تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
منتديات الشروق أونلاين > المنتدى الحضاري > منتدى الدعوة والدعاة

> السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(9): آداب الحوار:(ج)

  • ملف العضو
  • معلومات
أمازيغي مسلم
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 02-02-2013
  • المشاركات : 6,081
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • أمازيغي مسلم has a spectacular aura aboutأمازيغي مسلم has a spectacular aura about
أمازيغي مسلم
شروقي
السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(9): آداب الحوار:(ج)
08-02-2014, 01:43 PM
السلسة الذهبية في الآداب النبوية
الحلقة:(9): آداب الحوار:(ج)

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:

حسن الاستماع والإصغاء للآخرين:
ومن لوازم الهدوء في الحوار: حسن الاستماع والإصغاء للآخرين، وإعطاؤهم الفرصة للتعبير عن آرائهم، أحياناً ينشغل المحاور بإخراج كل ما في جعبته، ويكون هذا همه، لكن هذه طريقة قد لا تكون مقنعة للآخر؛ لأنه ليس المهم فقط أن يفرِّغ الإنسان كل ما في جعبته، بل من المهم أيضاً أن يستفرغ ما في جعبة الطرف الآخر، إذا استفرغت ما في جعبة الآخرين سهل عليك الرد، لا أن تقول كل ما عندك، ثم يقول هو كل ما عنده.
والقضية قد لا تحتاج لكل هذا، فيكفي قليل من الكلام، ولذلك فإعطاء الخصم فرصة ليتكلم يساعد على إخماد ما لديه من الشبهات، والمحاور الجاد هو الذي يهتم بصاحبه ويصغي لكلامه، وعدم الإصغاء وكثرة المقاطعة والاعتراض سيجعل الأمر أكثر صعوبةً، والمشكلة أننا أحياناً لا نتناقش مع أهل البدع والعلمانيين والمنافقين، نتناقش مع إخواننا وأصحابنا وزملائنا، وربما عاملنا هذا مثل هذا، وهذا ظلم، إذ كيف تعامل أخاك بالحوار مثلما تعامل المبتدع والضال والكافر والمنافق؟ ولا يكن ديدن الواحد كما قال القائل: إذا كنت تريد أن ينفض الناس من حولك ويسخروا منك عندما توليهم ظهرك، فهاك الوقفة: لا تعط أحداً فرصةً للحديث، تكلم بغير انقطاع، وإذا خطرت لديك فكرة بينما غيرك يتحدث فلا تنتظر حتى يتم حديثه لأنه ليس ذكياً مثلك، فلماذا تضيع وقتك بالاستماع إلى الكلام السخيف، اقتحم عليه الحديث واعترضه في منتصف كلامه.
ولا شك أن مثل هذا لا يمكن أن يحبه الناس، ولذلك فالعبرة بكسب الأشخاص لا بكسب المواقف، يعني: أنت قد تدخل في نقاش وتسجل نقطة على الخصم، لكن لم تكسبه، لأنك لم تعطه فرصةً للحديث، فقد يقول الناس: فلان غلب فلاناً، لكنك خسرت الرجل وإن كسبت الموقف، فالذكي لا ينظر إلى كسب المواقف فقط، ينظر إلى كسب الأشخاص أيضاً.
وبعض المحاورين يسارع إلى الرد، ويبادر في المقاطعة قبل أن يستقبل صاحبه الحجج والبراهين التي لديه، وهذا يؤدي إلى شحن وإثارة النفوس، والشريعة قد جاءت بكل ما يقطع النزاع ويغلق أبواب الخصام والنفور، وبعض الناس ربما إذا جاء الشخص الآخر بالحديث يقول: هذا معروف، أو أعلم ذلك إلخ.
كان عطاء بن أبي رباح رحمه الله يقول: إني لأسمع الحديث من الرجل وأنا أعلم به منه فأريه من نفسي أني لا أحسن منه شيئاً، وقال: إن الشاب ليتحدث بحديثي كأني لم أسمعه، ولقد سمعته قبل أن يولد، وقال بعضهم: أسمعه كأني أسمعه منه المرة الأولى وقد سمعته من غيره ثلاثين مرة.
وتراهم يفضي بالحديث بسمعه وبقلبه ولعله أدرى به، كما قال الشاعر:
وتراه مصغٍ للحديث بسمعه÷ وبقلبه ولعله أدرى به

