ليلة الهروب من الخرطوم: حين تقود الغوغاء الشعوب
21-11-2009, 08:44 AM
القاهرة، الخرطوم- "إنها مباراة بين قتلى"، علّق المثقف الجالس على مقهى تجمّع روّاده حول مذياع سيارة يبثّ أنباء مطاردة مشجّعي الجزائر لحافلات المشجّعين المصريّين في شوارع الخرطوم. أجواء حرب ذكرت النادل بأفلام عن حزيران ١٩٦٧ وتشرين ١٩٧٣ وأخرجت من زميله آهة قال بعدها: "احنا بننضرب برا... لأننا بننضرب جوا". حكمة النادل أثارت ابتسامات وضحكات رغم المزاج العصبي بعد المباراة
وائل عبد الفتاح
محمد فؤاد، المطرب الشهير تحشرج صوته في صرخة استغاثة: «الحقونا... إحنا بنموت». مبالغة حوّلت المشاعر بالخسارة المصرية أمام الجزائر في مباراة كرة القدم، إلى سخط وصل بالمذيع على قناة «أوربت» إلى الحد الأقصى، وظل يصرخ: «الحقوا المصريين في السودان... المصريون بيموتوا في الخرطوم... أنقذوهم وإلا فسنقتل الجزائريين في مصر».

هستيريا أفرغت الساحة تماماً للغوغاء. الأنباء تتوارد في الإذاعات والفضائيات مع استغاثات عن حالة فوضى شاملة بعد هجمات مشجّعين جزائريين أولاً بالحجارة لتكسير الحافلات، ثم بالأسلحة البيضاء.
الهجوم أثار الفزع الكبير، وخصوصاً مع غياب قوى الأمن السودانية المشغولة في الملعب أو المرافقة للبعثة الرسمية (الفريق إضافةً إلى علاء وجمال نجلي الرئيس حسني مبارك).
التعازي في الهزيمة محتها سريعاً صيحات الاستغاثة عبر أجهزة الهاتف المحمول، وصوت موفدين لإذاعة «الشباب والرياضة» المصرية وهو يبلغ عن سقوط قتيل. قتيل؟ صرخت مجموعة عادت بالعلم المصري منكّساً من أحد تجمعات المشاهدة الكبيرة التي ملأت القاهرة. السفير المصري في الخرطوم نفى علمه بالقتيل، ولا حتى بهجمات «بلطجية نزلوا الخرطوم واشتروا الخناجر والسكاكين والسيوف»، كما قال وزير الإعلام أنس الفقي، في مداخلة متكررة مع إذاعات وفضائيات، مشيراً إلى جهود حكومية لإنقاذ المختبئين في بيوت الخرطوم ومطاعمها.
ليلة الانتقام قلبت القنوات الرياضية إلى قنوات حربية، واستُخدمت فيها تعابير «الجبهة» و«خط النار» لتمزج السخرية بحالة الهلع على المشجعين، الذين لم يعرف أحد عددهم، وإن كانت التقديرات تراوح بين ٨ آلاف وأرقام أقل (حسبما قال مشكّكون في صدقية الحزب الوطني، الذي تولّى تدبير أكثر من طائرة للسفر).
«أين جمال وعلاء؟»، تساءل مشجع محبط من النتيجة ومن الحكومة التي فشلت في تجهيز فريق مشجعين محترف، بدلاً من طائرات الحزب وممثلين ومطربين ليس لديهم خبرة احترافية في التشجيع. أحد روّاد المقهى ردّ على سخرية المشجع بجدية، وأخبره بأنهما عادا على طائرة رجل الأعمال محمد أبو العينين.
صحافي مطّلع أخبر رواد المقهى أن رجل الأعمال يقود الطائرة بنفسه. صحافي آخر رد عليه بسر أقوى: «تأمين جمال وعلاء وبقية الرجالة الكبار في الحزب كان مسؤولية ١٣٠٠ بلطجي سوداني جرى تأجيرهم بمعرفة رجل أعمال له مشروعات في السودان».
بعض القنوات التلفزيونية قررت عدم النوم، وفتحت إرسالها للاطمئنان إلى المصريين. وصلت مكالمة ساخنة تتحدث عن حصار جزائري حول المطار من أجل اصطياد المصريين. زاد القلق وظهر من جديد وزير الإعلام ليتلو الخبر المهمّ: «الرئيس مبارك اتصل بالرئيس عمر البشير وأخبره إن لم تكن قوات الأمن السودانية قادرة على حماية المصريين فإن القوات المصرية ستقوم بذلك».
ابتسم نادل في المقهى وقال: «لقد نسوا ما حدث في العراق ويحدث في ليبيا والسعودية و....و..»، الصحافي رد عليه: «لكن هذه أوضاع مختلفة تماماً». النادل عاد بالسخرية نفسها: «الله يحمي صدام حسين». ولم يفهم الروّاد الإشارة إلّا بعدما شرح النادل بأن هذا الموقف يحتاج إلى رئيس مثل صدام حسين. ردّ عليه أحد الروّاد: «صدّام ليه... (الرئيس الراحل أنور) السادات كان يكفي، يلقّن من يعتدي على أبناء شعبه درساً لا يُنسى».
الحميّة زادت والفاتورة الثقيلة تذهب باتجاه النظام، الذي لا يستطيع حماية أبناء شعبه. المذيع الرياضي تلقّى استغاثة من الجزائر «نحن محاصرون... أنقذونا». لقد عاد حصار المصريين العاملين في الجزائر، بعدما هدأت نار الانتقام لشهداء القاهرة. لكن لم يكن في القاهرة شهداء، وهذا ما أكده السفير الجزائري في القاهرة، عبد القادر حجار، عندما أوقظه المذيع الرياضي من نومه. السفير أبلغ المذيع أنه كذّب الخبر لكن الصحف لم تنشر التكذيب.
السفير النائم لم توقظه وزارة الخارجية، التي استدعته صباح اليوم التالي، في ما يبدو أنه بداية أزمة سياسية يقال في أوساط الجزائريين إنها بسبب خلاف «بيزنس» خفيّ حول استثمارات جمال مبارك في الجزائر، وآخرين حول دور الرئيس مبارك في دعم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة في مواجهة خصومه في الجيش.
هذه خلفية التصعيد التي وصلت إلى تدمير منشآت مصرية في الجزائر، وعودة المصريين على طائرات في وضع الهروب أو النجاة من الموت. رجل الأعمال نجيب ساويرس أعلن أن خسارة شركته (المتخصصة في المقاولات) تصل إلى خمسة ملايين دولار من جراء حصار المهووسين بكرة القدم.
القاهرة لم تنم وكذلك الجزائر. الفرحة الطاغية في الجزائر ودعوات إعادة الحق بالتظاهرات والوقفات الاحتجاجية الموجهة ضد «أشقاء» وصلوا إلى أقصى حدود الكراهية. عادت فلول الهاربين من «مذابح» الخرطوم بإحساس الهزيمة والحسرة ومناظرهم في مطار القاهرة ذكّرت المتعصب للوطنية المصرية بمشهد العودة من سيناء في ١٩٦٧. وعاد الجزائريون إلى عاصمتهم مكلّلين بانتصار وانتقام لمذبحة القاهرة ولشهداء لم يقتلوا.
وبقيت الكراهية وحدها تشير إلى الأكاذيب الكبرى التي تعيشها شعوب يقودها الغوغاء.
صراع مهزومين على صناعة عدو
«أطلعوا برا»، هتف شبّان متحمسون في شوارع الزمالك بالقرب من السفارة الجزائرية. الشرطة طاردتهم وهم رشقوا الشرطة بالحجارة، فقد كانوا يريدون فرصة للتعادل مع الجزائريين في حرب الشوارع.
الجماهير المصرية عادت بمشاعر الحسرة والإهانة، وتفجرت هستيريا جماعية سيطرت على الكبير والصغير. التظاهرات كسرت المحالّ احتجاجاً على عدم السماح بالتعبير عن قوة الغوغاء، التي ظهرت بكامل هيبتها في الخرطوم على يد أشخاص يرفعون السكاكين والسيوف، كما ظهر في أفلام قصيرة وروايات حملها معهم مشجعون مصريون.
الهستيريا عمياء الآن في مصر، لا ترى غير الانتقام وتوجيه الغضب إلى «عدو» خارجي. وهناك حالة مؤثرة من الدفاع عن مصر و«كرامة المصريين». عواطف مشحونة تشتعل بالأغاني الحماسية وتفريغ طاقة الغضب في شتيمة الجزائر والجزائريين ومراثي عن الدور المصري والشقيقة الكبرى.
المباراة كانت موقعة حربية. صراع بين مهزومين على اقتناص نصر يعوض الهزائم في كل المعارك الحقيقية: الديموقراطية والتنمية والتقدم. الجزائر ومصر التقتا عند الترتيب 111 في تقرير الشفافية الدولية. تعادل في قدرة الدولة على الخضوع لفرق الفساد ولاعبيه الكبار. واللقاء ليس صدفة. إنه «العروبة الواقعية»، حيث يلتقي العرب عند ثلاثية الفساد والتخلّف والاستبداد.
هذه مقومات عروبة الواقع في مواجهة عروبة افتراضية وجودها بلا معنى حقيقي، مثله مثل الديموقراطية والاستقلال والأخوّة. كلمات بلا معنى على الأرض. تحرك ماكينات شرسة تلتهم المشاعر وتنفخ العروق. وتبقى صالحة للاستخدام في يد الأعلى صوتاً والأكثر قدرة على استثمار الشعارات.
تعيش شعوب على ذاكرتها العاطفية، بينما واقعها يسير إلى اتجاهات أخرى وحقائق أخرى. من هنا يمكن تفهّم عناوين عن سقوط العروبة أو طلاقها أو نهايتها الدامية على خلفية حرب الشوارع في الجزائر والقاهرة والخرطوم.
العروبة فشلت مجدداً في رصف المشاعر البدائية. تحولت إلى فكرة قاتلة مع خروجها من الصلاحية. وتوحدت مع سيوف شهرها الجزائريون في وجه المصريين ومكالم تحريضية تبشّر بإعلان استقالة مصر من العروبة، كما تلعلع وسائل الإعلام المصرية.
وسائل الإعلام الصفراء تقود بامتياز، والموقعة تتسع وتخرج عن السيطرة وفق ذهول حتى المشتركين فيها. هناك أيدٍ خفية أو قوى غريبة تحركها. يستدعي الخبراء التقليديون إسرائيل طبعاً، لكن غالباً فإن القوى المحركة داخلية.
النظام في مصر يعيش حالة ارتباك نادرة بشأن مستقبل الحكم في مصر. لا خليفة متوقعاً للرئيس حسني مبارك، والبلد كله يعيش على شعرة .
الارتباك يفتح للمجتمع طاقة أمل في اقتناص بهجة ما من اللعب من انتصار فريق رياضي. الانظمة العربية تمنع الأمل في السياسة والناس يحاولون انتزاعه في الرياضة.
الأمر مختلف في الجزائر، لكن هناك أزمة سياسية بسبب الصراع على السلطة بين أجنحة تتبع الجيش وجبهة التحرير والأحزاب الإسلامية. أزمة تنتعش مع وفرة أموال النفط. انتصار الفريق سيحلّ معادلات متعددة ويُخفي فساداً تورطت فيه أجهزة كبرى هناك (كانت هناك فضيحة عالمية منذ سنوات تورطت فيها أسماء جنرالات وساسة كبار مع الملياردير الجزائري عبد المؤمن خليفة، وهو في الوقت نفسه ابن قائد سابق للاستخبارات اتهمته فرنسا بغسل أموال، وأقام فضائية ومصرفاً ومشروعات بمشاركة شخصيات في السلطة والجيش).
النظامان في أزمة مفصلية. وكل منهما استغل البحث عن البهجة والانتصار. كل بطريقته. نظام مبارك في تدعيم شعبية جمال مبارك. والنظام الجزائري في صنع نقطة تجمع الجزائريين حولها.
معركة أدارتها مصر باستخفاف واستسهال معتاد في الرياضة والسياسة. وأدارتها الجزائر بكامل يقظتها السياسية.
استغلت إدارة الجزائر للمعركة كل الأساليب المشروعة وغير المشروعة. أعطى النظام الجزائري لمجموعات تسمى «الحيطست» دور عمرها. الحيطست هم مجموعات عاطلين يقفون في الشوارع مستندين إلى الحائط. سمّاهم الفرنسيون هذا الاسم، ولا يزالون قوى قابلة للإيجار في المعارك الانتخابية أو في حروب سياسية من الإرهابيين وغيرهم.
النظام في الجزائر أعطى إشارة لاستخدام الحيطست وصنع لهم عدواً اسمه مصر. وفتح الملفات القديمة من كامب ديفيد إلى الموقف المصري من غزة.
النظام في مصر لم يجد سوى الكليشيهات المحروقة: هل نسيتم ماذا فعلت مصر لثورة الجزائر؟ الكليشيهات لم تحرك المشاعر الإيجابية عند جيش الغوغاء. بالعكس حركت مشاعر سلبية تنمو منذ السبعينيات، حينما روجت الصحافة العربية أن الشقيقة الكبرى خانت القضية وتركت شقيقاتها في العراء. و«الشقيقة الكبرى» من أيام السادات ردت بإعلام مضاد يعيّر كل عربي بما فعلته مصر.
هذه مشاعر قديمة أحياها النظام في الجزائر. وشحن بها جيش الحيطست الذي حرق علم مصر ووضع نجمة داوود بدلاً من نسر صلاح الدين وهتف «أكلة الفول... الفقراء... بلد الدعارة والزنى».
هكذا، نجح نظام الجزائر في صناعة عدو سهل لجيوش الغوغاء. فكان لا بد من البحث عن الغوغاء في القاهرة. وسائل الإعلام تشحن المصريين من ليلة الهروب الكبير في الخرطوم. شحن تحت شعار «كرامة المصري أولاً».
«المصرية» في مواجهة «العروبة الميتة». نغمات تعزف اللحن مقلوباً: «لا بد من أن نلتفت للداخل»، «لا بد أن نتوحد»، «نشعر بالفخر لأننا مصريون وتحت حكم حسني مبارك».
والنغمة الأخيرة تعالت بشدة على كل القنوات من مختلف نجوم الطيف الواسع من الميديا. مبارك سيكون رمز «المصرية» الخارجة من رحم «العروبة».
نغمة المصرية تعزف على لحن «الشقيقة الكبري» المستقيلة من دور لا يقدّره «الأشقاء الصغار». ميلودراما تبحث عن غوغاء ينتقمون من الأشقاء.
حرب الكراهية
هل ستبقى الكراهية؟ الشعوب القوية تحاول التخلص من ميراث الكراهية وتخاف من دفع ثمنه كما حدث حين دفعت أحلام هتلر البشرية إلى حرب مجنونة من أجل فكرة مبنية على نفي الآخرين وكراهيتهم
«لماذا يكره العرب مصر؟» سألت شابة مصرية على «الفيس بوك» بعدما شاهدت مباراة الجزائر في دولة عربية فوجئت فيها بما سمته الشماتة من هزيمة مصر.
هل هزمت مصر أم الفريق المصري؟ لماذا ارتفعت الشعارات السياسية التي تعدّ المصريين يهوداً وصهاينة واستاد القاهرة استاد تل أبيب وموقعة الخرطوم أشبه بتحرير المسجد الأقصى؟
مصر الكيان الرمزي تلاشت. ودفع المصريون فاتورة سياسات أنظمة الحكم. عقلية غريبة وقديمة استعادت فاعلية مشحونة بالانتقام.
هل يستحق المصريون كل هذه الكراهية؟ سألت الأجيال الجديدة التي لم تتابع الحروب العربية العربية، ومصائد التخوين التي ينصبها العرب لأنفسهم منذ أن أصبحت الوحدة المبنية على الفكرة القومية حلماً وأحزاباً ونخباً.
مصائد التخوين كانت بديلاً لعمليات قهر العدو والعجز عن إلقاء إسرائيل في البحر. ودارت ماكينات هادرة تستنفر الطاقات المشحونة والمعطلة في البحث عن الخونة بدلاً من البحث عن الأعداء.
هل ستعود القدس ويرحل المستوطنون إذا فاز الفريق الجزائري وهزم الفريق المصري في معركة الخرطوم؟ لا عقل هنا. غرائز مهزومين تبحث عن ضحية خائنة. ومحاكم باسم أفكار سياسية فقدت صلاحيتها ويريد المؤمنون بها جعلها مطلقة وأبدية وخالدة.
انطلقت الأفكار بماكينات تحشرجت أصواتها ولا تزال تعمل وتغطي على أفكار أخرى أكثر عقلانية وخالية من شهوة الزعماء في البحث عن الأمجاد التي لم تحدث قطّ.
لا يمكن الآن بناء فكرة كبرى على الكراهية أو على إلغاء الآخرين وتطهير النفس منهم. الآخر في الصراع المصري مع «الأشقاء» الآن لا يمكن حذفه. هنا تاريخ وذاكرة وعواطف حملتها الشعارات السياسية إلى منصات أخرى حول فكرة «الأمة الواحدة»، لكنها موجودة ولها فعاليتها قبل ولادة المرحلة القومية وبعدما تحولت إلى ذكرى جارحة.
ليلة الخرطوم كانت ذروة تصعيد حرب كراهية بين الشعبين، لا منافسة بين فريقين. وهذه الليلة بما سبقها من أيام وليال هي منتَج من منتَجات الصناعة الناعمة الفاشية. مصانع الفاشية تنتج أفكاراً في غاية الخطورة، تتناقلها الكلمات بعفوية وطزاجة تداوي الجراح وتدغدغ القلوب الغاضبة لكنها ترسخ الكراهية والعداوة.
دراويش الشاشات
نامت القاهرة ليلة «معركة» الخرطوم أمام الشاشات ترى إدارة الأزمة على الهواء. الشاشة هي بديل المؤسسات السياسية والساحات الفكرية ومنصات الجماهير. كلمات المتداخلين عبر الهاتف تتحول إلى حكايات ومشاريع قرارات. والشاشة هي مكان الاستعراض السياسي كاملاً.
علاء مبارك اتصل بمذيع رياضي وحكى له تفاصيل ما حدث واتخذت عباراته التليفونية عناوين تصف ما حدث في الخرطوم بـ«إرهاب قام به مرتزقة».
المكالمة روّجت لصورة علاء المواطن العادي وشقيقه جمال رمز الدولة، الذي تصرف بشجاعة وانتظر حتى اطمئن إلى «الهاربين من المذبحة». الميديا صنعت الصور بسرعة رهيبة. رتبت العالم من جديد وطالبت بمحو تعبيرات «الشقيقة الكبرى» واستبدالها بالقوة الكبرى.
المباراة التاريخية حولت قنوات الرياضة إلى منصات سياسية. ودار الحوار في برامجها حول مستقبل مصر في مواجهة ماضيها «المثقل بالطيبة» في مواجهة «الأشقاء الناكري الجميل».
التقى المصريون حول الألم من هجمات المشجعين الجزائريين. هجوم استفز عواطف موحدة التقى عندها الخصوم (الحكومة والشعب. النظام والأهالي). نقطة اللقاء يديرها في الميديا قادة الرأي العام الحديث. وهم محترفون في خدمة الأفكار الموجهة، وشهد انتقالهم إلى التفكير الحر كوارث كبرى حولت بعضهم إلى دعاة حرب ومحرضين.
كلهم في خدمة صور مسيطر عليها، وهذا ما يجعل الحوار على الشاشات تكثيفاً لرسائل عاطفية لا مساحات تفكير أو إثارة أسئلة. التحريض باتجاه «عزلة» مصر تحرّك في الميديا عبر صرخات الانتقام وآهات الألم، لا بحثاً عن تصورات جديدة لعلاقة مصر بعالمها المحيط. كيف ستنتقل مصر من قائدة العروبة ورائدة أقاليم الثورة والثروة؟ هل المشكلة في الدور أم في التراجع عنه؟
التفكير ليس متاحاً في ظل دراويش يهتفون على الشاشات . هؤلاء الذين يقبلون يومياً بإهانة المصريين من النظام وفي دول الخليج وفي دولة العقيد وغيرها من مواقع.
الدراويش يغطّون على الجراح بالمباخر والأصوات العالية لطقس يرددون فيه «للصبر حدود». كأنها كلمة سر في شحن نفسي ذهني لا أحد يعلم إلى أين سيؤدي؟