زينب الكبرى بنت رسول الله. صلى الله عليه و سلم
13-09-2012, 10:51 PM
السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته
قرأت مؤخرا كتيبا يحوي نبدة عن بعض الأعلام و الشخصيات المهمة في حياة حبيب الله و خير خلقه و المهمة بالنسبة لجميع المسلمين. فاردت ان انشرها في هذا المنتدى لأثري ثقافتكم و نتبادل المعلومات و هذا من اجل ان تعم الفائدة على الجميع .و لست ادري ان نشر موضوع مماثل حول حياة السيدة زنيب رضي الله عنها الا ان هذه النبدة قد نقلتها من كتيب بعنوان مسلمات مؤمنات لمحمد علي قطب. و قد افتتح الكتاب بشخصية:
زينب الكبرى رضي الله عنها.
قال ابو العاص بن الربيع زوج زينب رضي الله عنهما
ذكرت زينب لما وركت إرما
فقلت سقيا لشخص يسكن االحرما
بنت الأمين جزاها الله صالحة
و كل بعل سيثنى بالذي علما.
توطئة.
حدثوا ان "الأخنس بن شريق الثقفي" اتي "ابا الحكم بن هشام بن المغيرة"--﴿ ابو جهل﴾ فسأله:
- يا ابا جهل ما رأيك فيما سمعت من محمد؟
فأجاب:
- ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن و بنو عبد مناف الشرف: اطعموا فأطعمنا، و حملوا فحملنا ﴿أي الديات﴾، و اعطوا فأعطينا، حتى اذا تحادينا على الركب و كنا كفرسي رهان قالوا:
- منا نبي يأتيه الوحي من السماء ...فمتى ندرك مثل هذه؟و الله لا نؤمن ب هابدا و لا نصدقه!
****
لقد كان تصور الجاهلية القريشية للنبوة تصورا مركبا معقدا ينبع من تقاليد بيئتها، و سخف نزعتها، المختلط بعنجهية فارغة و كبر اجوف، و لم يدركوا ان رسالة محمد ﴿صلى الله عليه و سلم﴾ و دعوته انما هي رحمة مهداة الى البشرية قاطبة، و العالم أجمع و ثورة تحريرية لعقل الانسان و نفسه.
نسبها و نشأتها.
و لدت "زينب" رضي الله عنها قبل بعثة والدها صلى الله عليه و سلم بعشر سنين، و كانت باكورة زواجه من أم المؤمنين "خديجة بنت خويلد" رضي الله عنها، و هي أكثر أخواتها شبها بأبيها﴿عليه السلام ﴾.
و هي تنتسب الى اشرف ابوين في الوجود. فوالدها هو محمد صلى الله عليه و سلم المبعوث رحمة للعالمين، امام الأنبياء، و قدوة المسلمين، و قائد الغر المحجلين، عليه و على آله و صحبه الأبرار الطاهرين ازكى الصلاه و أطيب التسليم. و امها هي سيدة نساء العالمين، ذروة قريش نسبا و شرفا و فضلا و علما،زوجة أحب خلق الله الى الرسول محمد صلى الله عليه و سلم.
خرجت الى الدنيا في اكرم منبت، أنبتتها سلالة قريشية عريقة اصيلة، ما عرف العرب اعز منها و لا اتقى ، و استقبلعا بيت كريم البنيان طاهر الأردان، استقبالا لم تظفر بمثله ِتـــــْربٌ لها ، لأنها كانت ثمرة زواج سعيد قان على الحب المتبادل، و المودة الخالصة. و الاحترام العظيم، و لقد راى فيها الأب من زوجته الحبيبة، التي أنسته بحنانها الغامر وحدبها الكبير، كل ما عناه في طفولته من قسوة اليتم.
و كانت الأم العظيمة "خديجة" ترى فيها فلذة حية من زوجها الحبيب العزيز، الذي بهرها منذ عرفته بحلال طلعته، و اسرها بمهابته و نبل شخصيته، و فتنها بجميل خصاله، فتفتح له قلبها المغلق بسبب زواج سابق غير موفق، فاٌبلت على الحياة من جديد.
***
و لقد كانت "زينب" رضي الله عنها باطلالتها الأولى على بيت النبوة ريحانة تفيض عليه طيبا عابقا، و بهجة غامرة.
و عهد بها على عادة اشراف العرب الى المرضعات فلما أخذت حظها و نصيبها، تلقفها البيت الكريم ثانية بشوق بالغ، و عطف غامر.
***
و لما شبت رضي اله عنها بادرت امها بتدريبها على المشاركة في عبء المنزل، و اخذتها على التمرين مأخذ الجد، و حاولت ان تبعدها قدر الإمكان عن عبث الطفولة و لهوها، فكانت ـــ وهي لا تزال فتاة صغيرة ـــ لشقيقتها الصغرى "فاطمة" رضي الله عنها نعم المربية و الراعية الصالحة، ترعى شؤونها، و تلاعبها و تقوم على خدمتها.
و حين اكتملت أنوثتها تقدم لخطبتها ابن خالتها "ابو العاص بن الربيع" الذي كان كثير التعلق بخالته " خديجة" التي كانت تنزله منزلة الإبن، و تغمره بعطفها و حنانها.
و كان "ابو العاص" يرى زينب كلما جاء الى بيت خالته فيؤخذ بجلال مرآها، و عذوبة حديثها ، و ذكاء ملامحها، و لطف طباعها و تفتح انوثتها...
و كانت "زينب" رضي الله عنها ترتاح الى محضره و يطيب لها ان تصغي الى اخباره و ما فيها من طرائف و غرائب.
و هكذا تفتح القلبان و أحسا لمسة الحب الرقيقة الساحرة تحرك وجدانهما و عاطفتهما.
***
تقدم ابو العاص لخطبة "زينب" فاحسن رسول الله صلى الله عليه و سلم لقاءه، و اصغى اليه بكل جوارحه، و لكنه استأذنه في سؤال صاحبة الشأن، ثم اتى رسول الله صلى الله عليه و سلم الى ابنته و قال لها:
- بنيتي "زينب" ان ابن خالتك "ابا العاص" ذكرك اسمك.
فسكتت "زينب" حياء ولم تحر جوابا، لكن خفقات القلب الطاهر، و اغضاء النظر حياءا كانا خير جواب. فعاد ﴿عليه السلام﴾ الى ابي العاص و صافحه مهنئا و داعيا مباركا.
في بيت الزوجية.
و في بيت الزوجية اظلت "زينب" و زوجها "ابا العاص" سعادة غامرة و حب متبادل فنهلا من رحيق الود اصفى شراب و انقاه. و كان "ابو العاص" بحكم تجارته و مكانته في قومه كثير السفر، يغدو الى الشام فيغيب اياما و ليالي، فتعاني "زينب" من الم الفراق، و يعاني هو من الم البعاد، و لقد هاج به الشوق مرة في احدى رحلاته فانشد يقول :
ذكرت زينب لما وركت إرما
فقلت سقيا لشخص يسكن االحرما
بنت الأمين جزاها الله صالحة
و كل بعل سيثنى بالذي علما.
***
وضعت زينب لأبي العاص ولدين عليا و أمامة فاكتملت بها فرحة البيت، و امتلأت جوانبه سعادة و هناءة و لكن ...و في ذات يوم و بينما كان "ابو العاص" في احدى رحلاته حدث الأمر العظيم و نبئ رسول الله صلى الله عليه و سلم بالرسالة..و تابعت "زينب" اباها، شأن امها و اخواتها و اهلها و لما عاد الزوج من رحلته حدثته بما حصل اثناء غيابه.
مفترق الطريق.
و قال ابو العاص لزوجته الحبيبة و الله ما ابوك عندي بمتهم و ليس احب الي من ان اسلك معك يا حبيبة في شعب واحد، لكني اكره لك ان يقال ان زوجك خذل قومه و كفر بآلهة آبائه ارضاء لأمراته، فهلا قدرت و عذرت!!
و هما بعناق ... ثم ما لبثا ان تراجعا فجأة و كأن حاجزا قد قام بينهما فحال دون بغيتها و انكفئا، و لم يناما ليلتهما و لا الليالي التي بعدها، و ساد جو المنزل قلق و هم و حذر، و انقلب النعيم الى جحيم.
المؤمنة الصابرة.
اشتد اذى الكفار و المشركين لرسول الله صلى اله عليه و سلم و انفرد بأهله و بالمؤمنين في شعب ﴿ابي طالب﴾ سنين عددا، قد فرضت عليهم المقاطعة و المباعدة، فكانت "زينب" رضي الله عنها تتالم و تحزن و تبكي احيانا، ثم تصبر على قضاء الله، املا بالفرج و الضياء، بعد دامس من العذاب...
و قد راى رسول الله من المشركين كثير الأذى، و عظيم الشدة، خصوصا اذا ذهب الى الصلاة عند البيت، و كان اعظمهم اذى لرسول الله جماعة سموا لكثرة اذاهم بالمستهزئين، و اولهم و اشدهم ابو جهل.
و ماتت "خديجة" الأم الرؤوم...
و مات طابو طالب" العم الحنون...
و استبدت بقريش نزعة الجهل و الشرك و الإيذاء.فراح الألم يمزق قلب "زينب" رضي الله عنها و يفري كبدها.
الهجرة
و اصبحت ذات يوم و قد طبق أجواء مكة خبر مطاردة قريش لرسول الله صلى الله عليه و سلم الذي خرج من مكة الى يثرب مهاجران فلما علمت بوصوله سالما اطمأنت و سعدت... و بعد أيام جاء من يثرب موفد فصحب اختيها "فاطمة" و أم كلثوم" و بقيت زينب في مكة في منزل زوجها " ابي العاص" تنتظر قضاء الله و امره.
الاسير
و خرج " ابو العاص" مع قريش في نفيرها لحماية تجارتها التي تعرضت لتهديد المسلمين، و دارت رحى القاتال و انتصر المسلمون، و وقع "ابو اعاص" اسيرا.
ولما استعرض رسول الله صلى الله عليه و سلم الأسرى نحى " ابا العاص" جانبا و قال لأصحابه –استوصوا بالأسرى خيرا.
و كانت زينب في وضع لا يحسد عليه، حين بدأت عملية فداء الأسرى، كانت رضي الله عنها راغبة في عودة زوجها اليها مستثيرة همة والدها العظيم لذلك فاستخرجت من صندوق ثيابها و حليها قلادة كانت لامها "خديجة" رضي الله عنها، و اهدتها اليها يوم عرسها. ثم حملتها لشقيق زوجها " عمرو بن الربيع" كي يقدمها فدية عن زوجها.
و لم يكد صلى الله عليه و سلم يرى تلك القلادة حتى رق لها رقة شديدة، و خفق القلب الكبير للذكرى العظيمة.و اطرق الحاضرون من الصحابة خاشعة ابصارهم و قد أسروا بجلال الموقف و روعته.
و يعد صمت طويل قال صلى اله عليه و سلم:
-ان رأيتم ان تطلقوا اسيرها وتردوا عليها مالها فإفعلوا!
فقالوا جميعا: نعم يا رسول الله.
الفراق
لكن النبي صلى اله عليه و سلم اوصى "ابا العاص" ان يرسل " زينب" و يتركها فان الإسلام قد فرق بينهما.و عاد "ابو العاص" الى مكة فاستقبلته " زينب " هاشة باشة، فرحة مرحبة، و كان هو البادي الوجوم، ظاهر الحزن، ثم قال:
- جئتك مودعا يا " زينب"
و اخبرها بما وعد والدها من ردها اليه.و على مضض خرجت " زينب" من مكة، وودعت " ابا العاص" وداعا مؤثرا، فقال لها: مهما يحدث يا "زينب" فسابقى على حبك ما حييت وفيا، و سيبقى طيفك ابدا ملء هذه الدار التي شهدت احلى و اطيب ايام حياتنا... و مسحت " زينب" دموعها المترقرقة و انصرفت.
و لكن قريشا تصدت لها و منعتها و اعادتها الى مكة و ورعت رضي الله عنها بما حدث لها و كانت حاملا فنزفت دما و اجهضت و حماها " ابو العاص" عنده حتى استعادت قوتها و عافيتها، و اغتنم يوما غفلت فيه قريش عنها، فاخرجها بصحبة اخيه " كنانة بن الربيع" حتى ابلغها مأمنها عند رسول الهق صلى اله عليه و سلم. و عاد "كنانة" يردد و ينشد:
عجبت ل ﴿هبار﴾ و اوباش قومه
يريدون اخفاري ببنت محمد
و لست ابالي، ما حييت عديدهم
و ما استجمعت قبضا يدي بمهندي.
في الاسر مرة ثانية.
خرج " ابو العاص" الى الشام في عير لقريش، و بلغ رسول الله صلى اله عليه و سلم ان تلكم العير قد اقبلت من الشام فأرسل "زيد بن الحارثة" رضي الله عنه في مائة و سبعين راكبا فلقوا العير بناحية ﴿العيص﴾ في جمادى الأولى سنة ست من الهجرة، فاخذوها و ما فيها من الأثقال، و اسروا جماعة ممن كانوا في حراسة القافلة، و منهم " ابو العاص"
و دخل " ابو العاص" على " زينب" مستجيرا فأجارته، فلما صلى رسول الله صلى اله عليه و سلم الفجر قامت " زينب" على باب ابيها مستشفعة و قالت:
- اني قد اجرت " ابا العاص بن الربيع"
فخرج عليه السلام و قال:
- ايها الناس هل سمعتم ما سمعت؟
قالوا نعم.
قال: فوا الذي نفسي بيده ما علمت بشئ مما كان حتى سمعت الذي سمعتم: ﴿ المؤمنون يد على من سواهم يجير عليهم ادناهم﴾ و قد اجرنا من اجارت
فلما اصرف صلى اله عليه و سلم الى منزله دخلت عليه " زينب" فسالت هان يرد على ابا العاص ما اخذ منه، ففعل، و امرها أن لا يقربعا فإنها لا تحل له ما دام مشركا.
و رجع " ابا العاص الى مكة فأدى الى كل ذي حق حقه، ثم اعلن اسلامه في نادي قريش و على رؤوس الناس، و انصرف الى المدينة، مسلما مهاجرا و رد عليه رسول الله صلى اله عليه و سلم " زينب"ن، فاجتمع الشمل، و اكتمل العقد و خيم على الدار ما كان من قبل حبور و سرور و سعادة.
الفراق الأبدي
مضى على الزوجين عام واحد في المدينة يعبان من السعادة و الفرحة، ثم كان الفراق الذي لا لقاء بعده، اذ ماتت " زينب" رضي الله عنها في مستهل السنة الثامنة للهجرة متأثرة بمرض النزف الذي لازمها منذ هجرتها.
و بكاها " ابو العاص" بكاءا حارا، و تشبث بها حتى ابكى من حوله و جاء رسول الله صلى اله عليه و سلم دامع العين محزون الفؤاد، ثم قال:
- اغسلنها ثلاثا....و اجعلن في الآخرة كافورا.
ثم صلى عليها، و شيعها الى المقر الأخير.
و عاد " ابو العاص" الى ولديه " علي" و " امامة" يقبلهما و يبللهما بدموعه مستذكرا وجه الحبيبة الغائبة.
رضي الله عن " زينب" بنت رسول الله صلى اله عليه و سلم و جزاها بما صبرت و كافحت و جاهدت جنة و حريرا.
.gif)