فإذا خرج الخصم من الحوار وقد عرف بأنك إنسان تريد الوصول إلى الحق، وأنك مؤدب في النقاش، فهذا مكسب، وينبغي أن يكون كل واحدٍ من الخصمين مقبلاً على صاحبه بوجهه في حال المناظرة، مستمعاً إلى كلامه إلى أن ينهيه، فإن ذاك طريق معرفته والوقوف على حقيقته كما ذكر الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى: وليتق المناظر مداخلة خصمه في كلامه وتقطيعه عليه، وإظهار التعجب منه، ولا يمكنه من إظهار حجته، فإنما يفعل ذلك المبطلون والضعفاء.
قال حكيم من الحكماء لابنه: تعلم حسن الاستماع كما تتعلم حسن الكلام؛ فإن حسن الاستماع انتباهك للمتكلم حتى يفضي إليك بحديثه، والإقبال في الوجه والنظر والصبر حتى ينهي الآخر ما لديه من الأخلاق التي يحتاج إليها في المناظرة، وليس حسن الاستماع مجرد الإنصات، فبعض المحاورين يسكت ويجعلك تتكلم وتتم الحديث دون مقاطعة، لكن يتغافل عنك ويتشاغل بكتابٍ بين يديه يقلب أوراقه، أو يعبث بالقلم أو ينظر إلى السماء، وربما انتهيت وهو لا يدري أنك انتهيت، فهذا في الحقيقة ما أنصت وإنما سكت، والإنصات هو الانتباه لما يقوله الآخر.

عدم اتهام النيات:
ومن الآداب المهمة أيضاً: عدم اتهام النيات؛ فبعض المتحاورين يتهم نية الشخص الآخر وهو لم يطلع عليها، وهذا يثير الطرف الآخر ولا شك، فإذا قال: أنت صاحب هوى، أنت تقصد كذا، فإذا لم يتبين هذا من كلامه فالحكم عليه يعتبر اتهاماً لنيته، واتهام النيات لا يقبله المستمعون، فإنهم إنما يريدون رداً مقنعاً، أما أن يقول الواحد للآخر: أنت تقصد كذا فهذا لا يقبله الناس، ويفعل هذا كثير من الناس لإسقاط الأطراف الأخرى في الحوار، مع أن المسألة -كما قلنا- ليس المقصود منها إسقاط الطرف الآخر، المقصود منها الوصول إلى الحق.

التهيؤ للحوار بالمكان والوقت المناسبين:
وينبغي أن يهيأ للحوار جو مناسب بعيد -مثلاً- عن الضجيج فيراعي فيه تهيئة الجو، التعارف بين الطرفين، والدخول مع شخص مجهول في حوار دون التعرف عليه مما يبعد فرصة الوصول إلى الحق معه، وتحديد أيضاً موعد مناسب للحوار مثلما فعل موسى عليه السلام: {قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً} [طه:59] فاختار موسى عليه السلام يوم العيد الذي تتعطل فيه الأعمال ويجتمع فيه كل الناس، واختار الوقت الذي لا يكون فيه ليلٌ ما يرى الناس ماذا يحدث، ولا تكون فيه الشمس ضاربة في العين فلا يبصرون أو لا يكادون يبصرون من شدتها وتوهجها، قال: {وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحىً} [طه:59] ففي الضحى اختيار حكيم من موسى عليه السلام لإجراء الحوار والمناظرة أو المغالبة.

عدم التأثر من أساليب أصحاب الباطل:
وينبغي كذلك في الحوار ألا يتأثر صاحب الحق بهجوم صاحب الباطل عليه ومقاطعته، وإنما يكمل كلامه بالحق كما فعل موسى عليه السلام لما ناظر فرعون، موسى عليه السلام لما ناظر فرعون أراد فرعون أن يقطع عليه الحديث، قال فرعون: وما رب العالمين؟ {قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ} [الشعراء:24] فخاف الطاغية أن تتسرب الكلمة إلى قلوب السامعين، فعارض موسى وحول الحوار إلى السامعين وقال: {قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلا تَسْتَمِعُونَ} [الشعراء:25] فلم يلبث موسى إلى أن أعطاه الصفة الثانية من صفات رب العالمين: {قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء:26] طبعاً هذا كلام يمس العقيدة التي عليها فرعون مساً مزعجاً له جداً؛ لأن فرعون يقول: أنا ربكم الأعلى، وهذا يقول: {رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ} [الشعراء:26] فما ملك فرعون إلا أن يقول كلاماً سخيفاً، قال: {إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ} [الشعراء:27]، وهذا استهزاء وتهكم، لكن لم يفت ذلك في عضد موسى فتابع الكلام: {قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ} [الشعراء:28] فالآن لاحظ أن موسى يتكلم وفرعون يحاول أن يغير مجرى الحديث إلى الناس، يتكلم فيشغب على موسى، فمرة يقول: أنت مجنون، وأن يقول: {قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ * يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الشعراء:34 - 35] هذا الموقف الضعيف من فرعون كان له أثر ولا شك، وعندما صارت المعركة أسقط في أيدي السحرة بسبب التأييد الذي أيده الله سبحانه وتعالى به.

لا بأس من طلب التريث وعدم الاستعجال:
ولا بأس أن الإنسان في الحوار يطلب الإنظار وعدم الاستعجال، فإن بعض الأطراف إذا أراد أن يحاورك قطع عليك، فتقول: انتظر حتى أتم كلامي.
ولما اختصم علي والعباس إلى عمر رضي الله عن الجميع جاءا في قضية الميراث فقال عمر: اتئدا! أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا نورث معاشر الأنبياء، ما تركنا صدقة)؟ فأوقفهما.
لما جاء رجل إلى ابن عمر قال: أرأيت الركعتين قبل صلاة الغداة هل أطيل فيهما القراءة؟ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى يوتر بركعة، قال السائل: إني لست عن هذا أسألك؟ فقال ابن عمر: إنك لضخم -أي: وصفه بوصفٍ فيه إشارة إلى شيءٍ من الغباء- إنك لضخم، ألا تدعني أستقرئ لك الحديث؟ (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل مثنى مثنى، ويوتر بركعة ويصلي ركعتين قبل الغداة) فقاطع السائل ابن عمر قبل أن يجيبه، وهذا نلاحظه كثيراً في أسئلة العلماء، إن بعض السائلين يسأل العالم، وقبل أن يتم العالم كلامه يدخل السائل مرةً أخرى في مسألة ثانية، ولذلك تجد العالم من أولي الخبرة في الإفتاء يتكلم، ثم إذا انتهى كلامه قال: نعم.
يعني: انتهى كلامي، وإذا عندك شيء آخر فائت به، ونحو ذلك من الألفاظ الدالة على أن الكلام انتهى، فمن حسن الأدب مع العالم أنك إذا دخلت معه في حوار أو نقاش أو مساءلات ألا تقطع الكلام عليه، وتنتظر حتى يقول: نعم.
فإذا شككت هل هو أنهى كلامه أم لا فاصبر ولا تعجل، والإنسان خلق عجولاً، ولذلك كثيراً ما يقع السائل في مزالق بسبب عجلته، وتفوته بذلك فوائد، وربما أن الشيخ طفش منه ولم يسمح له بمزيد من الأسئلة بسبب مداخلاته ومقاطعته المستمرة.

الالتزام بطرق الإقناع:
ومن الأمور المهمة في الحوار الالتزام بطرق الإقناع الصحيحة، من تقديم الأدلة المثبتة للدعوة صحةً وطريقة في الاستدلال، لأن بعض الناس يستدلون بأدلة ضعيفة، وبعضهم يستدل بأدلة صحيحة لكن بطريقة خاطئة، فالحديث صحيح لكن يستعمله بطريقة خاطئة، اليوم أحد الناس قال لي: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال- حديث في مسند أحمد -: (ليس منا من حَلَقْ) كيف يقول: ليس منا من حلق وهو قد حلق في الحج والعمرة؟ طيب -يا أخي- هذا الحديث: (ليس منا من حَلَقْ) وفي رواية: (ليس منا من حلق وخرق وسلق) هذا المقصود به الذي يحلق شعره أو التي تحلق شعرها عند المصيبة، وسلق: أي: يصرخ نياحة، وخرق: قطع ثيابه، فهو جاء بحديث صحيح: (ليس منا من حَلَقْ) فنقول: الحديث صحيح، لكن ما وجهه؟ وما معناه؟ وكيف فهمه العلماء؟ وفي أي مناسبة جاء الحديث؟ ثم من أراد أن يبدأ في حوار فلا يبدأ بالأدلة الضعيفة، بل يأتي بالأدلة القوية؛ لأنك إذا أتيت بالأدلة المحتملة يصير النقاش في الاحتمالات، والشخص الآخر يورد عليك إيرادات قد تكون صحيحة، ويضيع الوقت فيها، هات الأدلة الأقوى أولاً، وهذه مسألة يغفل عنها بعض طلبة العلم أثناء النقاشات، يأتي بالدليل الأضعف، مع أن الحكمة تقتضي أن يأتي بالدليل الأقوى أولاً.
ثم بعضهم إذا أراد أن يناقش فلا تخرج من نقاشه إلا بتكراره للدعوى التي يقولها دون أدلة، يرجع ويكرر الدعوى بدون دليل، تريد دليلاً فلا تجد دليلاً، ما عنده إلا التكرار وترديد أصل الدعوى، ثم يجب احترام أدلة الطرف الآخر إذا كانت صحيحة ووجيهة، ولا يقول كما يقول بعض المتعصبين للمذاهب: هذا الدليل ساقط لأن إمامي لم يقل به، ولو كان صحيحاً لعرفه وقال به، فكونه ما قال به لا يعني أنه ليس بصحيح وهذا خطأ من الأخطاء.

الحذر من القفز إلى النتائج دون مقدمات صحيحة:
ثم أيضاً من الأخطاء في الحوار أن الإنسان يقفز إلى النتائج دون مقدمات صحيحة تؤدي إليها (بما أن إذاً) فيقول: (بما أن) لا علاقة لها بإذاً، فكيف يجوز أن يقفز إلى النتيجة دون مقدمات صحيحة، فعندنا مقدمات ونتائج، مثلاً: الرياضيات بما أن إذاً فلابد أن تكون (بما أن وإذاً) لهما علاقة ببعضهما واضحة، وألا ترتب نتائج على مقدمات لا علاقة لها بها، أو على مقدمات خاطئة، فهذا خطأ كبير في الحوار.

الحذر من إهمال الاستدلال بالقرآن والسنة وتقديم الأدلة العقلية:
ثم إن بعض الناس أحياناً يهملون الاستدلال بالآيات والأحاديث ويقدمون الأدلة العقلية، مع أن الحوار قد يكون بين شخصين مسلمين من أهل السنة، لست تناقش الآن كافراً، أنت تناقش الآن شخصاً من أهل السنة فقدم الأدلة من القرآن والسنة، ثم الانتباه إلى القول باللازم، يعني: أحياناً يُستدل على فسادِ القول من لازمه، فيقال: يلزم من هذا الكلام الذي تقوله: كذا وكذا، واللازم هذا صحيح، وعند ذلك يسقط الاحتجاج، ثم لو أخذنا مثالاً على هذا: {وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ * بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الأنعام:100 - 101] فنسبة الولد لله يلزم منه وجود زوجة، فمن هي الزوجة؟ ولذلك ناقش النصراني وقل له: أنت تقول: لله ولد، من أين جاء الولد؟ خلقه، لو خلقه صار مخلوقاً مثلنا ما كان له ميزة على بقية المخلوقين، فإن قال: هذا ولد له صفات من صفات الله، نقول له: هو ولد، من أين خرج؟ فإذا سلم أنه خرج من امرأة، طبعاً نسبة الزوجة لله مصيبة، ثم نقول له: تعرف -يا أيها النصراني- ماذا يلزم من القول بأنه خرج من زوجة، يلزم أنه صار هناك وطءٌ وشهوةٌ، ولذلك الاستدلال على فساد القول من لوازمه، هذه من الطرق المهمة في الحوارات والنقاشات.

محاصرة الخصم بكلماته الباطلة:
ثم مما يستعان به على إفحام الخصم خصوصاً المبتدعة أن تمسك عليه الكلمات الباطلة التي يقولها وتسجلها، قد لا تعترض الآن اتركه يتكلم مع أنه يقول كلاماً خطأً لتسجل ألفاظاً تُدِينه من خلالها، وتقول: أنت قلت كذا في كلامك، والمناقضة تظهر في أهل البدعة أثناء النقاشات؛ لأنه لا يوجد مبتدع إلا وتتناقض أقواله، فتجده يقول شيئاً، وبعد صفحات أو بعد مسافة زمنية يخالفه ويأتي بشيء آخر؛ لأنه ما دام الأصل فاسداً فلابد أن تضطرب أقواله، فعليك باكتشاف المتناقضات في أقوال المبتدعة أو المخطئين، أو الذين هم على ضلالة وأنت تناقشهم، وهذا ما كان يفعله علماء الإسلام في المناظرات، فمثلاً: من المشهورين بالمناظرات مع النصارى الإمام الباقلاني رحمه الله تعالى، وهو من أذكياء المسلمين وعلمائهم، وكان الخليفة قد أرسله إلى النصارى لمناقشتهم، فجاءوا له بالبطريك فاحتفى الباقلاني به واحتفل، ورحب وسأله أحسن سؤال وقال له: كيف الأهل والولد -طبعاً الراهب عندهم لا يمكن أن يتزوج، ولذلك هذا البابا ما عنده زوجة ولا أولاد، وفي الفاتيكان رهبانهم لا يتزوجون لأنهم يعتقدون حرمة ذلك- فـ الباقلاني لما جاء البطريك احتفى به واحتفل ورحب به ثم قال: كيف أهلك وأولادك؟ فعظم عليه وعلى الحاضرين من النصارى جداً، وتغيروا وقطبت وجوههم وقالوا: كيف تسأل عن أهله وأولاده؟ قال: وما تنكرون؟ قالوا: إنا ننزه هذا عن الصاحبة والولد، قال: يا هؤلاء! تستعظمون لهذا الإنسان اتخاذ الصاحب والولد وتربئون به عن ذلك، ولا تستعظمون لربكم عز وجل أن تضيفوا له هذه السوءة وهذا الكلام؟ فسقط في أيديهم، وبهتوا، وانكسروا، ولم يثيروا جواباً، أي: لم يرجعوا بجواب.
ويروى أن يهودياً قال لـ علي رضي الله عنه: ما نفضتم أيديكم من تراب نبيكم حتى قلتم: منا أمير ومنكم أمير، فقال علي رضي الله عنه: وأنتم ما جفت أقدامكم من ماء البحر الذي جمده الله لموسى حتى قلتم: اجعل لنا إلهاً كما لهم آلهة: من الأسوأ الأعظم؟ وكذلك ما حصل في مناظرة الباقلاني مع النصارى وسؤال أحدهم الباقلاني قال: ما فعلت زوجة نبيكم وما كان من أمر الإفك هذا؟ فيريد أن يطعن في عائشة رضي الله عنها، فقال الباقلاني على البديهة مجيباً: هما امرأتان ذكرتا بسوء - مريم وعائشة - فبرأهما الله عز وجل، وكانت عائشة ذات زوجٍ ولم تأت بولد، ومريم أتت بولد ولم يكن لها زوج، فبهت النصراني.( وأضيف: يصلح هذا جوابا على الشيعة الروافض الطاعنين في عرض أمنا عائشة رضي الله عنها).
وذكر أن المقوقس قال لـ حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه لما أرسل إليه، كيف الحرب بين محمد وبين المشركين؟ قال: سجال يدال عليهم ويدالون عليه، فقال المقوقس: أنبي الله يغلب؟ فقال حاطب: وابن الله يصلب؟ فسكت.
ولما استعمل عمر رضي الله عنه المغيرة بن شعبة على أهل البحرين فكرهه بعضهم، فعزله عمر رضي الله عنه، فخافوا أن يرده إليهم فجاءوا إلى الدهقان يقولون: نخشى أن عمر يرد المغيرة أميراً علينا، ونحن لا نريده، فانظر ماذا تعمل في أمره؟ قال: اجمعوا مائة ألف درهم حتى أذهب بها إلى عمر وأقول: إن المغيرة اختلس هذه الأموال ووضعها عندي أمانة، فجمعوا له مائة ألف درهم وأعطوها للدهقان فذهب إلى عمر في المدينة، وقال: يا أمير المؤمنين! إن المغيرة الأمير الذي جعلته علينا اختلس مائة ألف وسرقها من الأموال العامة، وجئتك الآن أردها لك، فدعا عمر للمغيرة قال: ما يقول هذا؟ قال: كذب أصلحك الله، إنما كانت مائتي ألف، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على ذلك؟ قال: العيال والحاجة، فقال عمر للدهقان: ما تقول؟ قال: لا والله لأصدقنك، والله ما دفع إليَّ لا قليلاً ولا كثيراً، ولكن كرهناه وخشينا أن ترده علينا، فقال عمر للمغيرة: ما حملك على ما صنعت من الكلام؟ قال: إن الخبيث كذب عليَّ فأحببت أن أخزيه.
ولما قال ملك النصارى للباقلاني: هذا الذي تدعونه في معجزات نبيكم من انشقاق القمر، كيف هو عندكم؟ قال: صحيح، انشق على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى رأى الناس ذلك، وإنما رآه الحاضرون ومن اتفق معهم في النظر إلى القمر في ذلك الوقت، فقال الملك: وكيف ولم يره جميع الناس؟ -يعني: كل الناس في العالم ما رأوا انشقاق القمر- قال: لأن الناس لم يكونوا على أهبة ووعدٍ من انشقاقه وحضوره -أي ليس كل الناس في العالم كانوا يتطلعون إلى القمر في ذلك الوقت- فقال الملك: وهذا القمر بينكم وبينه نسبة أو قرابة؟ لأي شيءٍ يظهر لكم ولا يظهر لهم، ورأيتموه أنتم خاصة ولم يره بقية الناس؟ فقال الباقلاني: وهذه المائدة التي نزلت عليكم؛ هل بينك وبينها نسبة قرابة؟ فلماذا رأيتموها دون اليهود والمجوس والبراهمة، وأهل الإلحاد واليونان جيرانكم، وهم ينكرون المائدة؟ فتحير الملك وقال: سبحان الله! ثم قال القاضي الباقلاني لقسيس عندهم: ألست تزعم أن الأرض كروية؟ قال: بلى.
قال: أفتنكر أن يرى في هذا الإقليم ما لم يُرَ في إقليمٍ آخر؟ كالكسوف يرى في موضعٍ دون موضع، وكواكب السماء ترى في موضعٍ دون موضع، أم تقول: أن الكسوف يحدث لأهل الأرض كلهم؟ فقال القسيس: بل لا يراه إلا من كان في محاذاته، قال الباقلاني: كما أنكرت من انشقاق القمر إذا كان في ناحيةٍ لا يراه إلا أهل تلك الناحية ومن تأهب للنظر إليه، فأما من أعرض عنه وكان في مكانٍ آخر من الأرض لا يرى القمر منها كان عندهم نهار، أو بعد أن طلع القمر عندهم في ذلك الوقت فلا يرى، فقال: هو كما قلت، وسلم له.
على أية حال المناظرات بين أهل الإسلام والنصارى، واليهود والمبتدعة، والمناظرات بين أهل السنة والمبتدعة كثيرة جداً وكلها دالة على اعتنائهم بتبليغ الدعوة وإقامة الحجة.
والغرض من الحوار هو إقامة الحجة على الناس، وأما الحوار بين الإخوان فلابد أن يكون فيه اعتناء زائد بالأدب؛ لأن الله قال: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ} [المائدة:54] فلا يصلح أننا إذا ناقشنا كافراً ونصرانياً تأدبنا وجلسنا نحاول في هداية الرجل، وإذا تناقشنا مع إخواننا المقربين ارتفعت الأصوات وهاجت العبارات وصار الكلام بلا حساب ولا ضبط.
على أية حال فن المناظرات هذا يحتاج إلى درسٍ خاص لكي يتم معرفة محاصرة الخصم، وكيف يصل الإنسان إلى الإقناع ونحو ذلك، المسألة فيها مزيد من الكلام، لكن الكلام في الحوار وليس في المناظرة، واعلموا أيها الإخوة أن مسألة الحوار قد اتخذت في عصرنا ذريعة لإزالة الفوارق العقدية وتلميع الإسلام في الأرض، تارةً باسم الحوار بين الأديان، أو الصداقة الدينية، أو الملة الإبراهيمية ونحو ذلك، وأعداء الإسلام يعرفون جيداً أهمية إزالة الفوارق العقدية من نفوس المسلمين، حتى نقبلهم ونقبل ما يأتون به، وأنه لابد من أن تتحطم الحواجز العقدية في نفوسنا مثل بغضهم وكرههم، وإذا حطموا هذه الحواجز، دخل علينا منهم كل شيء، إخوة وأبناء عم ونحو ذلك من الكلام، فيهتمون بقضية حوار الحضارات، أو الحوار بين الأديان، فما هو مقصودهم من قضية الحوار بين الأديان؟ المقصود من قضية الحوار بين الأديان هو: السعي لإزالة الفوارق والحواجز بيننا وبينهم، وإذا زال الولاء والبراء، وزال كره الكافر والكفر، وكره اليهود والنصارى مع نفوسنا؛ إذا زال هذا الحاجز وصار بيننا محبة وأخوة وعلاقات حميمة وود؛ قبلنا ما يأتي منهم من الباطل بعد ذلك، ولذلك لابد أن نحذر من هذه المسألة حذراً شديداً.
ثانياً: تحدث الآن حوارات في القنوات الفضائية يستضاف فيها أناس من المنافقين الذين يمثلون اتجاه فصل الدين عن الحياة، ويستضاف فيها أناس من المبتدعة، ويستضاف فيها أناس من أرباب الشهوات وهذا أمر خطير جداً لابد أن نحذر منه، والله أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.










