الجزائريون للمسؤولين: "الشدة في ربي".. لن نتحمل فشلكم
28-08-2015, 01:09 AM

روبورتاج: عويمر إيمان
يتظاهرون أنهم لا يهتمون بأمور البلاد، السياسية منها وحتى الاقتصادية، لأن الدول التي ربطت مصيرها ببرميل النفط "لعبت بالنار" في نظرهم، ويصعب التعاطف معها، لكنهم يضعون أيديهم على قلوبهم خوفا من المجهول، كيف لا، ولم يتحسن حالهم أيام البحبوحة، فما بالك عندما باتت الجزائر مهددة بسنوات عجاف، في غضون ذلك لا تهمهم تصريحات المسؤوليين "الكاذبة" في اعتقادهم، كونها ذرا للرماد في العيون، ولا تصل قيمتها الحبر الذي كتبت به... لأن أعذارهم أقبح من ذنوب سوء التسيير... تلك أراء جزائريين تبدو قاسية لكنها قد تكون مبررة.
سمعنا كثيرا رأي السياسيين وخبراء الاقتصاد المحذرة من تراجع عائدات البترول وانهيار سعر الدينار وتخييم شبح الأزمة .. لكن "الشروق" أرادت جس نبض الحلقة الأهم، وهي الشارع كونه أول من يتحمل أعباء الصدمات.

"الذي ربطها بيده يفكها بأسنانه"

"اتركونا.. البترول لا يهمنا.. ولا نقبل أن تنزل الأزمة الاقتصادية على ظهورنا.. ولن نتحمل وزر فشلكم في تسيير الاقتصاد"... عبارات رددها كل من سألناه عن رأيه في الأزمة النفطية والانهيار التاريخي لقيمة الدينار منذ الاستقلال، الساعة كانت تشير إلى الثانية مساء من يوم الأربعاء عندما نزلنا إلى الشارع، الحرارة ملتهبة والحركة مكتظة.. كل من سألناهم يستقبلوننا بابتسامة فيها نبرة من التهكم، ولسان حالهم يقول: "لماذا تسألوننا وما همنا إن ارتفعت أسعار البترول أو انخفضت.. فدار لقمان على حالها، ربما المتضررون الفعليين يملكون جوابا بعد أن كانوا مستفيدين".

جزائريون يتشفون في المسؤولين ويمسكون قلوبهم خوفا من المجهول

عينتنا الأولى كانت "محمد.ع" طالب جامعي رفض في البداية الإجابة، لكنه أكد أن الحكومة عودت الشعب على التأهب دائما، وترقب الأزمات مع استمرار مسلسل المشاكل فلا طالب السكن تحصل على بيته، ولم تتعد طموحات "الزوالي" توفير لقمة العيش، وإتمام شهره دون الإستدانة، لأن راتبه لا يسمح له بالطمع في أكثر من ذلك.

وغير بعيد عن "محمد" يقول صاحب محل تجاري بسوق ميسوني بالعاصمة، إنه " لا يمتلك الوقت لسماع تفاهة السياسيين، وحتى لقراءة الجرائد، وهمه كله منصب على توفير رزقه.."، سمعنا بأن وضع البلاد الاقتصادي غير مريح، لكن مصيرنا بيد الله، بعد أن خذلنا المسؤولون". ويؤكد صاحب المحل أن بوادر الأزمة بدأت تظهر قبل أشهر، فالأسعار ارتفعت في جميع المجالات وبعض المواد اختفت حتى أن المواطن يتذمر ويشتكي من الغلاء.

"إذا كنا في أزمة كما يقولون لماذا يواصلون المشاريع الضخمة، والتي ليست ضرورية في الوقت الراهن، كالجامع الكبير بالعاصمة، وبناء الملاعب، هذا ما أكده لنا السيد لعمارة، المتخرج من الجامعة الجزائرية سنة الثمانينات، لكن القدر كتب له أن يصبح صاحب محل لبيع الأحذية، ويقول إن المسئولين الحالين للأسف لم تكن لهم نظرة استشرافية، بل سياسة علمت الشعب "الربح السريع"، جعلت جميع الجزائريين يصبحون تجارا، ويحن محدثنا إلى زمن الرئيس الراحل هواري بومدين، الأب الروحي للثورة الزراعية، وصاحب مشروع السد الأخضر وسياسة التصنيع، لأنه كان يعمل على تنويع مصادر الدخل وعلى استقلال الجزائر اقتصاديا"، لكن السيد لعمارة يرى أن الجزائر التي سارت برجليها إلى الأزمة لا تزال تملك الحلول بفضل خيراتها".

بالمقابل ترى "سارة.أ" شابة موظفة بشركة خاصة، أن الصدمة النفطية عرت المسئولين وكشفت الستار عن الانجازات الوهمية والتهلهل الاقتصادي، وقضت على أسطورة جزائر بلد الإنجازات.. ما يفتح الباب أمام الشعب لمساءلة المسئولين المتقاعسين والفاسدين فلو كان الاقتصاد مبنيا على أسس صحيحة لكانت مجرد سحابة صيف، بدل أن تصبح أزمة تعصف بالجميع".

والملاحظ من جولتنا أن العقلية السائدة وسط المستجوبين "تخطي راسي ومرانيش سامع"، على غرار الشاب "بلال.ب" الذي أكد أن لا ناقة له ولا جمل، في تقلبات أسواق النفط، وهمه البحث عن متنفس بعيدا عن "صداع مشاكل الحياة". ويرى صاحب محل أفرشة أن المتسببين في الأزمات عليهم أن يخافوا بدل تخويف المواطن لأن الأخير فقد إيمانه بالدولة، ونفض يده منها، ويرفع يده إلى السماء لأن الرزق بيد الله".

وفي سياق متصل، لم تخف فئة قلقها من السيناريوهات السوداوية، على غرار موظفي القطاع العمومي الذين يتوجسون من تكرار النموذج اليوناني، الذي أدى بطريقة مذهلة إلى الاستغناء عن خدمات ألاف الموظفين بين عشية وضحاها بسب "الأزمة".

المتفائلون بالمسؤولين: الشرفاء موجودون

لكن رغم حالة التشاؤم السائدة بين أوساط المجتمع باختلاف توجهاتهم السياسية ومستوياتهم، يبقى المتفائلون بغد أفضل، حتى في ظل الأزمات، على غرار أحد الشيوخ عمي الحاج، الذي يؤمن بضرورة الثقة في بعض المسئولين الشرفاء، مؤكدا أن وقت الشدة تبان الرجال".

ولعل اللافت من جولتنا ،أن الآراء تعكس الواقع الجزائري الفريد من نوعه، ففي جميع البلدان التي مرت بأزمات يتطلع مواطنوها للمسؤولين كطوق نجاة لتحسين ظروفهم، إلا أن "لعنة" القطيعة سمة الجزائريين تجاه مسئوليهم، وأحيانا تقمص دور "المتفرج" على تخبط الحكومة، بدل أن لعب دور العنصر الفاعل في نمو الاقتصاد، وقد تكون الأسباب معروفة.