النقد العلمي النزيه أو ....
18-02-2011, 12:03 AM
أيها الإخوة هناك فرق بين النقد العلمي النزيه أو بالمصطلح الشرعي النصح الشرعي بالشروط والضوابط الشرعية، وبين النزاع الشخصي أو شخصنة النقد، وهذا ما ينبغي أن نفرق بينهما..ما معنى شخصنة النقد أو النصح؟ شخصنة النقد أو النصح أن تأتي وتجعل القضية شخصية بينك وبين شخص المنقود أو المنصوح، فمثلاً إذا أردنا أن نتكلم هنا في مجلس علم سواء درس أو خطبة، فلا يجوز بتاتاً أن نمثل بواحد معين، فنقول الأخ زيد يقترف كذا وكذا، لا يجوز فهذه فضيحة ولا يجوزها أحد من العلماء، فممكن أن أنتقد هذا الفعل من غير أن أعين الشخص، لو أنا عينته الآن وقلت الأخ زيد بن فلان هو الذي يفعل كذا وهذا نصح ولا أريد به إلا النصح، سيقول لا، أنت شخصنت القضية وجعلتها خلافاً شخصياً معي أنا بالذات، وفضحتني على رؤوس الأشهاد، وهذا صحيح النصيحة على الملأ فضيحة.
قد يقول الأخ الفاضل أنا نصحت له فيما بيني وبينه وبالضوابط الشرعية وبنية ويعلم الله أنني حريص عليه وعلى أخرته وعلى الخير له، وهو لم يستجب، فما الموقف الشرعي الآن؟ أدعو الله له بالهداية واتركه، وتستطيع أن تمثل به من باب تحذير الناس من سوء فعله من غير أن تعينه كما كان النبي يفعل، فيقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، ونحن هنا نقول هناك ناس، أعرف من الناس من يفعل كذا، من رواد المساجد من يفعل كذا وكذا، وهو قد يكون جالساً وهو سيستحي إن كان عنده حياء، ولكن ممنوع أن أعينه باسمه أو بلقبه أو بنعته بحيث يعرفه الناس، وإلا أصبحت القضية شخصية.
ممكن الأخ يقول: أنا نصحت له ولم ينتصح فلابد أن أحذر الناس القريبين منه، أحذر الناس القريبين منه بأن هذا إنسان سيء بطال...وهنا انتبه هناك ضوابط شرعية، لأن هذا قد ينتقل من دائرة النُصح إلى دائرة الغيبة والتشفي، لأن بعض الناس إذا نصح ولم يُسمع له يغتاظ لماذا لم يُسمع له، وهذا الموضوع شغلني فعلاً حين كنت شاباً صغيراً أن أعرف ضابط التفرقة بين النصح وبين غير النصح من شفاء الغيظ والشماتة والتعيير حتى ألهمني الله إلى الفرق بعد معاناة شديدة، الفرق في مسالة بسيطة جداً إذا نصحت أخاك المسلم واستجاب لك تشعر بالفرحة والرضا أنه ترك هذه المعصية وفعل هذه الطاعة، وتشكر الله على ذلك، وإذا لم يستجب تحزن، لا أن تحقد أو تغتاظ أو يكون لديك نوع من التشفي والعياذ بالله وهتك عرضه وستره لتجعل كل الناس يتشفون فيه، بل تحزن حزن حقيقي، وهذا الحزن يقودك إلى الدعاء له بظاهر الغيب في وقت السحر وفي صلاة الفجر، عندها تكون أنت فعلاً الناصح الأمين الذي تفعل ذلك لوجه الله تبارك وتعالى، ولكن لو صار العكس وبدأت تغتاظ منه وتتكلم عنه وتفضحه في كل مجلس فهذا لا يكون نصح لله، بل لحظ النفس وتكون أنت تشفي غيظك منه وهذا غير جائز أبداً.
الضابط الشرعي يقول لا يجوز اغتياب المسلم أو المسلمة إلا في حالات بأعيانها ولا تستطيع أن تأتي بحالة زائدة عن تلك الحالات...كيف؟ الحالة الأولى: يجوز أن يُغتاب المسلم للتظلم، فقد قال تبارك وتعالى "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم" في سورة النساء، واحد يتظلم من واحد، وهذا التظلم لا يكون عند فلان أو عدنان ، بل يكون عند القاضي، فأنا لن أنفعك إلا إذا أردت أن تتخذني قاضياً، ولا تستطيع أن تتخذني قاضياً إلا إذا أعطيتني بعض صلاحيات القاضي ولن تستطيع أن تعطيني كل الصلاحيات، فمثلاً تقول للأخ تعالى نذهب عند عدنان لنتقاضى، ويوافق الأخ ويحضر، فحينئذ يجوز لك أمام أخيك الخصم أن تتكلم عن مظلمتك، وتقول هذا الأخ فعل لي وبي كذ وكذا، تذكر هذا حتى ولو كانت أشياء سيئة بمقدار ما أساء إليك وظلمك، فهذا جائز "..إلا من ظُلم".
ولذلك ما جاءت هند إلى رسول الله- وهذا في البخاري- وقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي من النفقة..إلى أخره، فهذا لأن النبي كان قائد أمة وإمام ومشرع وقاضي ومفتى، فيجوز لها ذلك، والعلماء اختلفوا هل أعطاها النبي الحق في الأخذ بالمعروف قضاءً أو فتوى..إذن التظلم جائز أمام القاضي تستطيع أن تتظلم وتقول ما تعرف من الظالم ولا تُعد هذه غيبة.
ثانياً: النصيحة في أحوال بأعيانها كالاتجار أو الزواج..واحد قال لك الآن لدي مشروع استثماري أو مشروع تجارة، وفلان أحب أن يشاركني هل تنصحني أن أشاركه لأنني أعرف أن سببك متصل بسببه، ولديك علاقة قوية معه وتعرفه أكثر مني؟ فإذا كنت تعرف أن هذا المسئول عنه خائن والعياذ بالله أو ذمته واسعة أو متهور أو لا يصلح في التجارة ودخل في مشاريع ودائماً يفشل لأنه لا يتمتع بعقلية تجارية، فقل له: حقيقة أنصح لك بما أنصح به نفسي، ومن هذه الحيثية ومن هذه الزاوية لا أنصحك بأن تتاجر مع هذا الرجل، وفيما عدا ذلك هو إنسان مرضي وإنسان طيب، لكن في موضوع التجارة والمال لا أنصحك..فإذا اكتفى بهذا الكلام المجمل غير المبين حرام عليك أن تبينه، ولكن إذا طلب منك التفصيل والأسباب بالضبط، ستقول له: أستغفر الله الرجل خوان، ثبت عنه في غير حالة أنه خوان، أو أن الرجل أخرق لا يحسن تدبير أمور التجارة ومتهور..إذن ينبغي أن تكتفي بالإجمال حين يُكتفى به، وممنوع أن تفصل إلا إذا طُلب إليك لكي يقتنع الرجل.
وحالة ثانية إذا قال واحد لك فلان هذا طلب يدي ابنتي أو يد أختي، فهل أعطيه أو لا، فتقول له: لا تعطيه، سيقول لك: لماذا؟ تقول مثلاً: لأن هذه الحالة الثالثة، فهو يتزوج ويطلق، ويتزوج ويطلق، ودائماً يثبت أنه هو المخطئ في حق المرأة، فمثل هذا لا يُزوج لأنه سوف يطلقها، وتصير مطلقة...ففي مثل هذه الحالات يجوز مثل ذلك، والدليل الشرعي حديث أبي الجهم ومعاوية لما خطب فاطمة بنت قيس، فالنبي قال: أما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه- هو جيد وصحابي لكنه جبار يضرب النساء، فذكر الشيء المتعلق بالزواج- وأما معاوية فصعلوك لا مال له- هو فقير لا يملك شيء...إذن في التجارة والزواج يجوز هذا.
ونضيف على هذه الحالات ما هو أخطر منها؛ أخطر من الزواج وأخطر من التجارة، ما له مثلاً علاقة بما يتعلق بالأمة عموماً مثل التجسس، واحد أنت تعرفه جاسوس سواء جاسوس لإسرائيل أو لأمريكا أو لدولته الإسلامية، فهو يصلي ويكتب تقارير في عباد الله، فعندما تُسأل عن واحد من هؤلاء لابد أن تحذر منه وتقول إنه جاسوس، فهذه ليست غيبة، فإذا لم تحذر منه سوف يؤذي الناس ويرسلهم في ستين داهية، والناس مغرورين بلحيته وصلاته..ففي مثل هذه الحالات جائز من أجل أمان الناس وأعراضهم فلابد أن نحذر منه.
أيضاً في موضوع الرواية وهذا ليس لنا علاقة به الآن، وقد انتهى هذا الأمر من قديم، وهم يسمونه الجرح والتعديل، وهذا يكون من أهله وليس من أمثالنا، هذا يكون من علماء الحديث الكبار النقدة المتخصصين، فأي واحد لهم أن يتكلمون عنه ويقولون إن هذا كذاب أو مروءته منخرمة...وقد يتساءل أحدهم كيف يتكلم علماء في الناس هكذا؟ لو لم يتكلموا عن هذا وقالوا إنه كذاب ستكون النتيجة أن يختلط صحيح حديث رسول الله بالموضوع عليه والمكذوب، فهذه الحالات يجوز فيها الغيبة، أما حالات من عندك تخترعها فممنوع، وهي حالات معدودة.
ولذلك حديث لا غيبة لفاسق، فهذا الحديث ضعيف جداً، ويمكن لهذا الحديث أيضاً أن يُأول بطريقة تتفق مع ما قلنا، فعندما قال: لا غيبة لفاسق، تكون لا هنا ناهية، كأنه قال لا تغتابوا الفاسق، كما نقول "لا خيانة لمؤمن"، "لا خذلان لمؤمن" بمعنى لا تخن أخاك المؤمن، لا تخذل أخاك المؤمن، لا غيبة لفاسق أي لا تغتب الفاسق حتى وإن كان فاسقاً..إذن دعونا نحدد الأمر في هذا النصاب.
النصيحة تكون دائماً بشكل شخصي للشخص المنصوح، فإذا انتصح كان بها وإذا لم ينتصح فنسأل الله له الهداية ونتركه، وإذا أردنا أن نمثل به فلنمثل دون أن نعينه ونحدده، وهذا يحدث منا كلنا وجائز شرعاً، ولكن بعض الناس يكون حساس زيادة عن اللزوم، ليس حساساً أنه يخالف شرع الله وأنه يقترف القبائح، وإذا مُثل لا على التعيين كأن يقال بعض الناس فعل كذا وكذا يغضب جداً، بالرغم من لا أحد ذكر اسمه ولا أحد يعرفه، ولا أحد يهمه أن يعرفك، وأنا لا أحب أن أعرفه أصلاً، فالواحد يحب أن يبقى صدره سليماً على كل المسلمين، ولذلك أسوأ ما يكون، وأنا أحذر نفسي وإخواني، نقل الكلام على المسلمين، وهذه صفة إنسان يكون في قلبه مرض، فيأتي الواحد يقول لأنني أحبك أريد أن أخبرك ماذا يقولون عنك..لا، أنت بالعكس تكرهني، وفعلاً الذي ذمك هو الذي نقل إليك، ومن ذم الناس عندك بالحق والباطل ذمك عندهم، وهذه قاعدة لا يمكن أن تخطئ إلا في الحالات الاستثنائية كأن يأتيك ويحذرك من فلان لأنه جاسوس ويتعامل مع المخابرات الفلانية وحكى عنك كذا وكذا فانتبه منه، فهذا جائز وبارك الله فيه وهو يحذرني حتى لا أروح فيها، لكن في الحالات العادية لا يجوز أبداً نقل الكلام، فهذه اسمها النميمة، والنبي قال: لا يدخل الجنة نمّام، وحديث لا يدخل الجنة قتات.
وهذا القتات لا يمكن أن يوثق على النقل، فيأتي ويقول فلان قال عنك كذا وكذا، وصدقني يكون الرجل قال عندك ثلث الكلام أو حتى ربعه أو عُشره وهذا زاد تسعة أعشار من عنده أو حسبما فهم أو حسبما تخيل، فلا يجوز هذا.
إذن فلنقتصر إذا أردنا أن ننقد أحوالنا وأحوال مجتمعنا وإخواننا، لنقتصر على النقد العام أنه يحدث كذا كذا، أن بعض الناس يفعل كذا وكذا، بعض الأخوات يفعلن كذا وكذا، فهذا جائز ولكن ممنوع تعيين الأشخاص لا في الجلسات العامة ولا في الجلسات الخاصة أيضاً.
أخر شيء حتى لا يفوتني هو نقد الأفكار العامة وليس نقد المسائل الخاصة، فواحد مثلي أعتلي المنبر وأخطب وأدرس وهناك بعض الأفكار لا تعجب بعض الناس، بعض الفتاوى لا تنال رضا بعض الناس، وهذا شيء طبيعي جداً، فليس هناك من إنسان يكون كلامه كله مقبول عند كل الناس، فأمزجة الناس تختلف ومرجعياتهم الفكرية وطريقتهم في التحليل وتقديرهم للأمور تختلف، وفوق كل ذي علم عليم، فطبيعي أن الإنسان لا يُوافق على كل ما يقول، وأحياناً لا يُوافق على أكثر ما يقول، فإذا ووفق الإنسان على نصف ما يقول هذا يكون سعيد، وبعض الناس يخشى من الخلافيات، وأنا أرى العكس؛ أرى أن الشجاعة والإخصاب والإثراء والقدرة على التحليل تكمن في الخلافيات
بعض الناس قبل فترة جاءني وبعد حديث طويل قال لي: أنا أرجوك أنه على الأقل في الخطبة تحدث في القطعيات، قلت له: لا، أنا ضد هذا المبدأ، فللأسف الناس يخافون من الخلاف..لماذا؟ إذا أنت لم تعمل نوع من التوضيح ما يمكن بعد ذلك أن نأمن أن نتفق أو ألا تتسع شقة الخلاف بيننا إذا اختلفنا في سفافس الأمور، يجب أن نضع كل المواضيع القطعية والخلافية، فإذا اتفقنا على بضعها أو على أكثرها كان بها، وإذا لم نتفق على الأقل نكون قد رقينا في أنفسنا نفسية أن يسمع أحدنا رأيناً مخالفاً، وممكن أن تكون هناك فرصة لمناقشة هذا الرأي وهذا ما يثري العقل.
إذن كانت هناك بعض الآراء يحب بعض الناس أن ينتقدها على عدنان مثلاً أو على الشيخ فلان في الفضائية الفلانية، فهذا جائز والعقل يقول به، لكن لا تشخصن الأمور، فلا تقول مثلاً عدنان أخطأ في هذه القضية في نظري، وعلى فكرة يمكن أن يكون أخطأ ويمكن يكون أنت الذي أخطأت، دع الأفكار هي التي تتصارع وليس الأشخاص، ولا تجعل مشكلتك الشخصية تكون مع عدنان نفسه، ودع مشكلتك فقط مع الأفكار، والشجاعة أن تكون مع الأفكار لأن اغتيال الأفكار أصعب بكثير من اغتيال الأشخاص، فأنت تستطيع أن تهدم شخص وتهدم مصداقيته بسهولة فتقول: هو في نظري جاهل ولا يفقه شيئاً، تستطيع أن تقول ذلك عن أي عالم أو أي متكلم أو أي إنسان، لكن لو قلت إن هذه الفكرة خطأ ستُطالب بتبرير لماذا هي خطأ، أو قلت إن هذه الفكرة كذب سيقال لك لماذا هي كذب، فأصعب شيء هو أن تنال من الأفكار، لأنه لا تنال بالأفكار إلا بالأفكار، لكن تنال من شخص أسهل شيء، ويستطيع أصغر الناس أن ينال من أعظم الناس، فهذا مسلك خاطئ فوق أنه غير مثمر.
ولكن نحن لا نسد الباب في وجه النقد، بل نحن نحب النقد وهو ضروري ولكن لابد أن يبقى نقاش أفكار وطروحات وليس نقاش أشخاص بأن تجعل الخلاف معه شخصياً، وعلى فكرة إذا أردت أن تشخصن الخلاف أحياناً ستصبح الدنيا كلها ساحة خلاف، لأن الأشخاص لا يتفقون كأشخاص، فالعقلية والمزاج والطريقة والأسلوب يختلف من شخص إلى شخص، حتى الرسل ليس هناك رسول مثل الآخر، فرسول مثل عيسى عليه السلام ورسول آخر مثل يحيى وسبقه بالرسالة، هناك خلاف كبير جداً في المزاج، الرسول في الأخير بشر وليس ملك، وله مزاج وبحكم النشأة والتربية وبحكم أشياء كثيرة، فهو بشر ويظل بشر، يحيى كان فيه عنف وشدة ويميل إلى الترهيب والعقاب، أما سيدنا عيسى فيسلك المسلك المعاكس تماماً بالأسلوب اللين الرحيم اللطيف، وهذا الذي نجح فيه المسكين ما قُدر له، وهارون وموسى نفس الشيء؛ هارون رجل لطيف يأخذ الأمور من زاوية، لكن موسى رجل فيه نوع من الغضب ونوع من العنف ونوع من القوة، وأعتقد أن إنسان تربى في حجر فرعون ورأى الظلم والفرعنة لابد أن يكون صارخاً في ثورته على كل انحراف، فإذا أردنا أن نفسره سيكولوجياً واجتماعياً هذا هو الأمر.
بعض الناس ضد هذا المسلك وأنا استغربت، وهناك واحد اسمه أحمد عادل أو شيء مثل هذا وهو مصري ألف كتاب اسمه "التحليل السيكولوجي للأنبياء" وقامت الدنيا ولا تقعد عليه، وأنا كنت سعيد جداً أن هناك واحد مسلم، ولو مسلم بالهوية، تناول هذا الموضوع، فضروري أن نفهم الأنبياء بشكل سيكولوجي، وطبعاً هذه المحاولات قد يكون فيها قدر من الصحة وأقدار من الخطأ، لكن من حيث المبدأ القضية صحيحة ليس فيها أي شيء، ولكن بعض الناس تنظر إليها على أن النبي صنعة إلهية، وهو بلا شك صنعة إلهية، ولكن ليس ملكاً، ليس نورانياً، بل هو كائن بشري عنده ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية، وعنده موروث جيني وتركيبة نفسية تختلف من نبي إلى نبي ومن ظرف إلى ظرف ومن سياق إلى سياق، وهذا لا يقلل من عصمته، فهو يبقى النبي المعصوم الذي لم يكذب على الله ولم يفتر على الله أبداً، العصمة محفوظة له ومع ذلك هو بشر، إذا رسول الله أحسن الأنبياء كان يقول: اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر، ويرضى كما يرضى البشر، اللهم أي امرؤ سببته أو لعنته وهو لا يستحق ذلك فاجعل سبي ولعنتى له رحمة له...النبي ممكن أن أخرج كلمة أسب أو ألعن بها إنسان معين، فإذا كان سبي ولعنتي هذه في غير محلها اجعلها رحمة له.
سُئل الحسن البصري، وهو رجل زاهد وصوفي، ولكن على منبره شديد النقمة على الحكام، وكان يذكرهم بالأسماء حتى عاش شطر حياته الأخير مطروداً ومختبئ من بني أمية لأنه كان مطلوب رأسه للحجاج، ولم يرح حسن البصري إلا بعدما مات الحجاج..لماذا؟ لأنه كان شديد النقمة والانتقاد على ظلم أمراء وخلفاء بني أمية وكان يذكرهم بالأسماء، فسألوه: يا إمام أليس هذا من الغيبة؟ فقال لهم: من كان ذنبه علانية وجب الكلام فيه علانية، وتوبته لا تقبل إلا علانية..هذا غير إنسان مثلنا في حاله مسكين ارتكب خطأ والله فضحه فلا تفضحه بين الناس، بل قل له بينك وبينه، لكن هذا حاكم خطأه على رؤوس الأشهاد ويذهب ليضع يده في يد أعداء الله ويتآمر على أمته ويوقع معاهدات خيانة واستسلام ويحرض على المسلمين.
هناك حاكم مسلم إذا مات على هذه الطريقة فلعنة الله عليه وعلى أمثاله، هذا لما فازوا إخواننا الجماعة الطيبين الطيب أردوغان والإسلاميين في تركيا وهم صراحة معتدلين ما شاء الله عليهم، وحتى أمريكا لم تمسك عليهم شيء، فهم معتدلون في طروحاتهم وموقفهم وعندهم فعلاً نموذج ديموقراطي جيد وخطاب واعي..فانزعج هذا الزنديق وكتب في موقعه على الإنترنت بشكل واضح يقول: أنا أحذر أوروبا بالذات وأقول لها احذري من هذه الشجرة الخبيثة..يقول على هذه الصحوة الإسلامية إنها شجرة مسمومة خبيثة، وجذورها ستكون في العالم العربي والإسلامي لكن فروعها وثمارها ستنال وتطال أوروبا، وإذا لم تجتثوها من اليوم..فهو هنا يريد إجراءات تطهيرية تطهر كل شيء اسمه صحوة إسلامية مثلما يفعل هذا الزنديق في بلده، فأي شاب في بلده يضبط متلبساً بصلاة الفجر حاضراً يروح في ستين داهية، ويكتب ذلك في تهمته ضبط متلبساً بصلاة الفجر جماعة خمس مرات، إذا مرة صلى الفجر جماعة قد يسامحوه لكن خمس مرات فقد ضاع، ويأخذونه من باب المسجد إلى الزنزانة مباشرة..ما هذه الزندقة؟! ثم يقولون إسلاميين وتطرف، ولا يسألوا أنفسهم من سبب التطرف، والسبب هو مثل هذه المسالك، فأنا هنا إنسان أعيش في النمسا منعم ألعنهم وأسأل الله لهم اللعنة بسبب مثل هذه المسالك الزنديقة، فكيف بالإنسان الذي يعاني من هذه المرائر ويعيشها، لابد أن يتطرف في الأخير.
إذن هو يحذر أوروبا أن انتبهي واجتثي هذه الشجرة وطهري الأجواء من هؤلاء وإلا ممكن يصير عندك هناك في أوروبا في الأخير في يوم من الأيام حكم إسلامي..يا إلهي؟! وقبل أيام سمعنا الرجل مغلول جداً من فكرة- وهي فكرة لم تتحقق وصعب أن تتحقق في المدى القريب- أن تقوم دولة فلسطينية للفلسطينيين، وستكون دولة على عشرة في المائة فقط، وقال: لا، لو قامت هذه الدولة سوف تشكل خطراً حقيقياً على إسرائيل...لعنة الله عليك وعلى إسرائيل! فهل تريدون ألا نتكلم عن مثل هذا الزنديق ونقول عيب حرام غيبة، فهذا هبل واستهبال لو قلنا إن الكلام عنه غيبة، والحسن البصري قال: من كان ذنبه علانية تكلمنا عنه في العلن ولا تُقبل توبته إلا علانية...فلا يأتي أحد ويقول لنفرض أن هذا الرجل تاب، لنفرض أنه بعدما قال هذا الكلام في موقعه أو في المؤتمر الفلاني تاب إلى الله، أقول له: لا أقبل هذه التوبة، ولابد أن يتوب علانية مثلما أذنب علانية.
كان هناك شاب بوسني مسلم ملتزم، وكنت أرى فيه شاباً منوراً لصدقه، وكان يحب الإسلام حباً جماً، فكان معترضاً على أن بقايا الشيوعيين الذي دبروا قتل المسلمين وسجنهم وذبحهم أيام تيتو وأتباع تيتو، صار لهم مناصب كبيرة في الحكومة الجديدة، وقال أنا أرفض هذا ولا أقبله، وكان عنده علاقات مع ناس كبار، فكان يقول: يقول لي بعضهم أن هؤلاء تابوا، فرددت عليه- وقد أعطاه الله هذا الجواب- لقد تابوا وتوبتهم لهم ولكن عندنا هي غير مقبولة، ممكن الله يقبلها ولكننا لا نقبلها كأمة، وهذا لكي لا نُخدع مرة ثانية..لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين، وقد أعجبت بهذا الجواب لأن هناك حديث أخرجه أبو شيبة وهو حديث غريب صلى الله على من علمه هذا الشيء، والني يحدثنا في هذا الحديث عن أنه من أسباب غضب الله على أمة أن الله إذا مكن لهم في الأرض جعل أمورهم أو بعض أمورهم إلى من كانوا عدواً لهم في بالأمس...فإذا اليوم الله منك وغيّر من شأنك فما تجعل ولايتك فيمن كان سبب اضطهادك وظلمك بالأمس، فالمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، وبالنسبة للقضية العرقية وحتى لا يصير اضطهاد وتصفيات وشفاء غيظ وأحقاد، فنحن لا ندعو للتصفيات ولكن اجعلهم يعيشون في الأمان من حيث المبدأ لكن لا يمكن أن يرجعوا إلى حكم الأمة مرة أخرى، فنحن لن نعطيهم الفرصة مرتين، والنبي قال من يفعل هذا فهذا سبب من أسباب غضب الله عليه.
ليس هناك أمة أو شعب في الدنيا كلها عاجز أن يُخرج وفي فترة وجيزة إن شاء الله تعالى من كفاءات والقدر والإمكانات التي تسير إدارته وقياداته، كل أمة فيها هذه القدرات في الاقتصاد والسياسة، كل أمة تستطيع ذلك، ولكن تأتي بجزار الأمس ليحكم اليوم وتقول إنه تاب، فتوبته هذه بينه وبين رب العالمين ولكني لا أعترف بهذه التوبة، وأنا حتى لا أعرف هل الله قبلها أو لم يقبلها فهذا عند الله تبارك وتعالى، وقد رأينا نحن بأعيننا المنافق الكبير عبد الرشيد دستم الله يعلنه البعيد، هذا كان زمان يقف مع الروس، ولما صار التحالف الأمريكي وضع نفسه مع هذا الحلف، ولما صار تصفيات المسلمين بأمر المجرم العالمي رامسيفيلد وقال أريدهم أحياءً أو أمواتاً، وأعطى تصريح بقتل الأسرى دستم هذا الحقير كان السبب في قتل خمسة آلاف واحد، لو كان انقطعت رأس هذا المجرم أو وضع في زنزانة أو مزبلة ولم نعطه أي فرصة أي يعود ويلتف مرة أخرى لما صار هذا الذي صار، لكننا نرجع الخونة والقتلة ونقول تابوا وغيروا موقفهم...لا يوجد شيء اسمه تابوا، الذي يتوب يمكث في بيته، وسنأتي بأناس نظيفة تحكمنا.
فمثل هذا الكلام نقوله في الحكام بالذات، وليس الحكام فقط فحتى المفاتي؛ مفتي الجمهورية الفلانية، ومفتي المملكة، هؤلاء الناس الكبار ليس لهم حرمة، فمادام هو طلع وأحل ما حرم الله على رؤوس الأشهاد فلم يبق له ذمة على الأقل في هذه الحدود، وسوف نخطئه، وإذا ثبت أنه مدمن تحريف وكذب على الله ورسوله لابد أن نجرده، ولابد أن نهتك ستره، وقد قال الشاعر من قديم:
من الدين هتك الستر عن كل مجـرم بـدعي أتى بالعجائب
فلولا رجال مؤمنون لهدمت صوامع دين الله من كل جانب
من الدين فضح الدجالين والنصابين الذين ينصبوا ودجلوا باسم الدين من المفاتي والمشايخ والقضاة والعلماء والكتاب والحكام، أما إذا سكتنا عنهم بحكم أن هذا اسمه غيبة، فتجعل غيبتهم كغيبة آحاد الناس من أمثالنا، فهذا معناه أننا سنكون أكبر أمة تُستغفل وتُستهبل ولن يكون لدينا لا نقد ولا صحافة ولا سياسة ولا تغيير ولا تقويم ولا أي شيء، وهذا لا يصح ولا يكون.
وحتى واحد مثلي يختلف عن واحد مثل أحد منكم، فأنا أتكلم من على المنبر فإذا ثبت بالدليل والبرهان أني أبث أفكاراً مسمومة، وأفكاراً عميلة، وأفكاراً تفت في عضد الأمة، ثم نبهت وأفهمت وأفحمت وثبت أن أفكاري هذه غير صحيحة ولم أتراجع عنها، ثم عدت مرة أخرى لأبثها فيجب أن أفضح وتكون هذه مهمة أمثالكم، ولابد أن ينزلوني من على المنبر بالقوة، ويقولون لقد ناقشناك في هذه الأفكار أكثر من مرة وأفحمناك فلماذا تعيدها مرة أخرى، فهذا معناه أنك رجل مدفوع ومغرض وفي قلبك مرض، ويكون واجبكم أن تنزلوا هذا الشخص من على المنبر بالقوة وإلا أنتم آثمون، فكل إنسان يتولى مسئولية لابد أن يُحاسب على قدر مسئوليته.
ولذلك حساب الأب يوم القيامة غير حساب الولد، فلو افترضنا عائلة مكونة من أب وأم وأولاد صغار أو بالغين وكلهم ماتوا، فيوم القيامة لو كان هؤلاء الأولاد بالغين فعليهم حساب بلا شك، ولكن حسابهم لن يكون مثل حساب أولياء أمورهم، بل سيكون أقل بكثير، فالأب سوف يحاسب عن نفسه كزوج وعن زوجته وعن أبنائه وبناته جملة واحدة، وعلى فكرة ممكن الأب يكون صالح ويصلي ويصوم وخشوع ممتاز، لكنه غير معتني كثيراً بأولاده أو زوجته، فتجد زوجته تخرج للشارع متبرجة فيقول هذا ما تحبه ماذا أفعل لها؟! زوجة مثل هذه كفيلة بأن تدخلك نار جهنم معها، وابنك أيضاً لو تركت له الحبل على الغارب ولم تتخذ صلاحياتك كأب ومتأثر كثيراً بالفلسفة الغربية في التربية، وأنا حقيقة أتعجب من رجال تارك الواحد فيهم الحبل لأولاده وبناته على الغارب، وليس له هيبة عندهم، وأنا لا أحترم أي أب أو أم ليس له هيبة على أولاده، فأنا وقد قاربت على الأربعين اليوم مازال أبي له هيبة في قلبي ليس لأي شخص آخر، ووالدي ليس بعالم ولا شيخ، لكنه إنسان مستقيم ومتدين وأعرف عنه كل خير، فأنا أحترمه وأهابه وأحترم وجهة نظره، فهو أكثر إنسان له هيبة في قلبي، وهذا لأنه رباني على أن أحبه وأن أهابه أيضاً.
ولكن هناك أناس يعامله ابنه كأنه صديقه، ويتناقش معه ويكسر رأيه..هذا خطأ وأسلوب فاشل في التربية، فلابد أن يكون لك كزوج هيبة، ومعنى أن الرجال قوامون على النساء أن هناك نوع من الهيبة حتى على الزوجة، فليس كل ما أقول شيء تقول زوجتي عكسه أمام أولادي، والابن يطلع نفس الشيء كلما أقول شرق يقول غرب، ويقول هذه التربية الحديثة ونحن في مجتمع حر، وفي الأخير يطلع شخصية سخيفة لا يساوي قرشين، وأبوه أول واحد يشتكي منه يقول لا يسمع الكلام، هذا لأنك ربيته بهذه الطريقة، ربيه بالطريقة الإسلامية، والنبي قال: علموا أولادكم...واضربوها عليها عشر، قال هناك ضرب، وهو ليس ضرب تكسير ويهشم، بل ضرب يشعر بالسطوة والهيبة، فأنت تظل ابن وأنا أب ولي سلطة عليك، وهذه السلطة لابد أن تستخدم أحياناً حتى على الزوجة من غير تعسف في استخدام السلطة، فأنا لا أعترف بعلاقة احترام مطلق بين الزوجين لا تغلفها هيبة، لابد لك كرجل أن يكون لك هيبة، وحتى في عالم الحيوانات الذكر دائماً له صولة وهيبة، وحتى أنا لاحظ في أطفالي الصغار؛ الطفل الرضيع صوت أمه لا يجعله يهتز، ولكن صوت الأم يجعله يرتجف، وهذا معناه أن هذا الإنسان مخلوق غرزيا لكي يقود، وكل شيء سواء مسجد أو سفينة أو شركة أو دولة أو أي شيء بلا قيادة يفشل، ولا يمكن أن يقود اثنان بل لابد من واحد، ولو غابت القيادة سيفشل كل شيء، لذلك أنصح الآباء أن يكون له على زوجته وعلى أولاده نوع هيبة وليس تسلط وظلم، بحيث يكون كلامه محترماً.
حدثني أخ فاضل، وهو طيب وإنسان فاضل ومتعلم قال: ما أعلم أن أبي رفع علينا يده أو عصا طيلة حياته، لكن إذا نظر نظرة بغضب تنخلع قلوبهم، عمره ما ضربهم لكن له هيبة عليهم، وقال أيضاً عمره ما قصر معنا وكان يكرمنا إلى حد التبذير في البيت لكن له هيبة، وهو أب صالح متدين لا يضرب ولا يُكسر لكن لما ينظر على شيء لا يعجبه تنخلع القلوب من هيبته.
وأذكر لكم قصة سمعتها من واحد مهندس عاش في ألمانيا ثلاثين سنة، وهو معجب بالألمان جداً، وسألته ما سر نجاح هؤلاء؟ هؤلاء الألمان الحقيقيون الذي بنوا الدولة وهم ثمانين مليون وحققوا المعجزات، ونحن ثمانين مليون لدينا ولا حاجة، فقال: الفرق بيننا وبينهم هو التربية، والجدية والصرامة في التربية، فكل شيء لديهم في مكان، قلت له: كيف، قال: بالنظر، وأنا أتألم عندما أزور عائلات عربية وإسلامية وأجد الأب ينبح صوته يا ولد سأكسرك ولا حياة لمن تنادي، والولد يخطب ويضرب في الضيوف ولا احترام عنده حتى للضيوف، قال لي: أنا زرت مئات العائلات، وعلاقتي مع الألمان أفضل من العرب، وأحب أن أتواجد معهم لأني أستفيد منهم أكثر، فعندما أكون مع أسرة ويأتي الولد ليمد يده على قطعة الشيكولاتة فينظر له أبوه انتهى الأمر ولا يعود مرة ثانية، بالنظرة يوقفه عند حده أي عيب هذا، ولا يأتي الولد ولا يمد يده بعد ذلك..هذه هي الجدية، وعندما الواحد يصير عمره ثلاثين سنة ويعتبر نفسه غير مكلف وأنه مازال ولد صغير وصبي، ويصير أربعين سنة ويحس نفسه صبي، فهو لم يتعلم أن يكون جدياً في حياته وأوقاته ومواعيده وبرنامجه.
وحكى لي هذا المهندس قصة غريبة عن واحد اسمه بشار، قال: هذا بشار تربى بالطريقة الألمانية أمه ألمانية وأبوه سوري، ومرة واحدة الولد أخطأ وكان عمره خمس عشرة سنة، أخطأ خطأ بسيط فصفعه أبوه لأول مرة، فكان هذا عند الولد مصيبة لأنه أهين في كرامته لأنه تعلم أنه بنظرة يستقيم فكيف هو ضُرب الآن، وعلى فكرة الدين يقول "اضربوهن" على النساء يقصد بهذه الطريقة، أنه يوجد هيبة واحترام ولما يصل الأمر مواصيل بعيدة يكون صفعة بسيطة مثل هذه كافية أن تحسم الأمور بين الرجل والمرأة...فهذا الولد صفعه أبوه هذه الصفعة، فراح الولد ولم يعد، وجاء الليل ولم يعد، وثاني يوم لم يعد أيضاً وثالث يوم لم يعد الولد، ورابع يوم رن الهاتف وكانت المتصل الشرطة الفرنسية من باريس يطلبون من الوالد الحضور لاستلام ابنه..فالابن من كثرة ما عزت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحب لأنه أهين وصفع صفعة على وجهه من أبيه وليس من إنسان غريب أو شرطي أو جلاد أو من مدرس، أخذ الولد دراجة وهام على وجهه وإذا به في فرنسا في باريس دون أكل أو شرب وليس معه مال فأغمي علي المسكين في الشارع، فأخذته الشرطة وحققوا معه وعرفوا منه أنه من ألمانيا فاتصلوا بأبيه حتى يأتي ويستلمه.
سُئل فيلسوف ألماني ما سبب نجاحكم كشعب ألماني؟ قال: لأن الشاب منا يمر على الثكنة قبل أن يمر على الجامعة، بمعنى أن هناك تربية عسكرية وانضباط عسكري، الأمور مأخوذة لديهم بالجد..وأنا أعتقد أن المسلمون الأوائل كان عندهم مثل هذا الجد وأكثر، فأنت تستغرب كيف واحد أخذ على نفسه عهد أن يقوم الليل، فواحد مثل أبي حنيفة كان يسير في الشارع، فواحد يقول لأخيه: أتعرف من هذا؟ قال: لا، قال: هذا أبو حنيفة الذي يصلي الصبح بوضوء العشاء، وأبو حنيفة المسكين لم يكن يفعل هذا، بل كان يقوم نصف الليل فقط، فخشية أن يُحمد بما لا يفعل ظل يصلي بعد ذلك الليل كله قائماً ويصلي الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة حتى توفاه الله..أرأيتم إلى أين وصل الجد؟!
حكيم بن حزام، والحديث في الصحيحين، قال لرسول الله اعطني فأعطاه الرسول، ثم قال أعطني فأعطاه وقال له يا حكيم إن هذا المال حلو خضرة...إلى أخر الحديث، وقد ذكرت الحديث من قبل بطوله، فقال هذا ليس جيد أن تأخذ المال دون حاجة، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس لم يبارك له فيه، فقال له: والله يا رسول الله لا أرزأك ولا أرزأ أحد بعدك، وانتهى ونقطة وبدأنا سطر جديد، فلم يطلب من رسول الله شيئاً بعد ذلك، وجاء أبو بكر وأراد أن يعطيه عطائه مثل كل المسلمين وهذا حقه، فقال لن آخذه ولا أريده، وانتهت خلافة أبو بكر وجاء عمر وأراد أن يعطيه عطائه وأمواله فلم يأخذ منه شيئاً، وفي خلافة عثمان نفس الشيء حتى توفاه الله...هذا هو الجد، وهؤلاء هم الرجال، هذه هي العظمة الحقيقة، ولذلك فتحوا العالم والدنيا، فإذا وضعوا خطة يعمدون إلى تنفيذها حتى تنتهي دون أي لعب، ونحن حياتنا كلها سبهللاً، كما قيل:
فلا يمضين منك العمر سبهللاً ولا تغـبنن بالنعمـتين بل أجهد
فمن خالف اللذات نال المنى ومن أكب على اللذات عض اليد
فهذه حياتنا كلها عض على الأيدي، ويا ليت ويا ليت، وحياتنا كلها ندامة على مستوى الأفراد والجماعات لأنه ينقصنا الجد، وهذا الجد أراه مفقود بداية حتى من التربية العائلية بين الأب وأبنائه، وبين الزوج والزوجة، فيجب أن يكون هناك جد ولا نغتر بالأفكار الغربية الفارغة باسم الحرية وإتاحة الفرصة، فهذا اسمه تسيب وتضييع للطاقات، ويبدو أنه لا شيء أفسد للولد والبنت مثل التدليل والدلع، فمثل هذا الدلع مفسد لشخصية.
************************************************** ***
عن د عدنان إبراهيم
قد يقول الأخ الفاضل أنا نصحت له فيما بيني وبينه وبالضوابط الشرعية وبنية ويعلم الله أنني حريص عليه وعلى أخرته وعلى الخير له، وهو لم يستجب، فما الموقف الشرعي الآن؟ أدعو الله له بالهداية واتركه، وتستطيع أن تمثل به من باب تحذير الناس من سوء فعله من غير أن تعينه كما كان النبي يفعل، فيقول: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا، ونحن هنا نقول هناك ناس، أعرف من الناس من يفعل كذا، من رواد المساجد من يفعل كذا وكذا، وهو قد يكون جالساً وهو سيستحي إن كان عنده حياء، ولكن ممنوع أن أعينه باسمه أو بلقبه أو بنعته بحيث يعرفه الناس، وإلا أصبحت القضية شخصية.
ممكن الأخ يقول: أنا نصحت له ولم ينتصح فلابد أن أحذر الناس القريبين منه، أحذر الناس القريبين منه بأن هذا إنسان سيء بطال...وهنا انتبه هناك ضوابط شرعية، لأن هذا قد ينتقل من دائرة النُصح إلى دائرة الغيبة والتشفي، لأن بعض الناس إذا نصح ولم يُسمع له يغتاظ لماذا لم يُسمع له، وهذا الموضوع شغلني فعلاً حين كنت شاباً صغيراً أن أعرف ضابط التفرقة بين النصح وبين غير النصح من شفاء الغيظ والشماتة والتعيير حتى ألهمني الله إلى الفرق بعد معاناة شديدة، الفرق في مسالة بسيطة جداً إذا نصحت أخاك المسلم واستجاب لك تشعر بالفرحة والرضا أنه ترك هذه المعصية وفعل هذه الطاعة، وتشكر الله على ذلك، وإذا لم يستجب تحزن، لا أن تحقد أو تغتاظ أو يكون لديك نوع من التشفي والعياذ بالله وهتك عرضه وستره لتجعل كل الناس يتشفون فيه، بل تحزن حزن حقيقي، وهذا الحزن يقودك إلى الدعاء له بظاهر الغيب في وقت السحر وفي صلاة الفجر، عندها تكون أنت فعلاً الناصح الأمين الذي تفعل ذلك لوجه الله تبارك وتعالى، ولكن لو صار العكس وبدأت تغتاظ منه وتتكلم عنه وتفضحه في كل مجلس فهذا لا يكون نصح لله، بل لحظ النفس وتكون أنت تشفي غيظك منه وهذا غير جائز أبداً.
الضابط الشرعي يقول لا يجوز اغتياب المسلم أو المسلمة إلا في حالات بأعيانها ولا تستطيع أن تأتي بحالة زائدة عن تلك الحالات...كيف؟ الحالة الأولى: يجوز أن يُغتاب المسلم للتظلم، فقد قال تبارك وتعالى "لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا من ظُلم" في سورة النساء، واحد يتظلم من واحد، وهذا التظلم لا يكون عند فلان أو عدنان ، بل يكون عند القاضي، فأنا لن أنفعك إلا إذا أردت أن تتخذني قاضياً، ولا تستطيع أن تتخذني قاضياً إلا إذا أعطيتني بعض صلاحيات القاضي ولن تستطيع أن تعطيني كل الصلاحيات، فمثلاً تقول للأخ تعالى نذهب عند عدنان لنتقاضى، ويوافق الأخ ويحضر، فحينئذ يجوز لك أمام أخيك الخصم أن تتكلم عن مظلمتك، وتقول هذا الأخ فعل لي وبي كذ وكذا، تذكر هذا حتى ولو كانت أشياء سيئة بمقدار ما أساء إليك وظلمك، فهذا جائز "..إلا من ظُلم".
ولذلك ما جاءت هند إلى رسول الله- وهذا في البخاري- وقالت: يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح، وإنه لا يعطيني ما يكفيني وولدي من النفقة..إلى أخره، فهذا لأن النبي كان قائد أمة وإمام ومشرع وقاضي ومفتى، فيجوز لها ذلك، والعلماء اختلفوا هل أعطاها النبي الحق في الأخذ بالمعروف قضاءً أو فتوى..إذن التظلم جائز أمام القاضي تستطيع أن تتظلم وتقول ما تعرف من الظالم ولا تُعد هذه غيبة.
ثانياً: النصيحة في أحوال بأعيانها كالاتجار أو الزواج..واحد قال لك الآن لدي مشروع استثماري أو مشروع تجارة، وفلان أحب أن يشاركني هل تنصحني أن أشاركه لأنني أعرف أن سببك متصل بسببه، ولديك علاقة قوية معه وتعرفه أكثر مني؟ فإذا كنت تعرف أن هذا المسئول عنه خائن والعياذ بالله أو ذمته واسعة أو متهور أو لا يصلح في التجارة ودخل في مشاريع ودائماً يفشل لأنه لا يتمتع بعقلية تجارية، فقل له: حقيقة أنصح لك بما أنصح به نفسي، ومن هذه الحيثية ومن هذه الزاوية لا أنصحك بأن تتاجر مع هذا الرجل، وفيما عدا ذلك هو إنسان مرضي وإنسان طيب، لكن في موضوع التجارة والمال لا أنصحك..فإذا اكتفى بهذا الكلام المجمل غير المبين حرام عليك أن تبينه، ولكن إذا طلب منك التفصيل والأسباب بالضبط، ستقول له: أستغفر الله الرجل خوان، ثبت عنه في غير حالة أنه خوان، أو أن الرجل أخرق لا يحسن تدبير أمور التجارة ومتهور..إذن ينبغي أن تكتفي بالإجمال حين يُكتفى به، وممنوع أن تفصل إلا إذا طُلب إليك لكي يقتنع الرجل.
وحالة ثانية إذا قال واحد لك فلان هذا طلب يدي ابنتي أو يد أختي، فهل أعطيه أو لا، فتقول له: لا تعطيه، سيقول لك: لماذا؟ تقول مثلاً: لأن هذه الحالة الثالثة، فهو يتزوج ويطلق، ويتزوج ويطلق، ودائماً يثبت أنه هو المخطئ في حق المرأة، فمثل هذا لا يُزوج لأنه سوف يطلقها، وتصير مطلقة...ففي مثل هذه الحالات يجوز مثل ذلك، والدليل الشرعي حديث أبي الجهم ومعاوية لما خطب فاطمة بنت قيس، فالنبي قال: أما أبو الجهم فلا يضع عصاه عن عاتقه- هو جيد وصحابي لكنه جبار يضرب النساء، فذكر الشيء المتعلق بالزواج- وأما معاوية فصعلوك لا مال له- هو فقير لا يملك شيء...إذن في التجارة والزواج يجوز هذا.
ونضيف على هذه الحالات ما هو أخطر منها؛ أخطر من الزواج وأخطر من التجارة، ما له مثلاً علاقة بما يتعلق بالأمة عموماً مثل التجسس، واحد أنت تعرفه جاسوس سواء جاسوس لإسرائيل أو لأمريكا أو لدولته الإسلامية، فهو يصلي ويكتب تقارير في عباد الله، فعندما تُسأل عن واحد من هؤلاء لابد أن تحذر منه وتقول إنه جاسوس، فهذه ليست غيبة، فإذا لم تحذر منه سوف يؤذي الناس ويرسلهم في ستين داهية، والناس مغرورين بلحيته وصلاته..ففي مثل هذه الحالات جائز من أجل أمان الناس وأعراضهم فلابد أن نحذر منه.
أيضاً في موضوع الرواية وهذا ليس لنا علاقة به الآن، وقد انتهى هذا الأمر من قديم، وهم يسمونه الجرح والتعديل، وهذا يكون من أهله وليس من أمثالنا، هذا يكون من علماء الحديث الكبار النقدة المتخصصين، فأي واحد لهم أن يتكلمون عنه ويقولون إن هذا كذاب أو مروءته منخرمة...وقد يتساءل أحدهم كيف يتكلم علماء في الناس هكذا؟ لو لم يتكلموا عن هذا وقالوا إنه كذاب ستكون النتيجة أن يختلط صحيح حديث رسول الله بالموضوع عليه والمكذوب، فهذه الحالات يجوز فيها الغيبة، أما حالات من عندك تخترعها فممنوع، وهي حالات معدودة.
ولذلك حديث لا غيبة لفاسق، فهذا الحديث ضعيف جداً، ويمكن لهذا الحديث أيضاً أن يُأول بطريقة تتفق مع ما قلنا، فعندما قال: لا غيبة لفاسق، تكون لا هنا ناهية، كأنه قال لا تغتابوا الفاسق، كما نقول "لا خيانة لمؤمن"، "لا خذلان لمؤمن" بمعنى لا تخن أخاك المؤمن، لا تخذل أخاك المؤمن، لا غيبة لفاسق أي لا تغتب الفاسق حتى وإن كان فاسقاً..إذن دعونا نحدد الأمر في هذا النصاب.
النصيحة تكون دائماً بشكل شخصي للشخص المنصوح، فإذا انتصح كان بها وإذا لم ينتصح فنسأل الله له الهداية ونتركه، وإذا أردنا أن نمثل به فلنمثل دون أن نعينه ونحدده، وهذا يحدث منا كلنا وجائز شرعاً، ولكن بعض الناس يكون حساس زيادة عن اللزوم، ليس حساساً أنه يخالف شرع الله وأنه يقترف القبائح، وإذا مُثل لا على التعيين كأن يقال بعض الناس فعل كذا وكذا يغضب جداً، بالرغم من لا أحد ذكر اسمه ولا أحد يعرفه، ولا أحد يهمه أن يعرفك، وأنا لا أحب أن أعرفه أصلاً، فالواحد يحب أن يبقى صدره سليماً على كل المسلمين، ولذلك أسوأ ما يكون، وأنا أحذر نفسي وإخواني، نقل الكلام على المسلمين، وهذه صفة إنسان يكون في قلبه مرض، فيأتي الواحد يقول لأنني أحبك أريد أن أخبرك ماذا يقولون عنك..لا، أنت بالعكس تكرهني، وفعلاً الذي ذمك هو الذي نقل إليك، ومن ذم الناس عندك بالحق والباطل ذمك عندهم، وهذه قاعدة لا يمكن أن تخطئ إلا في الحالات الاستثنائية كأن يأتيك ويحذرك من فلان لأنه جاسوس ويتعامل مع المخابرات الفلانية وحكى عنك كذا وكذا فانتبه منه، فهذا جائز وبارك الله فيه وهو يحذرني حتى لا أروح فيها، لكن في الحالات العادية لا يجوز أبداً نقل الكلام، فهذه اسمها النميمة، والنبي قال: لا يدخل الجنة نمّام، وحديث لا يدخل الجنة قتات.
وهذا القتات لا يمكن أن يوثق على النقل، فيأتي ويقول فلان قال عنك كذا وكذا، وصدقني يكون الرجل قال عندك ثلث الكلام أو حتى ربعه أو عُشره وهذا زاد تسعة أعشار من عنده أو حسبما فهم أو حسبما تخيل، فلا يجوز هذا.
إذن فلنقتصر إذا أردنا أن ننقد أحوالنا وأحوال مجتمعنا وإخواننا، لنقتصر على النقد العام أنه يحدث كذا كذا، أن بعض الناس يفعل كذا وكذا، بعض الأخوات يفعلن كذا وكذا، فهذا جائز ولكن ممنوع تعيين الأشخاص لا في الجلسات العامة ولا في الجلسات الخاصة أيضاً.
أخر شيء حتى لا يفوتني هو نقد الأفكار العامة وليس نقد المسائل الخاصة، فواحد مثلي أعتلي المنبر وأخطب وأدرس وهناك بعض الأفكار لا تعجب بعض الناس، بعض الفتاوى لا تنال رضا بعض الناس، وهذا شيء طبيعي جداً، فليس هناك من إنسان يكون كلامه كله مقبول عند كل الناس، فأمزجة الناس تختلف ومرجعياتهم الفكرية وطريقتهم في التحليل وتقديرهم للأمور تختلف، وفوق كل ذي علم عليم، فطبيعي أن الإنسان لا يُوافق على كل ما يقول، وأحياناً لا يُوافق على أكثر ما يقول، فإذا ووفق الإنسان على نصف ما يقول هذا يكون سعيد، وبعض الناس يخشى من الخلافيات، وأنا أرى العكس؛ أرى أن الشجاعة والإخصاب والإثراء والقدرة على التحليل تكمن في الخلافيات
بعض الناس قبل فترة جاءني وبعد حديث طويل قال لي: أنا أرجوك أنه على الأقل في الخطبة تحدث في القطعيات، قلت له: لا، أنا ضد هذا المبدأ، فللأسف الناس يخافون من الخلاف..لماذا؟ إذا أنت لم تعمل نوع من التوضيح ما يمكن بعد ذلك أن نأمن أن نتفق أو ألا تتسع شقة الخلاف بيننا إذا اختلفنا في سفافس الأمور، يجب أن نضع كل المواضيع القطعية والخلافية، فإذا اتفقنا على بضعها أو على أكثرها كان بها، وإذا لم نتفق على الأقل نكون قد رقينا في أنفسنا نفسية أن يسمع أحدنا رأيناً مخالفاً، وممكن أن تكون هناك فرصة لمناقشة هذا الرأي وهذا ما يثري العقل.
إذن كانت هناك بعض الآراء يحب بعض الناس أن ينتقدها على عدنان مثلاً أو على الشيخ فلان في الفضائية الفلانية، فهذا جائز والعقل يقول به، لكن لا تشخصن الأمور، فلا تقول مثلاً عدنان أخطأ في هذه القضية في نظري، وعلى فكرة يمكن أن يكون أخطأ ويمكن يكون أنت الذي أخطأت، دع الأفكار هي التي تتصارع وليس الأشخاص، ولا تجعل مشكلتك الشخصية تكون مع عدنان نفسه، ودع مشكلتك فقط مع الأفكار، والشجاعة أن تكون مع الأفكار لأن اغتيال الأفكار أصعب بكثير من اغتيال الأشخاص، فأنت تستطيع أن تهدم شخص وتهدم مصداقيته بسهولة فتقول: هو في نظري جاهل ولا يفقه شيئاً، تستطيع أن تقول ذلك عن أي عالم أو أي متكلم أو أي إنسان، لكن لو قلت إن هذه الفكرة خطأ ستُطالب بتبرير لماذا هي خطأ، أو قلت إن هذه الفكرة كذب سيقال لك لماذا هي كذب، فأصعب شيء هو أن تنال من الأفكار، لأنه لا تنال بالأفكار إلا بالأفكار، لكن تنال من شخص أسهل شيء، ويستطيع أصغر الناس أن ينال من أعظم الناس، فهذا مسلك خاطئ فوق أنه غير مثمر.
ولكن نحن لا نسد الباب في وجه النقد، بل نحن نحب النقد وهو ضروري ولكن لابد أن يبقى نقاش أفكار وطروحات وليس نقاش أشخاص بأن تجعل الخلاف معه شخصياً، وعلى فكرة إذا أردت أن تشخصن الخلاف أحياناً ستصبح الدنيا كلها ساحة خلاف، لأن الأشخاص لا يتفقون كأشخاص، فالعقلية والمزاج والطريقة والأسلوب يختلف من شخص إلى شخص، حتى الرسل ليس هناك رسول مثل الآخر، فرسول مثل عيسى عليه السلام ورسول آخر مثل يحيى وسبقه بالرسالة، هناك خلاف كبير جداً في المزاج، الرسول في الأخير بشر وليس ملك، وله مزاج وبحكم النشأة والتربية وبحكم أشياء كثيرة، فهو بشر ويظل بشر، يحيى كان فيه عنف وشدة ويميل إلى الترهيب والعقاب، أما سيدنا عيسى فيسلك المسلك المعاكس تماماً بالأسلوب اللين الرحيم اللطيف، وهذا الذي نجح فيه المسكين ما قُدر له، وهارون وموسى نفس الشيء؛ هارون رجل لطيف يأخذ الأمور من زاوية، لكن موسى رجل فيه نوع من الغضب ونوع من العنف ونوع من القوة، وأعتقد أن إنسان تربى في حجر فرعون ورأى الظلم والفرعنة لابد أن يكون صارخاً في ثورته على كل انحراف، فإذا أردنا أن نفسره سيكولوجياً واجتماعياً هذا هو الأمر.
بعض الناس ضد هذا المسلك وأنا استغربت، وهناك واحد اسمه أحمد عادل أو شيء مثل هذا وهو مصري ألف كتاب اسمه "التحليل السيكولوجي للأنبياء" وقامت الدنيا ولا تقعد عليه، وأنا كنت سعيد جداً أن هناك واحد مسلم، ولو مسلم بالهوية، تناول هذا الموضوع، فضروري أن نفهم الأنبياء بشكل سيكولوجي، وطبعاً هذه المحاولات قد يكون فيها قدر من الصحة وأقدار من الخطأ، لكن من حيث المبدأ القضية صحيحة ليس فيها أي شيء، ولكن بعض الناس تنظر إليها على أن النبي صنعة إلهية، وهو بلا شك صنعة إلهية، ولكن ليس ملكاً، ليس نورانياً، بل هو كائن بشري عنده ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية، وعنده موروث جيني وتركيبة نفسية تختلف من نبي إلى نبي ومن ظرف إلى ظرف ومن سياق إلى سياق، وهذا لا يقلل من عصمته، فهو يبقى النبي المعصوم الذي لم يكذب على الله ولم يفتر على الله أبداً، العصمة محفوظة له ومع ذلك هو بشر، إذا رسول الله أحسن الأنبياء كان يقول: اللهم إني بشر أغضب كما يغضب البشر، ويرضى كما يرضى البشر، اللهم أي امرؤ سببته أو لعنته وهو لا يستحق ذلك فاجعل سبي ولعنتى له رحمة له...النبي ممكن أن أخرج كلمة أسب أو ألعن بها إنسان معين، فإذا كان سبي ولعنتي هذه في غير محلها اجعلها رحمة له.
سُئل الحسن البصري، وهو رجل زاهد وصوفي، ولكن على منبره شديد النقمة على الحكام، وكان يذكرهم بالأسماء حتى عاش شطر حياته الأخير مطروداً ومختبئ من بني أمية لأنه كان مطلوب رأسه للحجاج، ولم يرح حسن البصري إلا بعدما مات الحجاج..لماذا؟ لأنه كان شديد النقمة والانتقاد على ظلم أمراء وخلفاء بني أمية وكان يذكرهم بالأسماء، فسألوه: يا إمام أليس هذا من الغيبة؟ فقال لهم: من كان ذنبه علانية وجب الكلام فيه علانية، وتوبته لا تقبل إلا علانية..هذا غير إنسان مثلنا في حاله مسكين ارتكب خطأ والله فضحه فلا تفضحه بين الناس، بل قل له بينك وبينه، لكن هذا حاكم خطأه على رؤوس الأشهاد ويذهب ليضع يده في يد أعداء الله ويتآمر على أمته ويوقع معاهدات خيانة واستسلام ويحرض على المسلمين.
هناك حاكم مسلم إذا مات على هذه الطريقة فلعنة الله عليه وعلى أمثاله، هذا لما فازوا إخواننا الجماعة الطيبين الطيب أردوغان والإسلاميين في تركيا وهم صراحة معتدلين ما شاء الله عليهم، وحتى أمريكا لم تمسك عليهم شيء، فهم معتدلون في طروحاتهم وموقفهم وعندهم فعلاً نموذج ديموقراطي جيد وخطاب واعي..فانزعج هذا الزنديق وكتب في موقعه على الإنترنت بشكل واضح يقول: أنا أحذر أوروبا بالذات وأقول لها احذري من هذه الشجرة الخبيثة..يقول على هذه الصحوة الإسلامية إنها شجرة مسمومة خبيثة، وجذورها ستكون في العالم العربي والإسلامي لكن فروعها وثمارها ستنال وتطال أوروبا، وإذا لم تجتثوها من اليوم..فهو هنا يريد إجراءات تطهيرية تطهر كل شيء اسمه صحوة إسلامية مثلما يفعل هذا الزنديق في بلده، فأي شاب في بلده يضبط متلبساً بصلاة الفجر حاضراً يروح في ستين داهية، ويكتب ذلك في تهمته ضبط متلبساً بصلاة الفجر جماعة خمس مرات، إذا مرة صلى الفجر جماعة قد يسامحوه لكن خمس مرات فقد ضاع، ويأخذونه من باب المسجد إلى الزنزانة مباشرة..ما هذه الزندقة؟! ثم يقولون إسلاميين وتطرف، ولا يسألوا أنفسهم من سبب التطرف، والسبب هو مثل هذه المسالك، فأنا هنا إنسان أعيش في النمسا منعم ألعنهم وأسأل الله لهم اللعنة بسبب مثل هذه المسالك الزنديقة، فكيف بالإنسان الذي يعاني من هذه المرائر ويعيشها، لابد أن يتطرف في الأخير.
إذن هو يحذر أوروبا أن انتبهي واجتثي هذه الشجرة وطهري الأجواء من هؤلاء وإلا ممكن يصير عندك هناك في أوروبا في الأخير في يوم من الأيام حكم إسلامي..يا إلهي؟! وقبل أيام سمعنا الرجل مغلول جداً من فكرة- وهي فكرة لم تتحقق وصعب أن تتحقق في المدى القريب- أن تقوم دولة فلسطينية للفلسطينيين، وستكون دولة على عشرة في المائة فقط، وقال: لا، لو قامت هذه الدولة سوف تشكل خطراً حقيقياً على إسرائيل...لعنة الله عليك وعلى إسرائيل! فهل تريدون ألا نتكلم عن مثل هذا الزنديق ونقول عيب حرام غيبة، فهذا هبل واستهبال لو قلنا إن الكلام عنه غيبة، والحسن البصري قال: من كان ذنبه علانية تكلمنا عنه في العلن ولا تُقبل توبته إلا علانية...فلا يأتي أحد ويقول لنفرض أن هذا الرجل تاب، لنفرض أنه بعدما قال هذا الكلام في موقعه أو في المؤتمر الفلاني تاب إلى الله، أقول له: لا أقبل هذه التوبة، ولابد أن يتوب علانية مثلما أذنب علانية.
كان هناك شاب بوسني مسلم ملتزم، وكنت أرى فيه شاباً منوراً لصدقه، وكان يحب الإسلام حباً جماً، فكان معترضاً على أن بقايا الشيوعيين الذي دبروا قتل المسلمين وسجنهم وذبحهم أيام تيتو وأتباع تيتو، صار لهم مناصب كبيرة في الحكومة الجديدة، وقال أنا أرفض هذا ولا أقبله، وكان عنده علاقات مع ناس كبار، فكان يقول: يقول لي بعضهم أن هؤلاء تابوا، فرددت عليه- وقد أعطاه الله هذا الجواب- لقد تابوا وتوبتهم لهم ولكن عندنا هي غير مقبولة، ممكن الله يقبلها ولكننا لا نقبلها كأمة، وهذا لكي لا نُخدع مرة ثانية..لا يُلدغ المؤمن من جحر مرتين، وقد أعجبت بهذا الجواب لأن هناك حديث أخرجه أبو شيبة وهو حديث غريب صلى الله على من علمه هذا الشيء، والني يحدثنا في هذا الحديث عن أنه من أسباب غضب الله على أمة أن الله إذا مكن لهم في الأرض جعل أمورهم أو بعض أمورهم إلى من كانوا عدواً لهم في بالأمس...فإذا اليوم الله منك وغيّر من شأنك فما تجعل ولايتك فيمن كان سبب اضطهادك وظلمك بالأمس، فالمؤمن لا يُلدغ من جحر مرتين، وبالنسبة للقضية العرقية وحتى لا يصير اضطهاد وتصفيات وشفاء غيظ وأحقاد، فنحن لا ندعو للتصفيات ولكن اجعلهم يعيشون في الأمان من حيث المبدأ لكن لا يمكن أن يرجعوا إلى حكم الأمة مرة أخرى، فنحن لن نعطيهم الفرصة مرتين، والنبي قال من يفعل هذا فهذا سبب من أسباب غضب الله عليه.
ليس هناك أمة أو شعب في الدنيا كلها عاجز أن يُخرج وفي فترة وجيزة إن شاء الله تعالى من كفاءات والقدر والإمكانات التي تسير إدارته وقياداته، كل أمة فيها هذه القدرات في الاقتصاد والسياسة، كل أمة تستطيع ذلك، ولكن تأتي بجزار الأمس ليحكم اليوم وتقول إنه تاب، فتوبته هذه بينه وبين رب العالمين ولكني لا أعترف بهذه التوبة، وأنا حتى لا أعرف هل الله قبلها أو لم يقبلها فهذا عند الله تبارك وتعالى، وقد رأينا نحن بأعيننا المنافق الكبير عبد الرشيد دستم الله يعلنه البعيد، هذا كان زمان يقف مع الروس، ولما صار التحالف الأمريكي وضع نفسه مع هذا الحلف، ولما صار تصفيات المسلمين بأمر المجرم العالمي رامسيفيلد وقال أريدهم أحياءً أو أمواتاً، وأعطى تصريح بقتل الأسرى دستم هذا الحقير كان السبب في قتل خمسة آلاف واحد، لو كان انقطعت رأس هذا المجرم أو وضع في زنزانة أو مزبلة ولم نعطه أي فرصة أي يعود ويلتف مرة أخرى لما صار هذا الذي صار، لكننا نرجع الخونة والقتلة ونقول تابوا وغيروا موقفهم...لا يوجد شيء اسمه تابوا، الذي يتوب يمكث في بيته، وسنأتي بأناس نظيفة تحكمنا.
فمثل هذا الكلام نقوله في الحكام بالذات، وليس الحكام فقط فحتى المفاتي؛ مفتي الجمهورية الفلانية، ومفتي المملكة، هؤلاء الناس الكبار ليس لهم حرمة، فمادام هو طلع وأحل ما حرم الله على رؤوس الأشهاد فلم يبق له ذمة على الأقل في هذه الحدود، وسوف نخطئه، وإذا ثبت أنه مدمن تحريف وكذب على الله ورسوله لابد أن نجرده، ولابد أن نهتك ستره، وقد قال الشاعر من قديم:
من الدين هتك الستر عن كل مجـرم بـدعي أتى بالعجائب
فلولا رجال مؤمنون لهدمت صوامع دين الله من كل جانب
من الدين فضح الدجالين والنصابين الذين ينصبوا ودجلوا باسم الدين من المفاتي والمشايخ والقضاة والعلماء والكتاب والحكام، أما إذا سكتنا عنهم بحكم أن هذا اسمه غيبة، فتجعل غيبتهم كغيبة آحاد الناس من أمثالنا، فهذا معناه أننا سنكون أكبر أمة تُستغفل وتُستهبل ولن يكون لدينا لا نقد ولا صحافة ولا سياسة ولا تغيير ولا تقويم ولا أي شيء، وهذا لا يصح ولا يكون.
وحتى واحد مثلي يختلف عن واحد مثل أحد منكم، فأنا أتكلم من على المنبر فإذا ثبت بالدليل والبرهان أني أبث أفكاراً مسمومة، وأفكاراً عميلة، وأفكاراً تفت في عضد الأمة، ثم نبهت وأفهمت وأفحمت وثبت أن أفكاري هذه غير صحيحة ولم أتراجع عنها، ثم عدت مرة أخرى لأبثها فيجب أن أفضح وتكون هذه مهمة أمثالكم، ولابد أن ينزلوني من على المنبر بالقوة، ويقولون لقد ناقشناك في هذه الأفكار أكثر من مرة وأفحمناك فلماذا تعيدها مرة أخرى، فهذا معناه أنك رجل مدفوع ومغرض وفي قلبك مرض، ويكون واجبكم أن تنزلوا هذا الشخص من على المنبر بالقوة وإلا أنتم آثمون، فكل إنسان يتولى مسئولية لابد أن يُحاسب على قدر مسئوليته.
ولذلك حساب الأب يوم القيامة غير حساب الولد، فلو افترضنا عائلة مكونة من أب وأم وأولاد صغار أو بالغين وكلهم ماتوا، فيوم القيامة لو كان هؤلاء الأولاد بالغين فعليهم حساب بلا شك، ولكن حسابهم لن يكون مثل حساب أولياء أمورهم، بل سيكون أقل بكثير، فالأب سوف يحاسب عن نفسه كزوج وعن زوجته وعن أبنائه وبناته جملة واحدة، وعلى فكرة ممكن الأب يكون صالح ويصلي ويصوم وخشوع ممتاز، لكنه غير معتني كثيراً بأولاده أو زوجته، فتجد زوجته تخرج للشارع متبرجة فيقول هذا ما تحبه ماذا أفعل لها؟! زوجة مثل هذه كفيلة بأن تدخلك نار جهنم معها، وابنك أيضاً لو تركت له الحبل على الغارب ولم تتخذ صلاحياتك كأب ومتأثر كثيراً بالفلسفة الغربية في التربية، وأنا حقيقة أتعجب من رجال تارك الواحد فيهم الحبل لأولاده وبناته على الغارب، وليس له هيبة عندهم، وأنا لا أحترم أي أب أو أم ليس له هيبة على أولاده، فأنا وقد قاربت على الأربعين اليوم مازال أبي له هيبة في قلبي ليس لأي شخص آخر، ووالدي ليس بعالم ولا شيخ، لكنه إنسان مستقيم ومتدين وأعرف عنه كل خير، فأنا أحترمه وأهابه وأحترم وجهة نظره، فهو أكثر إنسان له هيبة في قلبي، وهذا لأنه رباني على أن أحبه وأن أهابه أيضاً.
ولكن هناك أناس يعامله ابنه كأنه صديقه، ويتناقش معه ويكسر رأيه..هذا خطأ وأسلوب فاشل في التربية، فلابد أن يكون لك كزوج هيبة، ومعنى أن الرجال قوامون على النساء أن هناك نوع من الهيبة حتى على الزوجة، فليس كل ما أقول شيء تقول زوجتي عكسه أمام أولادي، والابن يطلع نفس الشيء كلما أقول شرق يقول غرب، ويقول هذه التربية الحديثة ونحن في مجتمع حر، وفي الأخير يطلع شخصية سخيفة لا يساوي قرشين، وأبوه أول واحد يشتكي منه يقول لا يسمع الكلام، هذا لأنك ربيته بهذه الطريقة، ربيه بالطريقة الإسلامية، والنبي قال: علموا أولادكم...واضربوها عليها عشر، قال هناك ضرب، وهو ليس ضرب تكسير ويهشم، بل ضرب يشعر بالسطوة والهيبة، فأنت تظل ابن وأنا أب ولي سلطة عليك، وهذه السلطة لابد أن تستخدم أحياناً حتى على الزوجة من غير تعسف في استخدام السلطة، فأنا لا أعترف بعلاقة احترام مطلق بين الزوجين لا تغلفها هيبة، لابد لك كرجل أن يكون لك هيبة، وحتى في عالم الحيوانات الذكر دائماً له صولة وهيبة، وحتى أنا لاحظ في أطفالي الصغار؛ الطفل الرضيع صوت أمه لا يجعله يهتز، ولكن صوت الأم يجعله يرتجف، وهذا معناه أن هذا الإنسان مخلوق غرزيا لكي يقود، وكل شيء سواء مسجد أو سفينة أو شركة أو دولة أو أي شيء بلا قيادة يفشل، ولا يمكن أن يقود اثنان بل لابد من واحد، ولو غابت القيادة سيفشل كل شيء، لذلك أنصح الآباء أن يكون له على زوجته وعلى أولاده نوع هيبة وليس تسلط وظلم، بحيث يكون كلامه محترماً.
حدثني أخ فاضل، وهو طيب وإنسان فاضل ومتعلم قال: ما أعلم أن أبي رفع علينا يده أو عصا طيلة حياته، لكن إذا نظر نظرة بغضب تنخلع قلوبهم، عمره ما ضربهم لكن له هيبة عليهم، وقال أيضاً عمره ما قصر معنا وكان يكرمنا إلى حد التبذير في البيت لكن له هيبة، وهو أب صالح متدين لا يضرب ولا يُكسر لكن لما ينظر على شيء لا يعجبه تنخلع القلوب من هيبته.
وأذكر لكم قصة سمعتها من واحد مهندس عاش في ألمانيا ثلاثين سنة، وهو معجب بالألمان جداً، وسألته ما سر نجاح هؤلاء؟ هؤلاء الألمان الحقيقيون الذي بنوا الدولة وهم ثمانين مليون وحققوا المعجزات، ونحن ثمانين مليون لدينا ولا حاجة، فقال: الفرق بيننا وبينهم هو التربية، والجدية والصرامة في التربية، فكل شيء لديهم في مكان، قلت له: كيف، قال: بالنظر، وأنا أتألم عندما أزور عائلات عربية وإسلامية وأجد الأب ينبح صوته يا ولد سأكسرك ولا حياة لمن تنادي، والولد يخطب ويضرب في الضيوف ولا احترام عنده حتى للضيوف، قال لي: أنا زرت مئات العائلات، وعلاقتي مع الألمان أفضل من العرب، وأحب أن أتواجد معهم لأني أستفيد منهم أكثر، فعندما أكون مع أسرة ويأتي الولد ليمد يده على قطعة الشيكولاتة فينظر له أبوه انتهى الأمر ولا يعود مرة ثانية، بالنظرة يوقفه عند حده أي عيب هذا، ولا يأتي الولد ولا يمد يده بعد ذلك..هذه هي الجدية، وعندما الواحد يصير عمره ثلاثين سنة ويعتبر نفسه غير مكلف وأنه مازال ولد صغير وصبي، ويصير أربعين سنة ويحس نفسه صبي، فهو لم يتعلم أن يكون جدياً في حياته وأوقاته ومواعيده وبرنامجه.
وحكى لي هذا المهندس قصة غريبة عن واحد اسمه بشار، قال: هذا بشار تربى بالطريقة الألمانية أمه ألمانية وأبوه سوري، ومرة واحدة الولد أخطأ وكان عمره خمس عشرة سنة، أخطأ خطأ بسيط فصفعه أبوه لأول مرة، فكان هذا عند الولد مصيبة لأنه أهين في كرامته لأنه تعلم أنه بنظرة يستقيم فكيف هو ضُرب الآن، وعلى فكرة الدين يقول "اضربوهن" على النساء يقصد بهذه الطريقة، أنه يوجد هيبة واحترام ولما يصل الأمر مواصيل بعيدة يكون صفعة بسيطة مثل هذه كافية أن تحسم الأمور بين الرجل والمرأة...فهذا الولد صفعه أبوه هذه الصفعة، فراح الولد ولم يعد، وجاء الليل ولم يعد، وثاني يوم لم يعد أيضاً وثالث يوم لم يعد الولد، ورابع يوم رن الهاتف وكانت المتصل الشرطة الفرنسية من باريس يطلبون من الوالد الحضور لاستلام ابنه..فالابن من كثرة ما عزت عليه نفسه وضاقت عليه الأرض بما رحب لأنه أهين وصفع صفعة على وجهه من أبيه وليس من إنسان غريب أو شرطي أو جلاد أو من مدرس، أخذ الولد دراجة وهام على وجهه وإذا به في فرنسا في باريس دون أكل أو شرب وليس معه مال فأغمي علي المسكين في الشارع، فأخذته الشرطة وحققوا معه وعرفوا منه أنه من ألمانيا فاتصلوا بأبيه حتى يأتي ويستلمه.
سُئل فيلسوف ألماني ما سبب نجاحكم كشعب ألماني؟ قال: لأن الشاب منا يمر على الثكنة قبل أن يمر على الجامعة، بمعنى أن هناك تربية عسكرية وانضباط عسكري، الأمور مأخوذة لديهم بالجد..وأنا أعتقد أن المسلمون الأوائل كان عندهم مثل هذا الجد وأكثر، فأنت تستغرب كيف واحد أخذ على نفسه عهد أن يقوم الليل، فواحد مثل أبي حنيفة كان يسير في الشارع، فواحد يقول لأخيه: أتعرف من هذا؟ قال: لا، قال: هذا أبو حنيفة الذي يصلي الصبح بوضوء العشاء، وأبو حنيفة المسكين لم يكن يفعل هذا، بل كان يقوم نصف الليل فقط، فخشية أن يُحمد بما لا يفعل ظل يصلي بعد ذلك الليل كله قائماً ويصلي الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة حتى توفاه الله..أرأيتم إلى أين وصل الجد؟!
حكيم بن حزام، والحديث في الصحيحين، قال لرسول الله اعطني فأعطاه الرسول، ثم قال أعطني فأعطاه وقال له يا حكيم إن هذا المال حلو خضرة...إلى أخر الحديث، وقد ذكرت الحديث من قبل بطوله، فقال هذا ليس جيد أن تأخذ المال دون حاجة، فمن أخذه بحقه بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس لم يبارك له فيه، فقال له: والله يا رسول الله لا أرزأك ولا أرزأ أحد بعدك، وانتهى ونقطة وبدأنا سطر جديد، فلم يطلب من رسول الله شيئاً بعد ذلك، وجاء أبو بكر وأراد أن يعطيه عطائه مثل كل المسلمين وهذا حقه، فقال لن آخذه ولا أريده، وانتهت خلافة أبو بكر وجاء عمر وأراد أن يعطيه عطائه وأمواله فلم يأخذ منه شيئاً، وفي خلافة عثمان نفس الشيء حتى توفاه الله...هذا هو الجد، وهؤلاء هم الرجال، هذه هي العظمة الحقيقة، ولذلك فتحوا العالم والدنيا، فإذا وضعوا خطة يعمدون إلى تنفيذها حتى تنتهي دون أي لعب، ونحن حياتنا كلها سبهللاً، كما قيل:
فلا يمضين منك العمر سبهللاً ولا تغـبنن بالنعمـتين بل أجهد
فمن خالف اللذات نال المنى ومن أكب على اللذات عض اليد
فهذه حياتنا كلها عض على الأيدي، ويا ليت ويا ليت، وحياتنا كلها ندامة على مستوى الأفراد والجماعات لأنه ينقصنا الجد، وهذا الجد أراه مفقود بداية حتى من التربية العائلية بين الأب وأبنائه، وبين الزوج والزوجة، فيجب أن يكون هناك جد ولا نغتر بالأفكار الغربية الفارغة باسم الحرية وإتاحة الفرصة، فهذا اسمه تسيب وتضييع للطاقات، ويبدو أنه لا شيء أفسد للولد والبنت مثل التدليل والدلع، فمثل هذا الدلع مفسد لشخصية.
************************************************** ***
عن د عدنان إبراهيم
https://scontent-a-cdg.xx.fbcdn.net/...61&oe=550ADE81
يأتي في آخر الزمــان قوم: حدثــاء الأسنان، سفهاء الأحــلام، يقولون من خير قــول البــرية ، يقتــلون أهل الإسلام ويدعون أهـل الأوثان، كث اللحيـة (غزيرو اللحيــة)، مقصرين الثيــاب، محلقيــن الرؤوس، يحسنون القــيل ويسيئون الفعــل، يدعون إلى كتاب الله وليسوا مــنه في شيء.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين يحملون هذه الصفات:
يقرأون القرآن لا يتجـاوز حنــاجرهم، يمــرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّميَّــة، فأينما لقيـتموهم فاقتــلوهم، فإن قتــلهم أجر لمن قتــلهم يوم القــيامة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: فإن أنـا أدركتهــم لأقتــلنهم قتــل عاد.
مصــادر الحديث:
===========
صحيح بخارى - صحيح مسلم-مسند احمد بن حنبل - السنن الكبرى للنسائى- السنن الكبرى للبيهقى - الجمع بيين الصحيحين بخارى ومسلم - كتاب الأحكام الشرعية الكبرى - سنن أبى داود
يأتي في آخر الزمــان قوم: حدثــاء الأسنان، سفهاء الأحــلام، يقولون من خير قــول البــرية ، يقتــلون أهل الإسلام ويدعون أهـل الأوثان، كث اللحيـة (غزيرو اللحيــة)، مقصرين الثيــاب، محلقيــن الرؤوس، يحسنون القــيل ويسيئون الفعــل، يدعون إلى كتاب الله وليسوا مــنه في شيء.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الذين يحملون هذه الصفات:
يقرأون القرآن لا يتجـاوز حنــاجرهم، يمــرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرَّميَّــة، فأينما لقيـتموهم فاقتــلوهم، فإن قتــلهم أجر لمن قتــلهم يوم القــيامة. قال النبي عليه الصلاة والسلام: فإن أنـا أدركتهــم لأقتــلنهم قتــل عاد.
مصــادر الحديث:
===========
صحيح بخارى - صحيح مسلم-مسند احمد بن حنبل - السنن الكبرى للنسائى- السنن الكبرى للبيهقى - الجمع بيين الصحيحين بخارى ومسلم - كتاب الأحكام الشرعية الكبرى - سنن أبى داود