  • ملف العضو
  • معلومات
أمازيغي مسلم
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 02-02-2013
  • المشاركات : 6,081
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • أمازيغي مسلم has a spectacular aura aboutأمازيغي مسلم has a spectacular aura about
أمازيغي مسلم
شروقي
رد: السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(9): آداب الحوار:(ج)
12-02-2014, 04:20 PM
وفيك بارك الله أختنا الفاضلة:" أمينة84": وفقك الله وأهلك للعلم النافع والعمل الصالح، وختم لكم جميعا بالحسنى.
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية مُسلِمة
مُسلِمة
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 04-09-2012
  • المشاركات : 4,418
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • مُسلِمة has a spectacular aura aboutمُسلِمة has a spectacular aura about
الصورة الرمزية مُسلِمة
مُسلِمة
شروقي
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية اماني أريس
اماني أريس
مشرفة شرفية
  • تاريخ التسجيل : 16-02-2013
  • المشاركات : 13,112

  • وسام اول نوفمبر جنان الشروق المرتبة الثالثة 

  • معدل تقييم المستوى :

    29

  • اماني أريس is a jewel in the roughاماني أريس is a jewel in the roughاماني أريس is a jewel in the rough
الصورة الرمزية اماني أريس
اماني أريس
مشرفة شرفية
رد: السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(9): آداب الحوار:(ج)
12-02-2014, 09:32 PM
موضوع قيم بارك الله فيك وجازاك كل خير وهدا مثال رائع عن اداب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم :
روى ابن هشام في السيرة ان عتبة بن ربيعة جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال له : يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة - المكانة - في العشيرة والمكان في النسب وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ، وكفرت به من مضى من آبائهم فاسمع مني أعرض عليك أموراً لعلك تقبل بعضها ،فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قل يا أبا الوليد أسمع فقال له عتبة ما قال حتى إذا فرغ قال له : أوقد فرغت يا أبا الوليد ؟ . قال نعم . قال : فاسمع مني قال : أفعل . فأخذ الرسول صلى الله عليه وآله وسلم يتلو عليه من سورة فصلت حتى انتهى إلى الآية موضع السجدة منها وهي الآية 37 سجد ثم قال لعتبة: قد سمعت يا أبا الوليد فأنت وذلك فقام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم : نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بوجه غير الوجه الذي ذهب به وطلب عتبة إليهم أن يدعوا الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وشأنه فأبوا وقالوا له : سحرك يا أبا الوليد بلسانه .
[SIGPIC][/SIGPIC]
  • ملف العضو
  • معلومات
أمازيغي مسلم
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 02-02-2013
  • المشاركات : 6,081
  • معدل تقييم المستوى :

    21

  • أمازيغي مسلم has a spectacular aura aboutأمازيغي مسلم has a spectacular aura about
أمازيغي مسلم
شروقي
رد: السلسة الذهبية في الآداب النبوية الحلقة:(9): آداب الحوار:(ج)
14-02-2014, 04:00 PM
بارك الله في الأختين الفاضلتين:" مسلمة" و:" أماني" على مشاركتيهما، أسأل الله تعالى أن يثبتكن على الاعتصام بكتابه العظيم، وسنة نبيه الكريم:عليه من ربنا أفضل الصلاة، وأزكى التسليم. وفقكن الله للاستقامة على دينه في:" وسطية ربانية": بعيدة عن: " تحريف الغالين، وتأويل الجاهلين، وانتحال المبطلين"، وآخر دعائنا أن الحمد لله رب العالمين.
  • ملف العضو
  • معلومات
sun
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 24-01-2007
  • المشاركات : 17,663
  • معدل تقييم المستوى :

    37

  • sun is on a distinguished road
sun
شروقي
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع


الساعة الآن 01:00 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى