الغنوشي وعد الأمريكيين بقاعدة عسكرية ومكتب إتصال مع إسرائيل
11-08-2013, 01:25 PM
الغنوشي وعد الأمريكيين بقاعدة عسكرية ومكتب إتصال مع إسرائيل

كشفت مجلة “مغرب كونفيدونسيال”، أن الإدارة الأمريكية أعادت كل حساباتها تجاه علاقاتها مع الحزب الحاكم في تونس الممثل في حركة النهضة، بعد فترة وصفت بأنها “شهر عسل” العلاقات بين رموز حركة النهضة وكبار المسؤولين في البيت الأبيض والكونغرس، الذين راهنوا على الحركة وكانوا من الداعمين لها منذ سقوط نظام الرئيس بن على، لتكون وجها مقبولا للإسلام السياسي في شمال إفريقيا غير معاد للغرب و”منفتح” على كل أشكال التعاون الأمني والإقتصادي والسياسي.

قالت مجلة “مغرب كونفيدونسيال”، أن نقاشا حادا يجري حاليا في البيت الأبيض والكونغرس حول طبيعة المسار الذي ينبغي أن تنتهجه الإدارة الأمريكية مع تطورات الوضع في تونس، التي تنذر الأزمة التي تشهدها أن تفرز نسخة طبق الأصل للأزمة المشتعلة في مصر عقب إزاحة الرئيس محمد مرسي من الحكم.

وكانت الولايات المتحدة قد ذهبت بعيدا في دعمها لحركة النهضة في تونس، لحد تجنيد خبراء أمريكيين في مجال الإتصال السياسي والتنظيم لتمكين حركة النهضة من الفوز في إنتخابات المجلس التأسيسي، بتمويل قطري، سخي، أفرز ميلاد حكومة نهضوية سيطرت على كل دواليب السلطة، أمام دهشة القوى الديموقراطية التي صدمت في العمق بالدعم الأمريكي لهذه الحركة وبالنتيجة غير المتوقعة التي حققها حزب النهضة الذي لم يكن له أي دور في الثورة على نظام بن علي، والإهتمام برموز حركة إسلامية يجهل الشعب التونسي أغلبها، كانت تعيش في المهجر دون قواعد حقيقية بالداخل.

وكانت زيارة رئيس الحكومة السابق حمادي الجبالي، لواشنطن في ماي 2012، بإلحاح شديد من أعضاء نافذين في الكونغرس الأمريكي، قمة “شهر العسل” لعلاقات أمريكية غير مسبوقة مع حركة إسلامية ذات جذور أصولية وصلت للحكم في بلد بشمال إفريقيا، عكس حالة الحذر والتوجس التي كانت تميز علاقات واشنطن بالإخوان المسلمين في مصر. وكانت لقاءات حميمية مكثفة قد جمعت حمادي جبالي، بأكبر مسؤولي البيت الأبيض وصناع القرار الأمريكي، من أهمها تلك التي تمت مع السيناتور الأمريكي جون ماكين، وكذا السناتور جو ليبرمان، وفريق وزير الخارجية الحالي جون كيري.

وخلال هذه الزيارة التي جندت لها وسائل الإعلام الأمريكية حملة دعائية غير مسبوقة، حيث كان الأمريكيون يسوقون لصورة حركة النهضة على أنها تمثل الإسلام السياسي المعتدل، خاصة وأنه سبق لراشد الغنوشي وأن صرح للأمريكيين” بأنه ضد تطبيق الشريعة ومع نظام دولة مدنية”، وفق النموذج القريب من أيدولوجية حزب العدالة والتنمية التركي.

هذا الخطاب إستهوى الأمريكيين الذين إعتبروا أن توجهات حركة النهضة بتونس تستجيب لتطلعات أمريكا ومصالحها والغرب في المنطقة، لتبدأ بعدها طقوس الغزل المتبادل تجسدت في سلسلة من الزيارات واللقاءات الرسمية المعلنة والسرية بين العديد من مسؤولي حركة النهضة في الحكومة والحزب، مع شخصيات سياسية نافذة في الكونغرس الأمريكي، من أكثرها ترددا على تونس جون ماكين الجمهوري وزميله جو ليبرمان، المعروفان بكونهما أكبر المدافعين عن المصالح الإسرائيلية قبل الأمريكية.

