثة المتبعة لتعديل الصفات الوراثية للنباتات، وكذلك إكثارها معمليًّا عن طريق زراعة الأجزاء النباتية المختلفة (أجنة embryos، عقل cuttings، حبوب لقاح pollen، الحراشيف البصلية bulb scales، الخلايا cells والأنسجة النباتية tissues) على أوساط صناعية تضم العناصر الغذائية الضرورية لنمو النبات والفيتامينات والهرمونات وغيرها، وتتم الزراعة في ظروف معقمة جدًا، والنتيجة إعطاء نباتات جديدة مكتملة متشابهة فيما بينها وتشبه النبات الأم الذي أُخذت منه الأجزاء النباتية المزروعة، وتقدر تكلفة إنشاء معامل لزراعة الأنسجة النباتية بحوالي 500 دولار أمريكي/ متر مربع ويشمل ذلك البناء والتجهيزات، يضاف إليها تكلفة إنشاء بيوت زجاجية لتربية النباتات المنتجة وتقدر بحوالي 40 دولار أمريكي/ متر مربع.
منذ السبعينيات أصبحت تكنولوجيا زراعة الأنسجة إحدى أهم الطرق لإنتاج النباتات ولاسيما الهامة اقتصاديًّا منها، وتلك التي تحتاج لفترات إنبات طويلة بالطرق التقليدية كالأشجار المثمرة والنخيل والموز ونباتات الزينة، وتساهم هذه التكنولوجيا في إيجاد حلول فعالة لكثير من المشاكل الحرجة؛ مثل: المساهمة في سد الفجوة الغذائية في دول العالم، ولاسيما في الدول الأقل نموًّا، وتجاوز المصاعب التي تتعلق بالأمراض الفيروسية النباتية أو عوامل البيئة التي تتعرض لها النباتات (الجفاف، الملوحة، ….)، وكل ذلك يساهم في تحسين الدخل القومي.
(ب) تكنولوجيا التحوير الوراثي:
تسمح تكنولوجيا التحوير الوراثي بنقل الجينات من حيوان أو خميرة أو بكتيريا أو أي كائن إلى النبات، ويعـود ذلك إلى أن جينـات الكائنات الحية كافة مكونة من نفـس المـادة (DNA) والتي يمكن قصها ولصقها وإعادة ترتيبها، وتساعد هذه التكنولوجيا في إسراع برامج التربية التقليدية البطيئة، وخاصة في حالة الكائنات الحية ذات الأجيال طويلة الأمد كالأشجار.
وتهتم المؤسسات التجارية اهتمامًا مباشرًا بالنواحي العملية في اكتساب العائد المادي لابتكاراتها، حيث إن التحوير الوراثي للنباتات غالي التكلفة وتقدر تكلفة هندسة جين واحد حوالي مليون دولار لتحسين صفة معينة داخل النبات. والنموذج النمطي للمصاريف الكلية التي تخصصها الشركة لإنتاج نبات معدل وراثيًّا يتضمن 20% من الميزانية الكلية للأبحاث والباقي 80% ينفق على تكاليف الإنماء؛ لذا فإن المؤسسات تسعى للحصول على عائد من استثماراتها في التحوير الوراثي يكافئ العائد المتاح في كل قطاعات التقنية الأخرى، وتطالب بتعديل نظام البراءات بما يسمح بأن تعامل النباتات المعدلة وراثيًّا فيما يتعلق بالأغراض القانونية بمثل ما تعامل به تماما التقنيات غير الحيوية.
تأثير الزراعة الجينية على اقتصاد العالم النامي:
تواجه الدول النامية مشكلة تأمين الغذاء التي تتفاقم في ضوء النمو السكاني السريع وتضاؤل مصادر الدخل، فعلى سبيل المثال يقطن خمس سكان الأرض في الصين (1.2 مليار نسمة)، في حين لا تتجاوز حصة بلادهم من الأراضي الصالحة للزراعة عالميًّا 7%.
وتشير مختلف التقديرات إلى أن إنتاج المواد الغذائية عالميًّا يجب أن يتضاعف من الآن وحتى العام 2010م لمواجهة خطر الجوع على العالم النامي. وفي حين يستبعد المختصون اللجوء إلى المبيدات لزيادة المحاصيل لما تشكله من أخطار على البيئة والمياه الجوفية، فإن التوجه العام يذهب نحو الاعتماد على "الثورة الجينية" المقدر أن تمكن من مواجهة شح الغذاء، وقد انخرطت بعض الدول النامية في ميدان التحوير الجينى، وتأتي الصين في مقدمة هذه الدول التي تجمع الهند وكوستاريكا والأرجنتين ومصر، حيث تتواجد مختبرات وباحثون يعملون على تطوير بذور وشتلة الخضار والفواكه والبطاطا والقمح وغيرها.
الفوائد المحتملة للزراعة الجينية بالنسبة للعالم النامي قد تكون على الأقل بنفس كبر الفوائد الموعودة بالنسبة للبلاد الصناعية، إلا أن ثمة مشاكل يمكن أن تبرز هنا، فعلى سبيل المثال إذا كان من الممكن استخدام التحوير الوراثي كوسيلة تخليقية لإنتاج النكهات اللذيذة مثل: نكهة القهوة والفانيليا دون اضطرار لاستخلاصها من المحاصيل الزراعية الاستوائية، فإن هذا قد يؤدى إلى تهديد معيشة بعض المزارعين في المناطق الاستوائية؛ لذا فمن الضروري أن نوازن بين مزايا تخفيض الأسعار بالنسبة للمستهلك المحلي، وبين العواقب الاقتصادية الممكنة بالنسبة للبلاد التي تعتمد في تنميتها الاقتصادية على العائد من تصدير هذه المحاصيل، ويؤدى ذلك إلى الخوف من نجاح الهندسة الوراثية النباتية في إيجاد بدائل للمنتجات القومية، وبالتالي يكون لها تأثير ضار على القطاع الزراعي وعلى منتجات التصدير في دول العالم النامي، ومثل هذه المخاوف تستند على سبيل المثال، على الاستخدام الممكن لموارد التحلية الطبيعية كبدائل لسكر القصب أو البنجر وعلى تطوير بدائل لروح الفانيليا، وزبدة الكاكاو، والبلاستيك. وقد يكون إنتاج الذُّرَة ذات المحتوى العالي من نسبة سكر الفركتوز من أفضل الأمثلة المعروضة لتطبيقات الهندسة الوراثية النباتية، وقد يعتبر البعض أن هذا الإنجاز يمثل تهديدًا نسبيًّا لمنتجات السكريات عالية التكاليف، وإن كان الإحلال محل منتجات أخرى مثل: الفانيليا والكاكاو وزيت النخيل قد يكون ممكنًا، وعلى الرغم من أن الإحلال لا يكون اقتصاديًّا في معظم الأحوال، فالمخاطر التي قد تلحق بالعديد من دول.العالم النامي قد تكون كبيرة.
تجارة الأغذية النباتية المُهَنْدَسَة وراثيًّا:
تعتبر الهندسة الوراثية النباتية من أكثر الصناعات المربحة في القرن الجديد، حيث يقدر ما يباع من البذور المهندسة وراثيًّا ما يوازي 6 مليارات دولار، ويتوقع أن تصل مبيعات المنتجات المعدلة وراثيًّا إلى 100 مليار دولار.
الولايات المتحدة الأمريكية هي أكبر مصدر للأغذية المعالجة وراثيًّا في العالم، والتي يطلق عليها "الفرانكشتين" في مختلف أجهزة الأعلام العالمية نسبة إلى رواية ماري شيللي "فرانكشتين" الوحش الكاسر الذي تخيله الكاتب بطل الرواية والذي تسبب في تدمير حياة صاحبه، حيث تقترب مساحة الأراضي المزروعة بالأغذية المعالجة وراثيًّا في العالم من نحو 30 مليون هكتار، 75% من هذه المساحة - التي توازي مساحة بريطانيا - توجد بالولايات المتحدة الأمريكية، ونحو 1% فقط في أوروبا، وبتفاصيل أكثر فإن 13% منها توجد في الأرجنتين، و12% في كندا، و1% في استراليا، وأقل من 1% في المكسيك. ويزرع الفلاح الأمريكي 560 ألف فدان ذُرَة مهندسة وراثيًّا، ويمثل فول الصويا المهندس وراثيًّا 15% من محصول الصويا الأمريكى، وربع محصول القطن الأمريكي يتم إنتاجه بالهندسة الوراثية. وتعتبر شركة "مونسانتو" الأمريكية - التي يقرب رأسمالها من (8) بلايين دولار- من أكبر شركات الأغذية الجينية في العالم، كما أنه حتى عام 1995م كانت هناك 32 دولة تقوم بإجراء تجارب على محاصيل مهندسة وراثيًّا مثل القطن والذُّرَة والبطاطس والصويا والبنجر والشلجم والأرز.
من الناحية العملية هناك ما لا يقل عن 20 ألف سلعة غذائية في الأسواق الأوروبية يدخل في إنتاجها مواد معالجة وراثيًّا، فعلى سبيل المثال يدخل فول الصويا المهندس وراثيًّا في أكثر من 200 منتج غذائي، وكذلك الطماطم والبطاطس، و60% من المعلبات وأغذية الأطفال وألبانهم تحتوي على مكونات معدلة وراثيًّا. وفي فرنسا وافقت السلطات على المعالجة الوراثية لمحصول بقول في أواخر عام 1997م، وفى بريطانيا قاموا بتجارب مع المتابعة الدقيقة على محاصيل معينة وفى مساحات محددة ومتفرقة لا تزيد عن مائتي موقع بين أنحاء بريطانيا.
لم تزل أوروبا متخلفة عن أمريكا في مسائل الهندسة الوراثية، وأعني بذلك تحديد الشق التجاري، إذ من الإحصائيات في هذا الشأن نجد المبيعات الأوروبية منها لا تتجاوز 2.2 مليار بينما المبيعات الأمريكية تبلغ 7.7 مليار عن ذات الفترة؛ ولذلك تمارس "واشنطن" أسلوبًا استفزازيًّا، بلغ حد التهديد باتخاذ إجراءات عقابية ضد كل دولة تبدي اعتراضًا على دخول الأغذية الجينية الأمريكية، خاصة بعد أن تبين أن معظم المستهلكين بدول الاتحاد الأوروبي يعارضون هذه الأغذية. مما دفع الاتحاد إلى استصدار قرار يقضي بتجميد استيراد لحوم البقر الأمريكية المحقونة بالهرمونات، وفى سبيله إلى اتخاذ إجراءات مماثلة تدفع إلى فرض تجميد مماثل على استيراد الأغذية الجينية لفترة 12 عامًا، وهو ما من شأنه أن يُلْحِق أضرارًا بسوق الأغذية الجينية الأمريكية بأوروبا تتجاوز البليون دولار، لاسيما وأنه من المتوقع أن تصبح جميع الأغذية الرئيسية بالولايات المتحدة معالجة وراثيًّا خلال السنوات العشر القادمة.
تنظيم صادرات الأغذية النباتية المهندسة وراثيًّا:
لم توضع قضية الاتجار في الأغذية المصنعة بواسطة الهندسة الوراثية على موائد المحافل والمؤتمرات الدولية إلا منذ خمس سنوات، بعد خطوات التقدم الهائلة في علم الهندسة الوراثية الذي تنفق شركات الغذاء العملاقة ملايين الدولارات على الأبحاث والباحثين الذين يعملون فيه.
لكن الملاحظ على تكنولوجيا الهندسة الوراثية التي تستخدم في الغذاء خاصة في زراعات الحبوب، أن دول الشمال الصناعية لاتنفرد بها، فالمنتجون لهذه الأغذية هم من الدول الغنية (الولايات المتحدة، كندا، أستراليا) ومن دول العالم النامي الفقير (أوروجواي، الأرجنتين، وشيلي) وهى دول قريبة سياسيًّا وجغرافيًّا من الولايات المتحدة، وقد حصلت منها على هذه التكنولوجيا التي تنتج بها محاصيلها الزراعية لتصدرها "مُهندَسة" للشركات الأمريكية العملاقة لتعيد هذه الشركات تصديرها لدول العالم الثالث.
ففي الغالب كانت هذه الأغذية تصدر إلى دول العالم من المنتجين الذين يحفظون أسرار التكنولوجيا دون أي إشارة إلى أن الهندسة الوراثية استخدمت في إنتاجها أو تصنيعها، وبلا إجراء دراسات كافية تؤكد خلوها من الأضرار على صحة الإنسان والحيوان والبيئة بصفة عامة!.

([1]) عيون الأثر في المغازي والسير، ابن سيد الناس: ص320
([2]) وجد عليه: يَجِدُ ويَجُدُ وجْدًا، وجِدَةً ومَوْجِدَةً: غَضِبَ.
([3]) القالةُ القَوْلُ الفاشي فـي الناس. القَوْلُ: الكَلامُ، أو كُلُّ لَفْظٍ مَذَلَ به اللِسانُ، تامًّا أو ناقِصًا، ج: أقْوالٌ. جج: أقاويلُ. أو القَوْلُ في الخَيْرِ، والقالُ والقيلُ والقالَةُ في الشَّرِّ.
([4]) الفَيْءُ: الغَنِيمَةُ، والخَراجُ.
([5]) الـحَظِيرَةُ: ما أَحاط بالشيء، وهي تكون من قَصَبٍ وخَشَب.
([6]) يقال: فـي بلد بنـي فلان لُعاعةٌ حسنَةٌ ونعاعة حسنة، وهو نبت ناعمٌ فـي أَوَّلِ ما ينبت، ومنه قـيل فـي الـحديث: إِنما الدنـيا لُعاعةٌ، يعنـي أَنَّ الدنـيا كالنبات الأَخضر قَلِـيل البقاء. ومنه قولهم: ما بقـي فـي الدنـيا إِلاَّ لُعاعةٌ أَي بقِـيَّةٌ يسيرة. ومنه الـحديث: أَوجَدْتُم يا معاشِرَ الأَنْصارِ من لُعاعةٍ من الدنـيا تأَلَّفْتُ بها قومًا لـيُسْلِـمُوا ووكَلْتُكم إِلـى إِسْلامِكم. وفـي الأَرض لُعاعةٌ من كَلأ: للشيء الرقـيق. قال أَبو عمرو: واللُّعاعةُ الكَلأُ الـخفـيف، رُعِيَ أَو لـم يُرْعَ. واللُّعاعةُ: ما بقـي فـي السقاء. وفـي الإِناءِ لُعاعةٌ: أَي جَرْعةٌ من الشراب. ولُعاعةُ الإِناء: صَفْوتُه. وقال اللـحيانـي: بَقِـيَ فـي الإِناءِ لُعاعةٌ أَي قلـيل.
([7]) تألَّفَ فلانًا: دَارَاهُ، وقارَبَهُ، ووصَلَهُ حتى يَسْتَميلَهُ إليه.
([8]) الرَّحْل: مسكن الرجل وما يصحبه من الأَثاث. وفي الحديث: إِذا ابْتَلَّت النِّعال فالصلاة في الرِّحال. قال ابن الأَثـير: فالصلاة في الرِّحالِ يعنـي الدُّور والمساكن والمنازل، وهي جمع رَحْل.
([9]) الشِّعْبُ مِنَ الوَادِي ما اجْتَمَعَ منه طَرَفٌ وَتَفَرَّقَ طَرَفٌ فإذا نَظَرْتَ إليه مِنَ الجانِبِ الذي تَفَرَّقَ أَخَذْتَ في وَهْمِكَ وَاحِدًا يَتَفَرَّقُ، وإِذا نَظَرْتَ مِن جَانِبِ الاجْتِمَاعِ أَخَذْتَ في وَهْمِكَ اثْنَيْنِ اجْتَمَعَا؛ فلذلك قيلَ شَعِبْتَ إذا جَمَعْتَ وَشَعِبْتَ إذا فَرَّقْتَ.
([10]) أي بلُّوها بالدُّموع. يقال خضِل واخضلَّ إذا نَدِي، وأخضلته أنا.
([11]) القَسْمُ: مصدر قَسَمَ الشيءَ يَقْسِمُه قَسْمًا فانْقَسَم، وقَسَّمَه: جزَّأَه، وهي القِسمةُ. والقِسْم، بالكسر: النصيب والحَظُّ، والجمع أَقْسام، وهو القَسِيم، والجمع أَقْسِماء وأَقاسِيمُ،. يقال: هذا قِسْمُك وهذا قِسْمِي.
http://hadith.alislam.com/Display/Di...=80240&Search([12])Text=حصائد%20ألسنتهم&SearchType=root&Scope=all&Offset=0&SearchLevel=QBE
([13]) الآيات بتمامها من سورة السجدة: ((تَتَجَافَىجُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًاوَمِمَّارَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلاتَعْلَمُ نَفْسٌمَّاأُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17))).
http://www.odabasham.org/odaba/qadeem-6-12.htm ([14])
http://es.geocities.com/litrevolt/minhuna.htm ([15])
([16]) http://www.rafed.net/books/hadith/kamal/30.html
([17]) في بعض النسخ ( حبيشًا ).
([18]) في بعض النسخ ( وأخذت ).
([19]) أي إن كان ملكًا.
([20]) لعل المعنى: الله يعلم حيث يجعل رسالاته.
([21]) أي كلفتني.
([22]) في بعض النسخ « فالاختلاط عجز » والصريمة: العزيمة في الشيء. والصرم القطع.
([23]) الخلي: الخالي من الهم والحزن، خلاف الشجي: والمثل معروف، والمعنى أني في هم عظيم لهذا الأمر الذي أدعوكم إليه، وأنتم فارغون غافلون فويل لي منكم.
([24])http://www.alwaraq.com/index5.htm?c=http://www.alwaraq.com/cgi-bin/doccgi.exe/booksearch?book=150&option=2&offset=1&searchtext=E 6D5EDC9+C3DAD1C7C8EDC9&fkey=1&RangeOp=1&WordForm=1 &totalpages=1&m=http://www.alwaraq.com/search.htm
ابن طرار، الجليس الصالح والأنيس الناصح: ص 219
([25]) ابن بطوطة، محمد بن عبد الله: تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار، تح: علي المنتصر الكتاني. مؤسسة الرسالة، بيروت، ط4، 1405هـ، ج2 ص718-721
([26]) كان التجار الكارميون معروفين في القرون الوسطى بنقل السلع من الشرق الأقصى إلى مصر وحوض البحر المتوسط، وقد اختلف في الاسم، فيقال إنه تحريف (كانم)، وكلام ابن بطوطة يشير إلى رفعة التاجر الكارمي (من الأكارم) لبسطه في الثراء.
([27]) الكاغد: الورق، وهذه إشارة إلى التعامل بالعملة الورقية.
([28]) الجنك: المركب الكبير عند أهل الصين.
([29])المنقذ من الضلال، لحجة الإسلام الإمام أبي حامد الغزالي.
http://www.ghazali.org/works/md-ar.htm
([30]) في بعض النسخ (( سنة ست )).
([31]) هذا هو بداية قمة الأزمة الروحية عندة وسببها هو الخوف من الهلاك الآخروي كما قال عبدالغافر الفارسي: (( فتح عليه باب من أبواب الخوف )). ولعل من الاسباب التي أدت إلى هذه الأزمة هو دراسة كتب الصوفيين وسيرتـهم. وفي هذه الفترة الزمنية يذكر أبن كثير أن عالمًا دخل بغداد ودرس في الناظمية وعلى يديه تاب كثيرً من العباد ورجعوا إلى الله وكثير منهم من زهد في الدنيا وتنسك. انظر فيما كتبـه د. مصطفى محمود أبو صوى عن هذه الأزمة وما كتبتة أنا في هذا الموضوع، والجدير بالذكر أن هذه الأزمة هي غير (فترة الشك) التي عانى منها وذكرها في فصل مداخل السفسطة وجحد العلوم.
([32]) في ق: علم.
([33]) في ق: المعيشة.
http://www.odabasham.org/odaba/ta-odaba-ebn.htm ([34])
([35])http://www.alnoor-world.com/Ali/19.htm
([36])http://www.islamonline.net/Arabic/ma...rticle14.shtml
([37])http://www.islamonline.net/arabic/ramadan/2000/oresent/article11.shtml
([38]) القرضاوي، د.يوسف: المسلمون والعولمة. دار التوزيع والنشر الإسلامية، القاهرة، 2000م، ص:9-17 بتصرف.
([39]) رواه أحمد في مسنده 5/411، وذكره الهيثمي في المجمع 3/266 وقال: رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح. ونقل الشيخ الألباني عن ابن تيمية في (الاقتضاء) أنه قال:إسناده صحيح.
([40]) http://www.islam-online.net/iol-arabic/dowalia/namaa-32/namaa1.asp

[1] {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ (16) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ }السجدة: 16- 17
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية maitre a
maitre a
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-06-2009
  • الدولة : الجزائر
  • المشاركات : 1,615
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • maitre a is on a distinguished road
الصورة الرمزية maitre a
maitre a
شروقي
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية ملكة الجنان
ملكة الجنان
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 22-06-2013
  • الدولة : غائـــــــــــــب
  • المشاركات : 1,071
  • معدل تقييم المستوى :

    14

  • ملكة الجنان is on a distinguished road
الصورة الرمزية ملكة الجنان
ملكة الجنان
عضو متميز
رد: مهارات إتصال باللغة العربية رائع للتعلم
27-12-2013, 03:40 PM
بارك الله فيييييييييك وجعلها الله في ميزان حسناتك


إن لله وإن إليه راجعون
نهاية مؤلمة حقيقة انا كنت اريدك ان تبقي هنا معي من اجل ان نكتب صفحات عنوانها الاوة بين رجل وامراة في مقتبل العمر
لكن هذه هي الحياة انسان يرحل واخر يولد
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع


الساعة الآن 04:24 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى