قصة الاسطورة الحكماء الستة
24-06-2013, 01:10 AM
الأسطورة الحكماء الستة
إن الأبطال يظهرون إلا في الأزمات حيث تبتلي الأفئدة وتكشف معادن
الناس حيث لا يوجد
مخرج إلا على يد نفس تعشق النمو والكمال وتكشف الظروف عن عقول نيرة لتكتب التاريخ
في احد أجمل ملاحمه واحد أرقى صور الكمال الإنساني قيم لاتعترف بالجنس أو العرق أو المال أو النسب.قيم لا تعترف إلا بما تنتجه روح الإنسان من فيض الإخلاص والإيثار والحب
والكرم.
أطوار قصتنا عزلت عن التاريخ والجغرافيا لأنها تكررت في أزمان متقاربة ومتباعدة قصتنا
تروي صراعا تاريخيا بين الإنسان وأخيه الإنسان بين قيم العدالة وجرم والظلم و الاضطهاد
في احد صحاري آسيا الشاسعة قامت مملكة عظيمة حكمت بقوة الحديد والنار إلا أن عظمة
مملكة جاءت من تاريخها العريق وحضارتها التي توجت بإنتاج مدارس فلسفية شدها الخلاف
بين كبارها عن البحث في إصلاح حياة العباد غير أن كبار هذه مدارس نذر نفسه لمواجهة فساد الحاكم ما كلفه السجن والتعذيب .
ظل الحال ما هو عليه حتى توفي الحاكم في ظروف غامضة وخلف وراءه ولي عهد ضعيف لاخبرة له في أمور الحكم لا يمكنه مواجهة صقور الدولة ولا يستطيع مسايرة الصراع عن السلطة في قمة هرم المملكة بين رجال المال ورجال العسكر.
وفي احد اشد تطورات الأحداث الأكثر خطورة دفع القائد الأعلى العسكر المالك وثيقة تطلب
إعدام العالم السجين ما حدث فعلا وأثار ذالك غضب العامة فخرجوا في ثورة عارمة لتتوج
بانقلاب للقائد العسكري وقتل الملك.
بعد استقرار الأمور أطلق القائد العسكري صراح العالم مقابل أن يبايعه للملك , وكم كانت صدمة القائد كبيرة إذ أن العالم رفض البيعة وسامه بالقاتل والمؤامرة فما كان منه إلا أن قتله
لتدارك الأمر طلب القائد حضور جميع كبار المدارس الستة وخيرهم بين أن يبايعه و يرمو
بالخيانة أو الموت فكان خيارهم الوفاء فقتلوا جمعيا وكانت هذه بداية
حقيقة من الاضطهاد والقتل
وعاد القائد وطلب من المدارس تأييده في حكمه فاجتمع كبار تلاميذ العلماء الستة للنظر فيما ينتظرهم كان الاختلاف بينهم شديدا وكادوا أن يفترقوا دون أي اتفاق عبد الله (احد التلاميذ):
أرى أننا لن نخرج بوفاق
عبد الملك )احد التلاميذ( ياخوتي إني أرى لكم رأيا
الجميع , ما هو؟
عبد الملك : نحن متفقون على أن نسقط هذا القائد العسكري
الجميع: اجل
عبد الملك: ونحن متفقون أيضا على أن يكون عملنا موحدا
الجميع : اجل
عبد المالك : إني أرى أن نوكل أمرنا إلى رجل نتفق على زعامته فيختار سبيله لإسقاط هذا الطاغية ونكون عونا له أي كان خياره
عبد الله: هذا رأي سديد
عمر: ولكن من هو هذا الرجل وكيف نختاره
عبد الملك : ليضع كل منكم مواصفات من ترونه انه أحق بحكم البلاد ثم ادفعوا إلى احدنا ليبحث عنه في الأقطار.
عبد الله : ثم نجمع له التأييد في العامة وتكون ثورة ضد الطاغية
عبد الحي : ولكن كم سيدوم هذا البحث ، وماذا نجيب القائد
ابوبكر : نكتب وثيقة عهد بيننا ببيعة المختار ، ثم نحل المدارس الستة
عبد الرحمان : يجب أن تكون الوثيقة على شكل أسطورة يدرك معناها اللبيب ويعتقد بها الجاهل
عبد الملك : هناك أمر آخر .... أن المختار يجب أن يجد كل الوسائل التي تنجح ثورته لذلك
يجب أن يختص كل مناخ في علم من العلوم يحيط به ويجمع ما يبقي خبرة الثورة
عبد الرحمان : ويجب الترميز لهذا من خلال الوثيقة.
لنكتب الوثيقة إذا اجتمع الحكماء الستة فسوف تزدهر الأرض وينتهي الظلام
سيد الماء......سيد الأرض.....سيد الريح ....النار....سيد الحديد..... سيد القلم

ببعيدا عن العاصمة حيث تتسارع الأحداث,هناك في الجنوب حيث يسود الهدوء في قرية حسام,حسام طفل في السادسة من العمر ابن لتاجر كبير وشيخ مهاب من أعيان القرية اسمه فؤاد.
منذ نعومة أظفاره بدا على محياه الفطنة و الذكاء, ترى في عينيه بريق الثقة والثبات ,هاهو ذا يقدم أباه إلى كتاب القرية حيث بقايا الحضارة, بهية الطلعة,تعلوه جبة مطرزة أنيقة.
عند باب الكتاب يقف فتى أشعث اغبر,بقميص مرقع,حافي القدمين...لا,لا تظنوا أنه متسول فهذا أحمد ابن الراعي ينتظر الإذن بالدخول فهذا يوم جديد في طلب العلم,يستقبل المعلم باسم الثغر وبريق في عينيه يوحي بالبراءة.
في الكتاب ضجيج كأزيز النحل وهرج ومرج,ما الخطب ؟ ما الطارئ؟ ...رسول من كبير تلامذة العلامة يدعوهم لغلق الكتاب .
كان حادثا جللا ,أفلت آخر منارات الحضارة وآخر شموع العلم في القرية لتأذن بحلول الظلام.
حسام في سن الحبور يبيع ويشتري ,يروج ويموج في السوق,و أحمد يسرح بالأغنام في المراعي ............هذا منتهى الأمور.
حسام في حانوت أبيه في السوق وإذا بالمكاس يقطع خلوته:
المكاس: السلام عليكم آل عيد.
حسام :وعليك السلام.
المكاس : ادفعوا لي مال الحاكم.
حسام : قد كان.
المكاس : لا اذكر, ولم أسجل , فادفعوا لي أو أحجر عليكم في السوق.
حسام : رويدك ,خلت أنك تسجل وإلا لدعوتك لبيتي فترى رأيا عسى يرضيك.
المكاس : هو كذلك, فمتى يكون؟
حسام : هذا المساء أنا ضيف عندك في بيتي ,إن شئت أتيت.
المكاس : فتى نبيه, لك ما رأيت.
أخبر حسام أباه بما كان بينه وبين المكاس وطلب منه دعوة الحاكم للعشاء.
عند المساء التقى المكاس والحاكم عند فؤاد كبير التجار.
حسام : خذ أيها المكاس.ودفع له بكيس نقود. على طاولة العشاء.
الحاكم: ما خطبك يا حسام؟
حسام : إن المكاس قد غفل عن تسجيل المكس فنحن ندفع أجر ما نسي.
المكاس : لا....لا
الحاكم : أتقبض رشوة دون علمي؟؟؟
حسام : لا بل ندفع المكس.
الحاكم : كم هو هذا المكس؟
حسام :100 دينار
الحاكم : يا حراس خذوا هذا السارق.
أثارت هذه الحادثة إعجاب الحاكم والناس إلا أنها جرّّّت على حسام عداوات كثيرة رغم حداثة سنه.
خوف فؤاد على ابنه جعله يبعد حسام عن القرية, فأرسله خارج البلاد لدراسة الطب.
مرت السنون و أخذت من الشيخ فؤاد مأخذا عظيما وزاده فراق ابنه ألما على ألام مرضه حتى كاد يهلك, فأرسل له يطلب رؤيته قبل وفاته.
شاع خبر مراسلة فؤاد لابنه في القرية فاهتزت أفئدة الناس فرحا وتطلعوا لقدومه وقد شهدوا ذكاءه وفطنته في صغره, وعزموا أن يحكموه في أمرهم.
عاد حسام إلى القرية وقد أتم دراسته وذاع صيت براعته في الطب ,ولكن, و أسفاه, مات فؤاد قبل أن يرى ابنه, وألّم الحزن بالشاب العائد ومن معه من أهل القرية .
حسام في مجلس العزاء وحوله جمع من الناس يتناجون و يتهامسون, وإذا بشاب يدخل عليهم
الشاب: أيّها الجمع , ها قد عاد سيدي حسام فعلى ما عزمتم؟
آخر : سيدي حسام قد ألّم بنا كدر عظيم وأظننا لن يطول بنا الحال حتى نرى فلذات أكبادنا تموت بين أيدنا جوعا و مرضا.
آخر : ما بالكم يا قوم ؟ سيدي حسام في عزاء أبيه وأنتم تفتحون عليه أبواب الهموم.
الشاب : سيدي حسام إن أهل القرية قد ملّوا ظلم الحاكم و زبانيته وقد رأوا أن يفضوا إليك بما يضمرون عسى أن تحمل عليهم فتنهي أمر هذا الطاغية.
رأى حسام ملامح ثورة قادمة, ثورة قد يكون هو نفسه وقودا لها............ وهو الذي له مشاريع وردية......., كان ينتظر اليوم الذي يعود فيه إلى القرية فينعم بحياة هادئة مع زوجة وأولاد يلعبون بين يديه.
...........للأسف كتب عليه أن يعيش حياته غريبا........................
علم حسام أن أهل القرية بسذاجتهم قد وقعوا في مكر الحاكم ,وأنه استبق قدومه بحيلة تفضي به إلى غياهب السجون.
حسام يقطع تهامس الحضور بصوت حاد,
حسام : أيّها القوم اجمعوا لي الناس في ساحة السوق غدا عند الضحى.
ابتهج القوم وفرحوا وانتشروا في الأرض يدبون تعلوا وجوههم نشوة الثورة.
بلغ الحاكم ما كان من حسام فأمر بكتيبة من الجند أن تستعد وتحيط بالسوق من كافة مداخله ويندس في وسط الجموع عدد منهم مخفيين في لباس العامة ليشتتوا صفوف الحشود وينقضوا على حسام أول ما ينادي للثورة.
حسام وعليه مهابة ووقار يقوم فيعلو الناس,
حسام : أيّها الناس قد حل بكم بلاء عظيم مذ يوم خرجتم على حاكمكم أدامه الله على رؤوسنا....أتحسبون أن نعمت الأمن تستبدل بأوهام أوحى بها الشيطان على مخبولين من بينكم..........أيّها الناس أطيع أميركم وإلا لتحلن فيكم فتنة تدع الحليم فيكم حيران.
تفاجأ الحضور و صعقوا وأصابهم خيبة أمل كبيرة وألّم ببعضهم غضب شديد فرموه بالنّعال
وأخذوا يصرخون: جبان ......خائن........هذا ما عقدتم آمالكم عليه....تبّا لك سائر اليوم ألهذا جمعتنا.
وتفرقت الجموع في هدوء,ونزل حسام باسم الثّغر وإذا برجلين يختطفانه .
حسام في مكتب الحاكم معصّب العينين,
الحاكم : خلّوا بيني وبينه.
ترفع العصابة عن عيني حسام ويخرج الجنود.
حسام : لو أرسلت إلي, لأتيتك دون ما إعياء.
الحاكم : اعذر جنودي يا سيد حسام فهم أجلاف لم يتعودوا الحضر.
حسام : ما حاجة الحاكم بي؟
الحاكم : إنّما أعجبني خطابك اليوم في ساحة السوق , فأردت أن أعرف ما ترمي إليه.
حسام : قد طالت غربتي عن أهلي وكل ما أرمي إليه أن أعيش في أمان.
الحاكم : أنت شاب ذكي فلا تجعل تهور الشباب يوردك المهالك....... اذهب راشدا.
يعود حسام إلى بيته منهكا وقد علم أن أيّامه في القرية قد باتت قليلة وهو لا يعلم أين ستكون وجهته, فجأة طرقٌُُُ على الباب يقطع سكون الليل, يقوم حسام فيفتح الباب وإذا بشاب ملثّم يمسك قطعة من ورق, وقبل أن يسأله حسام أيّ سؤال, إذا برهط من الجنود ينزلون عليهما كالضباع الجائعة ويجرّونهما إلى مكتب الحاكم.
قضى حسام ليلته في السجن هادئا مطمئنا وكأنّه كان يعلم ما يكيدون.
عند ظهيرة اليوم الموالي أقبل الحاكم وعلى وجهه ابتسامة ساخرة يستهل بها جنوده ,حتى إذا دخل مكتبه أقبل عليه النقيب متجهّما,
النقيب : سيدي الحاكم السجين حسام آل عيد يطلب رؤيتك
الحاكم :إليك عني ,
النقيب : إنّ حسام يقول أنّه إن لم يقابلك اليوم فسوف يؤول بك المقام إلى جواره غدا.
الحاكم : ماذا تخرّف أنت عندك؟ ايتني به حالا .


كاتب عبدالقادر بن اسعيدي

abdou.dz