كيف تغتصب الدوّل ؟
02-08-2012, 11:19 AM
باسم الله والصلاة والسلام على رسول الله :
بينما أنّا أطالع كتاب (التحفة الحليمية في تاريخ الدولة العلية) لإبراهيم بك الحليمي رحمه الله وقفت على هذا التعريف الرائع للسياسة الدولية وطرق الإستعمار وقد زاد من رغبتي في نقله للقرّاء الكرام بساطته ووضوحه في مقابل دقته وتفصيله فعزمت على مشاركتكم به ليطالع من لم يطالع من قبل حقيقة السياسة الدولية وتوظيفها للقطاع السياحة والتجارة والإقتصاد في سبيل تحقيق مآربها ودور السياح (الجواسيس) والقنصليات والمدارس الأجنبية والإرساليات التبشيرية وموقعها في هذه المنظومة الإستعمارية المتكاملة بل موقعها في المنظومة الفكرية وتشكيل العقل المعاصر تحت عقدة النقص من الأجنبي المتمدن وأخلاقه الباردة وكيف يتمّ تشكيل راي عام مساند للخطة الإستعمارية ، هذا وغيره كثير مما لم يذكره الكاتب رحمة الله عليه كفيل بفتح أبصار القرّاء وتسليط الضوء على بعض ما يدور حولنا هذه الأيام ولهذا قدّرت مناسبته لقسم النقاش الحرّ على أن ينقل لقسم التاريخ في مرحلة متأخرة والله أعلم :
السياسة
السياسة في العصر الحاضر هي عبارة هن تفكر الأمم في معرفة الوسائط الموجبة لإمتلاك بلاد الغير خصوصا الضعفاء والجهلاء ، وطرقها لا نهاية لها . فهي تزيد في أمم بوجود الرجال الماهرين في هذا الفن وقوة دولتهم ، وتنقص وتضمحل في الأمم المتصفة بضدّ ذلك .
والمهارة لدى السياسيين هي إخفاء الغرض وإظهار غيره في أحاديثهم وتهديداتهم ونصائحهم الغير صحيحة ، حيث أنّ غرضهم الوحيد هو اغتصاب بلاد الغير ، وإذلال الأمم الضعفاء ، وإضعاف الأقوياء بتسليط بعضهم على بعض . وهذه الأمور هي ضدّ الشرف على خط مستقيم . والأعجب أن من يكون بهذه الصفة من الرجال يكون له القدر الجليل لدى العالم .
وأمّا الدولة العلية أيدها الله فلم تتخذ هذا المسلك الفضيع في وقت من الأوقات ، وطرق الإغتصاب متعددة لا نهاية لها ، ولنذكر بعض أمثالها . ذلك أنهم يدّعون أنّ روح التّمدّن الحقيقي وجميع مكارم الأخلاق حلّت فيهم دون غيرهم حتى صاروا كأنّهم المنزهون من كلّ عيب ، فيغترّ بذلك البسطاء ويستيلمون لهم ؛ وبهذا الإدّعاء وذلك الغستسلام يغتصبون البلاد .
ومباديء الإغتصاب أنّهم يبعثون رجال السياسة الموصوفين بما ذكر آنفا جواسيس ، ويسمون أنفسهم سواحين إلى البلاد والاقطار ، ويساعدونهم بكلّ ما يلزمهم من مال ورجال وسلاح وغير ذلك . فهؤلاء ينظرون البلاد بعين الناقد البصير ، ويحررون مذكرات بما يرونه من الأحوال وعوائد البلاد وطبائع أهاليها ، وما يلزم إجراؤه من وجوه الإحتيال بما يناسب لكل قطر وبلد . وبعد عودتهم إلى بلادهم يعرضون هذه المذكرات ويزيدون عليها بأحاديثهم الشفاهية .
وبعد ذلك يجهزون وفدا بريّا أو أسطولا مركبا من أحسن السفن الموجودة عندهم ويزينون رجاله بأحسن الملابس والأسلحة بقيادة أمهر الرجال في فن الخداع والسياسة الموصوفة آنفا ببعض هدايا وبرسائل من الملوك مزينة بزخارف الكلام الذي يوهم محبة المرسل إليه ، المنوي نهب بلاده . فبوصول هذا المندوب غلى عاصمة الملك أو الامير المرسل إليه ، يطلب مقابلته لتسليمه الهدايا والتحف التي أحضرها من لدن سيده ، وليست في الحقيقة هدايا بل رزايا جلبها إليه . وحينما يؤذن له بالمثول بين يديه لا تسل عما يظهره من الإجلال والخضوع عند مقابلته لذلك الامير المخدوع ، ثمّ يذكر له ما عليه سيده من الشفقة ومحاسن الأخلاق والمروءة والشهامة والغنى والقوة ، ويعزز ذلك بأمثلة وهمية مصداقا لما يقول : ثمّ يرجو الأمير في زيارة السفن ويقصد بذلك رهبته بعظمة المراكب والأسلحة وملبوسات الرجال وغير ذلك ، وليدهش الأمير ورجاله ، فيجاب غلى طلبه . وفي وقت الزيارة يذكر رجال الوفد لحاشية الأمير والأعيان من تلك الدروس ما ذكره رئيسهم للأمير ، ثمّ يعودون ، وربّما تكرّر مثل ذلك . ثمّ يذهب وفد آخر سواء برئاسة الاول او غيره بالصفة المذكورة أو أعظم ، وبعد ذلك يلتمسون تعيين قنصل لتوثيق عرى المحبة وتبادل التجارة ، فينالون ذلك .
ثمّ يرسلون بعض التجار إلى تلك الجهة للتجارة في الظاهر ، وعمل المشاكل في الباطن ، ويطلبون التصريح بعمل شركة ما ، ويشترون قطعة أرض للدرجة المناسبة ، بشروط مشتملة على ألفاظ مبهمة قابلة للتأويل بجملة معان مختلفة .
ثمّ يطلبون الترخيص بفتح المدارس بحجة تعليم أولادهم ، ومن يرغب من غيرهم ، بمصاريف على طرفهم . وعندما يجابون إلى طلبهم يملأونها بطوائف المبعوثين الدينيين ، بحجة أنّ وجودهم بالمدارس أمر ضروري ، ثمّ تتابع الإمتيازات شيئا فشيئا .
وكلّ هؤلاء يظهرون في المباديء من الأدب واللطف ومحاسن الأخلاق ما بهر العقول ، ثمّ يأتي دور الشكل التصنيعي ، بمعنى أنهم يخترعون المشاكل بأيديهم ويدّعون أنّ الحقّ معهم . ويساعدهم على ذلك وجود الألفاظ المبهمة ذات المعاني المختلفة بالشروطات الموضوعة لهذا الغرض ليرى منها ظاهرا أنّ الحقّ معهم . وأمّا الشعوب المظلومة فإنّهم لا يرون من حقائق الأمور شيئا لغفلتهم ، فيتمسكون بما لهم من الحقوق الظاهرة ، ثمّ يأتي دور التهديد والوعيد وطلب التعويض الغير معقول ثمّ التّدخل الفعلي ثمّ الطامة الكبرى . هذا هو العدل والتمدن والشفقة والشهامة عندهم .
وتوجد أساليب أخرى يستعملونها لهذه المآرب ، منها إلقاء الدسائس بين التابع والمتبوع بأشكال يطول شرحها . ومنها إلقاء الدسائس بين دولتين ويعتقدون أنّ كلّ هذه الأفعال وأمثالها ضروب من حسن السياسة .
ولا يظنّ احد فيما ذكر بهذه الكلمات الوجيزة أنه قد إنحصرت كلّ وسائل الإغتصاب ، لا بل تلزم لها مجلدات لإستيفائها . وإنما إختصرنا كما هي خطتنا في هذا الكتاب ، لأنّ ما ذكرناه يكفي لمعرفة ما لم يذكر من هذا القبيل . ثمّ أنّنا لم نقصد بما ذكر حكومة ولا دولة معينة كما يتضح من سياق الكلام .
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة








