تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية aziz87
aziz87
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-08-2015
  • المشاركات : 1,721
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • aziz87 will become famous soon enough
الصورة الرمزية aziz87
aziz87
شروقي
مذاهب فكريّة هدّامة... العقلانية.
15-12-2015, 04:22 PM
العقلانيــــة



أولا: التعريف


العقلانية مذهب فكري يزعم أنه يمكن الوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود عن طريق الاستدلال العقلي بدون الاستناد إلى الوحي الإلهي أو التجربة البشرية وكذلك يرى إخضاع كل شيء في الوجود للعقل لإثباته أو نفيه أو تحديد خصائصه.
ويحاول المذهب إثبات وجود الأفكار في عقل الإنسان قبل أن يستمدها من التجربة العملية الحياتية أي أن الإدراك العقلي المجرد سابق على الإدراك المادي المجسد.
(1)

والعقلانية نسبة إلى العقل كما هو الواضح من التسمية ولقد كان العقل في المفاهيم الأوروبية دينية – أي نصرانية - وغير دينية مواقف غاية في التناقض والاختلاف.
وكان للعقل في مفاهيمهم أطوارا مختلفة قوة وضعفا كما ستجد ذلك من خلال دراسة هذا المذهب.
ويعرف القارئ تماما أن أكثر المبادئ الفكرية إنما جاءت من البلاد المضيافة لمختلف الأفكار وهي أوربا وأمريكا، بسبب تلك الظروف القاسية التي أنتجتها حماقات رجال الدين النصراني وما نشأ عنها من أفكار شتى مختلفة الأسماء والاتجاهات والمبادئ ثم تلقفتها اليهودية العالمية ممثلة في الصهيونية والماسونية الحاقدة فشبت وترعرعت على أيديهم وحدبهم وعنايتهم بها حتى أتت ثمارها في إقصاء الأديان وتمزيق وحدة الشعوب وإثارة النعرات الجاهلية وضرب الناس بعضهم بالبعض الآخر وأفسدت الأخلاق وسائر القيم لترجع المكاسب كلها في النهاية إلى اليهود لتحقيق مخططهم في استعمار العالم (الجوييم) مكتسحة في طريقها تعاليم الكنيسة وأفكارها الباطلة المنحرفة التي ادعت أنها من عند الله تعالى ثم فرضتها بالقوة رغم رفض العقل لها وإنزال العقاب الشديد بمن يتجرأ على ردها أو حتى طلب مناقشتها بالعقل بسبب عدم ثقة القائمين عليها بما فيها من آراء فاسدة لا تقبل النقاش.
(2)
بنر معرض جدة 1437هـ د المسح على الخفين داخلي وظائف شاغرة .

ثانيا: المقصود بعصر التنوير


المقصود بعصر التنوير هو ما نجم عن خضم العراك بين الدين النصراني ورجال الفكر حيث ظهرت مذاهب عديدة للإجهاز على سلطة الدين النصراني ورجاله فنشأ ما يسمى بعصر التنوير وهي الفترة التي أقصي فيها الدين النصراني وحل محله العقل في كل شيء وصار له الحكم على الدين وعلى سلوك الناس بداية من النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، الذي عرف فيما بعد ذلك بعصر التنوير أي سيادة العقل وحده دون منازع في رد فعل عارم لكبت الكنيسة له والإتيان بخرافات وخزعبلات لا يقرها العقل بحال.
ولشدة هربهم من ظلم الكنيسة فقد اعتبروا تقديم العقل على الدين هو بداية النور مع أنهم بعد فترة أداروا ظهورهم لهذا الإله – العقل عندهم – وتفلتوا منه كذلك ما سيأتي بيانه.
قال تعالى وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا [ النساء:82] خصوصا وأن الذين أقاموا هذا المذهب ودعوا إليه كانوا يريدون هذا الخلاف ويؤججون ناره لحاجات في أنفسهم.
وحين غزت حركة التنوير العالم الغربي اتجهت بقوة إلى الفكر والآداب في دعوة جادة إلى نبذ الدين وسائر القيم الدينية وكل السلوك القائم في استكبار وعتو شديد عن الدين – أي دين – حيث حل محله العقل الذي حكموه في كل شيء سواء كان أهلا لذلك أو ليس أهلا له فهو الحاكم في المحسوسات والمغيبات أيضا حيث عللوا لكل ظواهر هذا الكون وما يقع فيه بتعليلات أكثرها خرافية مستندين إلى تأييد العقل لهم بزعمهم.
وفي النهاية إنما يكون الحكم أولا وأخيرا للأهواء والمصالح المختلفة وأنى للفلسفة أن تفلح في بيان الحقائق الإلهية والعقائد الربانية أو سعادة البشر وهي لا تملك هذا الجانب وقد قيل "فاقد الشيء لا يعطيه" ولهذا فإن تدخل الفلاسفة في بيان الجوانب العقدية إنما هو تطفل عليها وتطاول قبيح لا يقدم للنفس غذاءها الذي تحيا به وتسير بموجبه راضية مطمئنة، وإنما يقدم للعقل نظريات وافتراضيات ليلهو بها إلى حين.
وما ذكرناه من أن خروج أهل أوربا بتلك الأفكار إنما كان بسبب الدين النصراني فإنما هو وصف لما وقع وليس بعذر منج لهم عند الله تعالى لعدم بحثهم عن الدين الصحيح الذي سيجدون فيه السعادة والعدل لو أنهم طلبوه بعد أن أقام الله الحجة على جميع البشر.

ثالثا: التأسيس وأبرز الشخصيات


العقلانية مذهب قديم جديد بنفس الوقت. برز في الفلسفة اليونانية على يد سقراط وأرسطو، وبرز في الفلسفة الحديثة والمعاصرة على أيدي فلاسفة أثَّروا كثيراً في الفكر البشري أمثال: ديكارت وليبنتز وسبينوزا وغيرهم.
رينيه ديكارت 1596 – 1650م فيلسوف فرنسي اعتمد المنهج العقلي لإثبات الوجود عامة ووجود الله على وجه أخص وذلك من مقدمة واحدة عُدت من الناحية العقلية غير قابلة للشك وهي: "أنا أفكر فأنا إذن موجود".
ليبنتز: 1646 – 1716م فيلسوف ألماني، قال بأن كل موجود حي وليس بين الموجودات مِنْ تفاوت في الحياة إلا بالدرجة – درجة تميز الإدراك – والدرجات أربع: مطلق الحي أي ما يسمى جماداً، والنبات فالحيوان فالإنسان.
وفي المجتمع الإسلامي نجد المعتزلة تقترب من العقلانية جزئيًّا، إذ اعتمدوا على العقل وجعلوه أساس تفكيرهم ودفعهم هذا المنهج إلى تأويل النصوص من الكتاب والسنة التي تخالف رأيهم. ولعل أهم مقولة لهم قولهم بسلطة العقل وقدرته على معرفة الحسن والقبيح ولو لم يرد بها شيء. ونقل المعتزلة الدين إلى مجموعة من القضايا العقلية والبراهين المنطقية وذلك لتأثرهم بالفلسفة اليونانية.
وقد فنَّد علماء الإسلام آراء المعتزلة في عصرهم، ومنهم الإمام أحمد بن حنبل ثم جاء بعد ذلك ابن تيمية وردَّ عليهم ردًّا قويًّا في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) وبيّن أن صريح العقل لا يمكن أن يكون مخالفاً لصحيح النقل. وهناك من يحاول اليوم إحياء فكر المعتزلة إذ يعدونهم أهل الحرية الفكرية في الإسلام، ولا يخفى ما وراء هذه الدعوة من حرب على العقيدة الإسلامية الصحيحة، وإن لبست ثوب التجديد في الإسلام أحياناً.
(1)
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية aziz87
aziz87
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-08-2015
  • المشاركات : 1,721
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • aziz87 will become famous soon enough
الصورة الرمزية aziz87
aziz87
شروقي
رد: مذاهب فكريّة هدّامة... العقلانية.
15-12-2015, 04:24 PM
رابعا: العقائد والأفكار


تعتمد العقلانية على عدد من المبادئ الأساسية هي:
العقل لا الوحي هو المرجع الوحيد في تفسير كل شيء في الوجود.
يمكن الوصول إلى المعرفة عن طريق الاستدلال العقلي وبدون لجوء إلى أية مقدمات تجريبية.
عدم الإيمان بالمعجزات أو خوارق العادات.
العقائد الدينية ينبغي أن تختبر بمعيار عقلي.

خامسا: الجذور الفكرية والعقائدية


كانت العقلانية اليونانية لوناً من عبادة العقل وتأليهه وإعطائه حجماً أكبر بكثير من حقيقته. كما كانت في الوقت نفسه لوناً من تحويل الوجد إلى قضايا تجريدية.
وفي القرون الوسطى سيطرت الكنيسة على الفلسفة الأوروبية، حيث سخَّرت العقل لإخراج تحريفها للوحي الإلهي في فلسفة عقلية مسلَّمة لا يقبل مناقشتها.
وفي ظل الإرهاب الفكري الذي مارسته الكنيسة انكمش نشاط العقل الأوروبي، وانحصر فيما تمليه الكنيسة والمجامع المقدسة، واستمرت على ذلك عشرة قرون.
وفي عصر النهضة، ونتيجة احتكاك أوروبا بالمسلمين – في الحروب الصليبية والاتصال بمراكز الثقافة في الأندلس وصقلية والشمال الإفريقي – أصبح العقل الأوربي في شوق شديد لاسترداد حريته في التفكير، ولكنه عاد إلى الجاهلية الإغريقية ونفر من الدين الكنسي، وسخَّر العقل للبعد عن الله، وأصبح التفكير الحر معناه الإلحاد، وذلك أن التفكير الديني معناه عندهم الخضوع للفقيد الذي قيدت به الكنيسة العقل وحجرت عليه أن يفكر.
حقيقة العقل
لا يعلم حقيقة العقل وماهيته ومكانه إلا الذي خلقه وحده ومهما قيل في شأنه من استنتاجات فإنما هي في الحقيقة تخرصات لا قيمة لها.
وهو أكبر النعم التي أنعم الله بها على الإنسان وسائر المخلوقات التي ركبه فيها.
وهو الحد الفاصل بين الإنسان وبين البهيمة وبين تصرفات العقلاء وتصرفات المجانين وبين تصرفات الجادين وتصرفات العابثين.
ثناء الله تعالى على العقل
وردت آيات كثيرة في كتاب الله تعالى تمدح العقل والتعقل وتذم الجهل والحمق وتوجب على أصحاب العقول أن يشكروا الله تعالى على هذه النعمة كما تجب عليهم أن يستفيدوا منه لينير لهم الطريق فقد جعله الله هاديا ومرشدا أمينا ومساعدا لصاحبه في هذه الحياة المعقدة وقد جاء ذكره في القرآن الكريم على نواح مختلفة.
1ـ فبعض الآيات ورد فيها ذم من يقدم على ما لا يليق مهملا عقله مقدما هواه.
قال تعالى في ذم أهل الكتاب حينما يأمرون الناس بالبر ولا يفعلونه أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ [البقرة:44]
وهذا الاستفهام الإنكاري تجده في آيات كثيرة يخبر سبحانه وتعالى بالأمر ثم يقول: أَفَلاَ تَعْقِلُونَ ؟ مما يدل لحكم الهوى والجهل.
2ـ وبعض الآيات ورد فيها التعليل لما يفعله الله تعالى حسب مشيئته لكي يزداد العقل الإنساني معرفة وعلما.
فقال تعالى في بيان نعمته على عباده ببيان الآيات وجعلها واضحة مفهومة المعنى لكي تعم بها الفائدة: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [الحديد:17] وغيرها من الآيات التي تدل على مثل هذا السياق.
3ـ وبعض الآيات فيها مدح الذين يعقلون ويفهمون قال تعالى: وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلا الْعَالِمُونَ [العنكبوت:43]
4ـ وبعض الآيات فيها الإخبار بأن الذين لا يستفيدون من العقل ويعرضون عنه ويتبعون الهوى كأنهم في حكم فاقدي العقل.
قال تعالى: وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلى الصَّلاَةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْقِلُونَ [المائدة:58]
وورد مثل هذا الذم في حق المنافقين والذين يكذبون على الله والذين دخلوا جهنم حيث قالوا فيما أخبر الله عنهم: وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ [الملك:10]
وذم الأصنام والآلهة التي تعبد من دون الله.. إلى غير ذلك من الآيات التي وردت على نواح مختلفة في قضية العقل ووردت في السنة النبوية أحاديث كثيرة أيضا تدل على منزلة العقل والعقلاء.
والخلاصة أن العقل من أكبر النعم التي ميز الله بها الإنسان وأننا لا نعرف حقيقته ولكن بإمكاننا الاستفادة منه والاهتداء به حينما نعرف حدود قدرته وحينما نربطه بالاستفادة من كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
هل وُفِقَت العقلانية إلى الحق بالنسبة لموقفهم من العقل؟
وإذا كانت العقلانية فكرة قامت على دعوى احترام العقل والاستفادة منه فهل وفقت فعلا إلى احترامه الاحترام الذي يليق به ؟ وهل استفادت منه الفائدة الصحيحة والجواب عن هذا السؤال يتطلب أولاً معرفة مدى قدرة العقل في بيان الأمور وإيضاحها وقد علمت أن العقل مر بمراحل في مفاهيم الناس في أوربا.
ـ فمنهم من غلا في تقديسه.
ـ ومنهم من غلا في احتقاره.
ومنهم من اعتمده لكن بشرط أن يقترن بشهادة التجربة له.
ـ ومنهم من استبعده تماما.
وإنما كلها تخبطات جاهلية وإن الله تعالى وفق المؤمنين إلى الحق في تقديره وفي الاستفادة منه.
أما الذين غلوا في تقديسه فقد ارتكبوا خطأ فاحشا إذ تصوروا أنه لا حدود لمعرفته فذهبوا يبنون عليه كل ما يريدون ويحملونه ما لا يحتمل ومن هؤلاء الغلاة العقلانيون الذين أحلوه محل الإله في القداسة وهو صاحب التشريع عندهم إليه يتحاكمون وإليه يفوضون، وقد عرف عن فرقة المعتزلة تأثرهم بهذا الاتجاه فهو عندهم مقدم على النصوص في حال الخلاف لدلالات مرفوضة لا لزوم لذكرها وتقديسه إلى هذا الحد لا شك أنها مكابرة خاطئة إذ المعلوم أن العقل له حد إذا تجاوزه انقلب إلى الجهل.
ـ وأما الذين غلوا في احتقاره وزعموا أنه لا قيمة له في المعرفة بل يجب اتهامه ولا يعول عليه فقد عرفت أن على رأس هؤلاء طغاة رجال الدين لوقوفهم إلى جانب العقل في معرفة العقلانيين ساموهم سوء تعليلات الكتاب المقدس والسبب غير خاف على القارئ فإن الدين النصراني – بعد أن حرفه بولس – أصبح في غاية التناقض والاضطراب بل إن فهمه استعصى على كبار علمائه فإن العقل لم ولن يدرك أن الثلاثة واحد وأن شرب الخمر وأكل الخبز هو شرب لدم المسيح وأكل للحمه وأن المسيح صلب ليكفر عن خطايا البشر من سبق ولادته ومن جاء بعدها وخرافة صكوك الغفران وغير ذلك من الآراء السخيفة الغامضة التي قام عليها الدين النصراني.
ومن هنا قرر رجال الدين بالقوة أن يضحوا بالعقل لتقوية خزعبلات بولس فكانوا كلما أشكل عليهم فهم قضية في دينهم وأبى العقل قبولها سارعوا إلى مقالتهم المشهورة – اتهم عقلك- وكان لزاما أن يحتقروه في مقابل دينهم وهو ما تم بالفعل ولم ينقذه من هذا الاحتقار إلا قيام صحوة العقلانية في أوربا مرة أخرى حينما ضعف سلطان الكنيسة إلا أن هذه الصحوة كانت هوجاء لا تلوي على شيء فهي رج عنيف لكتب العقل وجاءت كالمارد الجبار حرب لا هوادة فيها على الظلم الذي وقع على العقل وعلى الدين الذي اتهمته أنه كان المشجع القوي على إقصاء دور العقل وهو المزلق الخطير الذي سار فيه الهاربون من الدين " الكنيسي".
ـ وأما الذين اعتمدوا العقل لكن بشرط أن تشهد له التجربة فهي نقلة من النقلة التي مر بها العقل في المفهوم الأوربي وكأن هؤلاء أرادوا أن يتوسطوا بين رفض العقل أو اعتماده فاعترفوا بفائدة العقل لكنهم لم يثقوا به تماما فقرنوه بشهادة التجربة له وظهرت هذه النقلة حين بدأ العلماء التجريبيون في استظهار هذا العلم وتطويره.
ولا يخفى ما في هذا المسلك من الغموض إذ العلم التجريبي لا يمكن أن يقوم أو يؤتي ثماره إلا على أساس العقل فهو المدبر والمستنتج وعليه يقوم التفكير وبدونه لا يمكن لأي تجربة أو عمل أن تتم على الوجه الصحيح فكيف ساغ لهم هذا الوقوف في منتصف الطريق؟
وبالنسبة للعلم التجريبي فقد ثبت بما لا ريب فيه أن المسلمين هم الذين اخترعوه وسبقوا إليه وأفادوا واستفادت أوربا منه الأساس لحضارتها الحالية كلها ثم تنكرت له شأن التلميذ العاق – كما تقدم.
وقد عرفت أن العلم التجريبي كان باعثا للمسلمين على زيادة الإيمان بالله تعالى فما أن يكتشفوا شيئا إلا وطأطأوا رؤوسهم إجلالا لله وشكرا له وزادهم إيمانا وتسليما.
أما الحضارة الأوروبية الهاربة من الدين والإله فقد زادهم العلم التجريبي واكتشافاته بعدا وطغيانا وكفرا واعتقدوا أنهم أصبحوا في غنى عن كل شيء يتصل بالإله والدين وفسروا كل ما مكنهم الله من اكتشافات على أنه يؤيد كفرهم واستغناءهم عن الله تعالى.
ـ وأما الذين هداهم الله إلى الحق فهم طائفة أهل السنة والجماعة الذين تأتي أحكامهم دائما بهدوء وتعقل ومقارنة وهؤلاء لم يغلوا في تقديس العقل ولم يغلوا في احتقاره بل العقل عندهم من أكبر النعم الإلهية وعليه قيام المعرفة ويجب الاستفادة منه كما أمر الله بذلك في كتابه الكريم وفي سنة النبي العظيم صلى الله عليه وسلم.
لكنهم لا يختلفون أن العقل له دور في المعرفة والهداية محددا إذا تجاوزه انقلب إلى الحمق والجهل وإذا وقف عند حده كان دلالة على جودته وصفائه والأمثلة على هذا كثيرة جدا ومن أقربها ما وقع بين الفرق الإسلامية من اختلاف في الواجب على المسلم تجاه الإيمان بصفات الله تعالى فمنهم من تجاوز حدود العقل في طلب المعرفة فنفى أسماء الله تعالى وصفاته وعطلها عن معانيها ومدلولاتها وظن أنه وصل إلى علم عزيز وتنزيه لله عظيم ومنهم من أثبتها وأثبت مدلولاتها وأنها لا تختلف عن أسماء وصفات المخلوقين فوقع في حمئة التشبيه البغيض وظن أنه وصل إلى علم عزيز وكأن الجميع على باطل وجهل وحمق بسبب تجازوهم حد معرفة العقل وهدى الله أهل السنة والجماعة إلى المعتقد الصحيح الذي يوفق بين النصوص فأثبتوا لله ما أثبته لنفسه ونفوا عنه ما نفاه عن نفسه دون تعطيل ولا تشبيه وقالوا معرفة الصفات فرع عن معرفة الذات فكما أننا لا نعرف ذاته فكذلك لا نكيف صفاته مع معرفتنا بمعانيها ولكن المجهول عنها هو تلك الكيفيات لسمع الله وبصره ونزوله ورحمته... إلى آخر الصفات الإلهية، وهذا هو الحق الذي يجمع بين النصوص كلها والعقل أيضا يؤيد هذا الموقف ويرتاح إليه.
فلو سأل الله الشخص: لماذا أثبت لي السمع والبصر والكلام... إلخ؟
وأجابه بأن أنت الذي أثبتها لكان جوابا حقا.
ولو قال له لماذا لم تثبتها كصفات المخلوقين ؟ وقال له لم أجد نصا يفيد ذلك مع معرفتي بالفرق الهائل بين المخلوق والخالق لكان جوابا موفقا.
وكذلك لو قال الله له: لماذا لم تنف عني مدلولات تلك الصفات؟ فأجابه بنفس الجواب السابق لكان جوابا موفقا.
ومن هنا يتضح أن الإسلام لا يحتقر العقل ولا يرفعه فوق منزلته وهذا هو الحق والصواب بخلاف ما وقفه العقلانيون منه فإنه باطل وقاصر عن الحق وتعد عليه سواء الذين احترموه أو الذين احتقروه لأن هذا الموقف منهم لم يبن على هدى من الله تعالى وإنما بني على الأمزجة والهوى وهما من أكبر مصادر الجهل.
ومن هنا تزول الغرابة حينما تجد ذلك الاختلاف والتباين في الآراء والأهواء عند دعاة العقلانية فإن الله عز وجل لم يجعل الناس كلهم على مستوى واحد في العقل فكانت النتيجة ذلك الاختلاف المرير بينهم سواء أكان فيما يتعلق بالعقل أو العلم أو بالإنسان نفسه واحتار المفكرون وأصحاب الأقلام كلهم في أمر الحقائق المشاهدة في خلق هذا الكون لأن الحيرة لابد وأن تقع لأنه لا يملك التعليل الصحيح لهذا الوجود كله إلا الذي خلقه وما عدا ذلك فهي تخرصات وتخمينات قابلة للتخبط.
وأن يسلم لله تعالى أمره ويسره بحسب ما جاء في كلام رب العالمين ويؤمن به إيمانا جازما دون تردد أو شك ويتحرر من كلام أصحاب الفلسفة والمنطق والكلام وتعليلاتهم السخيفة.
ومن جميع الآراء التي قامت على الهوى وتصنع العلم ورد في الحديث القدسي الشريف: ((يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم)) (1)

سادسا: ظهور المدرسة العقلية عند الغرب


لقد ظلت الاتجاهات الفلسفية الإغريقية – التي تمثل العقلانية قسماً بارزاً منها – تسيطر على الفكر الأوروبي، حتى جاءت المسيحية الكنسية فغيرت مجرى ذلك الفكر في انعطافه حادة تكاد تكون مضادة لمجراه الأول الذي استغرق من تاريخ الفكر الأوروبي عدة قرون. فلم يعد العقل هو المرجع في قضايا الوجود إنما صار هو الوحي – كما تقدمه الكنيسة – وانحصرت مهمة العقل في خدمة ذلك الوحي في صورته الكنسية تلك ومحاولة تقديمه في ثوب (معقول)!.
يقول الدكتور محمد البهي في كتابه (الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي) (1) : "كان الدين أو النص طوال القرون الوسطى سائداً في توجيه الإنسان في سلوكه وتنظيم جماعته، وفي فهمه للطبيعة. وكان يقصد بالدين (المسيحية) وكان يراد من المسيحية الكثلكة) وكانت الكثلكة تعبر عن (البابوية) والبابوية نظام كنسي ركز (السلطة العليا) باسم الله في يد البابا، وقصر حق تفسير (الكتاب المقدس) على البابا وأعضاء مجلسه من الطبقة الروحية الكبرى، وسوى في الاعتبار بين نص الكتاب المقدس وإفهام الكنيسة الكاثوليكية…".
وقد نشأت عن ذلك في الحياة الأوربية والفكر الأوروبي مجموعة من الاختلالات التي لم تنشأ – كما تصور الفكر الأوروبي في مبدأ عصر النهضة- من إهمال الفلسفة والعلوم الإغريقية والالتجاء إلى الفكر (الديني). فلم يكن (الفكر الديني) من حيث المبدأ، ولا إخضاع العقل للوحي هو مصدر الخلل في فكر العصور الوسطى في أوروبا، إنما كان الخلل كامناً في ذلك الفكر الذي قدمته الكنيسة باسم الدين، وفي إخضاع العقل لما زعمت الكنيسة أنه الوحي، بعد تحريفها ما حرفت منه، وإضافتها ما أضافت إليه، ومزج ذلك كله بعضه إلى بعض وتقديمه باسم الوحي.
والفلسفة الإغريقية التي ظنت أوروبا في عصر النهضة أن ضلالها في العصور الوسطى كان بسبب إهمالها، وأن العلاج هو الرجوع إليها والاستمداد منها، لم تكن هي في ذاتها بريئة من الخلل ولا سليمة من العيوب، ولا كانت في صورتها التي قدمها فلاسفة الإغريق القدامى زاداً صالحاً لحياة إنسانية مستقيمة راشدة، على الرغم من كل ما احتوته من إبداع فكري في بعض جوانبها.. وإنما ظل الفكر الأوروبي في الحقيقة ينتقل من جاهلية إلى جاهلية حتى عصره الحاضر. فمن الجاهلية الإغريقية والرومانية، إلى جاهلية الدين الكنسي المحرف في العصور الوسطى، إلى جاهلية عصر الإحياء، إلى جاهلية عصر (التنوير) إلى جاهلية الفلسفة الوضعية.. إلى الجاهلية المعاصرة.
كانت العقلانية الإغريقية لوناً من عبادة العقل وتأليهه، وإعطائه حجماً مزيفاً أكبر بكثير من حقيقته، كما كانت في الوقت نفسه لوناً من تحويل الوجود كله إلى (قضايا) تجريدية مهما يكن من صفائها وتبلورها فهي بلا شك شيء مختلف عن الوجود ذاته، بحركته الموارة الدائمة، بمقدار ما يختلف (القانون) الذي يفسر الحركة عن الحركة ذاتها، وبمقدار ما تختلف البلورة عن السائل الذي نتجت عنه.. قضايا تعالج معالجة كاملة في الذهن بصرف النظر عن وجودها الواقعي ! وبصرف النظر عن كون وجودها الواقعي يقبل ذلك التفسير العقلاني في الواقع أو لا يقبله، ويتمشى معه أو يخالفه!.
وكان أشد ما يبدو فيه هذا الانحراف معالجة تلك الفلسفة (لقضية) الألوهية و(قضية) الكون المادي وما بينهما من علاقة. ويتشعب هذا الانحراف شعباً كثيرة في وقت واحد.
فأول انحراف هو محاولة إقحام العقل فيما ليس من شأنه أن يلم به فضلاً عن أن يحيط بكنهه في قضية الذات الإلهية.
والانحراف الثاني هو تحويل الموضوع كله إلى قضايا فلسفية ذهنية بحتة، تبدأ في العقل وتنتهي في العقل، ويثبت ما يثبت منها وينفى ما ينفى بالعقل، فلا تمس الوجدان البشري، ولا تؤثر في سلوك الإنسان العملي، فتفقد قيمتها … وأما الانحراف الثالث الناشئ من التناول العقلاني لقضية الألوهية، وعدم الرجوع فيها إلى المصدر اليقيني الأوحد وهو الوحي الرباني، فهو تخبط الفلاسفة فيما بينهم وتعارض ما يقوله كل واحد منهم مع ما يقوله الآخر.
ولا عجب في ذلك، فما دام (العقل) هو الحكم في هذه القضية، فعقل من ؟! إن العقل المطلق أو العقل المثالي تجريد لا وجود له في عالم الواقع! إنما الموجود في الواقع هو عقل هذا المفكر وذاك المفكر. ولكل منهم طريقته الخاصة في (تعقل) الأمور، ولكل منهم (نوازعه) الخاصة التي يحسبها بعيدة عن التأثير في عقله وهو واهم في حسابه، ولكل منهم اهتماماته الخاصة التي تجعله يركز على أمور ويغفل غيرها من الأمور …
ومن ثم لا تصبح تلك الفلسفة في هذه القضية بالذات أداة هداية وإنما أداة تشتيت وأداة تضليل.
من هذه الجاهلية انتقل الفكر الأوروبي إلى عصر (سيادة الدين).
وكان المفروض أن يخرج ذلك الفكر إذن من الجاهلية إلى النور. ولكنه في الحقيقة دخل إلى ظلمات حالكة ليس فيها حتى ذلك ((لبريق) الذي تميزت به الفلسفة الإغريقية في كثير من المواضع بصرف النظر عن القيمة الحقيقية لذلك البريق، وعن كونه بريقاً هادياً أم مضللاً عن الطريق !.
كان المفروض وقد التزم العقل بالوحي، واستمد منه اليقين والهدى- في المسائل التي لا يهتدي فيها وحده ولا يستيقن فيها بمفرده- أن ينطلق الفكر في ميادينه الأصيلة يبدع وينتج، ويمد (الإنسان) بما يحتاج إليه في شؤون (الخلافة) وعمارة الأرض.
ولكن الكنيسة الأوروبية أفسدت ذلك كله بما أدخلته من التحريف على الوحي الرباني المنـزل من السماء لهداية البشرية على الأرض، وتخبطت في قضية الألوهية تخبطاً من نوع جديد، حين قالت إن الله ثلاثة أقانيم، وإن المسيح ابن مريم عليه السلام واحد من هذه الأقانيم الثلاثة، وإنه ابن الله وفي الوقت ذاته إله، وشريك لله في تدبير شؤون الكون.
وفضلاً عن ذلك – أو ربما بسبب ذلك – حُجِرَ على العقل البشري أن يعمل وأن يفكر.
فإن هذه الألغاز التي ابتدعتها المجامع المقدسة في شأن الألوهية لم تكن (معقولة) ولا مستساغة. فما يمكن للعقل البشري أن يتصور ثلاثة أشياء هي ثلاثة وهي واحد في ذات الوقت. وما يمكن أن يتصور أن الله سبحانه وتعالى ظل متفرداً بالألوهية وتدبير شأن هذا الكون ما لا يحصى من الزمان، ثم إذا هو –فجأة- يوجد كائناً آخر ليكون شريكاً له في الألوهية ومعيناً له في تدبير الكون!! تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
ومن أجل كون هذا العبث (المقدس!) الذي ابتدعته المجامع (المقدسة!) غير معقول ولا مستساغ فقد سخرت الكنيسة (العقل) في محاولة إخراج هذا المزيج المتنافر المتناقض في صورة (فلسفية) مستساغة (أو هم قالوا عنها إنها مستساغة!) وفي الوقت ذاته حجرت على العقل أن يناقشها، لئلا تجر المناقشة إلى القول بأنها غير معقولة على الرغم من أن كل الصناعة (العقلية) وضعت فيها !.
ومن ثم نشأت في الفكر الأوروبي تلك (المسلمات) أو العقائد المفروضة فرضاً التي لا يجوز مناقشتها لا لأنها – في حقيقتها – من الأمور التي ينبغي للعقل أن يسلم بها دون مناقشة، ولكن لأنها مناقضة للعقل، ومفروضة عليه فرضاً من قبل رجال الدين، الذين زعموا لأنفسهم حق صياغة العقائد وفرضها على الناس بالقوة دون أن يكون لهم حق المناقشة أو الاعتراض وإلا كانوا مهرطقين مارقين. يجوز فيهم كل شيء حتى إهدار الدم وإزهاق الأرواح.
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية aziz87
aziz87
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-08-2015
  • المشاركات : 1,721
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • aziz87 will become famous soon enough
الصورة الرمزية aziz87
aziz87
شروقي
رد: مذاهب فكريّة هدّامة... العقلانية.
15-12-2015, 04:26 PM
سابعا: العقل عند المعتزلة


أما عند أصحابنا من علماء الكلام (وأعني بهم المعتزلة خاصة) فكيف تطورت أحوالهم حتى ضاهوا الشرع بعقولهم وجعلوه حاكماً على النصوص لا محكوماً لها؟
فأقول : "لما ظلمت الأرض وبعد عهد أهلها بنور الوحي وتفرقوا في الباطل فرقاً وأحزاباً لا يجمعهم جامع ولا يحصيهم إلا الذي خلقهم فإنهم فقدوا نور النبوة ورجعوا إلى مجرد العقول فكانوا كما قال صلى الله عليه وسلم فيما يروي عن ربه أنه قال : ((إني خلقت عبادي حنفاء وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم وحرمتْ عليهم ما أحللتُ لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً وأن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب)) (1) . فكان أهل العقول كلهم في مقته إلا بقايا متمسكين بالوحي فلم يستفيدوا بعقولهم حين فقدوا نور الوحي إلا عبادة الأوثان أو الصلبان أو النيران أو الكواكب والشمس والقمر أو الحيرة والشك أو السحر أو تعطيل الصانع والكفر به فاستفادوا بها مقت الرب سبحانه لهم وإعراضه عنهم فأطلع الله شمس الرسالة في تلك الظلم سراجاً منيراً وأنعم بها على أهل الأرض في عقولهم وقلوبهم ومعاشهم ومعادهم نعمة لا يستطيعون لها شكوراً فأبصروا بنور الوحي ما لم يكونوا بعقولهم يبصرونه ورأوا في ضوء الرسالة ما لم يكونوا بآرائهم يرونه فكانوا كما قال الله تعالى : اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّوُرِ [ البقرة: 257] وقال: الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إلى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ [ إبراهيم: 1] وقال : وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا [ الشورى: 52] وقال: أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِّنْهَا [ الأنعام : 122] فمضى الرعيل الأول في ضوء ذلك النور لم تطفئه عواصف الأهواء ولم تلتبس به ظلم الآراء وأوصوا من بعدهم أن لا يفارقوا النور الذي اقتبسوه منهم وأن لا يخرجوا عن طريقتهم" (2) .
فكان من شأن الصحابة أنهم لم يقدموا عقولهم بين يدي الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بل كان دليل أحدهم إذا استدل إنما هو آية من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
فهاتان هما الحجتان الملزمتان للناس عند الصحابة: كتاب من الله أو سنة من رسوله صلى الله عليه وسلم مصداقاً لقوله تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ [ محمد: 33] وكان أحدهم رضي الله عنهم يغضب إذا عورض حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم بقول غيره من البشر ولو كان من حكماء اليونان! فقد جاء في صحيح مسلم أن عمران بن حصين رضي الله عنه ذكر لأصحابه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : ((الحياء لا يأتي إلا بخير)) فقال أحدهم وهو بشير بن كعب "أنه مكتوب في الحكمة أن منه وقاراً ومنه سكينة" فقال عمران "أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحدثني عن صحفك"! وفي رواية: فغضب عمران حتى احمرتا عيناه وقال "ألا أراني أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه" قال فأعاد عمران الحديث. قال فأعاد بشير. فغضب عمران قال فمازلنا نقول فيه: إنه منا يا أبا نجيد إنه لا بأس به" (3) قال النووي "وقولهم إنه منا لا بأس به معناه ليس هو ممن يتهم بنفاق أو زندقة أو بدعة أو غيرها مما يخالف به أهل الاستقامة" (4) .
إذن فالصحابة لم يعارضوا ولم يرضوا بمعارضة حديث رسول صلى الله عليه وسلم بغيره من المعقولات، وإذا أشكل عليهم شيء من ذلك كانوا يوردون إشكالاتهم على النبي صلى الله عليه وسلم فيجيبهم عنها وكانوا يسألونه عن الجمع بين النصوص التي يوهم ظاهرها التعارض، ولم يكن أحد منهم يورد عليه معقولاً يعارض النص البتة، ولا عرف فيهم أحد –وهم أكمل الأمم عقولاً – عارض نصاً بعقله يوماً من الدهر، وإنما حكى الله سبحانه ذلك عن الكفار، كما تقدم، وثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ((من نوقش الحساب عذب، فقالت عائشة: يا رسول الله، أليس الله يقول: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا [ الإنشقاق: 7- 8]. فقال: بلى ولكن ذلك العرض ومن نوقش الحساب عذب)) (5) ، فأشكل عليها الجمع بين النصين حتى بين لها صلوات الله وسلامه عليه أنه لا تعارض بينهما وأن الحساب اليسير هو العرض الذي لابد أن يبين الله فيه لكل عامل عمله، كما قال تعالى: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفَى مِنكُمْ خَافِيَةٌ [ الحاقة: 18] حتى إذا ظن أنه لن ينجو نجاه الله تعالى بعفوه ومغفرته ورحمته فإذا ناقشه الحساب عذبه ولابد...
إلى غير ذلك من مراجعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم (فلما كان في أواخر عصرهم حدثت الشيعة والخوارج، والقدرية والمرجئة، فبعدوا عن النور الذي كان عليه أوائل الأمة، ومع هذا فلم يفارقوه بالكلية، بل كانوا للنصوص معظمين، وبها مستدلين، ولها على العقول والآراء مقدمين، ولم يَدَّع أحد منهم أن عنده عقليات تعارض النصوص، وإنما أتوا من سوء الفهم فيها، والاستبداد بما ظهر لهم منها، دون من قبلهم، ورأوا أنهم إن اقتفوا أثرهم كانوا مقلدين لهم فصاح بهم من أدركهم من الصحابة وكبار التابعين من كل قطر، ورموهم بالعظائم، وتبرءوا منهم، وحذروا من سبيلهم أشد التحذير، ولا يرون السلام عليهم ولا مجالستهم، وكلامهم فيهم معروف في كتب السنة، وهو أكثر من أن يذكر هاهنا، فلما كثرت الجهمية في أواخر عصر التابعين كانوا هم أول من عارض الوحي بالرأي، ومع هذا كانوا قليلين أولاً مقموعين مذمومين عند الأئمة، وأولهم شيخهم الجعد بن درهم، وإنما نفق عند الناس بعض الشيء لأنه كان معلم مروان بن محمد وشيخه ولهذا كان مروان يسمى مروان الجعدي وعلى رأسه سلب الله بني أمية الملك والخلافة وشتتهم في البلاد ومزقهم كل ممزق ببركة شيخ المعطلة النفاة، فلما اشتهر أمره في المسلمين، طلبه خالد بن عبد الله القسري، وكان أميراً على العراق، حتى ظفر به، فخطب الناس في يوم الأضحى، وكان آخر ما قال في خطبته: أيها الناس، ضحوا تقبل الله ضحاياكم، فإني مضحٍ بالجعد بن درهم فإنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليماً، ولم يتخذ إبراهيم خليلاً، تعالى الله عما يقول الجعد علواً كبيراً ثم نزل فذبحه في أصل المنبر، …… ثم طفئت تلك البدعة فكانت كأنها حصاة رمي بها، والناس إذ ذاك عنق واحد أن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه موصوف بصفات الكمال ونعوت الجلال وأنه كلم عبده ورسوله موسى تكليماً وتجلى للجبل فجعله دكاً هشيماً إلى أن جاء أول المائة الثالثة، وولي على الناس عبد الله المأمون، وكان يحب أنواع العلوم، وكان مجلسه عامراً بأنواع المتكلمين في العلوم، فغلب عليه حب المعقولات، فأمر بتعريب كتب اليونان، وأقدم لها المترجمين من البلاد، فعربت له، واشتغل بها الناس، والملك سوق ما سوق فيه جلب إليه، فغلب على مجلسه جماعة من الجهمية ممن كان أبوه الرشيد قد أقصاهم وتتبعهم بالحبس والقتل فحشوا بدعة التجهم في أذنه وقلبه فقبلها، واستحسنها، ودعا الناس إليها، وعاقبهم عليها) (6) . ومنذ ذلك الحين تميزت فرقة أهل الاعتزال بمغالاتها في العقل ومقاييسه وتقديمه على ما يظن مخالفاً له من النصوص الشرعية وعرفت بذلك بين فرق الإسلام المختلفة. والذي دعاهم إلى هذا الالتفاف حول العقل في ظني أمور كثيرة –والعلم عند الله تعالى- منها :
أولاً: أخذهم من تراث الأولين من فلاسفة اليونان ممّن لم ينعموا بمصاحبة وحي إلهي يقود مسيرتهم فصاروا يقضون في شؤونهم كلها بهذا العقل الذي زادوا من سلطانه وانفراده فكانت مصنفات أولئك الفلاسفة تضم المقاييس العقلية في شكل منطق يتحاكم إليه في القضايا العقلية. فتابعهم في ذلك المتكلمون والمعتزلة من أهل الإسلام وأعجبوا بصنيعهم ذلك. وكل هذا بفضل جهود الترجمة التي قام بها بعض الخلفاء فأوقعوا الأمة في هذه المصائب المتتالية من حيث ظنوا أنهم يحسنون صنعاً بها. ويشهد لذلك: أن المعتزلة لم يعلُ صيتهم وتظهر عقلانيتهم واضحة إلا في عهد الخليفة المأمون الذي مهّد السبيل للاقتباس من كتب اليونان وأعانهم عليها (7) . حتى أحدثت الفلسفة – كما يقول زهدي حسين – "في حياتهم انقلاباً خطيراً وفي تفكيرهم ثورة عنيفة لأنهم بعد أن وقفوا على مواضيعها وتعمقوا فيها أحبوها لذاتها وتعلقوا بها فنتج عن ذلك أمران:
أنهم صاروا يعظمون فلاسفة اليونان وينظرون إليهم نظرة أسمى وأقدس من نظرتنا إليهم اليوم ويضعونهم في مرتبة تقرب من عتبة النبوة. ثم آمنوا بأقوالهم واعتبروها كما يقول أوليري مكملة لتعاليم دينهم. وانهمكوا لذلك في إظهار الاتفاق الجوهري بينها فبدأ عمل المعتزلة الآخر المهم ألا وهو التوفيق بين الدين الإسلامي وبين الفلسفة اليونانية.. ذلك العمل الذي تركوه لمن خلفهم من الفلاسفة المسلمين كابن رشد والفارابي والكندي الذين قاموا بنصيبهم فيه وكانوا لا يقلون عنهم عناية به وتحمساً له.
أن المعتزلة أخذوا يبتعدون عن أهدافهم الدينية ويهملون تدريجياً عقائدهم اللاهوتية ويزدادون انصرافاً إلى المسائل الفلسفية حتى جاء وقت كادت جهودهم فيه تقتصر على البحث في مواضيع الفلسفة البحتة كالحركة والسكون والجوهر والعرض والموجود والمعدوم والجزء الذي لا يتجزأ… إن اشتغال المعتزلة بالتوفيق بين الدين والفلسفة وشغفهم بالأبحاث الفلسفية وتعمقهم فيها جعلهم يتأثرون بالفلسفة كثيراً ويصبغون بها معظم أقوالهم. ولهذا قال شتينـز: إن الاعتزال في تطوراته الأخيرة كان أكثره متأثراً بالفلسفة اليونانية (8) . فإن قيل بأنهم قد سبقوا هذه الترجمة. فنقول إن ترجمة تراث الأقدمين ليست مقصورة على الخليفة المأمون ولكنه هو الذي تولى كِبْرها. فقد بدأت الترجمة كما يُذكر في عهد الخليفة المنصور الذي أوعز إلى ابن المقفع بترجمة بعض كتب المنطق ككتاب (المقولات) (وبعد مضي عصر المنصور أتى عصر المهدي وانتهى ومر عصر الهادي بعد عصر المهدي دون أن تُؤثر عنهما أو عن واحد من الأشخاص البارزة في وقتهما شيء يتعلق بالترجمة في عمومها فضلاً عن ترجمة الفلسفة بمعناها الخاص) (9) . أما الرشيد فقد أمر بإعادة ترجمة الكتب التي سبقت ترجمتها في العهود التي قبله أكثر من تشجيعه على ترجمة كتب جديدة. ثم جاء عصر المأمون وهو العصر الذهبي للترجمة كما يقال.
قال ابن صاعد في (طبقات الأمم) "لما أفضت الخلافة إلى المأمون تمم ما بدأ به جده المنصور فأقبل على طلب العلم من مواطنه واستخراجه من معادنه بفضل همته الشريفة! وقوة نفسه الفاضلة! فداخل ملوك الروم وأتحفهم وسألهم صلته بما لديهم من كتب الفلاسفة فبعثوا إليه بما حضرهم من كتب أفلاطون وأرسطو وبقراط … وغيرهم من الفلاسفة فاختار لها مهرة التراجمة وكلفهم إحكام ترجمتها فترجمت له على غاية ما يمكن ثم حض الناس على قراءتها ورغبهم في تعليمها" (10) .
قلت : والذي دعاه إلى هذه الهمة في الترجمة تشربه بمبدأ الاعتزال القائم على العقل ومقاييسه واستصغاره لنصوص الوحي – لا سيما الحديث – أن تفي بحاجات الأمة. إضافة إلى جلساء السوء من رموز الاعتزال وما يُذكر عنه من حبه للاطلاع والاستزادة من ثقافات الآخرين.
ثانياً: ومما جعلهم ينحون هذا الاتجاه العقلاني هو ضعفهم في مجال الرواية وجهلهم لعلم الحديث النبوي واقتصارهم على آيات القرآن وبعض الأحاديث التي رأوا أنها تؤيد أقوالهم. فهذا الضعف في علم الحديث قد ألجأهم إلى المعقولات ليعوضوا بها ما عندهم من نقص ويسدوا به ثغرات مذهبهم. وهذا مصداق ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال "إن أصحاب الرأي أعداء السنة أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها وتفلتت منهم فلم يعوها واستحيوا حين سئلوا أن يقولوا لا علم لنا فعارضوا السنة برأيهم إياك وإياهم"

ثامنا: المدرسة العقلية الحديثة


وفي عصر الزهاوي بدأت تتكامل ملامح مدرسة التجديد الديني التي غرس بذرها جمال الدين الأفغاني وتلاميذه في مصر. وهي المدرسة الوحيدة التي استطاعت مع بعض الاختلافات الطفيفة أن تشكل تياراً عقلانياً كتيار المعتزلة، فهو القاسم المشترك بين أعضائها وإن اختلفت وجهات كل واحد منهم في الأصول الدينية الأخرى.
والحديث عن هذه المدرسة العقلانية الحديثة –أعني مدرسة الأفغاني ومحمد عبده وتلاميذهما- مما يطول مداه وتكثر كلماته، حيث أن هذه المدرسة بحق قد خرَّجت كثيراً من العقلانيين المعاصرين الذين تتلمذوا على شيوخها مباشرة، أو عن طريق تراثهم، فأصبحوا يشكلون تياراً ضخماً في فترة من الفترات، فكان لهم رجالهم في السياسة وفي المجتمع وفي علوم الشريعة.. وهكذا في خليط عجيب لا يجمعهم سوى الالتقاء على مبادئ هذه العقلانية الجديدة التي زاحمت النصوص الشرعية وردت أو تأولت كثيراً منها بدعوى معارضتها للعقل أو للحضارة المادية المعاصرة.
فكان منهم: سعد زغلول وقاسم أمين وعبد العزيز جاويش وأحمد أمين ومحمود شلتوت….. إلخ.
ثم تبع آثارهم من بعدهم كالغزالي والقرضاوي ومحمد عمارة وحسين أحمد أمين.
ثم من بعدهم كفهمي هويدي …. وهكذا في سلسلة يطول الحديث عنها. وفي ظني أن هذه المدرسة لم تحظ إلى الآن بدراسة شاملة عن أفكارها وأفرادها المنتمين إليها.. إنما هي أشتات دراسات (1) .
فلعل نابتها يقوم بهذه المهمة المفيدة (لتستبين سبيل) هذه المدرسة الغامضة التي احتفى بها الغرب كثيراً.
بعد هذه المدرسة القريبة العهد بنا، أصبحنا نسمع ونرى بين الحين والآخر رجالاً قد طالتهم أيدي هذا التيار فتمذهبوا بمذهبه في الرفع من شأن العقل والعقلانية على تفاوت في جرعات العقل فيما بينهم. فاسمع لأحدهم يقول "أكاد أقطع بأننا لو سرنا في طريق التقليد مئات السنوات وانحرفنا عن نهر العقل فلن نستطيع التقدم خطوة واحدة في سبيل إرساء دعائم فلسفتنا العربية وكشف ما فيها من مواطن القوة والضعف" (2) . ويعني بالتقليد… اتباع النصوص الشرعية! لا التقليد المتعارف عليه عند الفقهاء وأهل الأصول. لأنه جاهل لا شك بذلك!.
لا تثريب على فلاسفة اليونان وفلاسفة الغرب أن يقدسوا عقولهم ويرجعوا إليها في كل شاردة وواردة من أمور الغيب ونظم الحياة لأنهم قد ضلوا وأضلوا كثيراً وضلوا عن سواء السبيل. فقد حرموا نعمة الوحي الإلهي الذي يكشف للإنسان عن تلك العوالم المجهولة التي تخفى عليه ولا تطولها حواسه ولا عقله مهما عَظُم أو كبر وتكشف له قبل ذلك عن صفات الإله المعبود وذاته المقدسة وتريحه من عناء البحث المضني في ذلك والذي لن يأتِ بأي نتيجة لهذا الإنسان تكشف له عن أشياء كثيرة غائبة بل وحاضرة ولكن تخفى حكمتها عليه.
لا تثريب على فلاسفة اليونان والغرب! الذين ضلوا مع قوة عقولهم وذكائهم، ولكن كما قال الإمام الذهبي "لعن الله الذكاء بلا إيمان ورضي الله عن البلادة مع التقوى" (3) .
ولكن اللوم والأسى على من أنار الله بصيرته بالإسلام وشرح صدره بالقرآن من فلاسفتنا ومتكلمينا فنبذ كل ذلك وراء ظهره وآثر الضلال بعد الهدى والعمى بعد البصيرة جانحاً إلى فلاسفة اليونان الوثنيين وعقولهم يزاحم بها نصوص الكتاب والسنة.
قال الحافظ ابن حجر "قد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان وجعلوا كلام الفلاسفة أصلاً يردون إليه ما خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهاً ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف" (4) .
(5)
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية aziz87
aziz87
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 07-08-2015
  • المشاركات : 1,721
  • معدل تقييم المستوى :

    12

  • aziz87 will become famous soon enough
الصورة الرمزية aziz87
aziz87
شروقي
رد: مذاهب فكريّة هدّامة... العقلانية.
15-12-2015, 04:31 PM
تاسعا: عقلانيون يتوبون قبل الموت !


رغم فتنة العقلانية الساحرة التي تُخيل للمرء أنه سيستطيع من خلالها الوقوف على كثير من أسرار الخلق والوجود، وأنه من الممكن بواسطتها الاستغناء عن جميع أو كثير مما جاءت به الأديان من العبادات والسلوكيات.
رغم كل هذا، وأن المتابع لهذا السراب الخادع قلّما يعود إلى فطرته ويراجع دينه ويعلم حدود عقله المخلوق، إلا أن الله بحكمته ورحمته يجتبي بين الحين والآخر بعضاً من هؤلاء العقلانيين ويقذف نور الهداية في قلوبهم من جديد بعد أن يكونوا قد أمضوا شوطاً طويلاً في اللهاث خلف سراب العقلانية الذي يكتشفونه بهداية الله لهم أنه (سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً).
وإليك أخي القارئ مواقف لبعض هؤلاء العقلانيين قيدوا فيها خواطرهم عندما أراد الله لهم الهداية من جديد بعد رحلة مضنية خلف معقولاتهم.
هذه المواقف سجلها لنا السلف الصالح لنكون حذرين لا ننـزلق فيما انـزلق فيه الآخرون الذين ندموا على ما أضاعوه من ساعات عمرهم في تحصيل ما لا حاصل منه..
فهذا الرازي مع سبقه في باب المعقول، وفرط ذكائه يشكو حيرته وعجزه فيقول :
نهاية إقدام العقول عقال وغاية سعي العالمين ضلال
وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذى ووبال
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا
فكم قد رأينا في رجال ودولة فبادوا جميعاً مسرعين وزالوا
وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال فزالوا والجبال جبال

لقد تأملت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فما رأيتها تشفي عليلاً، ولا تروي غليلاً، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإثبات : الرحمن على العرش استوى [ طه:5 ].إليه يصعد الكلم الطيب [ فاطر: 10].
وأقرأ في النفي لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [ الشورى: 11]. وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا [ طـه: 110]
ثم قال : "ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي" (1) .
وقال الشهرستاني: "فقد أشار إليَّ من إشارته غنم، وطاعته حتم، أن أجمع له مشكلات الأصول، وأحل له ما انعقد من غوامضها على أرباب العقول لحسن ظنه بي أني وقفت على نهاية النظر، وفزت بغايات مطارح الفكر، ولعله استسمن ذا ورم، ونفخ في غير ضرم: لعمري" :
لقد طفت في تلك المعاهد كلها وسَيَّرت طرفي بين تلك المعالم
فلم أر إلا واضعاً كف حائر على ذَقَن أو قارعاً سن نادم (2)

وقال الجويني: "لقد خضت البحر الخضم وتركت أهل الإسلام وعلومهم وخضت في الذي نهوني عنه، والآن إن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لي، وها أنذا أموت على عقيدة أمي !"
وقال الخونجي : "اشهدوا عليّ أني أموت وما عرفت شيئاً إلا الممكن يفتقر إلى واجب ثم قال: والافتقار أمر عدمي، فلم أعرف شيئاً !"
وقال آخر: "أكثر الناس شكاً عند الموت أصحاب الكلام. وقال آخر وقد نزلت به نازلة من سلطانه فاستغاث برب الفلاسفة فلم يغث قال: ثم استغثت برب الجهمية فلم يغثني، ثم استغثت برب القدرية فلم يغثني، ثم استغثت برب المعتزلة فلم يغثني. قال: فاستغثت برب العامة فأغاثني" (3) .

الخلاصة


أن العقلانية مذهب فكري فلسفي يزعم أن الاستدلال العقلي هو الطريق الوحيد للوصول إلى معرفة طبيعة الكون والوجود، بدون الاستناد إلى الوحي الإلهي أو التجربة البشرية، وأنه لا مجال للإيمان بالمعجزات أو خوارق العادات، كما أن العقائد الدينية يمكن، بل ينبغي أن تختبر بمعيار عقلي، وهنا تكمن علله التي تجعله مناوئاً ليس فقط للفكر الإسلامي، بل أيضاً لكل دين سماوي صحيح.
(1)

مراجع للتوسع :


- مذاهب فكرية معاصرة، محمد قطب، دار الشروق – بيروت ط1407هـ.
- الموسوعة الفلسفية المختصرة، بإشراف د. زكي نجيب محمود دار القلم، بيروت.
- قصة الفلسفة الحديثة، أحمد أمين، زكي نجيب محمود، لجنة التأليف والنشر القاهرة 1978م.
- تاريخ الفلسفة الحديثة، يوسف كرم، دار المعارف – القاهرة.
- درء تعارض العقل والنقل، ابن تيمية ط. جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بتحقيق د. محمد رشاد سالم.
(2)



الدرر السنيّــة - إنتهــــــى -
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع


الساعة الآن 04:04 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى