التقدّم في ضوء القيم الإقتصادية المعاصرة
16-06-2014, 08:30 PM
تعليق
تعرّفت على كتابات الدكتور مصطفى حلمي حفظه الله وأنا في الجامعة فقد كانت المعارض الدورية التي تفيمها دور النشر الجزائرية حافلة بأنواع المؤلفات وأسماء المؤلفين وقد كنت أشعر بحيرة عميقة وأنا أمام تلك القامات الباسقة في سماء الثقافة والفكر أتساءل عن الطريق الذي أوصلهم إلى ذلك وكيف أمكنهم ركوب أمواج الفكر الهائجة وريحه العاصف
فكان لكتابات الدكتور أثر السحر على نفسي فقد وافقت كقيرا من القناعات الذاتية التي لم تكن بعد قد وصلت لمرحلة النضوج
فببنما كنت أبحث في مكتبتي المتواضعة عن كتاب يفيدني في معالجت بعض القضايا الفكرية إذ وقعت عيني على يحث الدكتور أمام كتاب للشيخ الندوي رحمه الله فما كان منّي إلاّ أن أخذنه بين يدي وشرعت في تصفّحه فلم أشعر إلاّ وأنا أنسح منه فصلا ماتعا وأقرّر نثره بين أيدي القرّاء فقد تجد كلماته مكانها في قلوبهم وتعرف طريقها لعقولهم
والبحث المقصود هو جزء من كتاب بعنوان [ السلفية بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية ] للدكتور مصطفى حلمي حفظه الله ورغم أنّي لم أتمّ النسخ إلاّ أنّي قرّرت مشاركتكم إبّاه فلتتفضّلوه مشكورين :
التقدّم في ضوء القيم الإقتصادية المعاصرة
معناه وتاريخ تطوّره
أصبح [ التقدم] باصطلاح الإقتصاد من أكثر الكلمات شيوعا في العصر الحاضر ويقترن عادة بخطط التنمية وزيادة الدخول وتحقيق المزيد من الرفاهية في البلاد الغنية أو الإنتقال من [التخلّف] إلى مستوى الدول الغنية أو [ المتقدمة ]
وأصبح للكلمة تأثيرها العميق في تصوراتنا وسيطرت على الأذهان إن حقا وإن باطلا فكرة أن الغنى والفقر مرادفان للتقدم والتأخر
يقول الدكتور جلال أمين : [ .... هكذا نجد أنه منذ آدم سميث أخذ الإعتقاد بأهمية زيادة القروة والدخل يزداد قوة مع الزمن وكلما زادت قدرة الدولة على الإنتاج وارتفع مستوى الإستهلاك وبدأ الإستهلاك العالي يمتد إلى الطبقات الدنيا أمعن هذا الإعتقاد في الرسوخ حتى وصلنا إلى حد إعتبار أن الدولة [المتقدمة] هي الدولة صاحبة الدخل الأعلى أيا كانت درجة انحطاط ثيمها وأخلاقياتها والدولة [المتخلفة] هي صاحبة الدخل المنخفض ] [01]
ويغد هذا التصور انعكاسا لصورة التقدم في الحضارة الغربية حيث تنحصر الآمال في السعي لمزيد من الثروات وتحقيق المتع الحسية والملذات الجسدية بالإكثار من الأموال والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والسبارات والأجهزة والآلات التي تحقق المزيد من الراحة والقليل من الجهد
وهكذا يصبح الإلحاح على القيم الإقتصادية بمدلولاتها الغربية في معنى [التقدم] وكأنّه الغاية الكبرى لأمتنا حيث أدخل في روعنا سهولة التحول إلى مصاف الدول المتحضرة بمجرد تحقيق معدلات النمو التي يحققها الغرب
وعلى هدي التفسير التاريخي لتطورات أهداف الحضارة العربية في مراحلها المتتابعة فإنّ الدارس المتخصص يلحظ أن التفسير بالعامل الإقتصادي وحده دون غيره من العوامل برجع إلى مدة قصيرى لا تزيد على قرنين من الزمان وقبل ذلك ساد تاريخ البشرية عوامل أخرى مثل النزغة الدينية حيث كان الهدف إرضاء الله تعالى
ثم تحول الهدف في عصر النهضة الاروبية إلى تحقيق الفرد لكافة قدراته وملكاته وفي عصر التجاريين - خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر - كان التفوق الإقتصادي وسيلة لتحقيق قوة الدولة وفي القرن الثامن عشر كان أسمة الشعارات هو شعار الحرية
أما التحول الحقيقي فقد اقترن بقيام الثورة الصناعية في انجلترا أولا ثم في غيرها في الربع الأخير من القرن الثامن عشر
يمضي الدكتور جلال أمين صاحب الرأي آنفا فيعتبر كتاب [ ثروة الأمم لآدم سميث 1776] ليس مجرّد كتاب اقتصاد عادي وإنّما علامة من علامات العصر فيه بدأ شيوع فكرة أنّ رفاهية الأمم تقاس بما تنتجه وتستهلكه من سلع وخدمات [02]
هذه هي مراحل التطورات الإقتصادية في تاريخ أروبا ويعكس لونا من ألوان حيرة الإنسان حيث تنقصه النظرة الثابية التي توجهه إلى الغايات والأهداف الصحيحة التي افتقدتها الحضارة الغربية في بعدها عن ثبات الدين بقيمه واهدافه كذلك اصبحت السعادة هدفا فسير المنال كما سنرى
لن نتعرض في نتعرض في بحثنا هذا - ذي الطابع الفلسفي للنظام الإقتصادي في الإسلام مع المقارنة بالنظام العربي ولكن سنهتم بمناقشة مدلول اللفظ الذائع الآن أي [التقدم] حيث يعبر للوهلة الأولى عن حياة الرفاهية والترف على النمط الغربي فيظن أنه لكي نحققق التقدم الذي سبقونا إليه فما علينا إلاّ أن نحقق معدلات النمو نفسها التي حقّقوها
والحقّ أنّ القضية أكثر تشعّبا وأعمق غورا من هذا الفهم المبستر ومن ثمّ تحتاج إلى تناولها بقدر من العناية شرحا وتحليلا ومقارنة
وسنبدأ بمشيئة الله تعالى برح مدلول اللفظ قم نبحث كيف ظهر هناك نتيجة التطورات التاريخية وآثار ذلك على الفرد والمجتمع بعد زيادة الثروات وارتفاع معدّلات الدخول ومدى إمكان اللحاق لمستويات المعيشة في الغرب طبقا لمعدلات النمو المتعارف عليها
وسنرى أنّ السعادة المنشودة لم تتحقق بل غنّ الحضارة المعاصرة تعاني من أزمات طاحنة أعيت الفلاسفة والقادة ورجال الفكر والإصلاح في البحث عن الحل .
وسنبحث ضرورة استناد [ التقدم] إلى عقيدة أو [إيديوبوجيا] يخضع لتصوراتها وأنماطها وأهدافها لأنّ تحقيق الرفاهية والسعادة للإنسان كلّ لا يتجزّأ وهنا تظهر الحكمة من الطابع الشمولي للإسلام وأخيرا سنبيّن مخاطر اتباع الغرب في تصوره للتقدم .
ولعلّ أشدها خطورة تتمثل في القضاء على مقومات شخصية الأمة أو على الأقلّ اهتزازها واضطرابها ولهذا جاء الشرع محذرا من محاكاة الأمم الأخرى وتقليدها .
هل تحققت السعادة في ظلّ [التقدم] ؟
تحتاج الإجابة على هذا السؤال إلى معرفة نتائج الإنقلابات المتتابعة في القرون الأخيرة بأروبا على الفرد و المجتمع هناك
ثمّ التحليل النفسي القائم على بحث علاقة أدوات الحضارة [المتقدمة] على نفسيات وسلوك الإنسان أيضا فافتقد السعادة المنشودة :
أولا - إنّ المتتبع لسير الحضارة الغربية يرى فترات من الحرج في تاريخ الإنسان إذ تميز بانقلاب شديد في النظم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية انقلاب هدد القيم الثابتة وخلق ألوانا من الفوضى والإضطراب وبعض الأزمات التي حدثت في الماضي مثل الإصلاح الديني وما صاحبه من حروب دينية أو الثورة الفرنسية وما تخلّلها من عصر الإرهابوما اعقبها من حكم نابليون فكانت هذه الاوقات عصبية وحشية وتميزت بالعنف الشديد وإراقة الدماء
وأهم ما يستوقفنا عند هذا السرد التاريخي المسجل أن القيم الثابتة كانت تتعرّض للضربات تلو الضربات على إثر الإنقلابات المدمرة والثورات الدامية .
تقول أدرين كوخ في كتابها [آراء فلسفية في أزمة العصر] : [ هذا القرن الفظيع .... من ذا الذي يتدبر مسيره وتاريخه ولا يحكم عليه بالفظاعة ؟ ومن ذا الذي ينكر أن الثقة التي كانت تملأ نفوسنا عند مطلعه قد زالت من النفوس ؟ ليس من شكّ في أنّ الأزمة التي نعانيها في العصر الحاضر فريدة في تاريخ الإنسان فهي أعمق وأوسع انتشارا من أية أزمة أخرى عرفها تاريخ الإنسان لأنها أزمة الوجود البشري ذاته ] [03]
وتمضي أدرين كوخ في تفسيرها التاريخي لتطورات الحضارة العربية الحديثة منذ طفولتها القوية إبان النهضة وعصر الإصلاح الديني فتذكر أنها كانت على ثقة تامة بكرامة الإنسان وقدرته على الخلق والإبداع ..... ولكن كلّ هذه التطورات المبشرة التي ترتبت على نمو القوميات الكبرى وتقدم التطبيقات العملية على شخصية الإنسان في القرن العشرين فكلّما اتسعت رقعة التمدّن في الحياة اليومية وفي انتشار المصانع في ميدان العمل ازداد الإحساس بضعف روح الجماعة واشتد الشعور بالعزلة وذاب الفرد في مجتمع بيروقراطي .
ثمّ ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية الشكوى من ضعف روح الإنسانية عند الإنسان حيث عزا شفيتزر انعدام المدنية إلى عدم التوازن بين تقدم الغرب المادي والتقدّم الروحي [04]
وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى كاد الناس جميعا يتفقون على أن الإنسانية أشرفت على عصر جديد من عصور الحضارة هو عصر أزمة طاحنة شاملة قربت بين شعوب العالم أجمعين لا بروح المحبة التي حلم بها الفلاسفة ذوو النيات الطيبة في كلّ قرن من قرون الزمان ولكن بانتشار الفزع في قلوب الناس جميعا واشتراك الشعوب بالخوف والهلع وقد أخذ هذا الشعور يتزايد والمشكلات تتضاعف حتى آمن الناس يقرب انتهاء المدنية الغربية [05]
أين إذن التقدم المتوهم باتباع معدّلات النمو الإقتصادي ؟ وهل لو طبقناه نضمن تحقيق التقدم ؟
إنّ الإجابة مع الأسف تأتي بالسلب .
فقد ثبت أن التقدم الإقتصادي بالمفهوم الغربي لو حاولنا السير على نمطه يصبح كسراب بعيد .... سيظلّ هدفا مستحيل التحقيق لأنّ الغرب تخطانا بمعدّلات مرتفعة جدا تجعل بيننا وبينه فوارق شاسعة إذا قيست بالأرقام تصل في بعض البلدان إلى قرون [06]
ونحن نرى في ضوء ما تقدّم ومن متابعة آلام المخاض في الحضارة الغربية منذ ولادتها وما عانته بعد ذلك من أزمات وشدائد نرى أنها تعود أول ما تعود إلى العجز الإنساني في إجتهاداته لنفسه ومحاولة الإنسان تحقيق الرفاهية والسعادة بغير العون الإلهي .
إنّ الأزمة إذن ليست أزمة اقتصادية فحسب ولكن ذات علل شتى وهي في جوهرها أزمة حضارة .
وهكذا يظهر لنا الغرب المتقدم في حالة معاناة من أزمات مستحكمة وهو نفسه في حاجة إلى حلّ من خارج دائرة فلسفته وحضارته ويحرص على الظهور أمامنا بمظهر براق لامع لأغراض سياسية واقتصادية فيحول ذلك بيننا وبين الغوص في أعماقه ومعرفة أزماته .
ثانيا - الآثار النفسية للحضارى الغربية
إنّ الغرب في رأي فلاسفته لا يعاني بصفة جوهرية من [التأخّر] في مجال الإنتاج ومعدلات التنمية بالرغم من معاناته من مشكلات إقتصادية كالبطالة والتضخم والكساد وهي مشكلات موثوتة بالدورات الإقتصادية في النظام الراسمالي إلاّ أنّ ازمته الحقيقية ناجمة عن أزمة في القيم ومحاولة التوفيق بين التطور التكنولوجي وبين التطور الإنساني والروحي القائم على أساس كمال شخصية الإنسان وضرورات المجتمعات البشرية والتزاماته [07] .
ومشكلة الإنسان في الحضارى الغربية إذن لها أبعاد كثيرة سنكتفي فقط في هذا الحيز إثبات أنه حقّق التقدم الإقتصادي بأعلى المعدلات ولكن أخفق في تحقيق السعادة المنشودة حيث افتقد القيم الثابتة فاضطربت حياته ذلك لأن الآفة في ظلّ حضارة قائمة على أهداف [غرائزية] تبحث عن المتعة والمزيد منها وتبحث عن الراحة فلا تجدها ويزداد سعيها إلى المزيد من لذات الحسّ ومطالب الجسد ولا شأن لها بالروح .
إنّ البحث عن الراحة مثلا أدر إلى نتائج مضادة فتسبب في الإرهاق والسعي وراء الرخاء أدى إلى القضاء على مصادر المتعة والبهجة .
والدراسة النفسية الممتعة التي أجراها الدكتور جلال أمين تصل بنا إلى نتائج ذات بال فيما نحن بصدده إذ تبيّن أن ما تخلقه زيادة السلع والخدمات من إرهاق ونفقات نفسية وإجتماعية لا يمكن التخلّص منها إلاّ بإنتاج المزيد من السلع والخدمات [08]
وهكذا يدور الإنسان في حلقة مفرغة تصيبه بالدوار ويعجز عن الخروج منها ....
وقد ضرب أمثلة كثيرة على ذلك نخصّ منها الآلات التي تستخدم بحثا عن الراحة وتخفيض العمل العضلي كوسائل المواصلات والمصاعد الكهربائية والسلالم المتحركة والأدوات الكهربائية المستخدمة بالمنزل فهي بدورها تحتاج إلى سلع أخرى ناجمة عن تخفيض النشاط الجسماني كمستلزمات الألعاب الرياضية والرحلات وأنواع الغذاء المضاد للسمنة والأدوية المعوضة عما فقده الإنسان من صحة نتيجة الإمعان في استهلاك وسائل الراحة [09]
وهناك الآثار النفسية الضارة من الراحة والمتعة كالإقبال على المقامرة كمحاولة من الرجل الثري حيث يعرض نفسه عمدا للخسارة طمعا في الفوز بلذّة تعويضها بعد أن منعه ثراؤه من متع أخرى كمتعة السير على الأقدام أو متعة العمل لكسب الرزق .
وفي مجتمعات كهذه تسيطر عليها البحث عن المتعة في مزيد من استهلاك السلع ولكن سرعان ما تعجز السلعة الجديدة عن توليد المتعة التي ظنّ المستهلك أنها ستستمر [10]
أضف إلى ذلك أنه كلّما أمعن المجتمع في زيادة إنتاجه من السلع الكمالية كلّما اكتشف آثارا جانبية لها تسبب الضرر فبسبب مادة كيماوية تستخدم في بعض السلع الإستهلاكية قد تسبب الإصابة بالسرطان أو الإفراط في استخدام أنواع المبيدات الحشرية يؤدي إلى التسمم أو أن الإستعانة باللبن الصناعي عن لبن الأم الطبيعي قد يسبب أمراضا للطفل أو يحرمه من الحنان .... إلخ [11]
وخلاصة هذا البحث تقرّر أنه :
ليس هناك نهاية لما يمكن تعداده من أمثلة لما يقدّمه مجتمع الرخاء الموعوم ويؤدي إلى القضاء على مصادر المتعة والبهجة
وإذا بالحياة تصبح أكثر راحة حقا ولكن يكاد يموت الناس سأما وفي محاولة للتعويض عن رتابة الحياة الناتجة عن الإفراط في استخدام وسائل الراحة يقبل شباب مجتمعات [الرخاء] على مختلف أنواع العنف والمخدرات ويزداد تناول الخمور وترتفع معدلات الطلاق
.
.
.
.
نترك التتمة لبعد رمضان والله هو الهادي إلى سواء السبيل
تعرّفت على كتابات الدكتور مصطفى حلمي حفظه الله وأنا في الجامعة فقد كانت المعارض الدورية التي تفيمها دور النشر الجزائرية حافلة بأنواع المؤلفات وأسماء المؤلفين وقد كنت أشعر بحيرة عميقة وأنا أمام تلك القامات الباسقة في سماء الثقافة والفكر أتساءل عن الطريق الذي أوصلهم إلى ذلك وكيف أمكنهم ركوب أمواج الفكر الهائجة وريحه العاصف
فكان لكتابات الدكتور أثر السحر على نفسي فقد وافقت كقيرا من القناعات الذاتية التي لم تكن بعد قد وصلت لمرحلة النضوج
فببنما كنت أبحث في مكتبتي المتواضعة عن كتاب يفيدني في معالجت بعض القضايا الفكرية إذ وقعت عيني على يحث الدكتور أمام كتاب للشيخ الندوي رحمه الله فما كان منّي إلاّ أن أخذنه بين يدي وشرعت في تصفّحه فلم أشعر إلاّ وأنا أنسح منه فصلا ماتعا وأقرّر نثره بين أيدي القرّاء فقد تجد كلماته مكانها في قلوبهم وتعرف طريقها لعقولهم
والبحث المقصود هو جزء من كتاب بعنوان [ السلفية بين العقيدة الإسلامية والفلسفة الغربية ] للدكتور مصطفى حلمي حفظه الله ورغم أنّي لم أتمّ النسخ إلاّ أنّي قرّرت مشاركتكم إبّاه فلتتفضّلوه مشكورين :
التقدّم في ضوء القيم الإقتصادية المعاصرة
معناه وتاريخ تطوّره
أصبح [ التقدم] باصطلاح الإقتصاد من أكثر الكلمات شيوعا في العصر الحاضر ويقترن عادة بخطط التنمية وزيادة الدخول وتحقيق المزيد من الرفاهية في البلاد الغنية أو الإنتقال من [التخلّف] إلى مستوى الدول الغنية أو [ المتقدمة ]
وأصبح للكلمة تأثيرها العميق في تصوراتنا وسيطرت على الأذهان إن حقا وإن باطلا فكرة أن الغنى والفقر مرادفان للتقدم والتأخر
يقول الدكتور جلال أمين : [ .... هكذا نجد أنه منذ آدم سميث أخذ الإعتقاد بأهمية زيادة القروة والدخل يزداد قوة مع الزمن وكلما زادت قدرة الدولة على الإنتاج وارتفع مستوى الإستهلاك وبدأ الإستهلاك العالي يمتد إلى الطبقات الدنيا أمعن هذا الإعتقاد في الرسوخ حتى وصلنا إلى حد إعتبار أن الدولة [المتقدمة] هي الدولة صاحبة الدخل الأعلى أيا كانت درجة انحطاط ثيمها وأخلاقياتها والدولة [المتخلفة] هي صاحبة الدخل المنخفض ] [01]
ويغد هذا التصور انعكاسا لصورة التقدم في الحضارة الغربية حيث تنحصر الآمال في السعي لمزيد من الثروات وتحقيق المتع الحسية والملذات الجسدية بالإكثار من الأموال والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والسبارات والأجهزة والآلات التي تحقق المزيد من الراحة والقليل من الجهد
وهكذا يصبح الإلحاح على القيم الإقتصادية بمدلولاتها الغربية في معنى [التقدم] وكأنّه الغاية الكبرى لأمتنا حيث أدخل في روعنا سهولة التحول إلى مصاف الدول المتحضرة بمجرد تحقيق معدلات النمو التي يحققها الغرب
وعلى هدي التفسير التاريخي لتطورات أهداف الحضارة العربية في مراحلها المتتابعة فإنّ الدارس المتخصص يلحظ أن التفسير بالعامل الإقتصادي وحده دون غيره من العوامل برجع إلى مدة قصيرى لا تزيد على قرنين من الزمان وقبل ذلك ساد تاريخ البشرية عوامل أخرى مثل النزغة الدينية حيث كان الهدف إرضاء الله تعالى
ثم تحول الهدف في عصر النهضة الاروبية إلى تحقيق الفرد لكافة قدراته وملكاته وفي عصر التجاريين - خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر - كان التفوق الإقتصادي وسيلة لتحقيق قوة الدولة وفي القرن الثامن عشر كان أسمة الشعارات هو شعار الحرية
أما التحول الحقيقي فقد اقترن بقيام الثورة الصناعية في انجلترا أولا ثم في غيرها في الربع الأخير من القرن الثامن عشر
يمضي الدكتور جلال أمين صاحب الرأي آنفا فيعتبر كتاب [ ثروة الأمم لآدم سميث 1776] ليس مجرّد كتاب اقتصاد عادي وإنّما علامة من علامات العصر فيه بدأ شيوع فكرة أنّ رفاهية الأمم تقاس بما تنتجه وتستهلكه من سلع وخدمات [02]
هذه هي مراحل التطورات الإقتصادية في تاريخ أروبا ويعكس لونا من ألوان حيرة الإنسان حيث تنقصه النظرة الثابية التي توجهه إلى الغايات والأهداف الصحيحة التي افتقدتها الحضارة الغربية في بعدها عن ثبات الدين بقيمه واهدافه كذلك اصبحت السعادة هدفا فسير المنال كما سنرى
لن نتعرض في نتعرض في بحثنا هذا - ذي الطابع الفلسفي للنظام الإقتصادي في الإسلام مع المقارنة بالنظام العربي ولكن سنهتم بمناقشة مدلول اللفظ الذائع الآن أي [التقدم] حيث يعبر للوهلة الأولى عن حياة الرفاهية والترف على النمط الغربي فيظن أنه لكي نحققق التقدم الذي سبقونا إليه فما علينا إلاّ أن نحقق معدلات النمو نفسها التي حقّقوها
والحقّ أنّ القضية أكثر تشعّبا وأعمق غورا من هذا الفهم المبستر ومن ثمّ تحتاج إلى تناولها بقدر من العناية شرحا وتحليلا ومقارنة
وسنبدأ بمشيئة الله تعالى برح مدلول اللفظ قم نبحث كيف ظهر هناك نتيجة التطورات التاريخية وآثار ذلك على الفرد والمجتمع بعد زيادة الثروات وارتفاع معدّلات الدخول ومدى إمكان اللحاق لمستويات المعيشة في الغرب طبقا لمعدلات النمو المتعارف عليها
وسنرى أنّ السعادة المنشودة لم تتحقق بل غنّ الحضارة المعاصرة تعاني من أزمات طاحنة أعيت الفلاسفة والقادة ورجال الفكر والإصلاح في البحث عن الحل .
وسنبحث ضرورة استناد [ التقدم] إلى عقيدة أو [إيديوبوجيا] يخضع لتصوراتها وأنماطها وأهدافها لأنّ تحقيق الرفاهية والسعادة للإنسان كلّ لا يتجزّأ وهنا تظهر الحكمة من الطابع الشمولي للإسلام وأخيرا سنبيّن مخاطر اتباع الغرب في تصوره للتقدم .
ولعلّ أشدها خطورة تتمثل في القضاء على مقومات شخصية الأمة أو على الأقلّ اهتزازها واضطرابها ولهذا جاء الشرع محذرا من محاكاة الأمم الأخرى وتقليدها .
هل تحققت السعادة في ظلّ [التقدم] ؟
تحتاج الإجابة على هذا السؤال إلى معرفة نتائج الإنقلابات المتتابعة في القرون الأخيرة بأروبا على الفرد و المجتمع هناك
ثمّ التحليل النفسي القائم على بحث علاقة أدوات الحضارة [المتقدمة] على نفسيات وسلوك الإنسان أيضا فافتقد السعادة المنشودة :
أولا - إنّ المتتبع لسير الحضارة الغربية يرى فترات من الحرج في تاريخ الإنسان إذ تميز بانقلاب شديد في النظم الإقتصادية والإجتماعية والسياسية انقلاب هدد القيم الثابتة وخلق ألوانا من الفوضى والإضطراب وبعض الأزمات التي حدثت في الماضي مثل الإصلاح الديني وما صاحبه من حروب دينية أو الثورة الفرنسية وما تخلّلها من عصر الإرهابوما اعقبها من حكم نابليون فكانت هذه الاوقات عصبية وحشية وتميزت بالعنف الشديد وإراقة الدماء
وأهم ما يستوقفنا عند هذا السرد التاريخي المسجل أن القيم الثابتة كانت تتعرّض للضربات تلو الضربات على إثر الإنقلابات المدمرة والثورات الدامية .
تقول أدرين كوخ في كتابها [آراء فلسفية في أزمة العصر] : [ هذا القرن الفظيع .... من ذا الذي يتدبر مسيره وتاريخه ولا يحكم عليه بالفظاعة ؟ ومن ذا الذي ينكر أن الثقة التي كانت تملأ نفوسنا عند مطلعه قد زالت من النفوس ؟ ليس من شكّ في أنّ الأزمة التي نعانيها في العصر الحاضر فريدة في تاريخ الإنسان فهي أعمق وأوسع انتشارا من أية أزمة أخرى عرفها تاريخ الإنسان لأنها أزمة الوجود البشري ذاته ] [03]
وتمضي أدرين كوخ في تفسيرها التاريخي لتطورات الحضارة العربية الحديثة منذ طفولتها القوية إبان النهضة وعصر الإصلاح الديني فتذكر أنها كانت على ثقة تامة بكرامة الإنسان وقدرته على الخلق والإبداع ..... ولكن كلّ هذه التطورات المبشرة التي ترتبت على نمو القوميات الكبرى وتقدم التطبيقات العملية على شخصية الإنسان في القرن العشرين فكلّما اتسعت رقعة التمدّن في الحياة اليومية وفي انتشار المصانع في ميدان العمل ازداد الإحساس بضعف روح الجماعة واشتد الشعور بالعزلة وذاب الفرد في مجتمع بيروقراطي .
ثمّ ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية الشكوى من ضعف روح الإنسانية عند الإنسان حيث عزا شفيتزر انعدام المدنية إلى عدم التوازن بين تقدم الغرب المادي والتقدّم الروحي [04]
وما أن انتهت الحرب العالمية الثانية حتى كاد الناس جميعا يتفقون على أن الإنسانية أشرفت على عصر جديد من عصور الحضارة هو عصر أزمة طاحنة شاملة قربت بين شعوب العالم أجمعين لا بروح المحبة التي حلم بها الفلاسفة ذوو النيات الطيبة في كلّ قرن من قرون الزمان ولكن بانتشار الفزع في قلوب الناس جميعا واشتراك الشعوب بالخوف والهلع وقد أخذ هذا الشعور يتزايد والمشكلات تتضاعف حتى آمن الناس يقرب انتهاء المدنية الغربية [05]
أين إذن التقدم المتوهم باتباع معدّلات النمو الإقتصادي ؟ وهل لو طبقناه نضمن تحقيق التقدم ؟
إنّ الإجابة مع الأسف تأتي بالسلب .
فقد ثبت أن التقدم الإقتصادي بالمفهوم الغربي لو حاولنا السير على نمطه يصبح كسراب بعيد .... سيظلّ هدفا مستحيل التحقيق لأنّ الغرب تخطانا بمعدّلات مرتفعة جدا تجعل بيننا وبينه فوارق شاسعة إذا قيست بالأرقام تصل في بعض البلدان إلى قرون [06]
ونحن نرى في ضوء ما تقدّم ومن متابعة آلام المخاض في الحضارة الغربية منذ ولادتها وما عانته بعد ذلك من أزمات وشدائد نرى أنها تعود أول ما تعود إلى العجز الإنساني في إجتهاداته لنفسه ومحاولة الإنسان تحقيق الرفاهية والسعادة بغير العون الإلهي .
إنّ الأزمة إذن ليست أزمة اقتصادية فحسب ولكن ذات علل شتى وهي في جوهرها أزمة حضارة .
وهكذا يظهر لنا الغرب المتقدم في حالة معاناة من أزمات مستحكمة وهو نفسه في حاجة إلى حلّ من خارج دائرة فلسفته وحضارته ويحرص على الظهور أمامنا بمظهر براق لامع لأغراض سياسية واقتصادية فيحول ذلك بيننا وبين الغوص في أعماقه ومعرفة أزماته .
ثانيا - الآثار النفسية للحضارى الغربية
إنّ الغرب في رأي فلاسفته لا يعاني بصفة جوهرية من [التأخّر] في مجال الإنتاج ومعدلات التنمية بالرغم من معاناته من مشكلات إقتصادية كالبطالة والتضخم والكساد وهي مشكلات موثوتة بالدورات الإقتصادية في النظام الراسمالي إلاّ أنّ ازمته الحقيقية ناجمة عن أزمة في القيم ومحاولة التوفيق بين التطور التكنولوجي وبين التطور الإنساني والروحي القائم على أساس كمال شخصية الإنسان وضرورات المجتمعات البشرية والتزاماته [07] .
ومشكلة الإنسان في الحضارى الغربية إذن لها أبعاد كثيرة سنكتفي فقط في هذا الحيز إثبات أنه حقّق التقدم الإقتصادي بأعلى المعدلات ولكن أخفق في تحقيق السعادة المنشودة حيث افتقد القيم الثابتة فاضطربت حياته ذلك لأن الآفة في ظلّ حضارة قائمة على أهداف [غرائزية] تبحث عن المتعة والمزيد منها وتبحث عن الراحة فلا تجدها ويزداد سعيها إلى المزيد من لذات الحسّ ومطالب الجسد ولا شأن لها بالروح .
إنّ البحث عن الراحة مثلا أدر إلى نتائج مضادة فتسبب في الإرهاق والسعي وراء الرخاء أدى إلى القضاء على مصادر المتعة والبهجة .
والدراسة النفسية الممتعة التي أجراها الدكتور جلال أمين تصل بنا إلى نتائج ذات بال فيما نحن بصدده إذ تبيّن أن ما تخلقه زيادة السلع والخدمات من إرهاق ونفقات نفسية وإجتماعية لا يمكن التخلّص منها إلاّ بإنتاج المزيد من السلع والخدمات [08]
وهكذا يدور الإنسان في حلقة مفرغة تصيبه بالدوار ويعجز عن الخروج منها ....
وقد ضرب أمثلة كثيرة على ذلك نخصّ منها الآلات التي تستخدم بحثا عن الراحة وتخفيض العمل العضلي كوسائل المواصلات والمصاعد الكهربائية والسلالم المتحركة والأدوات الكهربائية المستخدمة بالمنزل فهي بدورها تحتاج إلى سلع أخرى ناجمة عن تخفيض النشاط الجسماني كمستلزمات الألعاب الرياضية والرحلات وأنواع الغذاء المضاد للسمنة والأدوية المعوضة عما فقده الإنسان من صحة نتيجة الإمعان في استهلاك وسائل الراحة [09]
وهناك الآثار النفسية الضارة من الراحة والمتعة كالإقبال على المقامرة كمحاولة من الرجل الثري حيث يعرض نفسه عمدا للخسارة طمعا في الفوز بلذّة تعويضها بعد أن منعه ثراؤه من متع أخرى كمتعة السير على الأقدام أو متعة العمل لكسب الرزق .
وفي مجتمعات كهذه تسيطر عليها البحث عن المتعة في مزيد من استهلاك السلع ولكن سرعان ما تعجز السلعة الجديدة عن توليد المتعة التي ظنّ المستهلك أنها ستستمر [10]
أضف إلى ذلك أنه كلّما أمعن المجتمع في زيادة إنتاجه من السلع الكمالية كلّما اكتشف آثارا جانبية لها تسبب الضرر فبسبب مادة كيماوية تستخدم في بعض السلع الإستهلاكية قد تسبب الإصابة بالسرطان أو الإفراط في استخدام أنواع المبيدات الحشرية يؤدي إلى التسمم أو أن الإستعانة باللبن الصناعي عن لبن الأم الطبيعي قد يسبب أمراضا للطفل أو يحرمه من الحنان .... إلخ [11]
وخلاصة هذا البحث تقرّر أنه :
ليس هناك نهاية لما يمكن تعداده من أمثلة لما يقدّمه مجتمع الرخاء الموعوم ويؤدي إلى القضاء على مصادر المتعة والبهجة
وإذا بالحياة تصبح أكثر راحة حقا ولكن يكاد يموت الناس سأما وفي محاولة للتعويض عن رتابة الحياة الناتجة عن الإفراط في استخدام وسائل الراحة يقبل شباب مجتمعات [الرخاء] على مختلف أنواع العنف والمخدرات ويزداد تناول الخمور وترتفع معدلات الطلاق
.
.
.
.
نترك التتمة لبعد رمضان والله هو الهادي إلى سواء السبيل
وعند الله تجتمع الخصوم ... [ وداعا ]
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة
أيّ عذر والأفاعي تتهادى .... وفحيح الشؤم ينزو عليلا
وسموم الموت شوهاء المحيا .... تتنافسن من يردي القتيلا
أيّ عذر أيها الصائل غدرا ... إن تعالى المكر يبقى ذليلا
موقع متخصص في نقض شبهات الخوارج
الشبهات الثلاثون المثارة لإنكار السنة النبوية عرض وتفنيد ونقض
نقض تهويشات منكري السنة : هدية أخيرة
الحداثة في الميزان
مؤلفات الدكتور خالد كبير علال - مهم جدا -
المؤامرة على الفصحى موجهة أساساً إلى القرآن والإسلام
أصول مذهب الشيعة الإمامية الإثني عشرية
مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة








