من كتاب الإسلام والإيمان والإحسان والواقع المعيش- الإسلام وحقوق الإنسان-
14-03-2012, 10:13 PM
جاء الإسلام فغير وجه الوجود الإنساني إلى أعلى المراتب وأصلحها، قضى على الرذيلة ونشر الفضيلة، أمر بطاعة الله العظيم وبإتباع رسوله الكريم، وحث على طاعة الوالدين والإحسان إليهما، وعلى النصح والإرشاد للعباد، وإكرام الجار وتوقير الكبار والرفق بالصغار، والإسلام هو أن تصل من قطعك وتعفو عمن ظلمك وتحسن إلى من أساء إليك وتقول الحق ولو على نفسك وهو إعانة للفقراء وإحسان للمساكين وحفظ لليتامى، وهو طهارة ونقاء وصحة وشفاء وسمو وقداسة(1)، ختم الله سبحانه وتعالى به كل الأديان، ونسخ به كل الشرائع السابقة، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: « لقد كنا في الجاهلية أذلاء فأعزنا الله بالإسلام وفقراء فأغنانا الله بالقرآن، فمهما نطلب العزة بغير ما أعزنا به أذلنا الله»(2).
قال معروف الرصافي:
لقد أيقظ الإسلام للمجد و العلى
بصائر أقوام عن المجد نـوم
وحلت له الأيام، عند قيامــه
حباها، وأبدت منظر المبتسم(3).
كفل الإسلام لكل إنسان حقوقا ثابتة، ومن هذه الحقوق حق التملك المشروع وفقا للكتاب والسنة،والحق في الحياة الكريمة التي لا ذل فيها ولا هوان، وكفل له حريات متعددة منها حرية العبادة وحرية التعبير وحرية التنقل وحرية الفكر وغير ذلك من الحريات التي تنتهي حيث تبدأ حرية الآخرين(4).
لو التزم كل الناس - حكاما ومحكومين - بأحكام هذا الدين وآدابه في المأكل والمشرب والنوم واليقظة والمعاملات مع الآخرين، ونفذت أوامره في محاربة الربا والرشاوى والكسب الحرام والخمر والميسر واللهو الحرام والمتع الحرام والتبذير لعاش المجتمع في صحة وعافية، ولوفرت الملايين من الدراهم التي تنفق على أم الخبائث والسموم المهلكة والشهوات المدمرة، ولعاش أبناء المجتمع في صحة جيدة، ولوفر ما ينفق على علاج ضحايا الآفات الخبيثة فينتعش بذلك الاقتصاد وتقل البطالة ويزداد الإنتاج ويعيش الكل في رفاهية، وعهد الخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ليس عنا بمجهول(5).
أوضاعنا الحالية المزرية كمسلمين ليست لنقص في الإسلام، بل هي نتيجة بعدنا عن هذا الدين الذي هو منهج حياة؛ دينية كانت هذه الحياة أم دنيوية، فردية كانت أم جماعية، فالله سبحانه وتعالى هو الذي خلق الإنسان وهو أدرى به وبما ينفعه في حياته الدنيا وفي الآخرة، والإسلام فيه العقيدة وفيه العبادة، وفيه الأخلاق وفيه المعاملة، وفيه التشريع وفيه التوجيه، وفيه التنظيم وفيه التدبير(6)، يوفق بين المصلحة العامة والمصلحة الخاصة، يعطي لكل ذي حق حقه، فللفرد فيه الحق على الغير، وللغير فيه الحق على الفرد، يتأثر الفرد فيه ويؤثر، ينفع ولا يضر، يبني ولا يهدم، يصلح ولا يفسد، والبشرية في أحوج الحاجة إلى مثل هذا الدين حتى تخرج من دوامة اللاعدل، دوامة الفقر والظلم والتشريد؛ إذ أن الفقير في هذا العالم اليوم ليس له حظ في الحياة الكريمة(7).
الإسلام دين علم وعمل،يرفض الجمود والمسكنة والعالة على الغير، يدعو إلى العمل والجد والاجتهاد والحركة الدائبة المستمرة، الحركة الهادفة العاقلة، الحركة التي قال عنها الشهيد سيد قطب رحمه الله: « حركة داخل إطار ثابت، وحول محور ثابت »، لا الحركة الفوضوية الهوجاء المخربة التي تأتي على الأخضر واليابس، ويقبل الإسلام كذلك التطور العاقل الصالح الذي لا يخرج عن نطاق الكتاب والسنة، تطور تحكمه قيم الحق والخير والفضيلة، وتضبطه موازين العدل والمساواة(8)، هذا الإسلام الذي قال عنه بن غوريون- مؤسس دولة إسرائيل- « ... نحن لا نخشى الإشتراكيات ولا الثوريات ولا الديمقراطيات في المنطقة، نحن نخشى الإسلام، هذا المارد الذي نام طويلا وبدأ يتململ من جديد.. »(9).
ــــــــــــ
(1)– ينظر هذا هو الإسلام، ص80.
(2)– في موكب الإيمان، ص253.
(3)- وحي الأدباء- كتاب وشعراء-، دراسات ومنتقيات أدبية من الشعر والنثر، ص163.
(4)– ينظر الإسلام والطاقات المعطلة، ص200.
(5)- ينظر الحل الإسلامي فريضة وضرورة، ص107.
(6)-ينظر الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي، ص68.
(7)- ينظر سموم الإستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية، ص188.
(8)- ينظر من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا، ص62.
(9)- اليهود هم العدو فأحذرهم !، ص53.
المصادر والمراجع
- الدكتور يوسف القرضاوي، الحل الإسلامي فريضة وضرورة، نشر وتوزيع مكتبة وحاب الجزائر، الطبعة الثالثة عشرة 1407هـ -1988م.
- الدكتور يوسف القرضاوي، الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي والإسلامي.
- الدكتوريوسف القرضاوي، من أجل صحوة راشدة تجدد الدين وتنهض بالدنيا، الطبعة الأولى 1408هـ - 1988م.
- محمد الغزالي، الإسلام والطاقات المعطلة، الزيتونة للإعلام والنشر باتنة الجزائر.
- محمد الصالح الصديق، في موكب الإيمان، دار البعث للطباعة والنشر قسنطينة الجزائر، الطبعة الأولى1405هـ - 1985م.
- يوسف عبد الوهاب، هذا هو الإسلام، دار الشهاب باتنة الجزائر بالتعاون مع مكتبة التراث الإسلامي القاهرة.
- أنور الجندي، سموم الإستشراق والمستشرقين في العلوم الإسلامية، دار الشهاب- باتنة الجزائر.
- حسن علي مصطفى، اليهود هم العدو فأحذرهم !، دار الشهاب للطباعة والنشر باتنة-- الجزائر.
– إسماعيل اليوسف، وحي الأدباء- كتابا وشعراء-، دراسات ومنتقيات أدبية من الشعر والنثر.

بوداود جلولي
.../...