تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
imade13dz
زائر
  • المشاركات : n/a
imade13dz
زائر
النخب الإسرائيلية و"الربيع العربي"
22-09-2012, 01:57 PM
النخب الإسرائيلية و"الربيع العربي"
ملف من 3 حلقات من إعداد: أنطوان شلحت (1-3)
من المجلة الفصلية "قضايا إسرائيلية" الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، عدد 41- 42، صيف 2011

مدخـل
(*) من المتوقع أن يستمر اهتمام النخب الإسرائيلية السياسية والعسكرية والأكاديمية والإعلامية المنصبّ على "ربيع الشعوب" في العالم العربي، والذي لاحت تباشيره قبل أكثر من نصف عام، فترة طويلة، ولا سيما في ظل ما تعتبره هذه النخب "حالة غموض" أو "حالة عدم يقين" تسيطر على ما عداها من حالات سواء إزاء النتائج الناجزة إلى الآن، أو إزاء النتائج المرتقبة في قادم الأيام، وكذلك في ضوء عدم حسم الوجهة المحدّدة التي تسير نحوها الثورات الشعبية المتعدّدة، في ما يتعلق بتلك التي أفلحت في قلب أنظمة الحكم الاستبدادية وفي مقدمها ثورة 25 يناير المصرية، أو تلك التي لم تنجح في تحقيق الهدف ذاته أو أهداف أخرى. ولدى الإعداد لهذه المقالة (في أواخر حزيران/ يونيو 2011) فإن ما ظهر في وسائل الإعلام والمنابر الإسرائيلية المتعدّدة في إطار تقويم تلك النخب لدلالات "الربيع العربي" بدا أنه يركز أكثر من أي شيء آخر على ثلاثة سيناريوهات مستقبلية متوقعة لهذه الثورات وبالأساس في ما يتعلق بعنصر الاستقرار الذي قد ينبثق عنها، وهي:

أولاً، سيناريو هيمنة "نموذج الاستقرار القذافي"، أي الاستقرار الذي يتم تحقيقه بواسطة القبضة الحديدية؛ ثانيًا، سيناريو هيمنة القوى الإسلامية؛ ثالثًا، سيناريو تحقيق تطوّر اقتصادي، والذي جرى التشديد على أنه السيناريو المرغوب أكثر من سواه لغايات سياسية إسرائيلية محض. وفي خضم ذلك كله أشير إلى أن أمرًا واحدًا بات مؤكدًا، وهو عدم إمكان استمرار الوضع الإقليمي القائم (الستاتيكو). في الوقت نفسه فإن أبرز الدروس التي استخلصتها هذه النخب في معظمها من تلك الثورات تمثلت في ما يلي:

أولاً، أنه لا فائدة ترجّى من مطالبة الأنظمة العربية بإجراء "إصلاحات"، ذلك بأن "الإصلاح" الأهم المطلوب من الرئيس السوري بشار الأسد مثلاً هو أن يقدّم نفسه إلى المحاكمة، وبالتأكيد فإنه لن يقدم على ذلك مطلقًا، فضلاً عن أن هذه الإصلاحات يمكن أن تكون أداة ناجعة للحفاظ على الأنظمة القديمة لا للقضاء عليها. وبناء على ذلك فإن بعض النخب شدّد على أن المطلوب بالأساس هو بناء ديمقراطية كاملة تؤدي إلى نشوء سلطة متعدّدة الأحزاب، وإلى إجراء انتخابات حرّة، وإلى إنشاء جهاز قضائي مستقل، وإلى فرض احترام حقوق الإنسان من خلال سنّ قوانين أساسية.

ثانيًا، أن الدولة العربية المقبلة المرشحة لأن تندلع ثورة فيها (بعد كل من تونس ومصر وليبيا واليمن وسورية) يمكن أن تكون التي لا يوجد توقعات كبيرة بشأن إمكان اندلاع ثورة فيها مثل الأردن، "الجار الشرقي لإسرائيل"، ولذا فمن المنطقي أن يقوم العاهل الأردني عبد الله الثاني بإجراء مزيد من الإصلاحات وإقامة مزيد من "لجان الحوار الوطني"، وفي الوقت نفسه من الممكن ألا تؤدي هذه الخطوات كلها إلى تهدئة الجمهور الأردني العريض.

ثالثًا، أنه على الرغم من مرور نحو 33 عامًا على انتصار ثورة الإمام الخميني (الثورة الإسلامية) في إيران في العام 1979 فإن هذه الثورة لم تعد تملك أي تأثير في شعوب الشرق الأوسط، والتي ليس من المبالغة القول إنها ترفض نموذج هذه الثورة، كما أن زعماء إيران أنفسهم باتوا يعيشون في خوف دائم من غضب جمهورهم نفسه (يديعوت أحرونوت، 12 حزيران/ يونيو 2011).

آخر تداعيات "الربيع العربي" على إسرائيل


يمكن القول إن مواقف النخب الإسرائيلية ما زالت تراوح بين حديّن: أولاً، تقويم دلالات الثورات العربية بالنسبة للوضع الإقليمي القائم؛ ثانيًا، محاولة استشراف تداعياتها المحتملة على إسرائيل. ولا شك في أن الحديّن متصلان مبنى ومعنى. وبخصوص موقف المؤسسة السياسية الإسرائيلية الرسمية رأى سيفر بلوتسكر، أحد كبار المعلقين في صحيفة يديعوت أحرونوت، أنه بعد مرور نحو نصف عام على تفجّر هذه الثورات حان الوقت كي تفكر إسرائيل بما سوف يحدث في منطقة الشرق الأوسط، وكيف ستكون ملامح المنطقة عندما تجري انتخابات حرّة في معظم الدول العربية- الإسلامية تسفر عن إقامة حكومات ائتلافية، متوقعًا بأن يكون هذا الأمر حتميًا، غير أنه استدرك قائلاً: "على حدّ علمي فإن المسؤولين في القدس لا يبذلون أي جهد أو تفكير بشأن بلورة السياسة الخارجية التي يجب على إسرائيل أن تتبعها في المستقبل" (يديعوت أحرونوت، 13 حزيران/ يونيو 2011).

أمّا المحلل السياسي في صحيفة هآرتس ألوف بن (الذي أصبح في هذه الأثناء رئيسًا للتحرير) فلمح إلى أن الانتفاضة في سورية أحدثت منذ الآن تغيرا في ميزان القوى في الشرق الأوسط، على الرغم من أنها لا تزال بعيدة عن الحسم، ونجم هذا التغيّر عما أسماه "تبدّل اتجاه الرياح في الآونة الأخيرة"، والذي كان من نتائجه الظاهرة للعيان جعل إيران في حالة تقهقر، وجعل مكانة إسرائيل تتعزز من جديد. وأضاف أن المخاوف التي أثارتها في إسرائيل الموجة الأولى من "الربيع العربي" آخذة في التلاشي، وأن التحولات في الدول المجاورة بدأت تتخذ "صورة الفرصة الإستراتيجية" بالنسبة لها. وفي رأيه فإن نقطة الانعطاف السابقة في المنطقة سجلت قبل نحو خمسة أعوام، في أثناء حرب لبنان الثانية (صيف 2006). فالفشل العسكري في المواجهة مع حزب الله كشف ضعفا إسرائيليًا وأدى إلى تعزّز نفوذ إيران، الراعية للسيد حسن نصر الله، ووثق الرئيس السوري بشار الأسد تحالفه العسكري والسياسي والاقتصادي مع حكام طهران، وسيطر حزب الله على لبنان، وأحكمت حركة حماس سيطرتها على قطاع غزة، وابتعدت تركيا عن إسرائيل واقتربت من إيران وسورية وحماس. وفي العام 2010 تسببت قضية قافلة السفن التركية التي كانت متجهة إلى قطاع غزة بحدوث تصدع علني بين القدس وأنقرة، ومع سقوط سلطة الرئيس المصري السابق حسني مبارك فقدت إسرائيل أيضا الحلف الإستراتيجي مع مصر وبقيت معزولة وخائفة. والبديل الذي وجده رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو في التقرب من اليونان أفلس، ولا يمكنه في الأحوال جميعًا أن يحل محل أنقرة والقاهرة (هآرتس، 24 حزيران/ يونيو 2011).

وأشار بن أيضًا إلى أن وقوف رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان في رأس المعارضين العلنيين لسلطة الرئيس الأسد، الذي يستعين بإيران لإنقاذ كرسيه المهتز، يعني أن الهدوء في العلاقة بين دمشق وأنقرة وصل إلى نهايته، ومعه من المفترض أن تنتهي كذلك سياسة "صفر مشكلات مع الجيران" التي قادها وزير الخارجية التركية أحمد داوود أوغلو، لتعود صراعات القوى والنزاعات المعروفة من قبل إلى الواجهة. ونقل هذا المحلل عن خبير إسرائيلي في شؤون الشرق الأوسط قوله إن إيران وتركيا تتصارعان على السيطرة والنفوذ في سورية، وعندما تتصارع تركيا مع إيران فإنها تقترب من جديد من إسرائيل ومن الولايات المتحدة، باعتبارهما الخصمين الأكبرين للإيرانيين في المعركة على السيطرة والنفوذ في الشرق الأوسط. وفي يوم 20 حزيران/ يونيو 2011 تحادث أردوغان هاتفيا مع الرئيس الأميركي باراك أوباما، بعد بضع ساعات من الخطاب الذي ألقاه الأسد في جامعة دمشق. ووفقًا للبيان التركي، فقد ركز الزعيمان حديثهما على سورية وليبيا وتناولا أيضا المسيرة السلمية "كعامل مهم في استقرار المنطقة".

وأعرب الرجلان عن تأييدهما "المطالب المشروعة" للمتظاهرين السوريين واتفقا على أن "يتابعا عن كثب" الأوضاع في سورية. وفي الغداة نشر الأتراك برقية بعث بها نتنياهو إلى أردوغان هنأه فيها بانتصاره الساحق في الانتخابات التشريعية، واقترح بذل مساع لحل جميع المشكلات المفتوحة بين الدولتين. ونوّه محللون آخرون بأن هذه التطورات، المرتبطة في الأساس بتراجع إيران وعودة قدر من الحرارة إلى العلاقات الخاصة بين إسرائيل وتركيا، جعلت مسؤولين إسرائيليين آخرين غير نتنياهو "يتنفسون الصعداء". وكان في مقدمهم وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك الذي "تنبأ" بأن "يسقط نظام الرئيس السوري بشار الأسد في غضون ستة أشهر"، مشددًا على أن هذا النظام "فقد شرعيته بسبب المواجهات التي وقعت بين قواته وبين المتظاهرين ضده"، وعلى أن "الأسد اجتاز نقطة اللاعودة، نتيجة استخدامه القوة المفرطة، وتسببه بحفر قبور كثيرة" (يديعوت أحرونوت، 21 حزيران/ يونيو 2011). وغداة ذلك أعلن باراك أن على إسرائيل ألا تهاب من حالة الغموض التي تسيطر على منطقة الشرق الأوسط نتيجة الثورات في العالم العربي، وأن تعمل على دفع المفاوضات مع جيرانها قدمًا (معاريف، 22 حزيران/ يونيو 2011).

وفي الوقت ذاته سربت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية "سيناريو" محددًا بشأن النهاية المرتقبة للأحداث التي تعصف بسورية فحواه توقعات دفينة بأن "يتم في نهاية المطاف التوصل إلى اتفاق بين جزء من كبار ضباط الطائفة السنية في الجيش السوري وبين كبار ضباط الطائفة العلوية يتضمن توفير حماية لأبناء هذه الطائفة الأخيرة، ويتيح إمكان التوصل إلى حل سياسي يضع حدًا للأزمة التي تشهدها سورية، ويؤدي إلى إطاحة الرئيس بشار الأسد" (هآرتس، 22 حزيران/ يونيو 2011). وبينما دأب كبار المسؤولين في المؤسستين السياسية والأمنية في الفترة السابقة على التحذير من خطر التحوّل الإسلامي (الأسلمة) وتفكك أنظمة الحكم القائمة، فإنهم أخذوا مؤخرًا يتحدثون في مديح الديمقراطية في الدول العربية (الدمقرطة)، إلى درجة أن وزير الخارجية الإسرائيلية أفيغدور ليبرمان، رئيس حزب "إسرائيل بيتنا" (يمين متطرف)، أكد أنه "لا مكان لأي تدخل عسكري (أجنبي) في سورية، وليس من واجبنا أن ندعو إلى ذلك، وثمة وسائل كافية لإجبار الأسد على الاستقالة، كما أن هناك رافعات اقتصادية ودبلوماسية وسياسية كافية لممارسة الضغط على الأسد كي يتنحى عن منصبه، ويجب على الأسرة الدولية أن تستخدمها على نحو صحيح في ضوء التطورات الرهيبة التي تحدث هناك" (يديعوت أحرونوت، 15 حزيران/ يونيو 2011).

وما يجب ملاحظته هو أن موقف ليبرمان هذا جاء مجانبًا لردات فعل سابقة صدرت عن عدد من قادة المؤسستين السياسية والأمنية في إسرائيل حيال الثورة في ليبيا مثلاً، والتي أعربوا من خلالها عن الخشية من أن تؤدي الأوضاع في هذا البلد إلى ما أسموه "نشوء فراغ سلطوي" ربما تدخل إليه قوى عديدة، كما أنهم أعربوا عن "القلق" من قيام تنظيم "القاعدة" بإعلان تأييده الثورة. وفي موازاة هذا كانت هناك تلميحات إسرائيلية شبه رسمية إلى أنه لا يجوز للولايات المتحدة والدول الأوروبية أن تجازفا بسقوط ليبيا في أيد خطرة. وسوّغ أصحاب هذه التلميحات رؤيتهم في هذا الصدد بثلاثة مبررات رئيسة هي: أولاً، موقع ليبيا القريب من أوروبا؛ ثانيًا، ثروتها النفطية؛ ثالثًا، احتمال وجود سلاح كيماوي في حيازتها. وهذا السبب الأخير يتسق مع محاولات إسرائيل المحمومة في الآونة الأخيرة أن تقضّ مضاجع العالم بخطر وقوع أسلحة غير تقليدية في يد منظمات "إرهابية" عالمية. وقد فسحت هذه الرؤية المجال على وسعه أمام هيمنة سيناريو محدد على أطياف النظرة التي ترى إسرائيل بواسطتها آخر التطورات المرتبطة بمسار الثورة في ليبيا، كان فحواه ضرورة قيام حلف شمال الأطلسي (الناتو) بقيادة الولايات المتحدة بالتدخل المباشر بحجة "ضمان استقرار ليبيا". ووفق الاعتقاد الإسرائيلي فإن الناتو يملك قدرة على تغيير الوضع في ليبيا في غضون فترة قصيرة للغاية. كما أن مثل هذا العمل يمكن أن يؤشر، وفق السيناريو الإسرائيلي، إلى كل مراكز القوى في ذلك البلد نحو أي جانب يجدر بها أن تميل. وذهب البعض إلى أنه خلافاً لنماذج عديدة من التدخلات العسكرية الأجنبية في الماضي (مثل الصومال وأفغانستان والعراق) فإنه في هذه المرة لا خوف من أن تعتبر "قوات التدخل" قوة احتلال خارجية، وذلك لأن الشعب الليبي هو الذي يطلب مثل هذه "المساعدة العينية". ولا بُدّ من الإشارة إلى أن الذين ألحوا على هذا السيناريو في معظمهم شددوا أكثر من أي شيء آخر على أن هذا التدخل، في حال حدوثه، سينطوي على أبعاد مهمة في كل ما يتعلق بإعادة بناء قوة الردع الأميركية في الشرق الأوسط، ذلك بأن من شأنه أن يمرّر رسائل ردع إزاء احتمال نشوء وضع في المستقبل قد تتعرّض فيه أنظمة أخرى مثل الأردن والبحرين وربما السعودية أيضا إلى الاهتزاز. وبناء على ذلك فإن الأزمة في ليبيا توجد برأيهم فرصة ذهبية لإعادة تصميم السياسة الأميركية بما ينسجم مع أهداف السياسة الإسرائيلية الإقليمية، التي يحتل عنصر الردع حيزًا متقدمًا للغاية فيها (يديعوت أحرونوت، 27 شباط/ فبراير 2011).

إلى جانب ما تقدّم من مؤشرات بشأن حدوث تغيير في "جوهر" النظرة الإسرائيلية، قال رئيس هيئة الأركان العامة السابق اللواء غابي أشكنازي إن إسرائيل ترغب في نشوء أنظمة حكم ديمقراطية في الجانب الآخر من حدودها، لكنها قبل ذلك ترغب في أن تكون لهذه الأنظمة زعامة تتحمل المسؤولية، الأمر الذي من شأنه أن يتيح إمكان التعاون معها (هآرتس، 23 حزيران 2011). أما الرئيس السابق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) الجنرال احتياط عاموس يادلين فقال في سياق كلمة ألقاها في "مؤتمر رئيس الدولة الإسرائيلية" الذي عقد في القدس تحت عنوان "نحو الغد"، إن إسرائيل لا تملك القدرة على التأثير في التغيرات التي يشهدها العالم العربي، ومن الأفضل ألا تتدخل فيها، وأشار إلى أنه يعتقد أن هذه التغيرات من شأنها أن تكون مفيدة لإسرائيل، مؤكدًا "أنا أنتمي إلى المتفائلين. وعلى المدى البعيد فإن التغيرات في العالم العربي تنطوي على فرصة لإسرائيل، والقيم التي كافح المتظاهرون في ميدان التحرير من أجلها هي قيمنا نحن أيضًا" (الموقع الإلكتروني التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، 22 حزيران/ يونيو 2011). وبرأي الباحث إفرايم كام، نائب رئيس "معهد دراسات الأمن القومي" في جامعة تل أبيب، فإن قيام أنظمة ديمقراطية حقيقية يمكن أن يكون النتيجة الأفضل سواء بالنسبة للدول العربية أو لدول الغرب وإسرائيل، خصوصًا وأن هذه الأنظمة يمكن أن تحد من قوة الحركات الإسلامية الراديكالية ونفوذها، وبالتالي أن تبدّد أرضية الإرهاب في المنطقة. فالتخوف الذي يساور الغرب وإسرائيل ليس من دمقرطة العالم العربي، وإنما من السيناريو الآخر المضاد، المتمثل في الأسلمة على غرار إيران، ومن إمكان صعود حركات إسلامية إلى سدة الحكم عن طريق الانتخابات، وإذا لم تؤد الهزة الإقليمية الراهنة إلى تقويض النظام الإسلامي في طهران أو تقويض حلفائه في دمشق وغزة، فإن إيران قد تكون من أكبر المستفيدين منها (المستجد الإستراتيجي، عدد نيسان/ أبريل 2011).

تجدر الإشارة إلى أن ألـوف بـن كان قد أشار فور اندلاع ثورة 25 يناير المصرية إلى أنها تعتبر بمثابة فرصة ذهبية لكل من رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع إيهود باراك كي يثبتا لأوباما وإدارته أن إسرائيل هي "الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يمكنهما الاعتماد عليها" دائمًا، ولو أنه أكد في الوقت ذاته أن هذه الثورة من شأنها أن تضع الادعاء المكرور بأن إسرائيل هي "فيللا في الأدغال"، وأنها "الحصن الغربي الخارجي في الشرق الأوسط"، على المحك مرة أخرى (هآرتس، 31 كانون الثاني/ يناير 2011). وقد اعتبر الأديب والأستاذ الجامعي نيسيم كلدرون أن استغراق إسرائيل ووسائل إعلامها في البحث الدائب عن الفوائد والأضرار التي ستترتب على "الربيع العربي" بالنسبة لها فقط، وذلك في خلاف تام مع وسائل الإعلام في العالم كله وبالأساس مع وسائل الإعلام في الولايات المتحدة والتي انشغلت بأمور أخرى مثل توق العالم العربي إلى الحرية وإلى بناء الديمقراطية، إنما يعبر عن عودتها (إسرائيل) إلى عقلية الغيتو التي تزيّن سبيل التفكير الانعزالي إزاء حدث جلل أثار دهشة العالم أجمع وحبس أنفاسه، مشددًا على أنه حان الوقت "كي نرفع رأسنا سنتمترًا واحدًا نحو الأعلى" (الموقع الإلكتروني التابع لصحيفة يديعوت أحرونوت، 26 أيار/ مايو 2011). وقد لخص الصحافي شموئيل روزنر، الخبير في الشؤون الأميركية، الفجوات بين مواقف إسرائيل والولايات المتحدة على النحو الآتي: "لا يعبأ الإسرائيليون كثيرا في ما إذا كانت مصر ستنعم بنظام حكم ديمقراطي أو ديكتاتوري.. إن ما يهمهم فقط هو الحفاظ على الاستقرار وعلى اتفاق السلام!... في المقابل فإن الأميركيين متحمسون لما يعتبرونه تحولا نحو الديمقراطية (في مصر)" (الموقع الإلكتروني التابع لصحيفة معاريف، 7 شباط/ فبراير 2011).

"الشارع العربي" كلاعب مركزي
عكست تصريحات الرئيس الجديد لهيئة الأركان العامة الإسرائيلية اللواء بيني غانتس (والذي بدأ ولايته في أواسط شباط/ فبراير 2011)، لدى اشتراكه في أول اجتماع عقدته لجنة الخارجية والأمن في الكنيست بحضوره يوم 31 أيار/ مايو 2011، جانبًا من رؤيته الأمنية والمقاربة التي قد تُشتق منها، وخصوصًا إزاء "التهديدات الماثلة أمام إسرائيل في الوقت الحالي". وفي رأيه فإن هذه "التهديدات" أصبحت واسعة للغاية، "بدءًا من السكين وانتهاء بالسلاح النووي"، أي بدءًا من عملية "إرهابية" يقوم بها شخص بمفرده، وانتهاء بالخطر النووي الإيراني، وفقًا لوسائل الإعلام الإسرائيلية، التي فسرّت الماء بالماء. وفضلاً عن "التهديدات" التقليدية، وفي صلبها خطر الصواريخ المتعددة المدى الموجودة في حيازة كل من حزب الله وحماس وسورية، فإن غانتس أكد من جهة أولى وجوب أن يبقى مستوى جهوزية إسرائيل الأمنية عاليًا بسبب الغموض المسيطر على الأوضاع في كل من مصر وسورية، وضرورة الانتباه من جهة أخرى إلى أن "ثمة لاعبًا مركزيًا جديدًا في الشرق الأوسط هو الشارع (العربي)، ومن الواضح لنا أننا ربما سنواجه تظاهرات شعبية واسعة تحظى بتأييد هذا الشارع"، لافتًا إلى أن الجيش الإسرائيلي يستعد أيضًا لمواجهة إمكان اندلاع تظاهرات كهذه في كل من الضفة الغربية وقطاع غزة (معاريف، 1 حزيران/ يونيو 2011). وتجسّد بيت القصيد في تأكيده أن هذه التظاهرات مع شبكة التهديدات الواسعة الأخرى تستلزمان زيادة الميزانية المخصصة للمؤسسة الأمنية الإسرائيلية. وهو تأكيد يتسق مع "استنتاج إستراتيجي" ما انفك يتكرّر منذ انطلاق "الربيع العربي" مؤداه أن إسرائيل لا يمكنها لضمان مستقبلها سوى أن تنحو نحو مزيد من النزعة الإسبارطية، أي إلى ناحية تدجيج قوتها العسكرية وترسانة أسلحتها، الأمر الذي يستدعي زيادة الميزانية الأمنية الإسرائيلية. وهذا ما أكده مثلاً رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، لدى إدلائه بأول تعقيباته ردًا على الثورات الشعبية العربية، وكان أبرزها قوله، في أثناء مراسم تنصيب الرئيس الجديد لهيئة أركان الجيش الإسرائيلي غانتس (في 14 شباط/ فبراير 2011)، أن إسرائيل تعيش فترة من انعدام الاستقرار في الشرق الأوسط، في إشارة إلى الثورة المصرية، وأن الجيش الإسرائيلي هو ركيزة إسرائيل الأكثر أهمية. وأضاف أن "زلزالا يضرب (في الوقت الحالي) العالم العربي وأجزاء من العالم الإسلامي، ونحن لا نعرف كيف ستنتهي الأمور، وبلادنا صغيرة جدا ونأمل في توسيع دائرة السلام، ونعرف أنه في نهاية المطاف فإن السند الحقيقي لضمان قدرتنا على الحفاظ على وجودنا هنا وقدرتنا على إقناع جيراننا بأن يقيموا علاقات سلام معنا، هو الجيش الإسرائيلي الذي يعتبر الكفيل الوحيد لضمان مستقبلنا".

وكان وزير الدفاع إيهود باراك أرفع مسؤول في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية يعلن تفصيلات الزيادة المطلوبة على الميزانية الأمنية على رؤوس الأشهاد عندما صرّح لصحيفة "وول ستريت جورنال" الأميركية (يوم 8 آذار/ مارس 2011) بأن إسرائيل تتوقع الحصول على مساعدات أمنية أخرى من الولايات المتحدة بحجم 20 مليار دولار، بسبب الأحداث الأخيرة في العالم العربي، مؤكدًا أن وجود إسرائيل قوية "سيشكل عنصر استقرار مهم في منطقة تشهد اضطرابات كثيرة". وعلى الرغم من أن باراك لم يكشف أي تفصيلات بشأن منظومات الأسلحة التي ترغب مؤسسته في الحصول عليها من الولايات المتحدة، إلا إن النية تبدو متجهة نحو التزود بمزيد من أسراب الطائرات المقاتلة الحديثة، ومنظومات قتالية أخرى جرى دراستها أخيرًا في إطار خطة عمل الجيش الإسرائيلي للأعوام 2012- 2016 والتي استكملت في تلك الفترة تحديدًا. وبموجب ما كشفته بعض وسائل الإعلام الإسرائيلية فإن المقصود: سرب طائرات من طراز إف 35 (الشبح) والتي يبلغ سعر كل طائرة منها 100 مليون دولار؛ غواصة جديدة من طراز دولفين سعرها 500 مليون دولار؛ سفينة صواريخ سعرها 125 مليون دولار؛ دبابات ميركافاه وسيارات نصف مجنزرة من طراز نيمر ومنظومات مضادة للصواريخ (يديعوت أحرونوت، 13 آذار/ مارس 2011). ووفقًا لصحيفة معاريف فإنه جرت في قيادة الجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع في الآونة الأخيرة عملية تقدير موقف إزاء التغيرات التي حدثت في الشرق الأوسط، وخصوصًا في الدول التي لديها حدود مع إسرائيل، وذلك بهدف بلورة الخطوات المطلوب اتخاذها كي يتكيّف الجيش الإسرائيلي مع هذه التغيرات. ومن المتوقع أن تسفر عملية تقدير الموقف هذه عن بلورة خطة أمنية جديدة شاملة سيجري رفعها إلى الحكومة الإسرائيلية للمصادقة عليها.

وقال مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى لصحيفة معاريف إن التغيرات الأخيرة في الشرق الأوسط تستلزم استعدادات خاصة من طرف الجيش الإسرائيلي، الأمر الذي يتطلب زيادة الميزانية الأمنية كثيرًا. وأضاف أن الجيش رفع مؤخرًا حالة التأهب في منطقة الحدود مع سورية في ضوء محاولات اختراق السياج الحدودي (في إطار التظاهرات التي جرت في مناسبة "يوم النكبة"- 15 أيار/ مايو 2011، و"يوم النكسة"- 5 حزيران/ يونيو 2011)، لكن في حال سقوط سلطة الرئيس بشار الأسد فإن ذلك يتطلب اتخاذ خطوات أخرى في المنطقة نفسها. وأكدت مصادر في المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أن سقوط سلطة حسني مبارك في مصر تستلزم هي أيضًا حالة تأهب جديدة في صفوف الجيش الإسرائيلي، ولا سيما في ضوء الصعوبات التي تواجهها السلطة المصرية الجديدة في إحكام السيطرة على شبه جزيرة سيناء، وفي ضوء احتمال أن تكون هذه السلطة أكثر عداء لإسرائيل (معاريف، 15 حزيران/ يونيو 2011). وفي واقع الأمر فإنه حتى قبل "اتساع دائرة التهديدات الأخيرة" كان الأمن هو القضية المركزية (بل وحتى الوحيدة) التي تقف في رأس جدول أعمال سلطات الدولة الإسرائيلية، وبتأثير هذه السلطات الحاسم، لا ينفك الأمن في رأس أجندة مواطني الدولة أيضًا.

وقد كان واضحًا في كل مرة يتمّ فيها بحث تخصيص الموارد أن المؤسسة الأمنية والعسكرية ستحصل على الميزانية التي تطلبها. وتجدر الإشارة هنا إلى أن أي جهة- بمن في ذلك ذوو اليد الطولى من كبار موظفي وزارة المالية- لا تستطيع تفحص تفصيلات طلب الميزانية العسكرية- الأمنية، ولا تستطيع مراقبة كيفية إنفاق الأموال. وفي رأي أحد أساتذة العلوم السياسية في إسرائيل فإن إيثـار الجيش وأجهزة الأمن على باقي أجهزة الدولة (وخصوصًا جهاز الرفاه الاجتماعي) نجم بالدرجة الأولى عن قدرة رجالات المؤسسة الأمنية على إقناع المواطنين الإسرائيليين بأن الدولة تواجه تهديدات مصيرية، وأن المؤسسة الأمنية هي مؤسسة ناجعة ورادعة وقادرة على أن تتصدى بنجاح لهذه التهديدات. وعلى الرغم من أنه بات من الواضح الآن أن هذه المؤسسة عاجزة عن توفير الردع الذي تتحدث عنه لأنها ليست ناجعة، ولأن أفرادها غير منزهين أو أبرياء من الفساد ومن السعي نحو تحقيق مآربهم ومنافعهم الشخصية، إلا إن معظم مواطني الدولة ما زال يكنّ التأييد والتقدير للجيش وللمؤسسة الأمنية. وهذه الحقيقة، فضلاً عن السيطرة المطلقة للمؤسسة الأمنية على التفكير والتخطيط العسكريين، يتيحان لهذه المؤسسة مواصلة التمتع من تخصيص الموارد وفقاً لرغباتها، وليس بموجب "الاحتياجات الواقعية".

عودة إلى البداية


إذا ما عدنا قليلاً إلى الوراء، لا بدّ من القول إن الأنظار في إسرائيل سرعان ما أصبحت مشدودة نحو ما شهده الشرق الأوسط من حُراكات جماهيرية تداعت في إثر أول الثورات الشعبية في كل من تونس ومصر وليبيا، والتي وصفتها على لسان رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو وغيره من قباطنتها بأنها زلزال يهزّ الوضع القائم، وينبئ بواقع مغاير وبنشوء شرق أوسط جديد. وفي هذا الإطار فإن مركز الزلزال من ناحية إسرائيل تمثل في ثورة 25 يناير المصرية، ذلك بأن مصر كانت في نظر الأولى على مدار العقود الثلاثة الفائتة بمنزلة "عنوان الاستقرار الإقليمي"، لكنها غدت بين عشية وضحاها أشبه ببركان لا يعرف أحد متى يخمد، أو أين سيلقي حممه. وعليه كان من الطبيعي أن تحظى بالاهتمام الأكبر. ومهما تكن الاستنتاجات الكثيرة التي طُرحت في البداية، في شأن مترتبات هذه الثورات على آفاق الصراع العربي- الإسرائيلي، فإن أبرزها تمثل في استنتاج إستراتيجي مؤداه أن إسرائيل لا يمكنها لضمان مستقبلها سوى أن تنحو نحو مزيد من النزعة الإسبارطية، أي تدجيج قوتها العسكرية وترسانة أسلحتها، الأمر الذي يستلزم زيادة الميزانية الأمنية الإسرائيلية، كما قال نتنياهو نفسه. باستثناء ذلك فإن السيناريوهات التي جرى تداولها تراوحت بين التفاؤل الرغبي والتشاؤم المتسرّع. والسيناريو الأكثر تشاؤمًا كان أن "حالة عدم الاستقرار في مصر ربما تتيح لعناصر إسلامية إمكان السيطرة على السلطة، الأمر الذي من شأنه أن يلحق ضررًا كبيرًا باتفاق السلام مع إسرائيل".

في موازاة هذا، أجمعت أولى ردات الفعل الرسمية السياسية والعسكرية في إسرائيل، وكذلك معظم التحليلات الإعلامية، على أن الثورة المصرية دشنت عهدًا جديدًا في هذا البلد سينعكس على الشرق الأوسط برمته. كما أجمعت على أن ملامح هذا العهد الجوهرية لن تتضح سريعًا، فضلاً عن وجود احتمالات قوية بأن تؤجج الثورة في مصر ثورات أخرى في المنطقة تهدف إلى إحداث تغيير في أنظمة الحكم القائمة. وما يجب ملاحظته هو أن الموقف الإسرائيلي الرسمي اتسم في البداية بتأييد سلطة الرئيس السابق حسني مبارك، وجاء مفارقًا لموقف الإدارة الأميركية وسائر الدول الغربية بل ومؤنبًا له- كما سنوضح في سياق لاحق- لكنه سرعان ما ضبط خطاه على إيقاع الموقف الأميركي والغربي مؤكدًا أن أي تغيير نحو مزيد من الديمقراطية لا يتعارض مع مصلحة إسرائيل. ومع ذلك فإن المسؤولين السياسيين والعسكريين في إسرائيل ظلوا يؤكدون أن الأمر الأهم بالنسبة إليهم هو الحفاظ على اتفاق السلام مع مصر الذي يعتبرونه رصيدًا إستراتيجيًا بالغ الأهمية، نظرًا لكونه عنصرًا مركزيًا في استقرار المنطقة والذي يعتبر بنظرهم في نهاية المطاف أهم كثيرًا من الديمقراطية. ولذا فإن ترحيب الحكومة الإسرائيلية ببيان المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية الذي أعلن أن مصر ستستمر في التزام اتفاق السلام مع إسرائيل كان كبيرًا، وثمة من رأى أنه يشف عن تنفسّهم الصعداء.


كذلك بدا واضحًا أن من المتوقع أن تشدّد إسرائيل أكثر شيء على ما يلي: أولاً، أنه في حال فسح المجال أمام "قوى متطرفة" (إسلامية) لاستغلال عمليات ديمقراطية من أجل السيطرة على السلطة ودفع غايات غير ديمقراطية، كما حدث في إيران ودول أخرى، فإن النتيجة ستكون إلحاق أضرار بالسلام والاستقرار؛ ثانيًا، أن إيران ستحاول تعزيز نفوذها في الشرق الأوسط، وأول إشارة إلى ذلك تمثلت في قيام سفينتين حربيتين إيرانيتين في آخر أسبوع من شباط/ فبراير 2011 بعبور قناة السويس نحو البحر الأبيض المتوسط في طريقهما إلى سورية، وذلك بعد أن تم تجنّب القيام بخطوات من هذا القبيل منذ اندلاع الثورة الإسلامية فيها العام 1979 (ردًا على ذلك قال نتنياهو في الاجتماع الذي عقدته الحكومة الإسرائيلية يوم 20 شباط/ فبراير 2011: "إن ما نستطيع أن نتبيّنه الآن هو حقيقة أننا نعيش في منطقة غير مستقرة، حيث تحاول إيران استغلال الوضع الناشئ لزيادة نفوذها من خلال نقل سفينتيْن حربيتيْن عن طريق قناة السويس" إلى البحر الأبيض المتوسط.

وأضاف: "إن إسرائيل تنظر بخطورة إلى الخطوة الإيرانية هذه، وشأنها شأن خطوات وتطورات أخرى فإنها تعزّز صحة ما قلته مرارًا وتكرارًا خلال الأعوام الفائتة من أن حاجات إسرائيل الأمنية سوف تزداد مما يقتضي زيادة الميزانية الأمنية الإسرائيلية")؛ ثالثًا، أن حاجات إسرائيل الأمنية سوف تزداد، الأمر الذي يقتضي زيادة الميزانية العسكرية الإسرائيلية، وإجراء تعديلات على جهوزية الجيش الإسرائيلي في ضوء احتمال "تجدّد خطر الجبهة الجنوبية" (مع مصر) إلى جانب ما يلوح من أخطار في "الجبهة الشرقية" بتأثير ما يحدث في العراق. وعبّر الرئيس السابق لهيئة الأركان العامة في الجيش الإسرائيلي غابي أشكنازي، في آخر اجتماع لهيئة الأركان عقد برئاسته (يوم 10 شباط/ فبراير 2011)، عن موقف المؤسسة العسكرية الإسرائيلية قائلاً: "إننا نشهد في الآونة الأخيرة تغيرات كبيرة تحدث من حولنا، وهذه التغيرات تزيد سحب الضباب المتلبدة في سماء الشرق الأوسط، وإزاء ذلك فإن واجبنا الأساس كامن في الحفاظ على دولة إسرائيل قوية وجاهزة". كما أشار أشكنازي إلى أن جبهات المواجهة في الشرق الأوسط قد اتسعت في الآونة الأخيرة، مؤكدًا أن التغيرات التي تحدث في مصر ودول أخرى في المنطقة "تتطلب من الجيش الإسرائيلي أن يكون على أهبة الاستعداد للحرب المقبلة التي ستكون شاملة في بضع جبهات"، وأن "السلام مع مصر هو رصيد إستراتيجي بالنسبة لإسرائيل". وشدّد على أن "مستجدات الواقع الذي يحيط بإسرائيل، وفي مقدمها تعزّز قوة المعسكر الراديكالي في كل من لبنان وتركيا، تنطوي على مخاطر جمّة، وبالتالي فإنه يتعين على إسرائيل أن تكون مستعدة في أكثر من جبهة، الأمر الذي يحمل دلالات مهمة بالنسبة للجيش. في الوقت نفسه فإنه يجب تجهيز الجبهة الإسرائيلية الداخلية كي تصبح أفضل مما كانت عليه في أثناء حرب لبنان الثانية (صيف 2006)".

ولفت إلى أن أحد الدروس المستخلصة من تلك الحرب الأخيرة كامن في "ضرورة تهيئة الجيش لخوض حرب تقليدية، ولذا فإننا اعتمدنا خطة متعددة السنوات لتدريب جنود الجيش الإسرائيلي على خوض حرب تقليدية، فلم يعد كافيًا أن يملك الجيش قدرات على إطلاق نيران دقيقة من الجو صوب العدو الذي ينتشر في مناطق آهلة، وإنما يجب أيضًا أن تكون لديه قوة بريّة تملك القدرة على المناورة وعلى توجيه ضربات مكثفة إلى العدو، فضلاً عن حماية مناطق الحدود". وطبقًا لتقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (أمان) بشأن العام 2011، والتي نُشرت بالتزامن مع الثورة المصرية، فإنه سيكون عام زلازل سياسية وأمنية في الشرق الأوسط، ولذا فإنه عام إستراتيجي، أي عام تغيرات إستراتيجية دراماتيكية في المنطقة ستبلغ مرحلة النضوج عشية انتهائه. ومن المعروف أن هذه التقديرات السنوية تقف عادة في صلب خطط العمل التي يعتمدها الجيش الإسرائيلي. وتوقعت هذه التقديرات أن تمرّ السلطة الفلسطينية بتغيرات كبيرة، وأن تؤثر الثورة المصرية في جوهر لهجة السلطة وتعاملها إزاء موضوع الاتصالات مع إسرائيل، وكانت ثمة توقعات بأن يحدث تراجع في العلاقات الأمنية بين السلطة وإسرائيل، كي تتجنب النظر إليها باعتبارها سلطة عميلة لإسرائيل. من ناحية أخرى، فإن التقديرات توقعت أن يسقط لبنان في قبضة حزب الله، وأن تصبح شبه جزيرة سيناء منطقة أكثر إشكالية لأنها ستكون بمثابة ثغرة لعلاقات تعاون مع سلطة حماس في قطاع غزة (أليكس فيشمان، يديعوت أحرونوت، 10 شباط/ فبراير 2011).

ورأى معلقون عسكريون إسرائيليون أن هذه التقديرات تستلزم إقدام إسرائيل على استعدادات سياسية وعسكرية يكون هدفها منع هذه التغيرات من أن تتحوّل إلى تهديدات إستراتيجية. كما أشاروا إلى أن التقديرات السائدة في إسرائيل تؤكد أنه لن تحدث تغيرات جوهرية في سياسة مصر الخارجية والأمنية حتى شهر أيلول/ سبتمبر 2011 (موعد انتهاء ولاية السلطة الحالية في مصر)، وحتى ذلك الحين سيكون لدى المسؤولين في إسرائيل متسع من الوقت للتفكير بما يجب اتخاذه إزاء التطورات المقبلة في مصر. وبرأي غيورا أيلاند، الجنرال في الاحتياط والرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) و"مجلس الأمن القومي"، فإنه على مدار الأعوام الـ 32 الفائتة (أي منذ توقيع اتفاق السلام الإسرائيلي- المصري في 1979) كان في إمكان إسرائيل أن تشن حروبًا وعمليات عسكرية على أطراف عربية، بما في ذلك شن حربين على لبنان (في 1982 و2006) وعملية "السور الواقي" في الضفة الغربية في 2002، من دون أن تخشى ردة فعل عسكرية مصرية، لكن في حال ازدياد نفوذ الإسلام المتطرف داخل السلطة في مصر فإن هذا الأمر لن يحدث في المستقبل، كذلك فإنه كان في إمكان الجيش الإسرائيلي أن يجازف قليلاً في كل ما يتعلق بمجال بناء قوته العسكرية ما دامت مصر لا تشكل خطرًا كبيرًا عليه، غير أن الوضع الجديد ربما سيضطر إسرائيل إلى زيادة ميزانيتها الأمنية وتغيير سلم أولويات جيشها. وفي قراءته فإن "العزاء الوحيد لإسرائيل الآن هو أنه حتى في حال تحقق مثل هذا السيناريو فإن السلطة الجديدة في مصر ستكون بحاجة إلى بضعة أعوام كي تجعل مكانتها مستقرة داخليًا.

وبكلمات أخرى: إذا ما حدث تغير إستراتيجي نحو الأسوأ فسيكون لدى إسرائيل متسع من الوقت لدراسته والاستعداد له كما يجب" (يديعوت أحرونوت، 31 كانون الثاني/ يناير 2011). واتفق مع هذا الرأي إفرايم سنيـه، العميد في الاحتياط الذي شغل في السابق مناصب وزارية متعددة ومنصب نائب وزير الدفاع، والذي دعا إلى بناء قوة الجيش الإسرائيلي بمنأى عن الفرضية السائدة منذ أكثر من 30 عامًا وفحواها أن مصر لم تعد عدوًا عسكريًا لإسرائيل، وإلى تسريع عملية بناء الجدار في منطقة الحدود مع مصر، وإلى إعادة احتلال "محور فيلادلفي" (محور صلاح الدين) في منطقة الحدود بين قطاع غزة ومصر، وإلى تعزيز المحور الإسرائيلي- الأردني- الفلسطيني، مؤكدًا أن مصر ما بعد الثورة لن تستمر في إتباع السياسة التي كان الرئيس مبارك يتبعها إزاء إسرائيل، كما أنها ستحسن علاقاتها مع سلطة حماس في غزة، وبناء على ذلك فإن المقاربة التي تتعامل مع إسرائيل باعتبارها خطرًا إستراتيجيًا سوف تتعزّز (يديعوت أحرونوت، 1 شباط/ فبراير 2011).

وربط مسؤولون عسكريون آخرون، منهم الجنرال في الاحتياط داني روتشيلـد، رئيس "مؤتمر هرتسيليا حول ميزان المناعة والأمن القومي في إسرائيل"، بين التغيرات المتوقعة برسم الثورة المصرية وبين تغيّر سلم أولويات الولايات المتحدة، في ضوء تراكم إشارات تشي بأن الرئيس الأميركي باراك أوباما بات على قناعة- في ضوء نتائج انتخابات التجديد النصفية للكونغرس في تشرين الثاني/ نوفمبر 2010- بأن الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2012 ستحسم بناء على أدائه في السياسة الداخلية الأميركية لا بناء على إنجازاته أو إخفاقاته على صعيد السياسة الخارجية. وعليه فإنه، بوعي تام، سيوجّه اهتمام إدارته كي ينصب على التحديات الداخلية. وقد عبر خطاب أوباما حول "وضع الأمة"، في أواخر شهر كانون الثاني/ يناير 2011، عن هذا التوجه بشكل واضح وجلي، ولعل سلوك إدارته تجاه الرئيس المصري السابق جاء ليؤكد ذلك قولا وعملا. بالإضافة إلى هذا فإن التركيز على الانسحاب من العراق، والانتقال إلى الدفاع في أفغانستان، وجهود إصلاح الاقتصاد الأميركي، تعتبر كلها خطوات مهمة حاليا من أجل بقاء أوباما السياسي أكثر بما لا يقاس من أهمية العملية السياسية في الشرق الأوسط. وفي قراءة روتشيلد فإن الرؤية السائدة في المنطقة بشأن ضعف الولايات المتحدة وتضعضع مكانتها الإقليمية، تضعف إسرائيل والدول المعتدلة في الشرق الأوسط، وتصب في مصلحة تعزيز تمدّد الهيمنة الإيرانية على بقاع آخذة في الاتساع، بدءًا من محور حماس- حزب الله- سورية وتركيا، مرورا بدول الخليج، وانتهاء بمصر والسعودية. وهذه العملية ما زالت تكتسب زخما، بل ويمكن أن تزداد خطورة ما لم يحدث تغير جوهري في السياسة الخارجية الأميركية (خطابه في "مؤتمر هيرتسليا الـ 11"، كانون الثاني/ يناير 2011).
[للبحـث صلـة]
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــ
النخب الإسرائيلية و"الربيع العربي"/ أنطوان شلحت (2-3)
من المجلة الفصلية "قضايا إسرائيلية" الصادرة عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية- مدار، عدد 41- 42، صيف 2011
ما هي خريطة "الجبهات الساخنة" التي اتسعت


يجوز أن الجبهات الساخنة التي يقصدها أشكنازي، لدى تصديه لاستشراف سيناريو الحرب المقبلة المتوقع أن تخوضها "إسرائيل"، تشمل الجبهة الجنوبية مع مصر، غير أنه بالتأكيد يأخذ في الاعتبار أنها قبل ذلك تشمل الجبهة الشمالية (سورية ولبنان)، والجبهة مع قطاع غزة. وعلى صلة بهذا الموضوع، لوحظ أيضًا أن نتنياهو يلوّح كثيرًا في الآونة الأخيرة بـ "فزاعّـة" جديدة هي "الجبهة الشرقية"، والتي كانت قد رأت النور لأول مرة عقب حرب حزيران 1967، وجاءت لتسويغ مفهوم إستراتيجي في "نظرية الأمن الإسرائيلية" فحواه أن نهر الأردن يجب أن يكون جزءًا من "حدود إسرائيل الأمنية"، لكونه يضمن لها "حدودًا يمكن الدفاع عنها"، وفقًا لما ورد في حينه في ما عرف باسم "خطة يغئال ألون" (التي اقترحت أن يظل غور الأردن في يد إسرائيل، وكذلك منطقة غوش عتصيون وجزء من جبال الخليل والقدس الموحدة).

وفي جولة جديدة قام بها في غور الأردن يوم 8 آذار/ مارس 2011 تعهد نتنياهو بأن يبقى الجيش الإسرائيلي مسيطرًا على الغور في أي تسوية يتم التوصل إليها مع الفلسطينيين في المستقبل، مؤكدًا أنه إذا كان هذا الأمر صائبًا قبل الزلزال العربي الذي ضرب المنطقة فإنه أصبح ضروريًا أكثر بعده، في ظل حالة من عدم الاستقرار لا يدرك أحد نهايتها، وتستلزم ضمان وجود أسس أمنية صلبة، وحدود آمنة يمكن الدفاع عنها. كما شدّد على أنه في حال بقاء الخط الحدودي في غور الأردن مخترقا فهذا يعني أنه يمكن تهريب صواريخ وقذائف صاروخية والوصول بها إلى أي مكان في إسرائيل، إلى تل أبيب والقدس، ولذا فإنه لا يوجد أي بديل من خط الدفاع الذي يوفره الجيش الإسرائيلي.

ووفقًا لصحيفة هآرتس (9 آذار/ مارس 2011) فإن رئيس الحكومة بدأ حملة خاصة لدى زعماء دول مركزية في العالم تهدف إلى الحصول على تأييدهم الاحتفاظ بوجود عسكري إسرائيلي في منطقة غور الأردن في نطاق أي اتفاق سلام يتم التوصل إليه مع الفلسطينيين في المستقبل. وهو ما يتسّق مع مسعاه لجعل "السلام مستندًا إلى الأمن". ونشير هنا إلى أن رئيس هيئة الأركان العامة الأسبق موشيه يعلون (ليكود)، الذي يشغل حاليا منصب النائب الأول لرئيس الحكومة ووزير الشؤون الإستراتيجية، أكد في سياق سابق أن أول خطاب سياسي ألقاه نتنياهو كرئيس للحكومة في جامعة بار إيلان في حزيران/ يونيو 2009 عكس تحولا مهما في سياسة إسرائيل يتمثل في "العودة إلى المفاهيم التقليدية المعتمدة على الأمن مفتاحًا لتحقيق سلام دائم".

وكان نتنياهو قد أفلح في "إنجاز" إقرار بصريح العبارة من جانب أوباما، في أثناء اللقاء الذي جمع بينهما في تموز/ يوليو 2010، أن "لإسرائيل متطلبات أمنية خاصة، بالنظر إلى حجمها وتاريخها وموقعها والمخاطر التي تواجهها..."، ما حدا بالأول خلال جلسة حكومته المنعقدة يوم 11 تموز/ يوليو 2010 إلى تأكيد أنه خرج بانطباع مؤداه "أن الرئيس (الأميركي) يصيخ السمع إلى الاحتياجات الأمنية الخاصة لدولة إسرائيل ويتفهّمها". وطبقًا لخطابات نتنياهو الأخيرة فإن "أسس الأمن" بحسب رؤيته تنطلق من إدراك حقيقة ما يعرّض إسرائيل إلى الخطر، ذلك بأنه منذ اتفاق أوسلو (1993) تضافر كقوله "عنصران قويان في المعادلة الراهنة ويجب أن تأخذهما أي معاهدة سلمية بعين الاعتبار وتتجاوب معهما: العنصر الأول هو صعود إيران وتوابعها، والعنصر الثاني صعود مفهوم حرب الصواريخ والقذائف".

وتابع قائلاً: "يجب علينا تحقيق تسويات سلمية تقدّم الحلول لكل من هذه التهديدات، إذ إننا لا نريد العودة إلى ما جرى سواء عند إخلائنا لبنان حيث كانت النتيجة نشوء قاعدة إيرانية إلى الشمال من أراضينا وإطلاق الكثير من القذائف الصاروخية عليها والتعاظم العسكري داخل هذا الجيب، أو ما جرى في غزة (عقب خطة الانفصال في العام 2005) حيث نشأ جيب إيراني جنوبي مع إطلاق الكثير من القذائف الصاروخية على إسرائيل وثمة تسلّح بوتيرة متزايدة. وبالتالي يجب علينا ضمان عدم تغلغل الصواريخ والقذائف والوسائل القتالية الأخرى أو العناصر الإرهابية إلى أي مناطق يُطلب من إسرائيل إخلاؤها ضمن التسوية السلمية. كما أضيف إلى هذه التهديدات المحتملة عنصر ثالث توارى عن الأنظار خلال العقد الأخير منذ هزيمة صدام حسين في العراق وهو عدم تكوّن ما يُعرف بالجبهة الشرقية مجددًا. ولا أقول إنها سوف تتكوّن حتمًا لكن أؤكد ضرورة أن نضمن في إطار اتفاقيات سلمية واقعية، وحرصاً على احتياجاتنا الأمنية الواقعية، وجود تدابير أمنية ميدانية تقدم الحلول لمجمل هذه المخاطر... فضلاً عن أخذ احتمال حدوث تغير داخلي في نظام الحكم، كما خبرنا ذلك في الماضي، في الحسبان أيضًا" (من الخطاب الذي ألقاه في 27 تموز/ يوليو 2010 في حفل تخريج دورة "كلية الأمن القومي"). تجدر الإشارة إلى أنه في الأسبوع الأخير من العام 2009، وخلال خطاب له أمام اجتماع السفراء الإسرائيليين، شرح نتنياهو موقفه إزاء الترتيبات الأمنية الفعالة التي ينبغي تطبيقها في حال التوصل إلى تسوية سلمية مع الفلسطينيين. وفي إطار ذلك أكد أنه ومن أجل المحافظة على بقاء الضفة الغربية منطقة منزوعة السلاح لا بد للجيش الإسرائيلي من الاحتفاظ بوجود عسكري على امتداد نقاط الدخول من الشرق، وذلك بغية إحباط عمليات التسلل والتهريب التي يمكن أن تغرق المنطقة بالأسلحة والذخيرة. ومن ناحية عملية فقد أكد لسفرائه أهمية منطقة غور الأردن الحاسمة بالنسبة لأمن إسرائيل. ويمكن القول إنه بذلك واصل تقاليد مديدة لرؤساء حكومات إسرائيليين سابقين رأوا في غور الأردن خط الدفاع المتقدم لدولة إسرائيل.

وكان إسحق رابين قد استعرض في آخر خطاب له أمام الكنيست، في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر 1995، أي قبل شهر واحد من اغتياله، رؤيته فيما يتعلق بالحدود المستقبلية، معلنا أن إسرائيل لن تعود إلى خطوط الرابع من حزيران/ يونيو 1967. وأضاف أن "حدود الأمن للدفاع عن دولة إسرائيل ستقام في غور الأردن وفق التفسير الأوسع لهذا المفهوم". ويبدو أن رابين لم يقصد الدفاع عن إسرائيل على امتداد المسار الضيق لنهر الأردن ذاته، وإنما خطط لاستغلال المنحدرات الشرقية لسلسلة الجبال المطلة على منطقة غور الأردن. وفي مقابلة أدلى بها إلى صحيفة هآرتس في 14 نيسان/ أبريل 2005 أكد أريئيل شارون أيضًا وجوب سيطرة إسرائيل على منطقة غور الأردن من مرتفعات الجبال المطلة عليها. فضلاً عن ذلك، تحيط بنتنياهو مجموعة من كبار المسؤولين العسكريين الإسرائيليين السابقين، التي تنكب بدورها على كتابة نصوص لشرح احتياجات إسرائيل الأمنية في ظل السلام بمقتضى جعلها تتصدّر واجهة جدول الأعمال العام. وشارك بعض هؤلاء في مؤتمر سنوي نظمه مركز الأبحاث الإسرائيلي "المركز المقدسي لشؤون الجمهور والدولة" الذي يترأسه دوري غولد في شهر حزيران/ يونيو 2010، وصدرت مداخلاته في كتاب باللغة الانكليزية تحت عنوان "احتياجات إسرائيل الأمنية الحاسمة لصنع سلام قابل للتطبيق". واستأثرت مسألة "الحدود التي يمكن الدفاع عنها"، باعتبارها في طليعة تلك الاحتياجات الأمنية، بحصة الأسد من أعمال هذا المؤتمـر. ويعتقد هؤلاء أن مستقبل غور الأردن تعرّض للإغفال في الجدل العام المتعلق بالعملية السياسية، ولا بُدّ من أن يعود إلى صدارة هذا الجدل الآن. وقد عزوا هذا الإغفال إلى بضعة أسباب أهمها واقع أنه في الخطاب العام بشأن هذا الموضوع، كان الاعتبار المركزي المتعلق بأي انسحاب واسع من الضفة الغربية هو المستوطنات الكبيرة والكتل الاستيطانية. وبعد تنفيذ خطة الانفصال عن غزة (2005)، تطلعت الحدود التي رسمت في اتفاقيات وخطط السلام المختلفة إلى إدخال أقصى عدد من المستوطنين إلى أدنى حد من الأرض.

أما متطلبات إسرائيل الأمنية فقد أهملت، أو إنها استندت إلى الفرضية القائلة بأنه إذا أطلقت صواريخ (قسام) من داخل الضفة الغربية فسيكون في وسع الجيش الإسرائيلي السيطرة مجددًا على أراضي الضفة الغربية كلها في ظرف ساعات معدودة. لكن هذه الفرضية سقطت عقب حرب لبنان الثانية وعملية "الرصاص المصبوب" في غزة (شتاء 2009) واللتين برهنتا على التعقيدات والصعوبات الكامنة في عمليات عسكرية داخل مناطق آهلة، ولا سيما إذا ما أضيف إلى ذلك تقارير من نوع تقرير غولدستون. وفي قراءة بعضهم، بات واضحا الآن لدى الجمهور الإسرائيلي أن "الخطأ الإستراتيجي الأشد خطورة للانفصال" كان التخلي عن محور فيلادلفي، والذي مكن حركة حماس من إنشاء شبكة أنفاق وتهريب ترسانة أسلحة ضخمة إلى داخل قطاع غزة. وفي الفترة بين العامين 2005 و2006 ازداد إطلاق الصواريخ على إسرائيل بنسبة 500 بالمئة، كما أطلقت للمرة الأولى صواريخ غراد على مدينة عسقلان. وبالتالي "لا حاجة لخيال واسع من أجل إدراك ما سيحدث إذا ما تخلت إسرائيل عن منطقة غور الأردن، والتي يمكن اعتبارها بمثابة محور فيلادلفي للضفة الغربية".

واستعاد هذا البعض أنه في التقرير السنوي الأخير لجهاز الأمن العام الإسرائيلي (شاباك) ورد أنه في الوقت الذي انحسر فيه بشكل عام "تهديد الإرهاب" ضد إسرائيل، فإن الأمر الذي شذّ عن هذا الاتجاه تمثل في الضلوع المتزايد لمجموعات "الجهاد العالمي" في قطاع غزة؛ "ولا شك في أن هذه المجموعات كانت ستفعل الشيء نفسه في الضفة الغربية أيضا فيما لو تتوفر لها الإمكانية لذلك". إجمالاً، يمكن القول إن التلويح بـ "فزاعة الجبهة الشرقية" يهدف إلى تمرير رسالة إلى الفلسطينيين والعرب فحواها أن خطوط العام 1967، وكذلك خط الجدار الفاصل، لا يمكن أن يشكلا خط حدود يمكن الدفاع عنه، ولذلك فإن السيطرة الإسرائيلية الكاملة على غور الأردن بأكمله، كمنطقة أمنية تستند إلى نهر الأردن كخط حدودي، هي الكفيلة فقط بـ "ضمان الأمن لإسرائيل". "السلام الإسرائيلي" يتجـرّد من "أهم أرصدته"!

على صلة بالاستنتاجات السالفة التي تراكمت في البداية، عاد السفير الإسرائيلي الأسبق في مصر تسفي مازائيل، الذي يعمل حاليًا باحثًا كبيرًا في "المركز المقدسي لشؤون الجمهور والدولة"، أخيرًا، وأبدى الامتعاض الشديد جراء المسار الذي تنحو فيه الثورات الشعبية في العالم العربي، وخصوصًا في مصر، بسبب كونه مسارًا متنائيًا عن توقعاته بالتأدية إلى "نشوء ديمقراطيات تُقدم على الاعتراف بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي"، على حدّ قوله. وقد حاول مازائيل، في سياق مقالة نشرها في الموقع الإلكتروني التابع للمركز الذي يعمل فيه في أوائل شهر حزيران/ يونيو 2011، أن يوهم قراءه أن هذا المسار نجم في الأساس عما أسماه تعاظم النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، وكذلك عن ازدياد قوة حركات الإخوان المسلمين وشعبيتها، كما لو أن معارضة قبول إسرائيل كدولة يهودية حكر على إيران والحركات الإسلامية، أو أنها إحدى محصلات تأثيرهما المتنامي في حلبة السياسة الإقليمية. كما أنه لفت إلى ارتفاع الأصوات داخل مصر التي تطالب بإلغاء اتفاق السلام مع إسرائيل أو تجميده، وبوقف تزويدها بالغاز الطبيعي، مشددًا على أنه في حال حدوث ذلك فإن مصالح إسرائيل الإستراتيجية ستتعرّض إلى أضرار فادحة. وفي وسعنا أن نرى في قوله الأخير هذا دليلاً آخر من دلائل كثيرة ما انفكت تتراكم منذ اندلاع ثورة 25 يناير المصرية على أن "اتفاق السلام الإسرائيلي- المصري" يشكّل بالنسبة لإسرائيل بمنزلة "الرصيد الأهم" الذي بات عرضة لخطر التلاشي، لأنه كان على مدار ثلاثة عقود ونيّف مضت على توقيعه بمثابة ركن رئيس لـ "الباكس إزرائيلي" (السلام الإسرائيلي)، وفقًا لما أكده مثلاً غيورا أيلاند، وأشرنا إليه في السطور السالفة. وبموجب ما كرّره رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أكثر من مرّة أخيرًا فإن "اتفاق السلام القائم منذ أعوام طويلة بين إسرائيل ومصر عاد بفوائد جمّة على الدولتين، كما أنه حجر الزاوية للسلام والاستقرار في الشرق الأوسط كله". وفي إمكاننا أن نحدّد الغاية الحقيقية لـ "الباكس إزرائيلي" في المعادلة التالية: فرض استمرار "الوضع القائم" بالوسائل كلها للحفاظ على المصالح الإستراتيجية والاقتصادية الإسرائيلية، ما يعني استخدام القوة العارية وشنّ الحروب الدائمة من جهة، واستخدام القوة الناعمة من جهة أخرى لضمان إخضاع شعوب الشرق الأوسط إلى إملاءات المصالح الإسرائيلية وشروطها، من دون أخذ مصالح هذه الشعوب في الاعتبار. وهذا ما عبّر عنه، بكيفية ما، رئيس هيئة الأركان العامة السابق أشكنازي في آخر اجتماع عقد لهذه الهيئة برئاسته في شهر شباط الفائت والذي خُصّص لتقدير الموقف إزاء آخر التطورات في العالم العربي حين أكد أن "الاستقرار في الشرق الأوسط (يقصد استمرار "الوضع القائم") أهم كثيرًا من الديمقراطية".

ولم تكف التحليلات الإسرائيلية عن التلميح الصريح إلى أن الثورة المصرية فاقمت ضائقة إسرائيل الإستراتيجية في الشرق الأوسط، وذلك لأنها زادت احتمالات أن تبقيها وحيدة من دون حلفاء. ووفقًا لهذه التحليلات فإن هذه الضائقة بدأت في أيار/ مايو 2010 عندما انهار التحالف الإستراتيجي مع تركيا عقب حادثة السيطرة على أسطول الحرية الذي كان متجهًا إلى غزة. وأشار بعضها إلى أن نتنياهو ومنذ أن تسلم مهمات رئيس الحكومة الإسرائيلية قبل أكثر من عامين بادر إلى معانقة الرئيس المصري السابق حسني مبارك، ونجح في عقد تحالف معه على أساس الخشية المشتركة من تغلغل إيران في المنطقة، كما أنه نجح في إقناعه برغبته في التوصل إلى السلام مع الفلسطينيين. ولا شك في أن سقوط مبارك سيجعل نتنياهو من دون أي حليف عربي، في وقت ستكون مصر في المرحلة القليلة المقبلة مهتمة أكثر من أي شيء آخر بشؤونها الداخلية، ولن تكون ضالعة في "عملية السلام" كما كانت ضالعة إلى الآن. وفي موازاة هذا فإن إسرائيل في الجبهة الشرقية ستظل في مواجهة سلطة متشككة للعاهل الأردني عبد الله الثاني الذي لا يكف عن تحميلها مسؤولية الجمود المسيطر على العملية السياسية، ويرفض عقد لقاء مع نتنياهو، في حين أنه قامت في جبهتها الشمالية حكومة لبنانية يسيطر عليها حزب الله. أمّا في المناطق الفلسطينية فإن الرئيس محمود عباس يبدو منشغلا أكثر شيء في دفع عملية تنفيذ اتفاق المصالحة بين حركتي فتح وحماس، وفي تحقيق استحقاق أيلول بإعلان الجمعية العامة في الأمم المتحدة تأييد إقامة دولة فلسطينية مستقلة في حدود 1967.

وإذا لم يكن ذلك كله كافيًا، فإنه لا بُدّ من القول إن الشرق الأوسط برمته سيبقى مع إدارة أميركية ضعيفة توحي بأنها قد رفعت يدها عنه. وقد حدّد دوف فايسغلاس، المدير العام لديوان رئيس الحكومة الأسبق أريئيل شارون، "خسارة" إسرائيل جراء الثورة المصرية بأن أشار إلى أن مبارك لم يجعل مآل العلاقات الإسرائيلية- المصرية رهن التقدّم نحو اتفاق إسرائيلي- فلسطيني، وفي أكثر من لقاء مع هذا الأخير كان فايسغلاس مشتركًا فيه سمعه يؤكد أن اتفاقًا كهذا سيدفع السلام الإسرائيلي- المصري قدمًا، لكنه لم يسمعه مطلقًا يلمح إلى أن الطريق المسدودة بين إسرائيل والفلسطينيين تهدّد بإلغاء اتفاق السلام بين مصر وإسرائيل. وأضاف: لا يمكن الآن معرفة جوهر السلطة المقبلة في مصر. ومع أن الإدارة الأميركية الحالية تطالب بإجراء انتخابات حرّة في أقرب فرصة ممكنة إلا إنها تتمنى في قرارة نفسها أن يظل الجيش المصري مسيطرًا إلى الأبد على السلطة هناك، نظرًا إلى كونه الجهة الوحيدة التي يمكنها أن تواصل "طريق مبارك". غير أن هذا لن يحدث طبعًا، والتوقعات لدى إسرائيل في معظمها تؤكد أن حركة الإخوان المسلمين لن تتولى مقاليد السلطة المقبلة في مصر، لكنها ستكون جزءًا مهمًا منها. وفي ضوء ذلك فإن من المتوقع أن يكون اتفاق السلام مع إسرائيل موضع خلافات حادة بين هذه السلطة وبين حركة الإخوان المسلمين، كما أن من المتوقع أن يطرح الإخوان مطلب إلغاء هذا الاتفاق في ظل الجمود المسيطر على عملية السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

ومع أن هناك أسبابًا وجيهة لدى مصر تستلزم عدم إقدامها على إلغاء هذا الاتفاق، إلا إن هناك خشية كبيرة من أن تقدم (أي مصر) على رهن الاتفاق بدفع العملية السياسية الإسرائيلية- الفلسطينية قدمًا. وفي حال حدوث ذلك فإن إسرائيل ستواجه وضعًا صعبًا. ولذا من الأفضل للحكومة الإسرائيلية أن تسارع إلى استئناف المفاوضات مع الفلسطينيين على أساس الاقتراحات والمبادئ المعروفة سابقًا، وذلك قبل أن تتبلور السلطة المقبلة في مصر بصورة نهائية. وختم فايسغلاس قائلاً: إن سلطة مبارك لم تعد موجودة، وعلى الحكومة الإسرائيلية أن تدرك أن الوقت لا يعمل لمصلحتها بعد سقوط هذه السلطة (يديعوت أحرونوت، 28 شباط/ فبراير 2011). مؤدى ذلك كله أن "الباكس إزرائيلي" يواجه حاليًا أصعب امتحان له، لكنه في هذا الخضم يتجرّد أيضًا من رتوشه كلها، ولا يجوز إلا أن نقرأ في هذا السياق دلالة "إصرار" نتنياهو على طرح ركنين لهذا "السلام" هما "الشرعية والأمن"، وعلى أن استمرار "النزاع مع الفلسطينيين" ناجم عن سبب واحد هو عدم اعترافهم حتى الآن بحق دولة إسرائيل في الوجود، ذلك بأن هذا النزاع "ليس على حدود 1967 وإنما على ما جرى العام 1948"، والمقصود إقامة دولة إسرائيل. ومن هذين الركنين يشتق نتنياهو "مبادئ ذلك السلام" الذي لا بُدّ برأيه من أن يكون مرتبطًا بالأمن أولاً ودائمًا، وهي المبادئ التالية:

أولاً، اعتراف الفلسطينيين بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي؛ ثانيًا، أن تؤدي التسوية الدائمة إلى نهاية النزاع ووضع حد للمطالب؛ ثالثًا، أن يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيين خارج تخوم دولة إسرائيل؛ رابعًا، أن تُقام الدولة الفلسطينية عن طريق اتفاق سلام وأن تكون منزوعة السلاح وأن تحتفظ إسرائيل بحق المرابطة العسكرية لفترة طويلة على طول نهر الأردن؛ خامسًا، أن تبقى الكتل الاستيطانية الكبرى (في الضفة الغربية) خاضعة للسيادة الإسرائيلية؛ سادسًا، أن تبقى القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل. وهذا ما يمكن استشفافه من خطاباته الأخيرة بما في ذلك خطابه في الكونغرس الأميركي يوم 24 أيار/ مايو 2011 والذي ضمنه مقاربته إزاء الثورات العربية. وقبل أكثر من ثمانية أعوام كتب عوزي أراد، المستشار الأقرب من نتنياهو والرئيس السابق لمجلس الأمن القومي، مقالة في صحيفة هآرتس بالتزامن مع بدء الحديث عن إمكان شنّ الولايات المتحدة حربًا على العراق، رأى في ثناياها أن "مقامرة الحرب" تُعدّ ضرورة إمبريالية بالنسبة للإمبراطوريات بهدف فرض سلامها، وأن الإمبراطوريات تغيب حين لا تتبقى لديها قوة لمواجهة التحديات الماثلة أمامها. وأضاف أنه إذا ما حققت الولايات المتحدة أهدافها في العراق، فإنها ستعزّز مكانتها وترسخ النظام العالمي الخاضع لوصايتها، وإذا ما فشلت، فستترتب على فشلها نتائج قاسية وخطرة بالنسبة للمنطقة وستتزعزع مكانتها الإمبريالية. ولذا فإن المعركة في العراق هي ليست فقط حول التهديد الذي يشكله كدولة مارقة تتزود بأسلحة غير تقليدية، وإنما هي أيضًا معركة على مكانة الولايات المتحدة. وحرص على تأكيد أن ما يقف على كفتي الميزان هو مصير السلام الأميركي، وأنه برؤية تاريخية ليس هناك خيار حقيقي أمام الولايات المتحدة سوى مواجهة التحدي. وربما تكمن أهمية ما كتبه أراد الآن في كونه يشفّ عن تبنّي مقاربة غربية في سياق سياسي إسرائيلي جعل نفسه صدًى لمثل هذه المقاربات، التي يبدو أن إحداها تنشأ في الآونة الأخيرة نتيجة طرح أسئلة شبيهة إزاء "تحديات" مماثلة تعرضها الحالة الراهنة عربيًا وإقليميًا برسم الثورات الشعبية الأخيرة المرشحة عاجلاً أم آجلاً لأن تواجه الغاية الحقيقية لـ "السلام الإسرائيلي" الذي بنى مخططاته على أساس تعويلات مستقطرة من "السلام" مع مصر من دون أن يأخذ في الاعتبار إمكان تعرّضه لزلزال مدمّر بفعل عوامله الباطنية.

عن هزيمة العقل الإسرائيلي


إن أحد محاور التعاطي الإسرائيلي مع الثورة المصرية تمثّل في توجيه نقد حادّ إلى مؤسسة الاستخبارات الإسرائيلية جراء عدم استشراف إمكان اندلاعها، وكذلك جراء توقعاتها في بدايتها بأن لا تفضي إلى نتائج شبيهة بتلك التي أفضت إليها "ثورة الياسمين" في تونس وإن بدا أنها متأثرة بها. وبالتزامن مع انطلاق تلك الثورة كتبت الصحف الإسرائيلية وفي مقدمها معاريف في 26 كانون الثاني/ يناير 2011 ما يلي: تتابع إسرائيل عن كثب ما يحدث في مصر في الأيام القليلة الفائتة، ويتوقع المسؤولون فيها أن تنجح السلطة في القاهرة في أن تجتاز الأزمة التي تعصف بها بسلام. وقالت مصادر إسرائيلية استخباراتية رفيعة المستوى إن "مصر ليست لبنان أو تونس، والأوضاع فيها مستقرة حتى الآن، ولا يوجد أي داع للقلق. كما أن الأوضاع في مصر ما زالت بعيدة عن احتمال اندلاع عصيان مدني، وخلافًا للرئيس التونسي وشاه إيران اللذين أطيحا بهما واضطرا إلى الهرب من بلديهما، فإن الرئيس المصري حسني مبارك غير منعزل عن شعبه ويدرك نبض الشارع ويتخذ الاحتياطات اللازمة". ووفقًا لتقدير هذه المصادر الاستخباراتية نفسها فإن السلطة المصرية هي التي سمحت بإجراء التظاهرات الكبرى وذلك "كي تتيح للجمهور العريض إمكان تنفيس غضبه". وقال أحد هذه المصادر إن "مصر هي دولة كبيرة مقارنة بكل من تونس ولبنان، وحتى بالمقارنة بدول أوروبا الشرقية التي اندلعت فيها ثورات في الماضي، فضلاً عن ذلك فإن مؤسسات الدولة المصرية، بما في ذلك الجيش، خاضعة كليًا لسلطة الرئيس مبارك، التي تملك تجربة غنية في مجال مواجهة مشاعر الجمهور العريض، وتعرف كيف تحافظ على الاستقرار".
وأضاف هذا المصدر أن "تظاهرة يشترك فيها 20 - 30 ألف شخص لا تعد كبيرة في مصر على الإطلاق، وتوجد لدى السلطة هناك قوات أمنية بأعداد تفوق هذا العدد كثيرًا". مع ذلك فإن المصادر الإسرائيلية الاستخباراتية تؤكد أن "عيون العالم كله، بما في ذلك إسرائيل، تتابع ما يحدث في مصر بقلق بالغ، وذلك لكونها دولة كبيرة ومهمة للغاية وذات تأثير هائل في العالم العربي كله. كما أن ما يحدث في مصر في موازاة ما يحدث في كل من لبنان وتونس يجب أن يثير القلق الشديد، خاصة وأن هذه هي أول مرة يكون فيها معظم المتظاهرين من الشبان الذين جرى تجنيدهم عبر الشبكات الاجتماعية والانترنت". وتضيف هذه المصادر أن ما يجب فعله الآن "هو الانتظار ريثما يتبين ما إذا كان المتظاهرون سيخلون الساحات العامة بإرادتهم أو سيتم إخلاؤهم منها بالقوة. وتجربة الماضي تدل على أن السلطة في مصر تعرف كيف تواجه الاحتجاجات الشعبية بصورة صحيحة وحازمة، وكيف تحول دون أن تتسبب هذه الاحتجاجات بزعزعة الاستقرار الداخلي". من ناحيتها ذكرت صحيفة يديعوت أحرونوت (26 كانون الثاني/ يناير 2011) أن الخبراء والمحللين في أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية يكتفون الآن بمتابعة حركة الاحتجاج في الشارع المصري ساعة بساعة، وأن الأمر الوحيد الذي حرصوا على تأكيده هو أن "مصر ليست تونس"!. أمّا صحيفة هآرتس (26 كانون الثاني/ يناير 2011) فلفتت إلى أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية لم تتوقع أبدا حدوث انتفاضة شعبية في مصر، بل إن الرئيس الجديد لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان)، الجنرال أفيف كوخافي، قال أمام لجنة الخارجية والأمن التابعة للكنيست، قبل أسبوع من اندلاع الانتفاضة، إن النظام المصري مستقر. وأشارت إلى أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية توقعت حدوث انقلابات في دول عربية خلال العام 2011 الحالي لكنها لم تتوقع أبدا اندلاع انتفاضات شعبية. وفي السياق ذاته كتب كبير المعلقين السياسيين في صحيفة يديعوت أحرونوت، ناحوم برنياع، أنه عشية الزيارة التي قام بها نتنياهو لمصر في 6 كانون الثاني/ يناير 2011 تمت مطالبة مسؤول كبير جدا في جهاز الموساد، وعلى ما يبدو فإنه رئيس الجهاز السابق مئير داغان، بتقويم الوضع في مصر.
ونقل برنياع عن المسؤول في الموساد قوله "إنني لا ألاحظ وجود خطر فوري يتهدّد السلطة، وأقدر بأن قدرة القيادة الحالية على البقاء في السلطة معقولة حتى بعد رحيل مبارك، وثمة ثلاثة تحديات ماثلة أمام مصر وهي السنّ المتقدّم لمبارك وحالته الصحية، والأوضاع في السودان، والجدل حول تقاسم مياه النيل. وثمة مشكلة رابعة هي الاقتصاد". ورأى برنياع أن المتحدث لم يكن في إمكانه أن يتكهن مسبقا أن يحدث ما حدث في تونس وأن الحريق الذي اشتعل سينتقل بسرعة إلى مصر "لأنه لم يول اهتماما كافيا للضائقة الاقتصادية، ولم يتطرق مطلقًا إلى مشاعر الغليان لدى الجمهور (المصري) إزاء فساد المقربين من النظام". ولدى متابعة ما نُشر في المحور المتعلق بالاستخبارات لا مفر من ملاحظة أن النقد كان صارمًا للغاية، لا سيما في ضوء واقع أن مؤسسة الاستخبارات نفسها ارتكبت في الآونة الأخيرة إخفاقات كثيرة في مجال استشراف التطورات في الشرق الأوسط، بدءًا بنتائج الانتخابات للمجلس التشريعي الفلسطيني في العام 2006، وانتهاء بإسقاط حكومة سعد الحريري في لبنان قبل بضعة أسابيع من الثورة المصرية، مرورًا بترسانة الأسلحة لدى حزب الله عشية حرب لبنان الثانية، والمظاهرات المدنية في إيران... والقائمة طويلة. ولتخفيف وطأة "الجلد الذاتي" فإن كبار المحللين العسكريين والإستراتيجيين استعادوا حقيقة أن احتمالات نجاح الاستخبارات في استشراف سلوك الجماهير الشعبية تبقى ضئيلة للغاية، فضلاً عن أن استخبارات دول أخرى أقوى نفوذًا من إسرائيل واجهت الإخفاق في هذا المجال، بل وفي مجالات محدّدة وقابلة للاستشراف أكثر، ولعل أشهرها- إذا ما نأينا بأنفسنا عن نظرية المؤامرة- كامن في "إخفاق الاستخبارات الأميركية في معرفة عدم امتلاك الرئيس العراقي السابق صدام حسين أسلحة دمار شامل".

وفي هذا السياق فإن البعض استعاد، بقدر من السخرية السوداء، كيف أن وزير الدفاع الأميركي الأسبق، دونالد رامسفيلد، قال عندما سُئل في مؤتمر صحافي عن إخفاقات استخبارات بلده قبيل غزو العراق: "يبدو أننا لا نعرف أننا لا نعرف"!. مع ذلك فإن القضية في العمق لم تعد منحصرة في معادلة أن "إسرائيل لا تعرف أنها لا تعرف"، بقدر ما إنها تعبر عن هزيمة أخرى لـ "العقل الإسرائيلي" الذي كان ولا يزال أسير مفهوم متكلس أجاد المعلق السياسي والعسكري الإسرائيلي عوفر شيلح وصفه حين قال: المشكلة ليست كامنة في رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أو في رئيس هيئة الأركان العامة، وإنما هي مشكلتنا جميعًا حينما نسألهما. والمشكلة أيضًا هي أننا لا نزال، بعد كل أخطاء تنبؤهما وتنبؤ آخرين، نفكر أنه في الأمور التي تتصل بإرادة الجمهور العريض وليس بالمعلومات التكتيكية، ثمة أحد يعرف أكثر من الجميع لا لشيء إلا لأنه يحمل درجات ورُتبًا (عسكرية) وفي مقدوره أن يتنصّت سرًّا، مؤكدًا أنه فقط الدولة التي تنظر إلى كل شيء عبر فوهة المدفع بمقدورها أن تجعل أفرادها العسكريين مسؤولين بصورة حصرية عن "تقدير المواقف الوطنية العامة". ورأى آخرون أنه حان الوقت للتحرّر من التفكير القائل إنه إذا كانت لدى إسرائيل استخبارات جيدة، فإن في مقدورها أن تتغلب على كل المشكلات الخارجية والأمنية. وكان أستاذ الإعلام د. يورام بيري قد أشار قبل خمسة أعوام في سياق مماثل آخر إلى أن هذا التفكير يشكل قدمًا واحدة لمفهوم أعوج تحيا إسرائيل معه طوال أعوام كثيرة على الرغم من أنه يقلب لها ظهر المجّن المرة تلو الأخرى، أمّا القدم الثانية فهي الاعتقاد بأنه إذا كانت لديها دعاية أفضل لكانت قد أصبحت ملكة العالم. وأعاد هؤلاء إلى الأذهان أن نظرة متبصرّة إلى أعوام وجود إسرائيل المنقضية من شأنها أن تبيّن بسهولة أن أكثر الأحداث أهمية في تاريخها، التي أثرّت كثيرًا على مسيرتها، لم يتم توقعها مسبقًا، لا من طرف شعبة الاستخبارات العسكرية، ولا من طرف "أنبياء" آخرين. وقد تمّ ذكر الأحداث التالية على سبيل المثال:
- شكلت الهجرة الجماهيرية من دول شمال إفريقيا في أوائل الخمسينيات من القرن العشرين الفائت الحدث الذي بلور، أكثر من أي شيء آخر، طابع المجتمع الإسرائيلي، فهي التي أوجدت التصدّع الطائفي وواجهت ما بين "الجنوبيين" الفقراء و"الشماليين" الأغنياء، وضفرت ما بين الأصل الطائفي والانتماء السياسي. وقد حدث هذا كله من دون أن يتوقعه أحد ومن دون قدرة تنبؤ ذلك مسبقًا.
- لم يتوقع أحد أيضًا أن تنفجر حرب "الأيام الستة" (حرب حزيران/ يونيو) في صيف 1967. وفقط قلائل جدًا كان في إمكانهم تقدير التطورات الدراماتيكية التي ستجلبها على السياسة الإسرائيلية عامة. ولقد مضت نحو 44 سنة ولم يحل بعد "اليوم السابع" لهذه الحرب، التي ما زالت تبتز أغلبية الموارد الروحية والمادية وتزيد تشوّه النفوس.
- في أواخر الثمانينيات لم يقدّر أحد أن الاتحاد السوفياتي سينهار، أو كيف ستؤثر تصفية "الحرب الباردة" على ميزان القوى في الشرق الأوسط، أو أنه خلال أقل من عشرة أعوام على هذا الانهيار سينضم إلى المجتمع الإسرائيلي أكثر من مليون ناطق باللغة الروسية، وأن "الثورة الثقافية" التي أحدثتها هذه الهجرة- والتي كان من ملامحها تصفية مفهوم "بوتقة الصهر" وتبلور تعددية ثقافية وسياسة هويات- ستغيّر الثقافة الإسرائيلية على نحو كبير. ولم يفت بعض ثالث أن يشير إلى أن البشر وكذلك المجتمعات ليسوا على استعداد للعيش في عدم يقين، لكن في إسرائيل ثمة سبب آخر للاعتقاد الساذج بأنه إذا ما جرى استثمار جهد أكبر فإن بالإمكان توقع التطورات فيما وراء الحدود بالضبط. ووفقًا لما أكده يورام بيري في حينه فإن هذا الأمر ناجم عن إيمان أعمى بأن ما يحول دون إنهاء النزاع "هو ليس نحن- ذلك بأننا نرغب في السلام- وإنما غياب شريك في الطرف الثاني. ولذا فإن ما يبقى علينا فعله هو أن نكون سلبيين وأن نكتفي بالإصغاء إلى الأصوات الصاعدة من هناك. إذا كانت هناك نيّة لمحاربتنا، فسنكون مستعدين لذلك. وإذا عبّر أحد ما، بمجيء اليوم الموعود، عن الرغبة في السلام فإننا نتحادث معه". وهو ما اعتبره بمثابة خداع ذاتي واضح، لأنه يتغاضى عن حقيقة أن وجود أو عدم وجود شريك في الطرف الثاني مثلا هي، بقدر كبير جدًا، نتيجة لأفعال إسرائيل أيضًا، إذا لم يكن أساسًا.
ولقد تمثل استنتاجه آنذاك في ما يلي: "بدلاً من تنمية الوهم/ الخداع الذاتي بأنه ينبغي أن تكون لدينا استخبارات جيدة كي تتنبأ بما يحدث لدى جيراننا، فإن من المفضل تبنّي سياسة جيدة من أجل أن تؤثر في ما يحدث هناك إزاءنا". وهو بدون أدنى شك استنتاج صحيح للحالة الراهنة حيال ما حدث في مصر، والتي جاءت وقائعها بمنزلة إنبـاء مدو بأن إسرائيل لم تتعلم أي شيء بعد عشرات الأعوام من أخطائها السياسية، ومن استنكافها عن الإقرار أن في الشرق الأوسط أشياء يمكن أن تكون غابت عن عقل استخباراتها مثلما يمكن أن تغيب عنه أشياء أخرى في المستقبل أيضًا.
وفي سياق متصل حاولت تعليقات أخرى أن تعزي نفسها بأن دوافع "ثورات الربيع العربي" لا تحيل إلى إسرائيل، ذلك بأن الشرق الأوسط يُعتبر منطقة معرّضة على الدوام للقلاقل والاضطرابات وعدم الاستقرار، وأن أسباب ذلك لا تعود إلى الصراع مع إسرائيل، وإنما إلى "الفقر والشقاء وإلى السلطات التي تحكم أقطاره والمفتقرة إلى الكفاءة"، كقول وزير الخارجية أفيغدور ليبرمان وغيره من كبار المسؤولين، أو كقول زلمان شوفال، أحد كبار مستشاري رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، أن هتافات المتظاهرين في ميدان التحرير "لم تكن من أجل فلسطين وإنما من أجل الخبز والحرية"، وأن في مجرّد ذلك ما يثبت أن السبب الحقيقي لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط لا يعود إلى الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني أو إلى سياسة الاستيطان الإسرائيلية، وإنما إلى التناقضات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية داخل المجتمعات العربية. ومع ذلك فإن معلقة الشؤون العربية في صحيفة يديعوت أحرونوت، سمدار بيري، رأت أن هذه الثورات حملت في ثناياها رياحًا جديدة في ما يتعلق بإسرائيل، وذلك حين أعربت عن "امتعاضها" الشديد جراء تغييب وسائل الإعلام الإسرائيلية من مراسم توقيع اتفاق المصالحة الفلسطينية بين حركتي فتح وحماس التي جرت في العاصمة المصرية القاهرة، على الرغم من أن هذا الحدث "يخصّها في الصميم"، وأكدت أن هذا الأمر ينطوي، فيما ينطوي عليه، على تلميح فظّ إلى أن وسائل الإعلام هذه باتت غير مرغوب فيها في مصر الجديدة. وربطت بين هذا التغييب وبين تعاظم الأصوات المطالبة بطرد السفير الإسرائيلي من القاهرة، وإلغاء اتفاق السلام مع إسرائيل، ووقف كل مظاهر التعاون بين الدولتين، لتخلص إلى القول: هذه الخطوات كلها إن دلت على شيء فإنها تدل على جوهر الرياح الجديدة التي تهب على مصر في الوقت الحالي (يديعوت أحرونوت، 4 أيار/ مايو 2011).
وقبل أن تنطق بيري بهذه الخلاصة كان تعليق ظهر في صحيفة هآرتس عقب تكليف عصام شرف بتأليف الحكومة المصرية الجديدة، وإظهار استطلاعات للرأي العام المصري أن عمرو موسى سيكون المرشح الأوفر حظًا للفوز بمنصب رئيس الجمهورية في الانتخابات المقبلة، قد توصل إلى استنتاج فحواه أن "على إسرائيل التسليم بواقع أن أي سلطة مقبلة في مصر ستكون أقل ودّية من سلطة الرئيس السابق حسني مبارك". وبرأي صاحب التعليق فإن ما يمكنه أن يُحسن عزاء إسرائيل في آخر ما هو مستجد على الساحة المصرية من تطورات يظل كامنًا في استقرار مكانة الجيش من جهة، وفي تضاؤل احتمالات وقوع السلطة في قبضة حركة الإخوان المسلمين من جهة أخرى، مع أن إمكان أن تتحوّل هذه الحركة إلى عنصر مؤثر في هذه السلطة، على غرار الأحزاب الدينية المتشددة في إسرائيل (الحريدية)، ما زال واردًا بقوة.
[للبحـث صلـة]
ــــــــــــــــــــــــــــــ
النخب الإسرائيلية و"الربيع العربي"/ أنطوان شلحت (3-3)
مظاهر عنصرية وفوبيا واستعلاء

اعترى مواقف بعض النخب الإسرائيلية حيال "الربيع العربي" قدر كبير من الاستعلاء العنصري السياسي والثقافي، فضلاً عن مظاهر فوبيا إزاء فرص نشوء مجتمع مدني وديمقراطي في العالم العربي. وكانت الحجة الرئيسة التي تذرّع بها المتوجسون شرًا من الثورة المصرية في إسرائيل قد تمثلت بادئ ذي بدء في الاستنتاج الإطلاقي التالي: من المنطقي جدًا أنه في حال سقوط السلطة الحالية في القاهرة، فإن من ستحلّ مكانها لن تكون سلطة ليبرالية وإنما سلطة إسلامية وربما إسلاموية، ولذلك ستكون هناك عواقب سلبية داخل الدولة على الأقليات ومكانة المرأة، ومن الجائز في نهاية المطاف على الديمقراطية نفسها. ومن شبه المؤكد أن النظام الإسلامي سيثير صدامات مع الغرب، ولا ريب في أنه سيفاقم الصراع مع إسرائيل، ومثال إيران هو أسطع برهان على هذا. وهؤلاء المتوجسون في معظمهم لم يخفوا مواقفهم العنصرية التنميطية إزاء العرب عمومًا (أو كما هتف المراسل الخاص لصحيفة هآرتس إلى القاهرة أنشيل بيبر: "كلنا مصابون بوباء الاستشراق"، 2 شباط/ فبراير 2011)، وذلك حين جاهروا أيضًا باستنتاجين إطلاقيين آخرين:

أولاً، أن الديمقراطية كأسلوب حُكم لا تلائم العرب لأن العيب كله فيهم وحدهم، ووفقًا للمفهوم الواقف وراء هذا الاستنتاج فإن العرب متخلفون مئات الأعوام عن الغرب وإسرائيل بسبب الثقافة والتراث القبليين، وربما حتى جراء شيء مستحكم لا يمكن تغييره في صورتهم الجماعية، ومن الجيد لهم وللعالم أن يحكمهم طغاة مستبدون يعتمدون على القوة العسكرية، ويورثون أبناءهم السلطة مع الإيهام بالانتخابات، والحرية ليست خيرا لهم لأن صبغتهم الظلامية ستندفع خارجا في موجة عنف موجهة إلى محيطهم، وكل من يعتقد اعتقادا مغايرًا ولا سيما الغرب والرجل الساذج القاعد في البيت الأبيض فإنه ببساطة لا يفهم الحياة، أو لا يسكن هنا مثلنا ولن يدفع حياته ثمنًا لذلك (في هذا الصدد كتب عوفر شيلح ما يلي: منذ أن اندلعت أحداث الثورة المصرية ثمة شيء واحد قرر كثيرون من المتحدثين الذين أسمعهم، وكذلك جزء كبير من الجمهور أيضا، أنهم يعلمونه وهو أن الديمقراطية ليست من أجل العرب. فقد سمعت مثلا جنرالا في الاحتياط يقول في صراحة إنهم غير مستعدين بعد. وما نحتاجه في الدول العربية هو نظم حكم مستقرة لا ديمقراطية. وبعبارة أقل تهذيبا وهي الآن لي: أعطونا طُغاة يعيشون من طريق الغرب بشرط ألا تكون ديمقراطية عربية. هذا التصور هو بمثابة توليف بين مخاوف مفهومة واستعلاء. والخوف يؤجج السابقة الإيرانية- ولا تبلبلوا السوداويين بأن إيران ليست دولة عربية، فهم لا يُجهدون أنفسهم حقا في هذا التفريق-، كما أنه يؤجج فرضية ضمنية تقول إنه في أي حالة ديمقراطية سيسيطر المسلمون المتطرفون.

أما الاستعلاء فإنه شيء مختلف، إنه يكاد يكون حاجتنا النفسية إلى أن يكون العرب بدائيين وظلاميين ولا يستحقون ما نعتبر أنه حق إنساني أساس ومفتاح السلام والنماء، معاريف، 1 شباط/ فبراير 2011). ثانيًا، أن موقف الرئيس الأميركي باراك أوباما الذي سارع إلى تأييد المتظاهرين في ميدان التحرير وإلى التخلي عن حليفه حسني مبارك غير ناجم عن مصالح إدارته الإستراتيجية، بل عن عدم تجربة، أو عن عدم إدراك كاف لمكامن هذه المنطقة. بناء على ذلك فإن معلقة الشؤون السياسية في صحيفة يديعوت أحرونوت، سيما كدمون، أكدت أن الذي يتولى قيادة العالم في الوقت الحالي هو "زعيم عديم التجربة كليًا" (4 شباط/ فبراير 2011). كما أن دوف فايسغلاس، المدير العام لديوان رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق أريئيل شارون، وهو محام بمهنته، كتب موعظة لهذه الإدارة الأميركية (يديعوت أحرونوت، 2 شباط/ فبراير 2011) خلص فيها، بعد أن نأى بنفسه عن تقويم جوهر الديمقراطية الإسرائيلية، إلى القول إن الديمقراطية ليست منحصرة في إجراء انتخابات حرّة فقط، بل إنها نمط حياة، ومجموعة من القيم مثل المساواة في الحقوق، وحرية التعبير والتنظيم، وسيادة القانون وما إلى ذلك. ولا شك أن لسان حاله يقول إن هذه الأمور كلها لا قبل للعرب بها. وعمدت صحيفة إلكترونية إسرائيلية يحررها الكاتب إيهود بن عيزر إلى "إسباغ" لقب "حمقاء الأسبوع" على وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون لمجرّد دعوتها إلى احترام حقوق الإنسان في مصر!.

بطبيعة الحال كانت هناك أصوات إسرائيلية قليلة اتسمت بتسمية الأشياء بمسمياتها الحقيقية، لعل أبرزها المعلق السياسي والمذيع في القناة الثانية للتلفزة الإسرائيلية عمانوئيل روزين، الذي من جملة أشياء أخرى كتب يقول: يعتقد كثيرون منّا أن الديمقراطية أفضل كثيرًا من الدكتاتورية، لكن في حال الدخول في مزيد من التفصيلات في هذا الصدد فإنه لا بُدّ من طرح بضعة أسئلة، مثل: ما الذي تقدمه الديمقراطية في إسرائيل لمئات آلاف الناس الفقراء فيها الذين يجدون صعوبة كبيرة في إعالة أسرهم وإطعام أطفالهم؟ وماذا تعني الديمقراطية الإسرائيلية بالنسبة لـ 14 ألف ولد هائمين على وجوههم في الشوارع لا يجدون مأوى لهم؟ وبماذا يختلف الأولاد أو الفقراء البالغون في إسرائيل عن أولاد الشوارع والفقراء في مصر الذين يعيشون في ظل سلطة الدكتاتور حسني مبارك؟.

ومن ناحية أخرى، هل يوجد للإنسان العادي في إسرائيل أي تأثير على عملية اتخاذ القرارات في الحكومة؟ وهل الحكومة الإسرائيلية المنتخبة تمثل فعلاً رغبة الذين انتخبوها من خلال القرارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتخذها؟. وأضاف: غير أن أكثر سؤال يثير الحنق هو- لماذا لا يخرج المواطن الإسرائيلي إلى الشارع كي يتظاهر ضد حكومته الديمقراطية التي تستهتر به وتدير دائمًا ظهرها له؟ إنه لا يخرج لأنه غير مبال، وعلى ما يبدو فإنه غير مبال لأن الديمقراطية الإسرائيلية تؤدي دور المخدّر المدهش. وبناء على ذلك، فإنه لم يكن من قبيل المصادفة أن كثيرين منّا باتوا في الوقت الحالي يغبطون الشارع في مصر أو في تونس، ذلك بأن الملايين الذين تظاهروا هناك يرغبون في التغيير. ولذا يمكن القول إن هؤلاء يعيشون في ظل دكتاتورية لكن تفكيرهم ديمقراطي، في حين أننا نعيش في ظل الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط لكننا نتنازل طوعًا ومسبقًا عن حقنا في الاستفادة منها (يديعوت أحرونوت، 7 شباط/ فبراير 2011).

أمّا المحلل السياسي في صحيفة هآرتس ألـوف بـن فرأى، كما ذكرنا سابقًا، أن الثورة المصرية هي بمثابة فرصة ذهبية لكل من نتنياهو وباراك كي يثبتا لأوباما وإدارته أن إسرائيل هي "الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي يمكنهما الاعتماد عليها" دائمًا، مؤكدًا في الوقت ذاته أن الثورة من شأنها أن تضع الادعاء المكرور بأن إسرائيل هي "فيللا في غابة"، وأنها "الحصن الغربي الخارجي في الشرق الأوسط"، على المحك مرة أخرى. في واقع الأمر فإن تعبير "فيللا في غابة" كان التوصيف الذي أطلقه إيهود باراك عندما كان رئيسًا للحكومة عقب فشل قمة كامب ديفيد مع الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في العام 2000، لكنه سرعان ما أصبح يعبر بصورة صافية عن نظرة إسرائيل (وأغلبية سكانها) الاستعلائية إلى الشرق الأوسط، وتتكرّر هذه النظرة كثيرًا من بين ثنايا القول "نحن لا نعيش في سويسرا أو اسكندنافيا وإنما في الشرق الأوسط". كما أننا ما زلنا نذكر أن باراك قال، في نطاق مقابلة أجراها معه المؤرخ الإسرائيلي بيني موريس في العام 2002 (ونُشرت في مجلة نيويورك ريفيو أوف بوكس في 13 حزيران/ يونيو 2002): "إنهم- يقصد المسلمين- نتاج ثقافة لا يولد فيها الكذب أي إساءة أو إخلال بالآداب والقواعد... إنهم لا يعانون من المشكلة التي يتسبب بها الكذب في الثقافة اليهودية والثقافة المسيحية". غير أن مؤسس الحركة الصهيونية بنيامين زئيف هرتسل كان أول من "تكهّن" بهذا، حين ذكر في كتابه "دولة اليهود" أن الدولة التي يسعى إلى تأسيسها "ستكون جزءًا من سور حماية أوروبا في آسيا، وحِصْنًا متقدمًا للحضارة في مواجهة الهمجية"، وفعلاً فإن هذه الدولة تحولت إلى حصنٍ، لكن سرعان ما استحال وحشيا للغاية، "يبصق" النار في الاتجاهات كلها، ويدك المدن ويحولها إلى أنقاض، ويزرع الرعب والخوف والدمار في محيطه، ويرفض وقف الحرب والتخلي عن العدوانية الهوجاء، ويستغول أكثر فأكثر. ويمكن التدليل على مظاهر الاستعلاء العنصري السياسي والثقافي من خلال عرض كيفية انعكاسها في مواقف الأوساط اليمينية، وكذلك في مواقف الأوساط "اليسارية" التي تدعي تبني المقاربة الليبرالية.

ففي العدد الأخير من المجلة الفصلية اليمينية "هأوماه" (الأمة) التي تصدر عن "المحفل على اسم زئيف جابوتنسكي" ظهر مقال افتتاحي حذّر مما أسماه بـ "الانكماش" في مقابل آخر الأحداث في العالم العربي. وجاء فيه: "إننا نشهد لدى الجانب العربي في الآونة الأخيرة تصعيدًا في مظاهر التطرّف القومية والدينية تعكسه ثورات تسقط حكامًا مستبدين وتعلي من شأن عناصر إسلامية متطرفة. العالم العربي- الإسلامي آخذ في التراجع القهقرى في مسار قائم على فرض الإكراه الديني المقرون بسفك الدماء وتعاظم الكراهية للشعب اليهودي وإسرائيل والعربدة المتفاقمة تحضيرًا لجولة الحرب المقبلة ضد العدو الصهيوني. وفي المقابل نشهد لدى الجانب الإسرائيلي مظاهر انكماش تنجم عنها جهوزية للتنازل في الجبهات كلها، وللاعتراف بمسؤوليتنا ولو جزئيًا عما يدور حولنا، وعن جميع مشكلات الفلسطينيين. إن أعمال الذبح والقتل التي يقوم بها عرب ضد عرب مثلهم تدل على ما يمكن أن يرتكبوه ضد غير العرب، وخصوصًا ضد اليهود. وهذا الأمر لا نملك إمكان السيطرة عليه مطلقًا. ولا بُدّ من إبداء الاستغراب إزاء اعتقاد زعماء الغرب والإدارة الأميركية أن بشائر الديمقراطية قد وصلت إلى العالم الإسلامي. وما نملك أن نفعله هو أن نرصّ صفوفنا في داخل إسرائيل كي نحميها من الأخطار التي تتهدّد وجودها على المدى البعيد، وكي نعمق الوعي بأن أي تنازل من جانبنا سيجرّ وراءه تنازلات أخرى" (مجلة هأوماه، العدد 82، حزيران/ يونيو 2011). وشنّ هذا المقال الافتتاحي هجومًا كاسحًا على جميع الإعلاميين والأدباء والأكاديميين اليهود الذين طالبوا إسرائيل بأن تتبنى مطالب "ثورات الربيع العربي"، وخصوصًا على مسؤولين عسكريين سابقين أطلقوا مع مجموعة أخرى من الشخصيات السياسية والثقافية والأكاديمية ورجال الأعمال ما يعرف باسم "المبادرة الإسرائيلية"، مؤكدًا أن هذه المبادرة "تقبل جميع المطالب العربية- الفلسطينية". واختتم هذا المقال الافتتاحي بالعبارات التالية: "من حُسن حظنا أن معظم الجمهور (في إسرائيل) لا يؤيد هذه الدعوات، وما زال يدعم الحكومة الإسرائيلية ورئيسها الذي أعلن في خطابه أمام الكونغرس الأميركي مؤخرًا أن منطقة يهودا والسامرة (الضفة الغربية) هي جزء من وطن الشعب اليهودي".

والمقصود هنا هو مبادرة السلام التي قامت مجموعة من الشخصيات الإسرائيلية السياسية والعسكرية والاقتصادية والأكاديمية بإطلاقها في مؤتمر صحافي خاص عقد يوم 6 نيسان/ أبريل 2011 في تل أبيب. وقال أصحاب هذه المبادرة إنهم ينوون عرضها بصورة شخصية على وزراء وأعضاء كنيست، وكذلك على شخصيات وهيئات مؤثرة في العالم العربي. وهي تستند إلى مبادرة السلام العربية التي أقرّت في العام 2002، وتهدف إلى ممارسة الضغوط على رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو كي يستأنف المفاوضات السياسية مع الفلسطينيين، وكي يتوصل إلى اتفاقيات تنهي النزاعات كلها. وتتضمن المبادرة الجديدة المبادئ التالية: تُقام دولتان (إسرائيل وفلسطين) على أساس حدود 1967، ويتم الاعتراف بإسرائيل دولة قومية للشعب اليهودي وبفلسطين دولة قومية للفلسطينيين؛ تكون مدينة القدس خاضعة لسيادتي الدولتين ويجري تقسيمها بحيث تصبح الأحياء اليهودية وحائط المبكى (حائط البراق) والحي اليهودي (في البلدة القديمة) خاضعة لسيادة دولة إسرائيل بينما تصبح الأحياء العربية في القدس الشرقية خاضعة لسيادة دولة فلسطين، أمّا منطقة جبل الهيكل (الحرم القدسي الشريف) فتصبح خاضعة لـ "سيادة الله" وليس لأي سيادة سياسية؛ يجري حل قضية اللاجئين الفلسطينيين بواسطة قيام الأسرة الدولية بدفع صفقة تعويضات ملائمة ويسمح للاجئين بالعودة إلى داخل دولة فلسطين فقط لا إلى داخل دولة إسرائيل. وبرز من بين الذين يقفون وراء هذه المبادرة رئيسا جهاز الأمن العام (شاباك) السابقان يعقوب بيري وعامي إيلون، ورئيس جهاز الموساد الأسبق داني ياتوم، ورئيس هيئة الأركان العامة الأسبق أمنون ليبكين- شاحك، والجنرال في الاحتياط عمرام متسناع (رئيس حزب العمل الأسبق)، والوزير الأسبق موشيه شاحل (العمل)، ورجلا الأعمال عيدان عوفر وبرونو لاندسبرغ، ويوفال وداليا رابين (نجلا رئيس الحكومة الأسبق إسحق رابين)، والبروفسور عليزا شنهار.

وقد عرض رجل الأعمال عيدان عوفر خلال المؤتمر الصحافي الفوائد الاقتصادية لهذه المبادرة مؤكدًا أنه في حال عدم إقدام إسرائيل قريبًا على خطوة سلمية مع العالم العربي فإنها ستكون عرضة لفرض عقوبات اقتصادية عليها كما حدث في السابق مع كل من جنوب إفريقيا وإيران، مشددًا على أنه كان في كوريا الشمالية وشاهد بأم عينه "كيف أن الناس هناك لا يجدون ما يأكلونه بسبب العقوبات الدولية المفروضة على دولتهم" (هآرتس، 7 نيسان/ أبريل 2011). من ناحية أخرى تصدّر هذه المجلة اليمينية مقال بقلم البروفسور رافي يسرائيلي، الباحث في الشؤون الإسلامية وشؤون "عرب إسرائيل" في "معهد هاري ترومان" في الجامعة العبرية في القدس، تحت العنوان "البدائل المطروحة لا تُسرّ القلب مطلقًا"، أكد في سياقه أن "المخفي في الثورات العربية ما زال هو الأعظم"، وأن "الخطر الماثل أمام الشرق الأوسط وإسرائيل (نتيجة هذه الثورات) هو نشوء بديل سلطوي إسلامي يكون جزءًا من ثورة عالمية تهدف إلى فرض خلافة إسلامية عالمية على غرار ما كانت الحال عليه في أثناء العصر الذهبي للإسلام". ويشدّد المقال على أن "الرئيس جورج بوش الابن كان على حق عندما طرح مطلب دمقرطة العالم العربي، غير أن الرئيس أوباما ارتكب خطأ فادحًا لأنه لم يطرح هذا المطلب بحدّة أكبر، وحاول أن يتفاهم مع إيران"، وعلى أن "أحلام قيام ديمقراطية في سورية وسائر العالم العربي هي مجرّد أضغاث أحلام". وفي الجانب "اليساري" من النخب الإسرائيلية انعكس هذا الاستعلاء مثلاً في ما كتبه محرر ملحق الثقافة والأدب في صحيفة هآرتس، بيني تسيبر، في معرض تعليقه على الثورة ضد سلطة مبارك، قائلاً: "المصريون هم شعب رائع فعلاً، ويكمن سرّ سحره بالذات في كونه لا يعرف ما الذي يرغب فيه، وفي كونه ينتظر أن يقرر له أحد ما من فوق ما الذي يجب عليه أن يفعله" (هآرتس، 30 كانون الثاني/ يناير 2011). وبروحية مماثلة، وجه الكاتب والأستاذ الجامعي غادي طاوب نقدا إلى الولايات المتحدة بسبب ما وصفه تأييدها "الساذج" لدمقرطة المجتمع المصري، قائلاً: "يستصعب الأميركيون رؤية وفهم الأمر البسيط، وهو أن إرادة الشعب ليست دائما ديمقراطية".

وأضاف "إن الديمقراطية لا تتطلب فقط التوجه للشعب، بل أن يكون الشعب نفسه راغبًا في الديمقراطية أيضا، لا أن يكون راغبًا مثلا في زعيم قوي، أو في شيوعية شمولية، أو في أصولية إسلامية.. بمعنى آخر، فإن أوباما ينسى أن من الجدير أحيانا اختيار الديكتاتورية وتفضيلها على الديمقراطية والأصولية، وذلك لأن الديمقراطية (لدى العرب) تولد الأصولية، وبالتالي يجب الحؤول دون الإمكانية الديمقراطية" (يديعوت أحرونوت، 8 شباط/ فبراير 2011). وبحق رأى البعض أن التوجه الذي يرسمه تسيبر وطاوب (وآخرون كثيرون ممن لا يجرؤون على المجاهرة بآرائهم) هو توجه واضح واستنتاجه جليّ وقاطع، مؤداه أن هناك شعوبا معينة لم تبرهن على نضج كاف كي تتمتع بفوائد الديمقراطية، وبالتالي من الأفضل تركها في مكانها الطبيعي، أي تركها ترزح تحت نير ديكتاتور "متنور" وعاقل يدرك ويتفهم الحاجة إلى الأمن والاستقرار، وهو توجه يسفر في العمق عن إبداء الاستعداد لتبرير أو عل الأقل لـ "تفهم" أنظمة القمع في مجتمعات أخرى (أساف ساغيف، مجلة تخيلت، العدد 43، ربيع 2011). وربط هذا البعض بين الاستخفاف بقدرة العرب على ممارسة حياة ديمقراطية بكل معنى الكلمة، وبين ازدياد عدد الإسرائيليين الذين يميلون نحو تبني نظرة ازدراء واستخفاف بالديمقراطية ذاتها.

وعلى سبيل المثال فقد دلت معطيات "مؤشر الديمقراطية الإسرائيلية للعام 2010" على هذا الاتجاه المستمر الآخذ في الاتساع والتعمق، وأشارت إلى أن الإسرائيليين يعتقدون أن الديمقراطية الإسرائيلية واهنة ومعقدة. وأعرب 60 بالمئة من الإسرائيليين، الذين شملهم استطلاع مؤشر الديمقراطية الذي أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية، عن رغبتهم في رؤية "زعامة وطنية" قادرة على حل مشكلات إسرائيل بصورة ناجعة. وأيد 55 بالمئة الرأي القائل إن "وضع إسرائيل الاقتصادي سيكون أفضل بكثير فيما لو كانت مراعاة قواعد الديمقراطية تتم بصورة أقل، وفيما لو كان هناك حرص وتشدد أكبر في المحافظة على القانون والنظام العام" (المصدر السابق). ويعتقد إيلي أفيدار، الذي شغل في السابق مناصب رفيعة في جهاز الاستخبارات ووزارة الخارجية وتولى منصب رئيس الممثلية الدبلوماسية الإسرائيلية في قطر، أن إسرائيل تعاني من فجوة كبيرة في كل ما يتعلق بفهم العالم العربي. وقد خصّص كتابه الصادر حديثًا تحت العنوان "الفجوة - ما الذي يفصل فعلاً بيننا وبين العالم العربي"، لتسليط الضوء على جوهر هذه الفجوة. ويؤكد أفيدار، في سياق مقابلة مطولة أدلى بها إلى صحيفة يسرائيل هيوم، أن العالم العربي ليس كتلة واحدة بل عالم معقد وحافل بالنزاعات، وأن إسرائيل تتعامل معه من خلال مقاربة عامة تتسم بالاستعلاء والصلف، وأن عليها أن تستبدل هذه المقاربة بأخرى أكثر تواضعًا وواقعية، كي يكون في إمكانها أن تحافظ على بقائها في الحيّز الشرق أوسطي الذي تعيش فيه (يسرائيل هيوم، 10 حزيران/ يونيو 2011). ويوجّه في المقابلة نقدًا حادًا إلى رئيس الدولة الإسرائيلية شمعون بيريس الذي ما زال منذ أن طرح رؤيته بشأن "الشرق الأوسط الجديد" في العام 1992 يبالغ في الحديث على ثمرات السلام بين إسرائيل والعالم العربي، ويعرض معادلة متخيلة لا تمت بأي صلة للواقع الحقيقي، على الرغم من أن هذه الرؤية لم تلق قبولاً عربيًا وعلى ما يبدو فإنها لن تلقى قبولاً كهذا. ويؤثر أداء بيريس، في قراءة أفيدار، على إشاعة أوهام توحي كما لو أن السلام أصبح قائمًا، وتنطوي على إشارة إلى أن إسرائيل ليست بحاجة إلى أن تفعل شيئًا من أجله باستثناء تأكيدها أنها راغبة فيه، والذي يظل أشبه بالضريبة الكلامية لا أكثر. وهنا لا بُدّ من ذكر أن أحد الزملاء العرب أشار مؤخرًا وبحق إلى أنه تبلورت في إسرائيل نظرية بالغة الأهمية، ربما لعب شمعون بيريس أكثر من غيره دورا في تحديد معالمها، وغدا حزب كاديما رافع رايتها. وتتلخص هذه النظرية في أهمية سعي إسرائيل من أجل إدارة مفاوضات سلمية. والمفاوضات، بحسب هذه النظرية الإسرائيلية، ليست أكثر من أداة أو سلاح في إستراتيجيا إدارة الأزمة. وهي لا تعني البتة أنها بالتأكيد تضمن أو تقود نحو التوصل إلى حل نهائي. فالمهم ليس الحل وإنما التظاهر بالاستعداد للوصول إليه وببذل الجهد المرضي في إطاره.

ومن المؤكد أن شمعون بيريس في افتتاح "مؤتمر رئيس الدولة" (عُقد في القدس في الفترة بين 21- 23 حزيران/ يونيو 2011) ركز على هذه النقطة بإعلانه أن لا بديل سوى "محادثات السلام"، وأن الأزمة القائمة هي أزمة مفاوضات وليست أزمة عملية سياسية. ولذا لم يكن من قبيل المصادفة أن تناكف زعيمة المعارضة ورئيسة كاديما، تسيبي ليفني، رئيس حكومتها مطالبة إياه بخدمة مصالح إسرائيل عبر العودة إلى طاولة المفاوضات (حلمي موسى، السفير، 23 حزيران/ يونيو 2011). وفي سياق متصل ترى ميخال تشرنوفيتسكي، وهي ناشطة اجتماعية حريدية وخبيرة في صناعة "الهايتك"، أن النظرة الإسرائيلية العامة المسبقة التي تؤكد أن كفاح الشعوب العربية من أجل الحرية محكوم عليه بالفشل تنطوي على قدر من الاستعلاء. وأعادت إلى الأذهان أن العالم الغربي المتنور كافح مئات الأعوام قبل أن يحظى بالحرية الحقيقية. فمثلاً يعود صدور أول وثيقة استقلال خاصة بالولايات المتحدة إلى العام 1776، غير أن إلغاء العبودية فيها تم في العام 1865، وجرى منح حق التصويت للنساء في العام 1920، أما قانون حقوق المواطن الذي يحظر التمييز والفصل على أساس عنصري فقد سُنّ في العام 1964. وبالنسبة لأوروبا فإن الديمقراطية بدأت تنتشر فيها في بداية القرن التاسع عشر، ومع ذلك فإنها شهدت في النصف الأول من القرن العشرين اندلاع حربين عالميتين تخللهما قيام نظام حكم نازي. والخلاصة التي تتوصل إليها هي أنه لا بُدّ من منح الشعوب العربية المهلة الكافية كي تصوغ حريتها وتبني نظامها الديمقراطي (الموقع الإلكتروني التابع لصحيفة معاريف، 30 أيار/ مايو 2011).

"محنة الاستشراق الإسرائيلي"

في مقال جريء تحت العنوان أعلاه قال البروفسور يورام ميتال والبروفسور حجاي رام، أستاذا تاريخ الشرق الأوسط في جامعة بن غوريون في بئر السبع، أن "أصحاب التوجّهات الأمنيّة" بين الباحثين والباحثات في قضايا الشّرق الأوسط هم مستشرقون بالنيابة يعتريهم في كثير من الأحيان الشعور بالاستعلاء، إن لم يكن العنصريّة، إزاء المجتمعات العربيّة، هذا علاوةً على أنهم يتعاونون بشكلٍ جليّ أو بصورة خفيّة مع المؤسّسة الحاكمة أو المؤسّسة الأمنيّة الإسرائيليّة، وبصنيعهم هذا فإنهم يخالفون بصورة فظّة الحواجز التي تفصل بين الجامعات ومراكز الأبحاث وبين مؤسّسات الدولة. وهؤلاء المستشرقون يخونون عمليًّا دورهم كمفكّرين، والذين يتعين عليهم بموجبه تحدّي منطق الإجماع الوطني.

كما أن الادعاءات التي يطرحها الكتّاب ذوو التوجّهات الأمنيّة تكرّس في الخطاب العام أسطورة "الاستبداد الشرقي" الاستشراقي وتغذّي ظاهرة فوبيا الخوف من الإسلام. إنهم يصفون انتفاضة المجتمع المصري على تنوّع طوائفه على أنها حالة من الفوضى قام بها "رعاع" عديم القيادة ويفتقر إلى الوعي السياسي "الحديث". وضياع نظام حسني مبارك تم عرضه كانهيار السّد الأخير، الذي كان بوسعه منع سيطرة القوى الإسلاميّة على مصر، علمًا بأنّ هذا التنبّؤ لم يتحقّق حتى اللحظة. ويضيفان: على الرّغم من ذلك، يجب التحفّظ والقول إنّ الاستشراق الإسرائيليّ- تمامًا مثل "الشارع العربي"- غير مصنوع من كتلة متجانسة.
ومع أنّ الكثيرين من جماعة المستشرقين في إسرائيل لا يفصلون بين متطلّبات البحث الأكاديمي وبين احتياجات الدولة، ويصرّون على أن يطبّقوا على الشّرق الأوسط مفاهيم ووجهات نظر قديمة يعود تاريخها إلى أيام الاستعمار التقليدي، فإنه ومنذ أن تمّ اختراق الفرضيّات الأساسيّة الاستشراقيّة في مطلع الثمانينيّات من القرن الماضي، هناك الكثيرون ممّن يعكفون على الأبحاث الأكاديميّة لذاتها فقط، وهؤلاء الباحثون يتعاملون مع المجتمعات الإسلاميّة من خلال الانتباه إلى أبعادها المختلفة وإلى موروثها التاريخي والاجتماعيّ والثقافي المتنوّع. هذا الجيل من الباحثين في الدراسات الشّرق أوسطيّة حرّر نفسه من القيود المؤسّساتيّة والفكريّة، والتي يسير بموجبها نظراؤهم ذوو التوجّهات الأمنيّة حتى الآن، ويرفضون بصورة مطلقة مسايرة القاعدة المشتركة التّفسيريّة المتوقّعة منهم في تقويم استقرار (أو زعزعة) الأنظمة في المنطقة. بالإضافةً إلى ذلك، فإنه ومن وجهة نظرهم ونزاهتهم الأكاديميّة، فإنّ هدفهم الرئيس يتلخّص في زيادة المعرفة حول مجتمعات الشّرق الأوسط بمعزلٍ عن الاعتبارات الأخرى، من دون استخدام تلكَ المعرفة لخدمة المصالح الإسرائيليّة الضيّقة، ومن دون أن تفترض فرضيّات روتينيّة تحتّم على المجتمعات الإسلاميّة- العربيّة أن تكون متخلّفة (المشهد الإسرائيلي، 22 آذار/ مارس 2011).
من ناحية أخرى فإنه برسم "الربيع العربي" وما يعنيه من ثورة مدنية أطلقت مجموعة تُطلق على نفسها اسم "روح جديدة" تضم نحو خمسين من المثقفين الإسرائيليين اليهود الشباب ذوي الأصول العربية في نيسان 2011 مبادرة غير مسبوقة في هيئة رسالة موجهة "إلى مجايليهم من المثقفين العرب والمسلمين في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا" نُشرت في بضعة مواقع إلكترونية في صلبها دعوة إلى إجراء حوار إقليمي معمّق تكون غايته دمج اليهود العرب أو الشرقيين في إسرائيل ضمن تاريخ المنطقة العربية وثقافتها، و"تصحيح وترميم كل ما تمّ تدميره في الفترات الأخيرة" على صعيد العلاقات العربية- اليهودية، بما يشكل "مفتاحًا لاستئناف الشراكة الإسلامية- اليهودية- المسيحية التي ازدهرت في إبان عصر الأندلس الذهبي"، مؤكدين أن هذه الشراكة تظل قبل أي شيء رهن إنجاز عناصر متعددة على غرار المواطنة الديمقراطية المتساوية، والعدالة في توزيع الموارد الاقتصادية وفي تأمين فرص العمل والتربية والتعليم، وتحقيق المساواة بين الرجل والمرأة، وقبول بني البشر كافة بغضّ النظر عن معتقداتهم ولون بشرتهم وجنسهم ومكانتهم وميولهم الاجتماعية والعاطفية وانتماءاتهم الدينية والإثنية، ومشددين على ضرورة الالتزام بتحقيق هذه الغايات من خلال الحوار المستمر بين سكان المنطقة كلهم، فضلاً عن الحوار مع يهود من جماعات متعددة في إسرائيل وخارجها. ولفت الموقعون على الرسالة إلى أنهم من ذراري يهود عاشوا في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا منذ مئات وآلاف الأعوام، وساهموا كغيرهم في ثقافة المنطقة وكانوا جزءًا أصيلاً منها، ولذا فإن "ثقافة البلدان الإسلامية وشعور الانتماء العميق إلى هذه المنطقة من العالم هما جزء لا يتجزأ من هويتنا الخاصة، ومن التاريخ الديني والثقافي واللغوي للحيّز الشرق أوسطي والإفريقي الشمالي، على الرغم من أن هؤلاء اليهود كانوا ضحايا أنساق من التناسي في سياق هذا التاريخ، بداية في إسرائيل التي لا تنفك تصوّر نفسها على أنها الفيصل بين القارة الأوروبية وبين شمال إفريقيا، وثانيًا في العالم العربي الذي يبدو أنه سلّم بالانشطارية المتضادة بين اليهود والعرب وبتصوير اليهود على أنهم أوروبيون وآثر أن يهمّش تاريخ اليهود العرب في ماضيه أو أن يقصيه منه كليًا، وثالثًا في أوساط الفئات اليهودية الشرقية نفسها التي خجلت من ماضيها المشترك مع الشعوب العربية وحاولت أن تندمج وتساير التيارات المهيمنة على المجتمع الإسرائيلي. وفضلاً عن ذلك كله فإن التأثيرات المتبادلة بين الثقافتين اليهودية والعربية على مرّ التاريخ تعرضت لعمليات محو شديدة الوطأة، لكنها رويدًا رويدًا أخذت تبرز في فضاءات حياتية مختلفة مثل الموسيقى والصلوات الدينية واللغة والأدب".
وقال الموقعون على الرسالة إنهم يغبطون الشعوب العربية على ثوراتها المدنية التي أطاحت أنظمة وحكامًا كما حدث في كل من تونس ومصر، وأن نظام الحكم الإسرائيلي الذين يعيشون في ظله يحاول أن يظهر بمظهر متنوّر وديمقراطي غير أنه يدوس الحقوق الاقتصادية- الاجتماعية لمعظم السكان بصورة فظّة للغاية، ويقوم بتقليص الحريات الديمقراطية، وبتشييد أسوار عنصرية في وجه الثقافة الشرقية اليهودية والعربية، وعلى الرغم من ذلك فإنه ما زالت أمامهم سكة طويلة لمحاكاة ما يجري في البلدان العربية من خروج جماهيري إلى الساحات العامة والشوارع للمطالبة بسلطة عادلة على الصُعُد المدنية والاقتصادية والثقافية.
تجدر الإشارة إلى أن هذه المجموعة نفسها كانت أصدرت بيانًا تأسيسيًا في صيف 2009 عقب الخطاب الذي ألقاه الرئيس الأميركي باراك أوباما في جامعة القاهرة، وأعربت فيه عن دعمها الروح الجديدة التي طُرحت في ثنايا الخطاب واصفة إياها بأنها روح تصالحيّة تنطوي على نظرة ثاقبة، وعلى سعي نحو العدالة والاحترام للأديان المتعددة والثقافات المتباينة والبشر كافّة. وأكد البيان التأسيسي من جملة أشياء أخرى أن أعضاء هذه المجموعة وُلِدْوا في إسرائيل وهم إسرائيليون تهمّهم دولتهم، ويرغبون في رؤيتها آمنة، عادلة ومزدهرة لصالح مواطنيها كلهم. لكن في الوقت ذاته، لا يمكن للتاريخ الجديد الذي ولدوا في رحمه أن يمحو تاريخًا يعود إلى مئات وآلاف الأعوام، حيث عاش آباؤهم وأجدادهم في الشّرق الأوسط، في مساحات مترامية الأطراف يحكمها المسلمون والعرب. ولا يقتصر دور الآباء والأمهات على كونهم عاشوا في هذه المناطق منذ الأزل، بل يتعدّى ذلك إلى كونهم قد شاركوا وساهموا كثيرًا في نسيج الحياة في هذه الدّول، وواكبوا تطوّره.
وفي الفترة المعاصرة أيضًا، فإن ثقافة الدّول الإسلاميّة والشّرق الأوسط والثّقافة العربيّة، تُعْتَبَرُ جزءًا من هويّتهم ليس بمقدورهم اجتثاثه، ولا يرغبون في اقتلاعه أصلاً. وقد شهد تاريخ يهود الدّول الإسلاميّة لحظات مؤلمة، غير أن نظرةً فاحصة، متمحّصة وعادلة، تدلّ على أنّ تلك اللحظات الصّعبة لا يمكنها أن تتستّر على تاريخ هائل من التّعاون المشترك. والسّيادة الإسلاميّة على اليهود اتسمت بالتّسامح والكرم، أكثر كثيرًا ممّا كانت عليه حالهم تحت سّيادات غير إسلاميّة، ولا يمكن عقد مقارنةً بين مصير اليهود في الدّول الإسلاميّة وبين المصير التراجيديّ الذي ألمَّ بمجتمعات يهوديّة كاملة في مناطق أُخرى، وأساسًا في أوروبا. ومع أنه يمكن النظر إلى العقود الأخيرة على أنّها شرخ بين إسرائيل واليهود وبين العالم العربيّ والإسلاميّ، إلا إنهم يفضلون النظر إلى هذا الشّرخ باعتباره مؤلمًا وموقّتًا في تاريخ أطول كثيرًا، يشمل ماضيًا مشتركًا ولا بُدّ من أن يكون له مستقبل مشترك. وحتّى حينما تُلقى نظرة على الخريطة، فإن إسرائيل بالنّسبة إليهم هي جزء عضوي من الشّرق الأوسط، وليس من النّاحية الجغرافيّة فحسب. وقالت المجموعة إن باب الانتساب إلى هذه المبادرة مفتوح أمام جميع الراغبين في الانضمام إليها، وأنها تنوي العمل على تعميمها في العالم العربي، وتهيئة ما يلزم من أجل إخراج دعوة الحوار التي تتضمنها إلى حيّز التنفيذ. وتأتي هذه المبادرة على ركام جدل عميق داخل المجتمع الإسرائيلي بشأن التوتر والصراع الثقافي والاجتماعي بين اليهود الغربيين- الأشكناز وبين اليهود الشرقيين- سفاراديم.
وسبق لهذا الجدل أن شكل إرهاصًا لتأسيس حركات شرقية أخرى لعل أبرزها حركة "القوس الديمقراطي الشرقي" التي تأسست في العام 1996 من طرف مثقفين يهود ذوي أصول عربية وشرقية ورفعت لواء نشر الخطاب الديمقراطي ومبادئ التعددية الثقافية، وشدّدت أدبياتها على أن إسرائيل اتبعت منذ قيامها سياسة عليا موجهة تهدف إلى إخفاء تاريخ اليهود من أصول شرقية، ولذا فإن تاريخ اليهود من البلدان العربية والإسلامية تم محوه على مدار الأعوام، وانسحبت عملية المحو هذه على الأدب والموسيقى أيضا، ولم تكن مقتصرة على التاريخ فقط.
ووفقًا لما قاله أحد المبادرين إلى هذه الرسالة فإن الذين تمرسوا في النشاط الشرقي يدركون مبلغ الخوف الذي يسيطر على الأشكناز في كل مرة تطرح فيها قضية تطلع الشرقيين إلى هوية خصوصية. وعادة ثمة مجموعة ردات فعل أشكنازية نموذجية على هذه الخشية، يبرز بينها اثنان: أولاً، الادعاء أنه لا جدوى من الاكتراث بالآثام التاريخية، ذلك بأن جماعات إثنية أخرى مثل البولنديين والمجريين أو الرومانيين، عانت هي أيضًا من مصاعب الاستيعاب والإذلال والإقصاء؛ ثانيًا، أن المشكلة آخذة في الاختفاء، حيث يتم سدّ الفجوات وتجري زيجات بين أبناء الطوائف المختلفة ويوجد شرقيون في السياسة وشيئًا فشيئًا تنمو "ثقافة إسرائيلية جامعة". وكل من يتجاسر على الادعاء بعكس ذلك يخلع عليه لقب "مهني طائفي" ويجري اتهامه بمحاولة جعل المهانة رأسماله الشخصي وبأنه يمس وحدة الشعب (وحدة الشعب والإجماع كانا على الدوام بمثابة أسطورة مجنّدة وجهازًا لإسكات الأقليات). والأنكى من ذلك أنه في كل مرة يدعي فيها مثقف شرقي أنه توجد عنصرية في إسرائيل يجري اتهامه بالعنصرية إزاء الأشكناز ويتم تصنيفه كمتطرّف. وبين المبادرين يمكن العثور كذلك على مثقفين يرون أن موقف "اليسار الإسرائيلي" إزاء الصراع مع الفلسطينيين يتسم بالسطحية وبنقاط عمى كثيرة. فهذا اليسار يبقى برأيهم مناصرًا للفلسطينيين طالما أنهم لا يطالبون بحق العودة للاجئين، وطالما هناك تقسيم جغرافي وفصل ديمغرافي، وطالما أن الفلسطينيين متنازلون عن بيوتهم في مدنهم وأحيائهم الأصلية، وطالما تبقى دولة إسرائيل يهودية (وغربية)، وطالما استمر الفلسطينيون الذين يسمون "عرب إسرائيل" في كونهم حاضرين غائبين. ولو كان مثقفو اليسار متحررين حقًا من أساطير جيل الآباء لكانوا كشفوا أن الصهيونية هي حركة أوروبية معادية للشرق وصلت إليه ولم تر فيه كيانًا سياسيًا، وإنما مجرّد صحراء بحاجة ماسّة إلى إخصاب وإرواء. كما أنه لو كان الآباء والأبناء الأشكناز يعترفون بالشرق كيانًا سياسيًا لكانوا ميزوا أيضًا ذلك القاسم المشترك بين الشرقوية اليهودية والشرقوية الإسلامية والمسيحية، ولكانوا أدركوا في وقت مبكّر أن الخصومة المتعددة الأعوام بين الشرقيين وبين العرب ناجمة في معظمها عن دق إسفين أوروبي بين شرقيين وشرقيين، لكن اليسار الإسرائيلي ما زال مستمرًا في انتهاج سياسة العمى والاستعلاء التي انتهجها آباؤه المحافظون.
ما الذي تفكر إسرائيل فيه؟


أشرنا في بداية هذا المقال إلى النقد الصارم الذي وجهه سيفر بلوتسكر، أحد كبار المعلقين في صحيفة يديعوت أحرونوت، إلى "المسؤولين في القدس" جراء عدم قيامهم "ببذل أي جهد أو تفكير بشأن بلورة السياسة الخارجية التي يجب على إسرائيل أن تتبعها في المستقبل" (يديعوت أحرونوت، 13 حزيران/ يونيو 2011). ولا بُدّ من أن نعيد إلى الأذهان أن مثل هذا النقد سبق أن وجهه المحلل السياسي في الإذاعة العامة والقناة الأولى للتلفزة الإسرائيلية، يارون ديكل، بعد انقضاء أول شهر على اندلاع الثورة المصرية، إلى وزير الدفاع الإسرائيلي إيهود باراك، الذي اختار أن يتحدث عن الأوضاع في الدول العربية إلى شبكة "سي. إن. إن" التلفزيونية الأميركية وامتنع من التحدث إلى شعبه. وكتب ديكل في مقال نشرته صحيفة معاريف في 27 شباط/ فبراير 2011 أن "السؤال الذي يُطرح (إزاء سلوك باراك) هو: لماذا في ظل هذا الوضع الشائك والقابل للاشتعال عرض وزير الدفاع تقويماته وتحليلاته بالانكليزية وليس بالعبرية؟ وهل فكر بإعطاء تقرير لشعبه حول الوضع؟ للأسف الشديد يبدو أن الجواب هو ’لا’ في هذه الأثناء. وماذا عن إعطاء تقرير لناخبيه؟

استطلاعات الرأي تشير إلى أنه لم يبق لديه الكثير من الناخبين.

وعلى ما يبدو فإن باراك يعتقد أنه معفي من ذلك" (في إشارة إلى انشقاقه عن حزب العمل وتأسيس كتلة برلمانية لا توجد قاعدة شعبية لها). ورأى ديكل أن الشرق الأوسط يشهد "ثورة تاريخية لا تقل أهمية عن انهيار الشيوعية في أوروبا الشرقية قبل عشرين عاما. وما يحدث حولنا منذ فترة لا يميز هزة أرضية، وإنما هذا هو تحرك ألواح في قشرة الكرة الأرضية وعيون العالم كله متجهة نحو المنطقة. وللأسف الشديد فإن القيادتين السياسية والأمنية في إسرائيل اكتفتا خلال الأسابيع الأخيرة بردات فعل واهنة على هذا التسونامي. وربما تتحدثان، لكن ليس بصورة عميقة ولا حول الموضوعات المهمة. ولم يسمع أحد منهما عن حق الجمهور في المعرفة وفي طرح الأسئلة". وأضاف أن "نظامين عربيين سقطا، وعلى ما يبدو فإن الثالث والرابع في طريقهما إلى السقوط. لكن يتضح أنه في هذه الفترة المصيرية جدا ليس هناك (في إسرائيل) من يفكر في إشراك الجمهور برأيه وفي منح مقابلات صحافية (لوسائل إعلام إسرائيلية) حول هذه الأحداث. وللأسف فإن وسائل الإعلام تسمح بحدوث ذلك. صحيح أنه لا أحد يتوقع من القيادة أن تطلع أبناء شعبها على تفصيلات خطط عسكرية ومعلومات استخباراتية موضوعة على طاولتها، لكن من واجب القيادة إشراك مواطنيها بقراءة الواقع وفهمها للوضع والرد الذي تصنعه. كما أنه يجدر في هذه المناسبة ذكر المبادرات التي من الصواب دفعها أو منعها". وأكد ديكل أنه "يتبين مرة أخرى أننا نعيش في مجتمع ديمقراطي مشروط. كما يتضح أنه على الرغم من أن لوسائل الإعلام الحق في طرح الأسئلة إلا إنها تسمح باستمرار الوضع. وبإمكان قادة الدولة الاستمرار في صمتهم". وعدّد الكاتب بعض الأسئلة التي يرى أنها مهمة في ظل الأوضاع في المنطقة وهي: "كيف تستعد إسرائيل، إذا ما كانت تستعد أصلا، لشرق أوسط جديد؟ هل ثمة شيء يفعله صناع القرار باستثناء مشاهدة شاشات التلفاز والدراما الصادرة منها؟ هل يوجد تخوف بشأن استمرار اتفاقيتي السلام مع مصر والأردن وكيف يتم الاستعداد لذلك؟ هل يوجد سبب لتجربة المسار الفلسطيني أو المسار السوري رغم هذه الأحداث؟ وهل هناك سبب جيد للانتظار فترة أسابيع أو شهور؟".
وتابع "إن صمت القيادة البكماء لا يشكل خطوة غير ديمقراطية وحسب وإنما يطرح أيضًا تقديرا حزينا فحواه أنه ليس لدى صناع القرار أي فكرة بشأن ما ينبغي على إسرائيل أن تستعد له. وهذا أصبح مقلقا فعلا. إن إعطاء تقارير للجمهور هو حق أساس للمواطنين في المجتمع الديمقراطي، إذ إنه يجب طرح الأسئلة عندما لا يكون الوضع مريحا أيضا، وعندما لا يكون كل شيء واضحا أو مستقرًا. وإذا لم تكن هناك أجوبة شافية سيدرك الشعب أن ثمة مشكلة في القيادة المنتخبة. ولا يمكن الموافقة على وضع تسير فيه عجلات التاريخ أمام أنظارنا بينما وزير الدفاع ورئيس الحكومة لا يشعران بواجب منح حتى ولو مقابلة صحافية واحدة إلى وسائل الإعلام في إسرائيل". وقد توقع ديكل في حينه أن يستمر القادة في إسرائيل في التزام الصمت "لأنه ليس لديهم ما يقولونه". وما يمكن أن نضيفه الآن هو أنه حتى عندما كسروا هذا الصمت فإنهم لم يفصحوا عن جوهر ما الذي يفكرون به أو يعدون العدّة له. وربما يعود سبب ذلك ـ أكثر من أي شيء آخر- إلى ما يعتقد به كثيرون من المحللين والمعلقين السياسيين في إسرائيل، وهو أن نتنياهو، باعتباره رأس الهرم السلطوي الذي يتعين عليه أن يأخذ زمام المبادرة، يدفن رأسه في الرمال إزاء التغيرات الكبيرة التي تحدث في الشرق الأوسط في الآونة الأخيرة، وتتأسس قناعته بشأن التسويات السياسية على قاعدة أن الصراع الإسرائيلي- العربي هو "نزاع غير قابل للحل" (كما صرّح في مقابلة أدلى بها إلى مندوب صحيفة هآرتس الذي رافقه في زيارته لإيطاليا ونُشرت في 15 حزيران/ يونيو 2011)، ولا يهتم بأبعد من موضوع الحفاظ على سلامة ائتلافه الحكومي، كما يعتقد هؤلاء أن من المتوقع أن تستمر هذه الحالة إلى أن تحدث تطورات خارجية ربما تهزها في الصميم أو تتسبب بقلبها رأسًا على عقب، وهذا يعني أن السكة التي أمام إسرائيل لتغيير تلك الحالة بفعل إرادة داخلية من طراز إرادة التغيير العربية التي عكسها "ربيع الثورات الشعبية" ما زالت طويلة.
[انتهــى]
  • ملف العضو
  • معلومات
healer
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 28-12-2006
  • المشاركات : 10,677
  • معدل تقييم المستوى :

    30

  • healer is on a distinguished road
healer
شروقي
رد: النخب الإسرائيلية و"الربيع العربي"
25-08-2025, 05:36 AM
مذكرة تخرج
ميموار
دكتوراه
محاضرات
Remote Work
Freelance
بحث جاهز بالمنهجية العلمية
بحث pdf word
psychologie
psychologiques
Comment aborder brown-out :
10 faits essentiels sur
Les erreurs courantes concernant
Guide complet sur brown-out
Mythes et réalités à
L'impact de brown-out sur
Comment parler de brown-out
Que dit la science
Les différentes formes de
Pourquoi brown-out est important
Comment la technologie influence
Histoires inspirantes liées à
Les meilleurs conseils pour
Les impacts psychologiques de
Comment prévenir brown-out dans
Quels sont les types
Questions fréquentes sur brown-out
L'évolution de brown-out au
Qu'est-ce que hypersensibilité ?
Causes, symptômes et solutions
Comment aborder hypersensibilité :
10 faits essentiels sur
Les erreurs courantes concernant
Guide complet sur hypersensibilité
Mythes et réalités à
L'impact de hypersensibilité sur
Comment parler de hypersensibilité
Que dit la science
formes de hypersensibilité
Pourquoi hypersensibilité est important
technologie influence hypersensibilité
Histoires inspirantes liées à
meilleurs conseils pour hypersensibilité
Les impacts psychologiques de
Comment prévenir hypersensibilité dans
types de hypersensibilité
Questions fréquentes sur hypersensibilit
L'évolution de hypersensibilité au
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
Les erreurs courantes concernant
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
technologie influence intelligence artificielle
Histoires inspirantes liées à
Les meilleurs conseils pour
Les impacts psychologiques de
Comment prévenir intelligence artificiel
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
intelligence artificielle et thérapie
Qu'est-ce que insomnie ?
Causes, symptômes et solutions
Comment aborder insomnie :
10 faits essentiels sur
erreurs courantes concernant insomnie
Guide complet sur insomnie
Mythes et réalités à
L'impact de insomnie sur
Comment parler de insomnie
Que dit la science
formes de insomnie
Pourquoi insomnie est important
technologie influence insomnie
Histoires inspirantes liées à
meilleurs conseils pour insomnie
Les impacts psychologiques de
Comment prévenir insomnie dans
types de insomnie
Questions fréquentes sur insomnie
L'évolution de insomnie au
Qu'est-ce que trolls ?
Causes, symptômes et solutions
Comment aborder trolls :
10 faits essentiels sur
erreurs courantes concernant trolls
Guide complet sur trolls
Mythes et réalités à
L'impact de trolls sur
parler de trolls
la science à propos
formes de trolls
Pourquoi trolls est important
technologie influence trolls
Histoires inspirantes liées à
Comment prévenir trolls dans
Quels sont les types
questions fréquentes sur trolls
évolution de trolls
Qu'est-ce que thérapie assistée
Causes, symptômes et solutions
Comment aborder thérapie assistée
10 faits essentiels sur
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع


الساعة الآن 06:01 AM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى