الإستدلال بالنّص الشّرعي بين الإستبصار والإستنصار
16-05-2012, 06:00 PM
جاء في مجلة الإصلاح السلفية الجزائرية السنة السادسة العدد التاسع والعشرون محرم / صفر 1433 ه الموافق ل جانفي / فيفري 2012 م ص 60 - 61 هذا المقال الماتع للأخ الكريم أحمد معمر من مدينة تيارت وهو بعنوان (الإستدلال بالنّص الشّرعي بين الإستبصار والإستنصار) فلتتفضّلوه مشكورين :
الإستدلال بالنّص الشّرعي بين الإستبصار والإستنصار
أحمد معمر - تيارت -
إنّ من الباحثين في المسائل الشرعية والمباحث الخلافية ، من قد لا يقصّر في توسيع الإطّلاع على نصوص الأدلة ، وإفساح البحث عن ألفاظها ، لكن قد يفوته أن يطرح قناعاته الأولية ، وما ركز في نفسه من أحكام مسبقة قبل الدّخول على النّص فيشرع في تناول دلالات الأدلة شروع من يرتقب من دراستها دليلا على ما سبق إلى قناعته ، وربّما استبعد أن تعارض مذهبه ، فيلتمس من كلّ دليل ينظر فيه ، حجّة تؤيد رأيه وتسوّغ فهمه (1)
وهذا الأسلوب في التّعامل مع الأدلة ، في ظلّ هذه الخلفية الفكرية ، لا شكّ أنه يعود بالخلل على طريقة إستخراج المعاني والأحكام من الأدلة وترجيح الأقوال ، فيرجّح غير الرّاجح واهما أنّه استجاب لقوّة الدّليل ، وهو في نفس الأمر اطمئنان من نفسه لشيء معهود ليس إلاّ ، كما قال الشّيخ المعلمي رحمه الله تعالى : (وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر-وإن كان ضعيفا عنده- ثمّ اطّلع على ما يحتمل موافقة ذلك السّابق ، ويحتمل خلافه ، فإنّه يترجّح في نفسه ما يوافق السّابق ، وقد يقوى ذلك في النّفس جدّا وإن كان ضعيفا) (2)
كمن استبق البحث والتحرير ، باعتقاد حكم الحرمة لمسألة ما - مثلا- ثمّ طفق يبحث في الأدلّة الشرعية ، فستجده يفسّر دلالات الدّليل بما يتلاءم مع ما خامر عقله من قبل ، من اعتقاد الحرمة - من حيث يشعر أو لا يشعر - وإذا ضعفت تقواه ، وقلّ تحرّزه ، فسينخدع لهوى نفسه المائل مع صورة اتباع الدليل !
وهذا المحلّ معثر أفهام ، فإنّ طبيعة ظواهر الأدلّة قد لا تبخل بالتّشكّل وفق مراد المستدلّ المتعنّت ! إذا تفلّت من قواعد الإستدلال وضوابط تفسير الادلّة ، فيكون مع الدّليل ، كصانع الفخار مع الطين ، ينشئ من عجينته ما يهواه .
ولا يعزب عن البصراء أنّ هذه المسالك ممّا تبتلى فيها القلوب ، ويمحّص بها ما في الصدور
ولذلك ليس من الإنصاف في شيء ، أن نقرأ الأدلة والنّصوص الشّرعية قراءة استنصار فنتكلّف تنزيل ظواهر دلالاتها على نحو ينصر آراءنا الخاصة ، ممّا قد استحسنا قبوله قبل تأمّل الدّليل ؛ لأنّها قراءة فاسدة ! نحرم بها أنفسنا الإنتفاع بنور الأدلة الشرعية ، وهدايتها إلى مراد الله عزّ وجلّ .
بل الواجب أن نقرأ الأدلّة الشرعيّة قراءة استبصار ، نستبصر بها الحكم الشرعي ، فنسلم القياد لمقتضى النّص ، وفق المنهج العلمي للاستدلال ، حتى ننتهي إلى ما تصير إليه الحجّة الشرعية ، غير مكترثين بالتّخلّي عن أيّ رأي أو أيّ مذهب ، أنسنا إليه في غياب الدّليل .
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى : (إنّما ينبغي للإنسان أن يتّبع الدّليل ، لا أن يتّبع طريقا ويتطلّب دليلها) (3)
وقد تولّى الإمام الشاطبي على طريقته في التّأصيل ، كشف سبيل أحد الأدلّة وميّز بين مسالك الإستهداء بالنّصوص الشّرعية فقال رحمه الله : ( فاعلم أنّ أخذ الأدلّة على الأحكام يقع في الوجود على وجهين :
أحدهما : أن يؤخذ الدّليل مأخذ الإفتقار واقتباس ما تضمنه من الحكم ، ليعرض عليه النّازلة المفروضة ، لتقع في الوجود على وفاق ما أعطى الدّليل من الحكم .
أمّا قبل وقوعها فبأن توقع على وفقه ، وأمّا بعد وقوعها فليتلافى الأمر ، ويستدرك الخطأ الواقع فيها ، بحيث يغلب على الظّنّ أو يقطع بأنّ ذلك قصد الشّارع ، وهذا الوجه هو شأن اقتباس السلف الصّالح الأحكام من الأدلّة .
والثّاني : أن يؤخذ مأخذ الإستظهار على صحّة غرضه في النّازلة العارضة ، أن يظهر بادئ الرّأي موافقة ذلك الغرض للدّليل ، من غير تحرّ لقصد الشّارع ، بل المقصود منه تنزيل الدّليل على وفق غرضه ، وهذا الوجه هو شأن اقتباس الزائغين الأحكام من الادلّة .
ويظهر هذا المعنى من الآية الكريمة : (فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) [آل عمران : 7] ، فليس مقصودهم الإقتباس منها ، وإنّما مرادهم الفتنة بها بهواهم ، إذ هو السّابق المعتبر ، وأخذ الأدلّة فيه بالتّبع لتكون لهم حجّة في زيغهم ، (والرّاسخون في العلم) [آل عمران: 7] ليس لهم هوى يقدّمونه على أحكام الأدلّة فلذلك : (يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا) [آل عمران :7] ويقولون : (ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) [آل عمران : 8] ، فيتبرؤون إلى الله ممّا ارتكبه أولئك الزّائغون .
فلذلك صار أهل الوجه الأوّل محكّمين للدّليل على أهوائهم ، وهو أصل الشّريعة ؛ لأنّها إنّما جاءت لتخرج المكلّف عن هواه حتّى يكون عبدا لله .
وأهل الوجه الثاني يحكمون أهواءهم على الأدلّة ، حتى تكون الادلّة في أخذهم لها تبعا ) (4) اه كلامه رحمه الله ، وفيه ما يهدي اللبيب إلى أنّ جادة السلف تعظيم حرمة النّصوص ، باستعراض الأحكام على محجّتها ، والإذعان للازم حجّتها ، فلا يثبت عندهم لشيء قرار ، حتى تنتصب أدلّته ، وتصحّ براهينه ، خلافا لأهل الزيغ والبدعة ، الّذين تسبق أهواؤهم المختلة مقتضى صحيح الأدلة ، فينتحلون العقائد والآراء ، ثمّ يستتبعون نصوص الشّرع لتأكيدها ، كرها على كره !
قال ابن تيمية رحمه الله : (وأهل البدع سلكوا طريقا آخر ابتدعوها اعتمدوا عليها ، ولا يذكرون الحديث ، بل ولا القرآن في أصولهم ، إلاّ للإعتضاد لا للإعتماد) (5) .
وقال الإمام وكيع رحمه الله : (من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة ، ومن طلب الحديث ليقويّ هواه فهو صاحب بدعة ) (6)
علينا أن نتجاوز حسن الظّنّ بأنفسنا ، ونرتقي إلى مستوى أهلية الإستدلال في موارد النّزاع ، بإعداد العدّة الإيمانية والعلمية ، لتنصرف قلوبنا إلى الإخلاص والتّجرّد على عتبة الدّليل حتى ييسّر الله علينا الإنفكاك من أسر أفكارنا وآرائنا المسبقة بعرض اقتناعاتنا على الحجة الشرعيّة ، وعدم التّقدّم بأحكامنا بين يدي الكتاب والسنة .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : (لكن بلاء بعض العلماء أنّهم يحكمون قبل أن يستدلّوا ، أو يعتقدون قبل أن يستدلّوا ، ونحن نقول استدل ثمّ اعتقد ، استدل ثمّ احكم ، هذا الصواب ) (7) ، (فالإنسان يجب ان يفهم النصوص على ما هي عليه ، ثمّ يكون فهمه تابعا لها ، لا أن يخضع النّصوص لفهمه أو لما يعتقده ، ولهذا يقولون : استدل ثمّ اعتقد ، ولا تعتقد ثمّ تستدل ؛ لأنّك إذا اعتقدت ثمّ استدللت ربّما يحملك اعتقادك على ان تحرّف النّصوص إلى ما تعتقده ، كما هو ظاهر في جميع الملل والمذاهب (8) المخالفة لما جاء به الرّسول - عليه الصلاة والسلام - تجدهم يحرّفون هذه النّصوص ؛ لتوافق ما هم عليه ) (9) .
من استدلّ ثمّ اعتقد ، فقد رشد ومن اعتقد ثمّ استدلّ فقد زلّ .
والحمد لله ربّ العالمين .
............................................
الهامش :
(1) - والباحث الذي يستصحب هذه النفسية ، قد يغريه أن يجد ظواهر الأدلة طيّعة أمام غرضه ، فإنّ دلالاتها لا تتأبّى حتّى على تمحّل المبطلين فيولّدون منها - بعد تعسف - ما ينصر تحريفهم قال الإمام الشاطبي : (ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضّالة ولا أحدا من المختلفين في الأحكام ، لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الإستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة ) اه [ الموافقات (3/544)]
(2) - (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/56))
(3) - صيد الخاطر (ص 29)
(4) - (الموافقات (3/54 و 55)
(5) - (منهاج السنة النبوية) (7/37)
(6) - نقله الإمام البخاري في كتابه (جزء رفع اليدين) (ص 105)
(7) - (جلسات رمضانية 1410 ه - 1415 ه ) لابن عثيمين - (الدرس 19/ص4) أصله دروس صوتية مفرغة .
(8) - ما فتيء اهل العلم يبيّنون أنّ سبيل الإعتقاد قبل الإستدلال ، مروق عن منهج السلف ، وأنّه مدرجة اهل الأهواء إلى إفكهم الآثم من تأويل فاسد وتحريف كاسد ، ينظر (الصواعق المرسلة) (1/230 وما بعدها ) .
(9) - (القول المفيد بشرح كتاب التوحيد) (ص 49) .
الإستدلال بالنّص الشّرعي بين الإستبصار والإستنصار
أحمد معمر - تيارت -
إنّ من الباحثين في المسائل الشرعية والمباحث الخلافية ، من قد لا يقصّر في توسيع الإطّلاع على نصوص الأدلة ، وإفساح البحث عن ألفاظها ، لكن قد يفوته أن يطرح قناعاته الأولية ، وما ركز في نفسه من أحكام مسبقة قبل الدّخول على النّص فيشرع في تناول دلالات الأدلة شروع من يرتقب من دراستها دليلا على ما سبق إلى قناعته ، وربّما استبعد أن تعارض مذهبه ، فيلتمس من كلّ دليل ينظر فيه ، حجّة تؤيد رأيه وتسوّغ فهمه (1)
وهذا الأسلوب في التّعامل مع الأدلة ، في ظلّ هذه الخلفية الفكرية ، لا شكّ أنه يعود بالخلل على طريقة إستخراج المعاني والأحكام من الأدلة وترجيح الأقوال ، فيرجّح غير الرّاجح واهما أنّه استجاب لقوّة الدّليل ، وهو في نفس الأمر اطمئنان من نفسه لشيء معهود ليس إلاّ ، كما قال الشّيخ المعلمي رحمه الله تعالى : (وإذا سبق إلى نفس الإنسان أمر-وإن كان ضعيفا عنده- ثمّ اطّلع على ما يحتمل موافقة ذلك السّابق ، ويحتمل خلافه ، فإنّه يترجّح في نفسه ما يوافق السّابق ، وقد يقوى ذلك في النّفس جدّا وإن كان ضعيفا) (2)
كمن استبق البحث والتحرير ، باعتقاد حكم الحرمة لمسألة ما - مثلا- ثمّ طفق يبحث في الأدلّة الشرعية ، فستجده يفسّر دلالات الدّليل بما يتلاءم مع ما خامر عقله من قبل ، من اعتقاد الحرمة - من حيث يشعر أو لا يشعر - وإذا ضعفت تقواه ، وقلّ تحرّزه ، فسينخدع لهوى نفسه المائل مع صورة اتباع الدليل !
وهذا المحلّ معثر أفهام ، فإنّ طبيعة ظواهر الأدلّة قد لا تبخل بالتّشكّل وفق مراد المستدلّ المتعنّت ! إذا تفلّت من قواعد الإستدلال وضوابط تفسير الادلّة ، فيكون مع الدّليل ، كصانع الفخار مع الطين ، ينشئ من عجينته ما يهواه .
ولا يعزب عن البصراء أنّ هذه المسالك ممّا تبتلى فيها القلوب ، ويمحّص بها ما في الصدور
ولذلك ليس من الإنصاف في شيء ، أن نقرأ الأدلة والنّصوص الشّرعية قراءة استنصار فنتكلّف تنزيل ظواهر دلالاتها على نحو ينصر آراءنا الخاصة ، ممّا قد استحسنا قبوله قبل تأمّل الدّليل ؛ لأنّها قراءة فاسدة ! نحرم بها أنفسنا الإنتفاع بنور الأدلة الشرعية ، وهدايتها إلى مراد الله عزّ وجلّ .
بل الواجب أن نقرأ الأدلّة الشرعيّة قراءة استبصار ، نستبصر بها الحكم الشرعي ، فنسلم القياد لمقتضى النّص ، وفق المنهج العلمي للاستدلال ، حتى ننتهي إلى ما تصير إليه الحجّة الشرعية ، غير مكترثين بالتّخلّي عن أيّ رأي أو أيّ مذهب ، أنسنا إليه في غياب الدّليل .
قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى : (إنّما ينبغي للإنسان أن يتّبع الدّليل ، لا أن يتّبع طريقا ويتطلّب دليلها) (3)
وقد تولّى الإمام الشاطبي على طريقته في التّأصيل ، كشف سبيل أحد الأدلّة وميّز بين مسالك الإستهداء بالنّصوص الشّرعية فقال رحمه الله : ( فاعلم أنّ أخذ الأدلّة على الأحكام يقع في الوجود على وجهين :
أحدهما : أن يؤخذ الدّليل مأخذ الإفتقار واقتباس ما تضمنه من الحكم ، ليعرض عليه النّازلة المفروضة ، لتقع في الوجود على وفاق ما أعطى الدّليل من الحكم .
أمّا قبل وقوعها فبأن توقع على وفقه ، وأمّا بعد وقوعها فليتلافى الأمر ، ويستدرك الخطأ الواقع فيها ، بحيث يغلب على الظّنّ أو يقطع بأنّ ذلك قصد الشّارع ، وهذا الوجه هو شأن اقتباس السلف الصّالح الأحكام من الأدلّة .
والثّاني : أن يؤخذ مأخذ الإستظهار على صحّة غرضه في النّازلة العارضة ، أن يظهر بادئ الرّأي موافقة ذلك الغرض للدّليل ، من غير تحرّ لقصد الشّارع ، بل المقصود منه تنزيل الدّليل على وفق غرضه ، وهذا الوجه هو شأن اقتباس الزائغين الأحكام من الادلّة .
ويظهر هذا المعنى من الآية الكريمة : (فأمّا الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ) [آل عمران : 7] ، فليس مقصودهم الإقتباس منها ، وإنّما مرادهم الفتنة بها بهواهم ، إذ هو السّابق المعتبر ، وأخذ الأدلّة فيه بالتّبع لتكون لهم حجّة في زيغهم ، (والرّاسخون في العلم) [آل عمران: 7] ليس لهم هوى يقدّمونه على أحكام الأدلّة فلذلك : (يقولون آمنّا به كلّ من عند ربّنا) [آل عمران :7] ويقولون : (ربّنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا) [آل عمران : 8] ، فيتبرؤون إلى الله ممّا ارتكبه أولئك الزّائغون .
فلذلك صار أهل الوجه الأوّل محكّمين للدّليل على أهوائهم ، وهو أصل الشّريعة ؛ لأنّها إنّما جاءت لتخرج المكلّف عن هواه حتّى يكون عبدا لله .
وأهل الوجه الثاني يحكمون أهواءهم على الأدلّة ، حتى تكون الادلّة في أخذهم لها تبعا ) (4) اه كلامه رحمه الله ، وفيه ما يهدي اللبيب إلى أنّ جادة السلف تعظيم حرمة النّصوص ، باستعراض الأحكام على محجّتها ، والإذعان للازم حجّتها ، فلا يثبت عندهم لشيء قرار ، حتى تنتصب أدلّته ، وتصحّ براهينه ، خلافا لأهل الزيغ والبدعة ، الّذين تسبق أهواؤهم المختلة مقتضى صحيح الأدلة ، فينتحلون العقائد والآراء ، ثمّ يستتبعون نصوص الشّرع لتأكيدها ، كرها على كره !
قال ابن تيمية رحمه الله : (وأهل البدع سلكوا طريقا آخر ابتدعوها اعتمدوا عليها ، ولا يذكرون الحديث ، بل ولا القرآن في أصولهم ، إلاّ للإعتضاد لا للإعتماد) (5) .
وقال الإمام وكيع رحمه الله : (من طلب الحديث كما جاء فهو صاحب سنة ، ومن طلب الحديث ليقويّ هواه فهو صاحب بدعة ) (6)
علينا أن نتجاوز حسن الظّنّ بأنفسنا ، ونرتقي إلى مستوى أهلية الإستدلال في موارد النّزاع ، بإعداد العدّة الإيمانية والعلمية ، لتنصرف قلوبنا إلى الإخلاص والتّجرّد على عتبة الدّليل حتى ييسّر الله علينا الإنفكاك من أسر أفكارنا وآرائنا المسبقة بعرض اقتناعاتنا على الحجة الشرعيّة ، وعدم التّقدّم بأحكامنا بين يدي الكتاب والسنة .
قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله : (لكن بلاء بعض العلماء أنّهم يحكمون قبل أن يستدلّوا ، أو يعتقدون قبل أن يستدلّوا ، ونحن نقول استدل ثمّ اعتقد ، استدل ثمّ احكم ، هذا الصواب ) (7) ، (فالإنسان يجب ان يفهم النصوص على ما هي عليه ، ثمّ يكون فهمه تابعا لها ، لا أن يخضع النّصوص لفهمه أو لما يعتقده ، ولهذا يقولون : استدل ثمّ اعتقد ، ولا تعتقد ثمّ تستدل ؛ لأنّك إذا اعتقدت ثمّ استدللت ربّما يحملك اعتقادك على ان تحرّف النّصوص إلى ما تعتقده ، كما هو ظاهر في جميع الملل والمذاهب (8) المخالفة لما جاء به الرّسول - عليه الصلاة والسلام - تجدهم يحرّفون هذه النّصوص ؛ لتوافق ما هم عليه ) (9) .
من استدلّ ثمّ اعتقد ، فقد رشد ومن اعتقد ثمّ استدلّ فقد زلّ .
والحمد لله ربّ العالمين .
............................................
الهامش :
(1) - والباحث الذي يستصحب هذه النفسية ، قد يغريه أن يجد ظواهر الأدلة طيّعة أمام غرضه ، فإنّ دلالاتها لا تتأبّى حتّى على تمحّل المبطلين فيولّدون منها - بعد تعسف - ما ينصر تحريفهم قال الإمام الشاطبي : (ولذلك لا تجد فرقة من الفرق الضّالة ولا أحدا من المختلفين في الأحكام ، لا الفروعية ولا الأصولية يعجز عن الإستدلال على مذهبه بظواهر من الأدلة ) اه [ الموافقات (3/544)]
(2) - (التنكيل بما في تأنيب الكوثري من الأباطيل (1/56))
(3) - صيد الخاطر (ص 29)
(4) - (الموافقات (3/54 و 55)
(5) - (منهاج السنة النبوية) (7/37)
(6) - نقله الإمام البخاري في كتابه (جزء رفع اليدين) (ص 105)
(7) - (جلسات رمضانية 1410 ه - 1415 ه ) لابن عثيمين - (الدرس 19/ص4) أصله دروس صوتية مفرغة .
(8) - ما فتيء اهل العلم يبيّنون أنّ سبيل الإعتقاد قبل الإستدلال ، مروق عن منهج السلف ، وأنّه مدرجة اهل الأهواء إلى إفكهم الآثم من تأويل فاسد وتحريف كاسد ، ينظر (الصواعق المرسلة) (1/230 وما بعدها ) .
(9) - (القول المفيد بشرح كتاب التوحيد) (ص 49) .
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة







