كتاب الفجر الصادق لتائبين ج1
05-04-2014, 05:38 PM
أعجبني كتاب وجدته بحوزتي ،قلتُ في نفسي لم لا يقرأه معي أخواني في المنتدى سأحول نشره على أجزاء،ممكن تستفيدوا منه
قال أحمد بن عاصم:
هذه غنيمة باردة، أصلح ما بقي من عمرك، يغفر لك ما مضى.

الحمد لله غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب، والصلاة والسلام على من بعثه الله رحمة للعالمين.
خلق الله الإنسان للطاعة والعبادة، وفتح له باب التوبة والإنابة، يستدرك بها ذنوبه، ويمسح بها تقصيره، ويصلح بها زلاته.
فالتوبة واجبة على الدوام، لأن الإنسان لا يسلم من معصية، ولا يخلو من نقص إنما الخلق يختلفون في المقادير وقد أمر الله - عز وجل- بالتوبة، فقال: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِين [البقرة: 222].
وفي آيات كثيرة حث على التوبة والرجوع والأوبة...
قال -جل وعلا-: وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [النور: 31].
وهذا نبي الهدى والرحمة يقول في الحديث الشريف: «يا أيها الناس توبوا إلى الله واستغفروه فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة»
وقال : «كـل بني آدم خـطاء، وخير الخطائين التوابين»
وانظر إلى عظيم فضل الله -جل وعلا- على التائب العائد قال :صلى الله عليه وسلم «التائب من الذنب كمن لا ذنب له».
وأبواب السماء مشرعة للتائبين، مفتوحة للعائدين، فإن هناك من يعرض عن هذه الأبواب.. ويترك هذه الأسباب قال عليه الصلاة والسلام«كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى قالوا: يا رسول الله، ومن يأبى؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن عصاني فقد أبى». فهذا الحديث بشارة لجميع المسلمين بالجنة إلا صنفًا منهم لا يريد دخولها، لا زهدًا فيها؛ ولكن جهلاً بالطريق الموصلة إليها، وتراخيًا وتكاسلاً عن دخولها وتفضيلاً لهذه المتع الدنيوية الزائلة على تلك النعم الخالدة في الجنة.
يا من يذنب ولا يتوب، كم قد كتبت عليك ذنوب خل الأمل الكذوب، فرب شروق بلا غروب، وآسفى أين القلوب؟ تفرقت بالهوى في شعوب ندعوك إلى صلاحك ولا تئوب واعجبا الناس ضروب، متى تنتبه لخلاصك أيها الناعس؟ متى تطلب الأخرى يا من على الدنيا تنافس؟ متى تذكر وحدتك إذا انفردت عن موآنس؟ يا من قلبه قد قسا وجفنه ناعس، يا من تحدثه الأماني.. دع هذه الوساوس.وانظر إلى قول الحسن ولعل لنا نصيب منه: يا ابن آدم ترك الخطيئة أيسر من طلب التوبة.
إني بليت بأربع يرمينني
بالنبل قد نصبوا علي شراكا

إبليس والدنيا ونفسي والهوى
من أين أرجو بينهن فكاكا

يا رب ساعدني بعفو إنني
أصبحت لا أرجو لهن سواكا

قال حميد الطويل لبعض إخوانه: عظني، فقال: يا أخي إذا عصيت وظننت أنه يراك فقد تجرأت على عظيم، ولكن بجهلك تظن أنه لا يراك.
وقال رجل لوهيب بن الورد: عظني؟ فقال: اتق أن يكون الله أهون الناظرين إليك.
أخي المسلم: لو لحظك مسئول أو رجل حسبة وأنت تهم بفعل زلة لتوقفت تعد الخطى وتستثقل فعل المعصية، كيف والله –جلا وعلا- يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور؟ مطلع على كل صغيرة وكبيرة. ولكنها قسوة القلوب وفساد النفوس، وما ضرب عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله، وما خلقت النار إلا لإذابة القلوب القاسية، وأبعد القلوب من الله القلب القاسي، فإذا قسا القلب قحطت العين.
أخي الحبيب:

قسوة القلب من أربعة أشياء: إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة، كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فيه المواعظ.
ومن أراد صفاء قلبه فليؤثر الله على شهوته، فالقلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بقدر تعلقها بها، القلوب آنية الله في أرضه، فأحبها إليه أرقها وأصلبها وأصفاها، شغلوا قلوبهم بالدنيا، ولو شغلوها بالله والدار الآخرة لجالت في معاني كلامه وآياته المشهورة.
وذاك الداء وهذا الدواء ولكن:
يا من تمتع بالدنيا وزينتها
ولا تنام عن اللذات عيناه

أفنيت عمرك فيما لست تدركه
تقول لله ماذا حين تلقاه؟

كان الحسن كثيرًا ما يقول: يا معشر الشباب عليكم بالآخرة فاطلبوها، فكثيرًا رأينا من طلب الآخرة فأدركها مع الدنيا، وما رأينا أحدًا طلب الدنيا فأدرك الآخرة مع الدنيا.
وليس للعبد –يا أخي- مستراح إلا تحت شجرة طوبى، ولا للمحب قرار إلا يوم المزيد، اشتغل به في الحياة يكفك ما بعد الموت.
تعصي الإله وأنت تظهر حبه
هذا لعمري في القياس بديع

لو كان حبك صادقًا لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيع

أخي المسلم:
القلب يمرض كما يمرض البدن وشفاؤه في التوبة والحمية، ويصدأ كما تصدأ المرآة وجلاؤه بالذكر، ويعرى كما يعرى الجسم وزينته التقوى.فإياك والغفلة عمن جعل لحياتك أجلاً، ولأيامك وأنفاسك أمدًا، ومن كل ما سواه بد، ولا بد لك منه.
سبحان الله رب العالمين: لو لم يكن في ترك الذنوب والمعاصي إلا إقامة المروءة وصون العرض وحفظ الجاه، وصيانة المال الذي جعله الله قوامًا لمصالح الدنيا والآخرة ومحبة الخلق، وجواز القول بينهم، وصلاح المعاش، وراحة البدن، وقوة القلب، وطيب النفس ونعيم القلب، وانشراح الصدر، والأمن من مخاوف الفساق والفجار، وقلة الهم والغم والحزن، وعز النفس عن احتمال الذل، وصون نور القلب أن تطفئه ظلمة المعصية، وحصول المخرج له مما ضاق على الفساق والفجار، وتيسير الرزق عليه من حيث لا يحتسب، وتيسير ما عسر على أرباب الفسوق والمعاصي، وتسهيل الطاعات عليه، وتيسير العلم والثناء الحسن في الناس وكثرة الدعاء له والحلاوة التي يكتسبها وجهه، والمهابة التي تلقى له في قلوب الناس، انتصارهم وحميتهم له إذا أوذي وظلم، وذبهم عن عرضه إذا اغتابه مغتاب، وسرعة إجابة دعائه، وزوال الوحشة التي بينه وبين الله، وقرب الملائكة منه، وبعد شياطين الإنس والجن عنه، وتنافس الناس على خدمته وقضاء حوائجه، وخطبتهم لمودته وصحبته، وعدم خوفه من الموت، بل يفرح به لقدومه على ربه ولقائه له، ومصيره إليه، وصغر الدنيا في قلبه، وكبر الآخرة عنده، وحرصه على الملك الكبير، والفوز العظيم فيها، وذوق حلاوة الطاعة، ووجد حلاوة الإيمان، ودعاء حملة العرش ومن حوله من الملائكة له، وفرح الكاتبين به ودعاؤهم له كل وقت، والزيادة في عقله وفهمه وإيمانه ومعرفته، وحصول محبة الله له وإقباله عليه، وفرحه بتوبته، فهذه بعض آثار ترك المعاصي في الدنيا.أما في الآخرة: فإنه إذا مات تلقته الملائكة بالبشرى من ربه بالجنة، وبأنه لا خوف عليه ولا حزن، وينتقل من سجن الدنيا وضيقها إلى روضة من رياض الجنة، ينعم فيها إلى يوم القيامة.فإذا كان يوم القيامة كان الناس في الحر والعرق، وهو في ظل العرش، فإذا انصرفوا بين يدي الله أخذ به ذات اليمين مع أوليائه المتقين وحزبه المفلحين.

يا أيها الغافل جد في الرحيل
وأنت في لهو وزاد قليل

لو كنت تدري ما تلاقي غدًا
لذبت من فيض البكاء والعويل

فأخلص التوبة تحظى بها
فما بقي في العمر إلا القليل

ولا تنم إن كنت ذا غبطة
فإن قدامك نوم طويل


قالت عائشة- رضي الله عنها-: أقلوا الذنوب، فإنكم لن تلقوا الله –عز وجل- بشيء أفضل من قلة الذنوب.
وقال مورق العجلي: ما وجدت للمؤمن مثلاً إلا مثل رجل في البحر على خشبة فهو يدعو: يا رب يا رب، لعل الله –عز وجل- أن ينجيه.
ولهذا الأمر ومن شدة الخوف وطمعًا في ما عند الله.كان الرسول صلى الله عليه وسلم سيد الكل، ثم أنه قام حتى ورمت قدماه..
وكان أبو بكر –رضي الله عنه- شجي النشيج.
وكان في خد عمر –رضي الله عنه- خطان من آثار الدموع.
وكان عثمان –رضي الله عنه- يختم القرآن في ركعة.
وكان علي -رضي الله عنه- يبكي بالليل في محرابه حتى تخضل لحيته بالدموع ويقول: يا دنيا غري غيري!
وكان سعيد بن المسيب ملازمًا للمسجد فلم تفته صلاة في جماعة أربعين سنة.
فيا أخي الكريم اطلب قلبك في ثلاثة مواطن: عند سماع القرآن ،وفي مجالس الذكر، وفي أوقات الخلوة، فإن لم تجده في هذه المواطن فسل الله أن يمن عليك بقلب فإنه لا قلب لك.
فحيهلا إن كنت ذا همة فقد حدا بك حادي الشوق فاطو المراحلا،يا من عزم على السفر إلى الله والدار الآخرة، قد رفع لك علم، فشمر إليه فقد أمكن التشمير واجعل سيرك بين مطالعة منته ومشاهدة عيب النفس والعمل والتقصير.

اتخذ طاعة الإله سبيلا
تجد الفوز بالجنان وتنجو

واترك الإثم والفواحش طرًا
يؤتك الله ما تروم وترجو

قال يحيى بن معاذ: من أعظم الاغترار عندي.. التمادي في الذنوب مع رجاء العفو من غير ندامة، وتوقع القرب من الله تعالى بغير طاعة، وانتظار زرع الجنة ببذر النار، وطلب دار المطيعين بالمعاصي، وانتظار الجزاء بغير عمل، والتمني على الله –عز وجل- مع الإفراط..

ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
إن السفينة لا تجري على اليبس

قال يحيى بن معاذ –رضي الله عنه-: من أحب الجنة انقطع عن الشهوات، ومن خاف النار انصرف عن السيئات ونحن في غفلة.. ونجانب باب التوبة، حالنا كما قال الحسن عندما سأله رجل: يا أبا سعيد: كيف أصبحت؟، قال: بخير، قال: كيف حالك؟ فتبسم الحسن وقال: تسألني عن حالي؟ ما ظنك بناس ركبوا سفينة حتى توسطوا البحر، فانكسرت سفينتهم، فتعلق كل إنسان منهم بخشبة علي أي حال يكون؟ قال الرجل: على حالٍ شديدة، قال الحسن: حالي أشد من حالتهم.

عيني هلا تبكيان على ذنبي
تناثر عمري من يدي ولا أدري

أنت في غفلة وقلبك ساه
ذهب العمر والذنوب كما هي.

أخي... أهل الجهال من آثر عاجلاً على آجل، لا يأمن سوء مغبته، فكم قد سمعنا عن سلطان وأمير وصاحب مال أطلق نفسه في شهواتها، ولم ينظر في حلال وحرام، فنزل به من الندم وقت الموت أضعاف ما التذ، ولقي من مرير الحسرات ما لا يقاومه ولا ذرة من كل لذة، ولو كان هذا فحسب لكفى حزنًا، كيف والجزاء الدائم بين يديه؟فالدنيا محبوبة للطبع لا ريب في ذلك، ولا أنكر على طالبها ومؤثر شهواتها، ولكن ينبغي له أن ينظر في كسبها ويعلم وجه أخذها، لتسلم له عاقبة لذته، وإلا فلا خير في لذة من بعدها النار.
وهل عد في العقلاء قط من قيل له: اجلس في الممملكة سنة ثم نقتلك؟ هيهات بل الأمر بالعكس، وهو أن العاقل من صابر مرارة الجهد سنة بل سنين ليستريح في عاقبته.
قال الحسن: والله ما صدق عبد بالنار إلا ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وإن المنافق لو كانت النار خلف هذا الحائط لم يصدق بها حتى يتجهم عليها.

تصل الذنوب إلى الذنوب وترتجي
درج الجنان لدى النعيم الخالد

ولقد علمنا أخرج الأبوين من
ملكوتها الأعلى بذنب واحد

ونحن نسير في هذه الدنيا.. لا نرى لها نهاية ولا للحياة توقف حتى يفجأنا أمر الله وقدره... نؤخر التوبة... ونؤجل العمل...
قال الحسن البصري: إن قومًا ألهتهم أماني المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، يقول أحدهم: إني أحسن الظن بربي وكذب، لو أحسن الظن لأحسن العمل.
وقال الربيع بن خثيم لأصحابه: تدرون ما الداء والدواء والشفاء؟ قالوا: لا، قال: الداء الذنوب، والدواء الاستغفار، والشفاء أن تتوب فلا تعود.
وحال الكثير منا اليوم كما قال عنه أحمد بن حرب: إن أحدنا يؤثر الظل على الشمس، ثم لا يؤثر الجنة على النار.
نعرف اليوم القائض من المعتدل والبارد من الحار.. ونشكو إلى بعض من حر هذا اليوم وشدته، رغم أننا تحت ظلال وارفة، ومكيفات باردة، ولا نفكر في نار حرها شديد وقعرها بعيد، وها هو باب التوبة مشرع الأركان فأين نحن منه؟!يقول إبراهيم بن أدهم: من أراد التوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة الناس، وإلا لم ينل ما يريد.وحذر أبو الوفاء بن عقيل بقوله: احذر ولا تغتر، فإنه قطع اليد في ثلاثة دراهم، وجلد الحد في مثل رأس الإبرة من الخمر، وقد دخلت امرأة النار في هرة، واشتعلت الشملة نارًا على من غلها وقد قتل شهيدًا.
فلنسابق أخي إلى التوبة والأوبة... باب مفتوح مشرع لا يردنا حاجب ولا يقصينا طلب، بل يفرح الله بتوبة أحدنا. ويتجاوز عن سيئاته.
قال أبو بكر بن عبد الله المزني: من مثلك يا ابن آدم؟ خلي بينك وبين المحراب والماء، كلما شئت دخلت على الله -عز وجل- ليس بينك وبينه ترجمان.


يتبع إن شاء الله