فأمسِكْ أو ترى للقول وجهاً * * * يبين صوابُه لذوي العقول
قلت : فعقل المسلم من أوثق العقول فهماً وإدراكاً نظير ما يستند عليه في فهمه, ومعرفته, واستقائه من المنهج الإلهي, فهو لا يخضع لأي مؤثر خارجي سوى منهجه الذي ينطلق منه ويستند عليه . فإذا عُرِف أن الشرع جاء بما يوافق الفطر، وبما تتقبله العقول، لم يتصور أن يأتي بشيء يخالف المصلحة العامة أو الأدلة الواضحة .
فإذا رأيت مجتمعاً يسير على غير هدىً فاعلم أن عقول بعض الأفراد فيه إما مسلوبة أو معطلة.. أما المسلوبة فقد جاء في الأثر انه إذا أراد الله أمراً سلب ذات العقول عقولها، وهذا هو السلب القسْري للعقل عقاباً أو تأديباً.. وأما (المعطلة) فهي العقول التي عطلها أصحابها عمداً بفعل (الهوى) الذي أصبح الآن يسمى (العاطفة) والعاطفة تعمي الأبصار وتعطل العقول!!لأن القول العاري عن الدليل عارٍ من أسباب القبول، وبالتالي لا ترضاه العُقُول . ومن نظر إلى حال كثير من البلدان الإسلامية اليوم يرى أنها تصطلي بنار تلك العقول المعطلة والألباب المغيَّبة ، والتي يمضي أصحابها مهطعين من كل صوب وحدب في استجابة عارمة لتلك الدعايات الزائفة ، والدعوات المنحرفة ، لهثاً وراء الدنيا وحطامها الفاني , وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما حديث الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ إِلَى الْبَحْرَيْنِ يَأْتِى بِجِزْيَتِهَا وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- هُوَ صَالَحَ أَهْلَ الْبَحْرَيْنِ وَأَمَّرَ عَلَيْهِمُ الْعَلاَءَ بْنَ الْحَضْرَمِىِّ فَقَدِمَ أَبُو عُبَيْدَةَ بِمَالٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ فَسَمِعَتِ الأَنْصَارُ بِقُدُومِ أَبِى عُبَيْدَةَ فَوَافَوْا صَلاَةَ الْفَجْرِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- انْصَرَفَ فَتَعَرَّضُوا لَهُ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ رَآهُمْ ثُمَّ قَالَ « أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَىْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ ». فَقَالُوا أَجَلْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ « « فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ. وَلَكِنِّى أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ ».
فلا تكاد أن ترى في شعاراتهم المرفوعة وراياتهم المدفوعة ، ونشراتهم المقروءة والمسموعة ، ما يمثِّل الإسلام أو يمتُّ إلى الدين العتيق بصلة ، فلا ينادون إلا بما يسمى بالحرية الدستورية والتعددية الديمقراطية . منقادين وراء تلك الدعايات الغربية والمخلَّفات الفكرية ، في متابعة مخزية وتقليد فاضحوقد أخرج الشيخان في صحيحيهما حديث أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِى جُحْرِ ضَبٍّ لاَتَّبَعْتُمُوهُمْ »قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قَالَ « فَمَنْ ». فلا نفتأ ما بين فينة وأخرى أن نسمع عن بلد إسلامي قد أقام رُعاع أهله وعوامُّهم مسيراتٍ غاضبةً ومظاهراتٍ صاخبةً ، تنطلق من أفواههم عباراتُ الشجب والإنكار وتتعالى منها هتافاتُ التنديد والإنذار ، قد حملتْ في طياتها ألفاظ الفحش والبذاءة , مندِّدين بها حكامَهم في دعوة إلى الانقلابات والخروج عليهم ، مصادمين بذلك نصوصَ الشرع وأصولَ الديانة ، والتي جاءت بتحريم الخروج على ولاة الأمور ما أقاموا فيهم الصلاة , فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ الأَشْجَعِىَّ يَقُولُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « خِيَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُحِبُّونَهُمْ وَيُحِبُّونَكُمْ وَتُصَلُّونَ عَلَيْهِمْ وَيُصَلُّونَ عَلَيْكُمْ وَشِرَارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِينَ تُبْغِضُونَهُمْ وَيُبْغِضُونَكُمْ وَتَلْعَنُونَهُمْ وَيَلْعَنُونَكُمْ ». قَالُوا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَلاَ نُنَابِذُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ قَالَ « لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ لاَ مَا أَقَامُوا فِيكُمُ الصَّلاَةَ أَلاَ مَنْ وَلِىَ عَلَيْهِ وَالٍ فَرَآهُ يَأْتِى شَيْئًا مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ فَلْيَكْرَهْ مَا يَأْتِى مِنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلاَ يَنْزِعَنَّ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ ».وأخرج مسلم أيضاً في صحيحه برقم ( 1854) من حديث أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « سَتَكُونُ أُمَرَاءُ فَتَعْرِفُونَ وَتُنْكِرُونَ فَمَنْ عَرَفَ بَرِئَ وَمَنْ أَنْكَرَ سَلِمَ وَلَكِنْ مَنْ رَضِىَ وَتَابَعَ ». قَالُوا أَفَلاَ نُقَاتِلُهُمْ قَالَ « لاَ مَا صَلَّوْا ». قلتُ : فما دامت الشعائر قائمة كالصلاة في المساجد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الله لم يجز الخروج على أولئك الولاة ولو كانوا ظلمةً جائرين . - فإن قالوا : إن حكام بعض البلدان الإسلامية قد صاروا كفارا , وفي الحديث (إلا أن تروا كفراً بواحاً ) , فلم تمنعوننا من الخروج عليهم , وقد رأينا منهم الكفر البواح ؟!! قلنا : فهل توفَّرت لكم القوة الذاتية من العتاد والعدة , والقوة المعنوية من التسلح بالعقيدة والتفقه في دين الله ؟!, ثم هل تحققت لكم المصلحة من ذلك الخروج ؟!.
- فإن قالوا : لقد أخذوا أموالنا وانتهبوا خيرات بلادنا واستأثروا بها لأنفسهم , قلنا : أخرج البخاري من طريق زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ قال سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُورًا تُنْكِرُونَهَا قَالُوا فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ .
وأخرج مسلم من طريق عَلْقَمَةَ بْنِ وَائِلٍ الْحَضْرَمِىِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَأَلَ سَلَمَةُ بْنُ يَزِيدَ الْجُعْفِىُّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ يَا نَبِىَّ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ قَامَتْ عَلَيْنَا أُمَرَاءُ يَسْأَلُونَا حَقَّهُمْ وَيَمْنَعُونَا حَقَّنَا فَمَا تَأْمُرُنَا فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ ثُمَّ سَأَلَهُ فِى الثَّانِيَةِ أَوْ فِى الثَّالِثَةِ فَجَذَبَهُ الأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ وَقَالَ « اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِمْ مَا حُمِّلُوا وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ ».
وأخرج البخاري من حديث عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ بَايَعْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِي الْمَنْشَطِ وَالْمَكْرَهِ وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ وَأَنْ نَقُومَ أَوْ نَقُولَ بِالْحَقِّ حَيْثُمَا كُنَّا لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ .
- فإن قالوا : لقد ظلمنا حكامُنا واستخفّوا بنا , وصاروا كالشياطين في تعاملهم معنا , فإلى متى نصبر على هذه الحال ؟!!
قلنا : لقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بما أمره الله به وأمر الأنبياءَ من قبله بالصبر في حق من وجد ظلماً له وأثرة عليه لما جاء في صحيح مسلم من حديث حذيفة , وفيه : (قُلْتُ فَهَلْ وَرَاءَ ذَلِكَ الْخَيْرِ شَرٌّ قَالَ « نَعَمْ ». قُلْتُ كَيْفَ قَالَ « يَكُونُ بَعْدِى أَئِمَّةٌ لاَ يَهْتَدُونَ بِهُدَاىَ وَلاَ يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِى وَسَيَقُومُ فِيهِمْ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِى جُثْمَانِ إِنْسٍ ». قَالَ قُلْتُ كَيْفَ أَصْنَعُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ أَدْرَكْتُ ذَلِكَ قَالَ « تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ ».
قلت : وقد حكم مصر قبل مبارك أعظم مجرم على وجه الأرض وهو فرعون فما دعا موسى قومه للخروج عليه وإنما دعاهم للصبر )قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ([الأعراف : 128]
قال الإمام البخاري حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَدِيٍّ قَالَ أَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَشَكَوْنَا إِلَيْهِ مَا نَلْقَى مِنْ الْحَجَّاجِ فَقَالَ اصْبِرُوا فَإِنَّهُ لَا يَأْتِي عَلَيْكُمْ زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ حَتَّى تَلْقَوْا رَبَّكُمْ سَمِعْتُهُ مِنْ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وقال الآجري في الشريعة - (1 / 36) قال رحمه الله : أخبرنا أبو زكريا يحيى بن محمد البحتري الجبائي قال : حدثنا محمد بن عبيد بن حساب قال : حدثنا حماد بن زيد قال : حدثنا عمرو بن يزيد صاحب الطعام ، قال : سمعت الحسن أيام يزيد بن المهلب يقول : - وأتاه رهط - فأمرهم أن يلزموا بيوتهم ، ويغلقوا عليهم أبوابهم ، ثم قال : والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قِبَل سلطانهم صبروا ما لبثوا أن يرفع الله عز وجل ذلك عنهم ، وذلك أنهم يفزعون الى السيف فيوكَلون إليه ، ووالله ما جاؤوا بيوم خير قط ، ثم تلا : وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا ودمرنا ما كان يصنع فرعون وقومه وما كانوا يعرشون .
قلت : ومما يزيد الطين بِلةً والأمر علةً , ما يخرجه أئمة تلك الدعوات ومنظِّروها من فتاوى مخالفة لأدلة الشرع ومفاهيم الرسالة , مثل تجويزهم يوم الغضب الصليبي اليهودي ، والعمليات الانتحارية , وما يسمونه بالمظاهرات السلمية , فيقال لهم أما يكفيكم تضليلاً للأمة ، وتعطيلا لعقولهم وتغييباً لها عن طاولة الشرع ؟!
فيا علماء السوء أين عقولكم * * * وأين الحديث المسنَد المتخير ؟!
- ألا ترون أن في صنيعكم هذا ما يزيد في الفتن ويدعو إلى سفك الدماء ؟! وفي حديث ابن عمر الذي أخرجه البخاري (لا يَزَالَ الْمُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا) - ألا ترون أن في صنيعكم هذا ما يشجع على إتاحة الفرصة لفِرَق النهب وعصابات الفساد ، فيختل بذلك الأمن , ويضمحل الاستقرار ؟! ،
- كذلك ألا تنظرون إلى ما آلت إليه الأمور من الفتن والكوارث والتي لا تكاد تنتهي , وقد تحققت فينا بسببكم مرادات قادات الغرب ، فانظروا في ذلك جيداً وتأمَّلوه , فإن النظر في عواقب الأمور تلقيح للعقول . أم أنكم قد فقدتم عقولكم حتى صارت خالية من الحكمة فإن العقول إذا فقدت قوتها من الحِكَم , فقد ماتتْ موتَ الأجساد عند فقْد الطعام , وما ذاك إلا أن أيدي العقول تمسك بأعنة الأنفس عن الوقوع في الشهوات والهوى , فإذا انحلَّتْ عُرى تلك الأيدى حلَّتْ الفواقر .
قلتُ: وما ذا خلَّف الخروجُ على الحكام والانقلابُ على الرؤساء , إلا الفتن والكوارث , من إراقة الدماء , وسلْب الأموال , واختلال الأمن , والتعدي على الحرُمات ؟!! , وما يحصل في مصر وتونس هذه الأيام خير شاهد على ذلك , فهل يريدون الحال نفسها في البحرين واليمن , وسائر البلدان المسلمة ؟!! , قال الشاعر : سقطتْ طيورُ الرَّوع فوق رؤوسهم * * *فتركْن أطيـارَ العقول تحـومُ وسأختم بهذا الحديث الذي كان سببا في كتابة هذا المقال , وذاك لأنه يعتبر موعظةً بليغةً لكل هذه الأصناف التي تقدَّم الحديث عنها , فقد قَالَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ الْهَرْجَ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ قَالُوا أَكْثَرُ مِمَّا نَقْتُلُ إِنَّا لَنَقْتُلُ كُلَّ عَامٍ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ أَلْفًا قَالَ إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ الْمُشْرِكِينَ وَلَكِنْ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَالُوا وَمَعَنَا عُقُولُنَا يَوْمَئِذٍ قَالَ إِنَّهُ لَتُنْزَعُ عُقُولُ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَيُخَلَّفُ لَهُ هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ يَحْسِبُ أَكْثَرُهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ وَلَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ " . قَالَ عَفَّانُ فِي حَدِيثِهِ قَالَ أَبُو مُوسَى : وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مِنْهَا مَخْرَجًا إِنْ أَدْرَكَتْنِي وَإِيَّاكُمْ إِلَّا أَنْ نَخْرُجَ مِنْهَا كَمَا دَخَلْنَا فِيهَا لَمْ نُصِبْ مِنْهَا دَمًا وَلَا مَالًا " . أخرجه الإمام أحمد وأبو يعلى وابن المبارك في مسانيدهم , من طرق لا تخلو طريق من ضعف إلا أن الحديث حسن بمجموع طرقه .
قلت : فهذا الحديث يعتبر علَماً من أعلام النبوة , ذلك أن الذين قد شاركوا في هذه المسيرات الغوغائية , والمظاهرات الخارجية أنها قد نزعت منهم عقولهم , وهم مع ذلك يظنون أنهم على شيء وليسوا على شيء , فهل من معتبر ؟! . ألا وإن من أحسن ذوي العقول عقلاً , من أحسن تقدير أمر معاشه ومعاده ، تقديراً لا يفسد عليه واحداً منها نفادُ الآخر ، فإن أعياه ذلك رفض الأدنى وآثر عليه العظيم . فهؤلاء هم الذين يُعضُّ على صحبتهم بالنواجذ , قال الشاعر : ومـا بقيت من اللـذات إلا * * *محـادثة الرجـال ذوى العقول وختاماً أقول : لقد جنَّب الله أهل العلم والسنة ذلك الخلطَ والتخبطات , وصرَف عن بلد التوحيد والسنة تلك الفتنَ والمخططات ، فلا يسعنى إلا أن أقول : لمن كان قد تشرَّف بالانضمام إلى تلك الكتائب الباقية على أمْر سلفها الأول ، متمثلاً قول الشاعر :
إذا كنت ذا عقل صحيح فلا تكن * * * عشيرك إلا كل من كان ذا عقل فذو الجهل إن عاشرته أو صحبته * * * يضلك عن عقل ويقويك بالجهل
اللهم يا من فتق العقول بمعرفته، وأطلق الألسن بحمده؛ وجعل ما امتن به من ذلك على خلقه كفاءً لتأدية حقه؛ لا تجعل للهوى على عقلى سبيلا، ولا للباطل على عملي دليلاً.
وارزقني حُسْنَ القولِ وصلاحَ العمل .
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين , وآخر دعوانا أنوالحمد لله رب العالمين .
كان الفراغ من تدوين هذا المقال في صبيحة يوم الجمعة ( 10/6/1432هـ بجدة . بقلم الشاعر أبي رواحة عبد الله بن عيسى الموري وفقه الله