ومع تردي الأوضاع الأمنية وانفلات الأمور بليبيا، عقب التدخل العسكري للناتو الذي أدى إلى الإطاحة بالعقيد القذافي، ودخول الميليشيات الليبية المسلحة طرابلس، اقترح السيناتور جون ماكين، على الرئيس أوباما الإستثمار فعليا في علاقات واشنطن الجيدة مع حركة النهضة في تونس، وإنشاء قاعدة عسكرية للرصد والمراقبة في الجنوب الغربي لتونس، لمراقبة الوضع في ليبيا، على أن تتوسع علاقات التعاون والتنسيق الأمني والعسكري مع تونس، لتتحول لاحقا إلى مركز القيادة المركزية لقوة “الأفريكوم” بشمال إفريقيا، بعد رفض الجزائر.

هذا الإقتراح، وهو في الواقع طلب أمريكي، أبلغه جون ماكين والسيناتور جو ليبرمان إلى حمادي الجبالي وراشد الغنوشي، اللذين وافقا على كل الترتيبات المتعلقة بهذا الشكل من التواجد والتعاون الأمريكي مع تونس، حيث وعد أوباما الغنوشي بمساعدات أمريكية مالية عاجلة في شكل هبات لدعم المؤسسات المدنية والإقتصاد التونسي، وذهب الأمريكيون إلى حد جعل تونس من الدول التي تحظى بالأولوية في مجال المساعدات.

وكانت كل لقاءات الأمريكيين مع المسؤولين في حكومة النهضة ورموز الحركة، لا تخلو من التلميحات والنصائح الودية للتونسيين، بضرورة تحسين علاقاتهم مع إسرائيل وفتح قنوات إتصال مع الدولة العبرية، تتكفل دولة قطر بتحضير الأرضية لها ومرافقة أية إنفتاح لتونس في هذا الإتجاه، حيث توجت هذه المساعي الأمريكية والقطرية بتصريح راشد الغنوشي بأن “لا مشكلة لحركة النهضة مع إسرائيل”، وهو ما اعتبره أعضاء في حكومة النهضة بمثابة الموافقة الضمنية والمبدئية على تطبيع العلاقة مع إسرائيل، مع ترك أشكال وصيغ هذا التطبيع مفتوحة لغاية البت نهائيا في نصوص الدستور الذي أصرت حركة النهضة وراشد الغنوشي شخصيا على أن لا يتضمن أي عوائق تحول دون التطبيع مع إسرائيل وإنشاء علاقات معها، ما أثار زوبعة في الأوساط والأحزاب السياسية التونسية القومية والديمقراطية التي اكتشفت حقيقة نوايا الخطاب المزدوج لرموز حركة النهضة، حيث طالبت جل الشخصيات والأحزاب والقوى الديمقراطية بإدراج مادة في الدستور تجرم التطبيع مع إسرائيل.

وفيما كان الشارع التونسي يغلي على وقع التصريحات المفاجئة التي تصدر من حين لآخر من رموز حركة النهضة، حول ضرورة إنشاء دولة الخلافة وإعادة النظر في قانون الأحوال الشخصية لبورقيبة الذي كرس حقوق المرأة التونسية، وهي التصريحات التي يعود في كل مرة راشد الغنوشي لنفيها، كانت الحركات السلفية الأصولية المتطرفة تعمل في الظل لتحضير الهجوم المضاد على القوى الديمقراطية، حيث قامت حركة أنصار الشريعة السلفية التي يقودها أبو عياض التونسي، المدعو سيف الله بن حسين، بمهاجمة التظاهرات الفنية وتحريم تنظيم النشاطات السياسية والثقافية، من الهجوم على سينما “افري كار” وقناة نسمة، والإاعتداء على الشخصيات الحزبية والفنانين والصحفيين ومقرات الاتحاد التونسي للشغل، أمام صمت حكومة النهضة وزعيمها الغنوشي الذي كان يتجنب إحراج صديقه وحليفه السابق في الجهاد الأصولي، زعيم حركة أنصار الشريعة أبو عياض التونسي، الذي لم يتعرض لأية مضايقة من طرف البوليس التونسي، ما شجع هذا الأخير على تنظيم الهجوم الذي اكتسح في يوم جمعة 14 سبتمبر 2012، مقرات السفارة الأمريكية بتونس التي أحرقت محتوياتها مع العديد من المرافق الدبلوماسية والمدارس الأجنبية. هذا الهجوم أحدث صدمة لدى الإدارة الأمريكية التي علمت بأن أبو عياض، كان حاضرا في الهجوم، وأن الشرطة التونسية بقيت سلبية ولم تحرك ساكنا لحماية المرافق الدبلوماسية، الأمر الذي دفع بالخارجية الأمريكية إلى إصدار أمر لجميع مواطنيها بمغادرة تونس “فورا”، ما يعني بلغة دبلوماسية أن أمريكا لم تعد تثق بحكومة النهضة المتهمة بجزء من المسؤولية في الهجوم الذي شن على مصالحها الدبلوماسية. وزيادة على الإحتقان السياسي الذي سببته حركة النهضة في المشهد السياسي التونسي، أظهر وزراء النهضة ومسؤولوها في مختلف دواليب الدولة، عجزا تاما في تسيير شؤون البلاد، ما عمق أكثر الأزمة الإقتصادية، بحيث عرفت تونس بين سقوط حكم بن على وتولي النهضة السلطة، أسوأ فترة مع ركود إقتصادي كارثي وتراجع في الإستثمارات والسياحة والصناعة، وهجرة الشركات ورؤوس الأموال، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع نسبة البطالة إلى حدود غير مقبولة، انعكست على مزاج الشعب التونسي الذي عبر عن سخطه بإحراق مقرات حركة النهضة في عدة مدن، وبخاصة في سيدي بوزيد رمز الثورة التونسة ومهدها.

كل هذه المعطيات والحقائق كانت محل متابعة من طرف الإدارة الأمريكية التي تشبثت لآخر لحظة بحكم حركة النهضة، إلا أن التقارير المريبة التي كانت تصلها من مصادر مخابرات دول أوروبية وحليفة لأمريكا مثل فرنسا، كانت تشير كلها إلى تواطؤ مريب بين حركة النهضة والمجموعات الأصولية السلفية بتونس وخارجها.

وكان وزير الداخلية الفرنسي إيمانويل فالز، أول من حذر الرئيس الفرنسي هولاند، وطالبه بضرورة توخي الحذر في التعامل مع حركة النهضة، ودعا إلى التقرب أكثر من القوى الديمقراطية التي يمثلها “نداء تونس” وباجي قايد السبسي، خاصة بعد الإنفلات الأمني الذي شهدته تونس وبداية حملة الإغتيالات المنظمة لرموز القوى الديمقراطية التونسية، والتي تصاعدت خلال الأيام الماضية، باستهداف محمد البراهمي، ووضع آخرين على قائمة التصفية الجسدية من طرف تنظيم أنصار الشريعة الذي لا يزال لحد الساعة يحظى بحماية غير معلنة من طرف راشد الغنوشي وحكومة النهضة، التي ترفض أي تعديل وزاري أو تغيير حكومي تطالب به المعارضة خشية انقلاب الأمور عليها وعلى جناحها الحقيقي والفعلي المسلح المتمثل في حركة أنصار الشريعة، وأجنحة متطرفة سلفية أخرى أبرزت قدراتها في آخر هجوم نفذته ضد الجيش التونسي بجبل الشعانبي. وأمام هذه الحقائق، تتأسف القوى الديمقراطية في تونس على الطريقة التي تعاملت بها الإدارة الأمريكية مع حركة النهضة، وما جادت به عليها من دعم مادي وإعلامي، حيث تحولت في عيون الأمريكيين إلى بديل ديمقراطي عصري مقبول، دون أن تطلب منها الابتعاد أو التبرؤ من التنظيم “أنصار الشريعة”، رغم علم الولايات المتحدة الأمريكية بالعلاقات القديمة والحالية التي تربط زعيم أنصار الشريعة أبو عياض بتنظيم القاعدة ، الذي دخل تونس تحت رعاية زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي، ليصبح الذراع المسلح لحركة النهضة التي تأسست سنة 1986 تحت تسمية “الجبهة الإسلامية التونسية“. وبعد اعتقاله من طرف الأمن التونسي في التسعينات وإيداعه السجن عادت الحكومة التونسية للإفراج عنه سنة 2011.