رد: نسف شبهات دعاة المظاهرات والاعتصامات والإضرابات.
16-05-2011, 08:11 PM
ثانياً: قول عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-:
(إن رأيتم فيَّ اعوجاجاً فقوموني).
فأجابه رجل ممن كان حاضراً:
لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا.
فقال:
(الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من إذا اعوججت قومني بسيوفهم).
ولما قام يخطب وعليه ثوبان فقال:
(اسمعوا وأطيعوا).
فقال أحد الصحابة:
لا سمع ولا طاعة!
فقال: (لمه؟!).
فأجاب الصحابي : أعطيت الناس ثوباً واحداً ولك ثوبان.
فقال الخليفة الراشد:
(يا عبد الله بن عمر أليس هذا الثوب الآخر ثوبك أعطيتنيه؟).
فقال عبد الله: نعم.
فقال الصحابي: الآن نسمع ونطيع.
ومن جملة المستدلين بهذا الأثر محمد الوقشي الكاتب الإخواني في بحثه الذي بعنوان:
"الحجج الظاهرة في الاعتصام والإضراب والمظاهرة",
ثم عقب بقوله:
"عجباً ممن يسمع هذه الكلمات الخالدة الدالة على عمق التربية النبوية في الراعي والراعية ثم يقول:
إن محاسبة الحاكم وأطره وقصره على الحق يناقض نصوص الشرع ومقتصد الرسالة".اهـ
والجواب وبالله التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل:
1ـ أهل السنة والجماعة -ولله الحمد- كما هو واقعهم في الماضي والحاضر يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر بالطرق الشرعية, ويناصحون من ولاه الله أمرهم عملاً بقول النبي –صلى الله عليه وسلم-:
( إن الله يرضى لكم ثلاثاً "..ومنها:"
أن تناصحوا من ولاه الله أمركم).
وعملاً بما في صحيح مسلم عن تميم الداري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-:
(الدين النصيحة).
قلنا: لمن؟
قال: (لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ).
فهم ينصحون الراعي والرعية, ويذكرون ولاة الأمور بالله, ويحذرونهم سطوته وعقابه, ويحثونهم على تحكيم شريعة الله في عباد الله, فهي نور الله في أرضه وعدله بين عباده, وأنه لا يُصلِح العباد ولا البلاد الديمقراطيةُ الغربية, ولا القوانين الوضعية, ولا مجارات أعداء الإسلام في أفكارهم الضارة وعاداتهم القبيحة,بل تلك الأشياء من أعظم ما يفسد البلاد والعباد, فأهل السنة يقومون بذلك كله وفق الطرق الشرعية, والتوجيهات المحمدية والآثار السلفية, وإنما ينقم عليهم أعداؤهم أنهم لا يشاركون في الثورات المعتزلية الخارجية, ولا في الخطابات العاطفية الحماسية, ولا المظاهرات والاعتصامات الغوغائية, ولا الانقلابات العسكرية الدموية, وتلك شكاة ظاهر منك عارها.
فأهل السنة هم الذين يدعون إلى الإسلام عقيدة وشريعة, فريضة ونافلة, ويحاربون الكفر والشرك والبدع والضلالات, ويحذرون من المعاصي والمنكرات لا لأجل دنيا ولا وصول إلى سلطة, وإنما طاعة لله واتباعاً لسنة رسوله –صلى الله عليه وسلم- حسب استطاعتهم، فلله درهم وعليه أجرهم.
2ـ هذا الأثر المنسوب إلى عمر -رضي الله عنه- أنه قال: (اسمعوا وأطيعوا).
فقال أحد الصحابة: لا سمع ولا طاعة...إلخ.
ذُكر في بعض كتب التواريخ والسير بلا زمام ولا خطام, وذكره ابن الجوزي في صفة الصفوة (1/203) عن أبي حاتم عن العتبي فذكر القصة الطويلة.
قلت: وهذا إسناد لا يفرح بمثله ولا يلتفت إليه، فالعتبي إن كان هو محمد بن عبد الله بن عمرو بن معاوية بن عمرو بن عتبة بن أبي سفيان, فقد ذكره الذهبي في السير وذكر ممن روى عنه أبو حاتم السجستاني, وقال الذهبي عن العتبي: كان أديباً إخبارياً وكان يشرب.
قلت: ومع هذا فبينه وبين عمر -رضي الله عنه- مفاوز تنقطع دونها أعناق المطي! فعمر -رضي الله عنه- مات سنة 23 هـ والعتبي مات سنة 228 هـ،كما ذكر ذلك الخطيب في تاريخه؛ ولم أقف على سنة ميلاده، ولا ندري كم بين ابن الجوزي وأبي حاتم المذكور؛
فالأثر معلق من أوله ومنقطع من آخره؛
وحال العتبي ما ذُكر.
ثالثاً: ما نسب الوقشي في بحثه السابق إلى عمر -رضي الله عنه- أنه خطب الناس فقال في خطبته:
(إن رأيتم فيَّ اعوجاجاً فقوموني).
فأجابه رجل ممن كان حاضراً:
لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناك بسيوفنا.
فأنا أطالب الوقشي بإحالتي على إسناده! ليتأتى الحكم عليه بما يستحق؛ ولا شك أن علماء الأصول يقولون:
إن المطالبة بصحة الإسناد من القوادح في الاستدلال، فكيف بما سبق بلا زمام ولا خطام؟!
وقد بحثت عنه فلم أجده, فأسعفنا بالإحالة على كتاب من كتب الحديث أو التاريخ والسير ذكره بإسناده, وإلا فلا تهرف بما لا تعرف!.
وقد وقفت في مصنف عبد الرزاق وطبقات ابن سعد على جزء من هذا الأثر، ولكنه منسوب إلى أبي بكر -رضي الله عنه- لا إلى عمر -رضي الله عنه-, ومع ذلك فسنده ضعيف, ففي المصنف (11/336) وطبقات ابن سعد (3/212) من طريق الحسن أن أبا بكر الصديق خطب فقال :
(... فإن استقمت فأعينوني وإن زغت فقوموني).
قلت: وهذا إسناد ضعيف لانقطاعه بين الحسن البصري وبين أبي بكر -رضي الله عنه- فإن الحسن البصري إنما ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر.
رابعاً: قول أبي بكر -رضي الله عنه-:
(أطيعوني ما أطعت الله ورسوله, فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم).
وهذا الأثر ضعيف فقد أخرجه عبد الرزاق في مصنفه (11/336) عن معمر قال: حدثني بعض أهل المدينة قال: خطب أبو بكر ... وفيه:
(.. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم).
لأن الواسطة التي بين معمر بن راشد وبين أبي بكر مبهمة, فهذا البعض لا ندري من هو ولا ما حاله, ومثل هذا الإسناد لا يثبت به شيء لضعفه, وهذا معروف عند أهل الحديث ولله الحمد.
فإن كان له إسناد صحيح فأين هو؟!!
{ قُلْ هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا }.
القسم الثالث: قواعد شرعية:
أولاً: استدلوا لجواز المظاهرات والاعتصامات والإضرابات بأنها وسيلة مباحة تؤدي إلى إقامة الخلافة النبوية, أو على أقل تقدير إلى إصلاحات سياسية واقتصادية قالوا:
والوسائل لها أحكام المقاصد!.
والجواب:
أنها لو كانت كما زعموا لكانت من أعظم الواجبات الشرعية, وقد تناقضوا هم أنفسهم فتارة يقولون: إنها مباحة, وتارة يقولون: هي جهاد في سبيل الله, والموت فيها شهادة، والتخلف عنها نفاق وخذلان للأمة, ولا عجب من الإخوان المسلمين الذين يسمون الأمور بغير أسمائها لتروج بين الناس!, كما قد سمى أناس آخرون الخمر بالمشروبات الروحية!, والحشيشة بأم الأفراح!, والفجور بالحرية الشخصية! وهلم جرا.
وإنما الجهاد الشرعي الذي هو ضد أعداء الإسلام ويفتي به الراسخون من أهل العلم, ويكون المقصد منه إعلاء كلمة الله, فقد سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين عن الرجل يقاتل حمية, والرجل يقاتل للذكر, والرجل يقاتل ليُرى مكانه, أي ذلك في سبيل الله؟
فقال:
( من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله).
وهؤلاء جهادهم المزعوم لإعلاء كلمة الديمقراطية, وشهادتهم في سبيلها وفي سبيل الدعوة إلى الحريات المطلقة, والتعددية الحزبية, ومطامع الأحزاب على اختلاف مناهجها وبرامجها وأهدافها, فالقرضاوي على سبيل المثال وهو من كبار دعاة الفتن في العصر الحاضر! يعتبرها من الجهاد!،
وأفتى أن من مات في ميدان التحرير بمصر أنه شهيد!!, ولما سقط رئيس تلك البلاد، وسئل القرضاوي عن الحكومة التي يريدها، ودعا إلى ذلك الجهاد في سبيل الوصول إليها قال: "نريدها حكومة لا دينية!!". كما في جريدة الناس العدد 536, نسأل الله العافية والسلامة, وفي ذلك أكبر عبرة للمغرر بهم والمخدوعين بهؤلاء الدعاة إلى الفتن.
فمقصدهم إذاً غير شرعي, ووسيلتهم إليه غير شرعية, وما بني على باطل فهو باطل, ولو كان مقصدهم شرعياً لكان هناك من الوسائل الشرعية للوصول إليه ما لا يجوز معه الالتفات إلى هذه الوسائل الغربية, وخير الهدي هدي محمد –صلى الله عليه وسلم- إذ لم يجعل الله دواء هذه الأمة في ما حرم عليها, والأمر في هذا كما قال العلامة الألباني -رحمه الله تعالى- لما سئل عن الحلول البرلمانية ونحوها للوصول إلى السلطة قال:
"داويتني بالتي كانت هي الداء". اهـ
وهؤلاء ولَّوا الطرق الشرعية ظهورهم, وأقبلوا بقلوبهم ووجوههم على الطرق الغربية فضلوا وأضلوا, فلا للإسلام نصروا ولا لأعدائه كسروا.
فهذه الوسيلة غير مباحة كما زعموا, بل وسيلة محرمة وافدة علينا من قبل أعداء الإسلام، وليس لها وجود في هدي نبينا محمد –صلى الله عليه وسلم- الذي ما ترك خيراً إلا دلنا عليه, ولا شراً إلا حذرنا منه, ولا في هدي خلفائه الراشدين وصحابته الكرام الغر الميامين, ولا في تاريخ الأمة الإسلامية الطويل المليء بالأحداث الجسام وجور كثير من الحكام واستئثارهم بالحطام، { وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ } ،وفتوى نحو أربعين من كبار علماء أهل السنة والجماعة الذين هم أعلم الناس بالحق، وأرحمهم بالخلق، وأبعدهم عن التلوث بأفكار الغرب وعاداته، فتواهم بتحريم هذه المظاهرات، وفي طليعتهم سماحة العلامة ابن عثيمين رحمه الله, والعلامة المحدث الألباني رحمه الله, والعلامة المحدث الوادعي رحمه الله, وكبار علماء العصر.
وسبق أن مقصود هؤلاء إقامة خلافة ديمقراطية بمواصفات غربية، فبئست الوسيلة والغاية { بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً}.
ثانياً: أن المظاهرات والاعتصامات والإضرابات من أمور العادات والأصل في العادات الإباحة.
والجواب وبالله التوفيق:
1ـ العلماء عند أن تكلموا عن العادات في كتب الأصول والقواعد الفقهية، وذكروا القاعدة السابقة، تكلموا عن عادات المسلمين لا عن عادات اليهود والنصارى والملاحدة وهذه الممارسات ليست من عادات المسلمين حتى تُنَزَّل عليها هذه القاعدة.
2ـ العلماء شرطوا لهذه القاعدة شروطاً، ومن أهمها:
أن لا تكون العادة مخالفة للشرع، فإن خالفت فلا عبرة بها ولا التفات إليها.
3ـ الذين استدلوا لجواز المظاهرات والاعتصامات والإضرابات بهذه القاعدة متناقضون! :
فتارة يوردون أدلة من السنة والآثار للدلالة على مشروعيتها على حد زعمهم وفهمهم وحينها تكون من العبادات، وحينها لا حاجة إلى الاستدلال بهذه القواعد, وتارة يقولون: هي من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وتارة يقولون: هي جهاد في سبيل الله، والموت في سبيلها شهادة!
وصدق الله إذ يقول:
{ بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَّرِيجٍ}.
ويقول: { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً }.
والخلاصة أن هذه الممارسات الخاطئة لو ثبت أنها من عادات المسلمين ـ وهيهات ـ فهي مرفوضة لمخالفتها للشرع، فكيف وهي من عادات الكفار؟!
وقد حرم علينا ديننا التشبه بهم حيث قال النبي –صلى الله عليه وسلم- كما عند أبي داود وغيره عن ابن عمر -رضي الله عنهما- :
( من تشبه بقوم فهو منهم ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في الاقتضاء (1/241ـ242):
(وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم،وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم "..." فقد يحمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يوجب الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك, وقد يحمل على أنه منهم في القدر المشترك الذي شابههم فيه، فإن كان كفراً أو معصية أو شعاراً لها كان حكمه كذلك, وبكل حال يقتضي تحريم التشبه بعلة كونه تشبهاً).اهـ
ثالثاً: ومن أكبر شبهاتهم:
أن المظاهرات والاعتصامات من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
والجواب والله الموفق للصواب ما يلي:
1ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة من فرائض الدين, وصمام أمان لأمة الإسلام, وبما أنها شعيرة وعبادة فإن العبادات مبناها على أن تكون خالصة لله, وأن تكون على وفق سنة رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, فإذا كانت الطرق التي يؤمر من خلالها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر غير شرعية، بل مخالفة للدين، كانت من جملة المحدثات التي قال عنها النبي –صلى الله عليه وسلم- كما في الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها- :
( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ).
وباب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالطرق الشرعية الكثيرة مفتوح على مصراعيه بالضوابط الشرعية، فلا حاجة إلى الأساليب الضارة المخالفة للشرع والمولدة للشرور والفتن, وإنما تبرر الغايةُ الوسيلةَ عند غير المسلمين, والمظاهرات والاعتصامات والإضرابات من الأمور المحدثة المثقلة بالمفاسد والأضرار.
2ـ قرر علماء الإسلام أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات إذا قام به من يكفي سقط الإثم عن الباقين, وإن لم يقم به من يكفي أثم كل قادر, وأنتم جعلتم الخروج للمظاهرات جهاد عيني, والمتخلف عنه من القواعد المنافقين!, فها هو عبد الله صعتر أحد رموز الإخوان المسلمين في اليمن وأبواقهم مع جهله بالشرع، يصرخ في خطبه وأمام الجماهير في الشوارع هذه الأيام بأن الخروج جهاد ولا يتخلف عنه إلا المنافقون.
3ـ لو سلمنا لكم جدلاً بأن المظاهرات والاعتصامات من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن العلماء قد ذكروا شروطاً للآمر بالمعروف والناهي عن المنكر لابد أن يتقيد بها وإلا كان ما يفسده أكثر مما يرجو إصلاحه ومنها:
1 أن يكون عالماً بما يأمر به وينهى عنه.
2 أن يسلك في ذلك الطرق الشرعية.
3 أن يكون حسن القصد، بحيث لا يكون له نوايا سيئة يتذرع بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للتوصل إليها.
4 أن يكون صبوراً، بخلاف ما نشاهده ونسمعه من دعوة الناس إلى الهيجان والغضب, حتى بلغ الحال إلى أن يسمّي يوم الجمعة الذي هو خير يوم طلعت فيه الشمس بجمعة الغضب!!, مع أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قد أوصى من طلب منه الوصية ثلاث مرات أن لا يغضب.
5 أن يكون متحلياً بالرفق عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر قولاً وفعلاً.
6 أن يكون متحلياً بالحلم إذا أسيء إليه بقول أو فعل, فإن لم يتحقق فيه ما سبق فإنه مأمور بالإقبال على مصلحة نفسه علماً وعملاً والإعراض عما لا يعنيه لأنه حينها سيفسد أكثر مما يصلح إن كان عمله صلاحاً.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- كما في مجموع الفتاوى (14/482) وهو يتحدث عن الفوائد المستنبطة من قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ }، قال رحمه الله :
(الفائدة الخامسة: أن يقوم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على الوجه المشروع، من العلم والرفق والصبر وحسن القصد وسلوك السبيل القصد، فإن ذلك داخل تحت قوله تعالى: { عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ }, وفي قوله: { إِذَا اهْتَدَيْتُمْ }، فهذه خمسة أوجه تستفاد من الآية لمن هو مأمور بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفيها المعنى الآخر وهو إقبال المرء على مصلحة نفسه علماً وعملاً, وإعراضه عما لا يعنيه كما قال صاحب الشريعة:
(( من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه )).
ولا سيما كثرة الفضول فيما ليس بالمرء إليه حاجة من أمر دين غيره ودنياه، لا سيما إن كان التكلم لحسد أو رئاسة.
وكذلك العمل فصاحبه إما متعد أو ظالم, وإما سفيه عابث, وما أكثر ما يصور الشيطان ذلك بصورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد في سبيل الله وهو من باب الظلم والعدوان).اهـ
وقال رحمه الله كما في مجموع الفتاوى (8/135ـ137) وهو يتحدث عن اشتراط الإخلاص والاتباع في كل عمل صالح قال:
(فالآمر بالمعروف والناهي عن المنكر يجب أن يكون هكذا في حق نفسه, ولا يكون عمله صالحاً إن لم يكن بعلم وفقه كما قال عمر بن عبد العزيز:
"من عبد الله بغير علم كان ما يفسد أكثر مما يصلح".... فلا بد من العلم بالمعروف والمنكر والتمييز بينهما, ولابد من العلم بحال المأمور والمنهي, ومن الصلاح أن يأتي بالأمر والنهي بالصراط المستقيم وهو أقرب الطرق إلى حصول المقصود, ولا بد في ذلك من الرفق ... ولا بد أيضاً أن يكون حليماً صبوراً على الأذى فإنه لا بد أن يحصل له أذى, فإن لم يحلم ويصبر كان ما يفسد أكثر مما يصلح...فلا بد من هذه الثلاثة:
العلم والرفق والصبر, العلم قبل الأمر والنهي, والرفق معه, والصبر بعده, وإن كان كل من الثلاثة مستصحباً في هذه الأحوال, كما جاء الأثر عن بعض السلف: لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا من كان فقيهاً فيما يأمر به, فقيهاً فيما ينهى عنه, رفيقاً فيما يأمر به, رفيقاً فيما ينهى عنه, حليماً فيما يأمر به, حليماً فيما ينهى عنه).اهـ
4ـ أن علماء الإسلام اشترطوا للنهي عن المنكر ألا يفضي إلى منكر أكبر, فإن كان كذلك حرم الإنكار ابتداءً.
قال العلامة ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين (3/6ـ7):
((النبي –صلى الله عليه وسلم- شرع لأمته إيجاب إنكار المنكر ليحصل بإنكاره من المعروف ما يحبه الله ورسوله, فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه وأبغض إلى الله ورسوله فإنه لا يسوغ إنكاره، وإن كان الله يبغضه ويمقت أهله, وهذا كالإنكار على الملوك والولاة بالخروج عليهم فإنه أساس كل شر وفتنة إلى آخر الدهر, وقد استأذن الصحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في قتال الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها وقالوا:
أفلا نقاتلهم؟ فقال: ( لا ما أقاموا الصلاة ).
وقال:
( من رأى من أميره ما يكرهه، فليصبر ولا ينزعن يداً من طاعته ).
ومن تأمل ما جرى على الإسلام من الفتن الكبار والصغار رآها من إضاعة هذا الأصل، وعدم الصبر على منكر، فطلب إزالته فتولد منه ما هو أكبر منه, فقد كان رسول الله يرى بمكة أكبر المنكرات ولا يستطيع تغييرها, بل لما فتح الله مكة وصارت دار إسلام، عزم على تغيير البيت ورده على قواعد إبراهيم، ومنعه من ذلك مع قدرته عليه خشيةُ وقوع ما هو أعظم منه من عدم احتمال قريش لذلك، لقرب عهدهم بالإسلام، وكونهم حديثي عهد بكفر, ولهذا لم يأذن في الإنكار على الأمراء باليد لما يترتب عليه من وقوع ما هو أعظم منه كما وجد سواء).اهـ
قلت: والذي يتابع ما جرى ويجري في بلاد الإسلام يجد أنه قد ترتب على إنكار المنكر عن طريق المظاهرات والاعتصامات منكرات أكبر بكثير, فقد تسببت في سفك الدماء, وتخريب الممتلكات العامة والخاصة, وزعزعة الأمن وذهابه في بعض الأماكن بالكلية, وغلاء الأسعار, وتسلط أعداء الإسلام في الداخل والخارج, وزرع العداوة والبغضاء بين الناس, ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من تبعه فيها إلى يوم القيامة لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئاً.
هل الخروج على ولاة الأمور لا يكون إلا بالسلاح دون القول والكلام؟
فإن قال قائل:
إن المظاهرات والاعتصامات ليست خروجاً مسلحاً على ولاة الأمور, إنما هي هتافات وشعارات يرددها المتظاهرون والمعتصمون للتعبير عن آرائهم, والمطالبة بحقوقهم وليس هذا من الخروج.
فالجواب وبالله التوفيق من وجوه:
الأول: أن المطالبة بالحقوق بهذه الطريقة غير مشروع كما سبق بل يؤدي إلى مفاسد جسيمة وأضرار وخيمة.
الثاني: ما هي تلك الهتافات والشعارات؟!
الناظر فيها يجد أن أكثرها أو كثيراً منها مخالف للشرع المطهر وتعاليمه السمحة, فهي مليئة بالتهييج للفتن, وإثارة العداوة والبغضاء وإيغار الصدور, والتحريض على الدخول في مصادمات دموية لا يعلم عواقبها الوخيمة إلا الله.
الثالث: أن الخروج على ولاة الأمور يكون بالقول ويكون بالفعل, ولا يمكن أن يكون خروج بالسلاح والسنان إلا وقد سبقه خروج بالكلام,
فالفتنة كما يقال:
تلقحها النجوى وتنتجها الشكوى,