برنامج المسلم في رمضان
17-07-2012, 11:13 PM


برنامج المسلم في رمضان
شأن العقلاء دائما أن يضعوا لأنفسهم برامجًا بحسب أحوالهم ، ومن هذه الأحوال التي لابد من وضع برنامج مناسب لها : حال المسلم في شهر رمضان ، لينال فيه من الأجر والفضل مما اختص به وليس في غيره من الشهور .
فمعرفة فضائل الأوقات والاهتمام بها وبالأعمال فيها من صفات أولي الألباب.
من هنا كان لزامًا على كل عاقل أن يضع لنفسه برنامجا لرمضان استقبالا له ، وعملا فيه ، وتوديعا له .
فالاستقبال بتهيئة النفس لما يجب عليها ويستحب لها أداؤه في رمضان من صيام وقيام وتلاوة ودعاء وذكر وصدقة إلى غير ذلك من أوجه البر ؛ وتدريبها على ذلك - قدر الاستطاعة - قبل رمضان ، وقد كان النبي
صلى الله عليه و سلم يكثر الصيام في شعبان استقبالا لرمضان .
وأما ما يتعلق بالعمل في رمضان ، فالخطوط العريضة للبرنامج تتعلق بالصيام والصلاة والقيام والتلاوة والدعاء والصدقة .
الصيام
رمضان شهر فريضة الصيام ، وبرنامج الصيام لابد أن يراعى فيه معنى الصيام وروحه ، لا شكله وصورته ؛ فقد أخبر النبي صلى الله عليه و سلم أن ممن يصومون مَنْ ليس لهم من صيامهم إلا الجوع والظمأ ؛ ذلك لأنه اهتم بشكل الصيام لا بتحقيق معناه في نفسه وواقعه ؛ ومن هنا يجب على كل مسلم أن يضع برنامجًا لصيامه ليخرج هذا العام بصيام أفضل من صيامه فيما سبق ؛ ويتحقق ذلك بأمور أهمها :
1 - إخلاص النية لله تعالى ، ويعينه على ذلك أن الصيام من الأعمال التي لا تظهر على الحقيقة ؛ فرب صائم لا يدري به أحد ، ورب مفطر يظن بعض الناس أنه صائم .
2 - قضاء وقت الصيام في طاعة الله تعالى ؛ وهذا يشمل كل أعمال اليوم ، فالموظف يراعي إتقان عمله في الصيام ، ولا يتعلل بالصيام لتكاسله وتقصيره ، وطالب العلم يجتهد في تحصيله ولا يكون الصيام سببًا لتقاعسه والقعود به عن الطلب ؛ وهكذا ... فالصيام داعية إلى إحسان المسلم عمله لا إلى إساءة العمل .
كما أنه ليس في وقت الصيام ما يشغله المسلم بمعصية الله تعالى من المشاهدات المحرمة عبر النت والفضائيات ؛ وإنما يشغل وقته بطاعة الله تعالى في برنامج يُعده يشمل ساعات النهار ؛ فلا يجعل يوم صومه كيوم فطره ؛ ويجتهد أن يكون ذلك في أيامه كلها .
3 - أن يتتبع صيام النبي صلى الله عليه و سلم وسننه وآدابه ، فإن ذلك أكمل لصيامه .
4-أن يصِّوم جوارحه عن المعصية كما أمسك عن الطعام والشراب والشهوة.
5 – الدعاء بأن يوفقه الله تعالى للصيام والقيام إيمانا واحتسابا ، وأن يتقبل منه .

الصلاة
الصلاة عمود الدين ، وهي خير موضوع ، وأفضل الأعمال بعد التوحيد الصلاة على وقتها ، كما أخبر النبي صلى الله عليه و سلم ؛ وبرنامج الصلاة في رمضان يجب أن يكون في مسارين ؛ الأول : الصلاة على وقتها في المسجد ؛ والثاني : تحسين إقامتها بالخشوع لله تعالى فيها .
فمن العجيب أن بعض المسلمين يحرصون على أداء صلاة التراويح في المسجد ، وهذا حسن ، لكنه لا يصلي الفجر في المسجد ، وربما - أيضًا - غيرها من الصلوات؛ ومعلوم أن صلاة الفريضة أفضل من صلاة التراويح ، فيجب أن يكون ضمن برنامج المسلم في رمضان : الحرص على إقامة جميع الصلوات بالمسجد ، مع الاجتهاد في إتمامها بخشوعها وأركانها وسننها وآدابها .

القيام
القيام في رمضان هو صلاة التراويح ، وما يمكن أن يجتهد فيه الإنسان من تهجد في آخر الليل ، كل ذلك يسمى قيامًا ، ولكن اعتاد الناس أن التراويح تكون في أوله ؛ وهي سنة للرجال والنساء وقد رغب النبي صلى الله عليه و سلمفي قيام رمضان بقوله: " ومَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ " متفق عليه، ولذلك فللتراويح فضيلة ومزية على غيرها من صلاة الليل . والأفضل للمأموم أن يقوم مع الإمام حتى ينصرف ، سواء أصلى إحدى عشرة ركعة أو ثلاث عشرة ركعة أو ثلاثًا وعشرين ، حتى يكتب له قيام ليلة ، لحديث أبي ذر رضي الله عنهأن النبي صلى الله عليه و سلم قال : " إِنَّهُ مَنْ قَامَ مَعَ الإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ ".
وينبغي أن يكون برنامج المسلم يتضمن صلاة التراويح مع الإمام الذي يصلي صلاة مطمئنة ، وأن يصليها إيمانا واحتسابا ، ويوطن نفسه أن يقوم في الثلث الأخير من الليل ليصلي ما شاء الله له ، ويستغفر الله تعالى ويدعوه بخيري الدنيا والآخرة .

القرآن في رمضان
رمضان هو شهر القرآن ، قال الله تعالى :]شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ [ [ البقرة : 185 ] ، وفي شهر القرآن يعايش المسلم كتاب ربه يتلوه ويتدبره ويتدارسه ، ويجتهد أن يعمل به ، ويدعو به وله ، وقد كان لرسول الله صلى الله عليه و سلم خصوصية متعلقة بالقرآن في شهر رمضان ، فقد كان جبريل عليه السلام ينزل في رمضان فيدارسه القرآن ؛ فدل ذلك على استحباب دراسة القرآن في رمضان , والاجتماع على ذلك وعرض القرآن على من هو أحفظ منه , والإكثار من التلاوة في رمضان ؛ وقد كان النبي صلى الله عليه و سلم يطيل القراءة في قيام رمضان ، وكذلك كان صحابته من بعده رضي الله عنهم ؛ وكان السلف - - يتلون القرآن في رمضان في الصلاة وغيرها ، وكان بعضهم لا ينشغل في رمضان بشيء سوى القرآن كالإمام مالك وسفيان الثوري وغيرهما .
وقد قال بعض السلف : إني لأقرأ القرآن وأنظر في آية فيحير عقلي , وأعجب من حفاظ القرآن كيف يهنيهم النوم ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا وهم يتلون كلام الله ، أما إنهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقه وتلذذوا به واستحلوا المناجاة به لذهب عنهم النوم فرحًا بما قد رزقوا ؛ وأنشد بعضهم :
منع القرآن بوعده ووعيــده مقل العيون بليلها لا تهجـع
فهموا عن الملك العظيم كلامه فهما تذل له الرقاب وتخضع
كان هذا حال السلف مع القرآن.. عرفوا له حقه وفضله , فقاموا به تلاوة وتدبرا وعملا وتطبيقا فنالوا بذلك عز الدنيا وسعادة الآخرة ؛ ولن يفلح آخر الأمة إلا إذا ساروا على نهج أولها .
من هنا كان لابد أن يكون للمسلم في برنامجه لرمضان وقفات مع القرآن العظيم :
الأولى : مع تلاوته ، فيجتهد في أن يختمه تلاوة أكثر من مرة بحسب الطاقة .
الثانية : مع الاستماع في الصلوات وغيرها ، مجتهدا أن يتدبر معانيه قدر الطاقة.
الثالثة : مع العمل والتطبيق ، وهذه هي الثمرة من التلاوة والتدبر .
الرابعة : حضور مقارئ التلاوة ، ودروس التفسير فإنها تعين المرء على القراءة الصحيحة ، وعلى تدبر معاني القرآن الكريم .

الدعاء
الدعاء في رمضان له خصوصية ، إذ هو مظنة الإجابة ، فلشهر رمضان من الفضل ما لم يثبت لغيره من الشهور ، فهو شهر الصـوم ، والصوم أخلص العبادات، وللإخلاص عند الله تعالى موقع وذمة ، ومن هنا كانت دعوة الصائم مستجابة ؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه و سلم : " ثلاث دعوات مستجابات : دعوة الصائم ، ودعوة المظلوم ، ودعوة المسافر " .
ولعل ورود آية الدعاء :]وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ[ [ البقرة : 186 ] بين آيات الصيام يشير إلى استجابة الدعاء في شهر رمضان .
وبرنامج الدعاء في رمضان ينبغي أن يشمل الليل والنهار ، ولكنه في بعض الساعات آكد ، فعند الإفطار ، وعند السحر ، فإنها أوقات يتأكد فيها الدعاء لمظنة الإجابة .
فلا ينسى المسلم في برنامجه اليومي الدعاء على كل أحواله وفي معظم أوقاته ، فلعله أن يوافق ساعة يستجاب له ، فيسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا .

الصدقة
للصدقة فضل عظيم ، وهي من أبواب الخير ، وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار ؛ وللصدقة في رمضان خصوصية جعلت ابن عباس رضي الله عنه يصف النبي صلى الله عليه و سلم في رمضان بأنه أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ الْمُرْسَلَةِ ؛ وأبواب الكرم والجود كثيرة ؛ ومن الجود في رمضان إفطار الصائم ، وله أجر عظيم ، فروى أحمد والترمذي وابن ماجة عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه و سلم: " مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا " .
فلا ينسى المسلم في رمضان الصدقة التي يودعها عند ربه تعالى فيربيها له ، ويجدها مضاعفة عندما يلقاه .
هذه خطوط عريضة في برنامج رمضان ، ويدخل فيها المسلم غيرها من أمور البر والخير ، كصلة الأرحام ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والمداومة على الأذكار المرتبة والمطلقة ، وزيارة مريض ... وغير ذلك .
وفقنا الله تعالى والمسلمين للعمل فيما يرضيه ، وتقبل منا ... آمين .