نيويورك تايمز: إسبانيا أمس وسوريا اليوم
29-11-2015, 02:39 PM
قالت صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها، اليوم الأحد، إن ما يحدث في سوريا اليوم يعيد إلى الأذهان الحرب الأهلية الإسبانية التي اندلعت في ثلاثينيات القرن العشرين وكانت بمثابة بروفة للحرب العالمية الثانية، مشيرة إلى تكرار مشهد الدولة المنقسمة التي تستنزفها حرب أيديولوجية بالوكالة، ولكن في حالة سوريا الصراع ما بين السنة والشيعة، ومن جديد تقف القوى الليبرالية، سواء الإقليمية أو العالمية، عاجزة عن وضع نهاية لهذا الصراع الذي تبدو فيه الحرب بلا نهاية.
تستهل الافتتاحية "اختزلت الحرب الأهلية الإسبانية التي استمرت ما بين عامي 1936 و1939 الدراما الفظيعة لفترة الثلاثينيات في صراع واحد. وتبخرت في إسبانيا الأوهام اليسارية حول الستالينية ولقت حتفها، واستعدت ألة هتلر الحربية للحرب الخاطفة، وشهدت إسبانيا عمليات القصف الجوي للمدنيين، وتم تطبيع عمليات التطهير ذات الدوافع السياسية. كانت حرباً بالوكالة للقوى الشمولية، وعاملاً لجذب المتطوعين من جميع أنحاء العالم الغربي، ودليلاً على عجز الديمقراطيات الليبرالية في أوروبا".
حرب أيديولوجية
وتضيف الافتتاحية "وكما حدث في إسبانيا، يتكرر المشهد ثانية الأن في سوريا. ومرة أخرى نجد أمامنا دولة منقسمة تستنزفها حرب أيديولوجية بالوكالة ما بين السنة والشيعة، والقوى الإقليمية والعالمية الأخرى التي تحوم في خلفية هذا الصراع. ويتكرر تصاعد الفظائع مثل الحرب الكيميائية والمذابح والاضطهادات الدينية، وعودة قطع الرؤوس والعبودية. ويتدفق المتطوعون من كل مكان نتيجة دوافع أيديولوجية، وللأسف يتكرر مشهد القوى الليبرالية التي تبدو عاجزة عن وضع نهاية لهذا الصراع".
وتلفت نيويورك تايمز إلى وجود اختلاف واضح بين الحالتين، حيث أن الحرب الأهلية الإسبانية انتهت بالفعل بصورة أسرع عندما فاز القوميون بقيادة فرانكو بعد قتال استمر لفترة لم تتجاوز ثلاث سنوات فقط. ولكن الصراع السوري بات اليوم في عامه الخامس ولاتزال نتائجه النهائية غامضة.
وتقول نيويورك تايمز: "يبدو أن مثل هذا الاختلاف يُعد من الأشياء الجيدة بالنسبة إلى العالم، ولكنه لا يصب في مصلحة سوريا. وتتمثل أحد الأسباب التي جعلت الحرب الأهلية الإسبانية تنتهي في وقت قصير في المساعدات العسكرية الفعالة التي وفرتها سريعاً دول المحور وأرسلتها لمساعدة القوميين. وأثبتت إسبانيا فاعلية الحرب الشاملة كأداة للحنكة السياسية في إدارة الحكم بدوافع أيديولوجية، حيث تم سحق اليسار وإرساء نظام حكم فرانكو، ومن بعيد استخلص هتلر درساً واضحاً لطموحاته الفظيعة".
حرب بلا نهاية
وبرأي نيويورك تايمز فإن الدروس المستفادة تختلف في سوريا إلى حد كبير، فالحرب بلا نهاية، والفصائل غير مؤهلة تقريباً، ولا يبدو على أيا من القوى الأيديولوجية الرئيسية المتناحرة أنها قادرة على الفوز بالفعل على أرض الواقع. ويساعد ملالي إيران بشار الأسد على البقاء على قيد الحياة فقط، ولا يساعدونه على التوسع أو الازدهار، وفي الوقت نفسه فقدت دول السنة السيطرة على وكلائها وباتت في مواجهة مع تنظيم داعش الإرهابي الذي يشكل تهديداً بالنسبة لها أيضاً.
وتضيف نيويورك تايمز "هذا يعني أنه لا يمكن للشيعة أو السنة النظر إلى سوريا واعتبارها قالباً للتوسع الإقليمي أو نموذجاً للانتصار الأيديولوجي العملاق. وهذا بدوره يجعلنا نتوقع أنه من غير المحتمل أن يشهد الشرق الأوسط ذلك الصراع الدامي الذي حدث في أعقاب الحرب الأهلية الإسبانية. فعلى الرغم من طموحات الجانبين والعداوة المتبادلة بينهما، فإن الطرفين لا يشعران بالقوة الكافية لبدء الصراع المباشر مع الآخر".
غياب الهدف الاستراتيجي
ومن ناحية أخرى تتوافر لدى بعض القوى الأخرى المنخرطة في سوريا القوة الكافية لبدء حرب موسعة (روسيا والولايات المتحدة وفرنسا وتركيا)، ولكن بحسب نيويورك تايمز، لا يتضح على الإطلاق ما تأمل تلك القوى في تحقيقه. ويستطيع الغرب بالكاد تحديد الفصيل السوري الذي ينبغي قصفه، وتوضح سياسة "حافة الهاوية" التي انتهجتها روسيا مع تركيا الرغبة في إظهار القسوة ولكن مع عدم وجود هدف استراتيجي واضح.
وتقول نيويورك تايمز: "لا يعني ذلك أن هذا التخبط سيجعل الحرب مستحيلة، ولكن على عكس الوضع في أوكرانيا التي كان يطمع بوتين في السيطرة عليها، فإنه بالنسبة إلى سوريا والمناطق المحيطة بها لا يبدو أن أيا من القوى الخارجية تريد تحمل مسؤولية أي شيء. وطالما لا تتوافر الأرض التي سيكون لديهم الاستعداد للقتال بشأنها أو حتى احتلالها، فإن مخاطر استمرار صراع القوى العظمى يبدو بعيداً إلى حد ماً".
حرب عالمية ثالثة
وتستبعد صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها أن تكون سورياً نذيراً لحرب عالمية ثالثة واسعة النطاق، ولكنها تعتقد أنها نذيراً لمجموعة مختلفة من الشرور التي تنطوي على انهيار المؤسسات والاضطراب الدائم فضلاً عن عدم قدرة المؤسسات العالمية على السيطرة على المشكلات التي يُفترض أن يكون لها حلول.
وتضيف الصحيفة "في الوقت الذي يُنظر فيه إلى الحرب في إسبانيا باعتبارها عصر (تعظيم الشمولية)، فإن الحرب في سوريا كشفت عن الخواء الأساسي فيما يُطلق عليه (الدول القومية)، إذ من السهل إثارة النزاعات العرقية والدينية في حالة تصدع تلك الدول. وإذا كانت الحرب في إسبانيا بشرت بمسيرة جيوش واسعة في خلال عقد من الزمن، فإن الحرب في سوريا خلفت وراءها حركة المدنيين اللاجئين التي أصبحت أزمة جيوسياسية".
وتختتم نيويورك تايمز "وبينما جعلت الحرب في إسبانيا هتلر وستالين سعيدين بالتدخل عندما فشلت الليبرالية، فإن الحرب في سوريا تعكس أن السلام الأمريكي تمزق ولا توجد أي قوة أخرى أو تحالف لديه الاستعداد لكي يحل محله. وإذا كانت الحرب في إسبانيا بروفة للحرب العالمية الثانية، فحقيقة ما يحدث في سوريا أنها على الأرجح ليست بروفة لأي شيء، وعلى وجه التحديد يمكن القول أنها الحدث الرئيسي ولا يمكن لأي شخص أن يتنبأ متى ستنتهي".







