البيت المسلم: أحكامه الشرعية وآدابه المرعية
19-12-2015, 03:37 PM
البيت المسلم: أحكامه الشرعية وآدابه المرعية
هذه رسالة ماتعة رائعة للأستاذ الفاضل:" رأفت الحامد العدني " يتحدث فيها عن:" الأحكام الشرعية، والآداب المرعية": التي تعين الملتزم بها لتكوين بيت مسلم سعيد بتوفيق الله تعالى، وتعميما للفائدة: ننشرها على حلقات مع تصرف يسير، فجزى الله كاتبها خير الجزاء.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ].
[يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا].
[يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا* يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا].
أما بعد:
فإن البيوت لم تزين، ولن تزين بأدب وعمل أعظم من: تقوى الله عز وجل، وإن البيت إذا عُمَّر بطاعة الله عز وجل من الكبير والصغير، والذكر والأنثى؛ كان هذا من أجل الخصال ،وأعظم الحلل التي تزدان بها بيوت أهل الإسلام ، وقد جمعت ما تيسر لي من:( السنن والآداب والأحكام المتعلقة بالبيوت: منتزعًا لها من نصوص الوحيين: الكتاب والسنة، ومن كتب أهل العلم من الحديث والفقه) ، وقد أردت الاستيعاب ذلك في كتاب واحد، وحسبي أني بذلت الجهد في تحصيل ذلك، والله أسال التوفيق والسداد.
نسأل الله تعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين.
البيوت نعمة من نعم الله:
قال العلي الأعلى جل وعلا:
[ وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ].
فهذا من تعداد النعم التي ألهم الله إليها الإنسان، وهي نعمة الفكر بصنع المنازل الواقية والمرفهة المستوجبة لشكره والإيمان به.
والمعنى: أنه هداكم إِلى اتخاذ البيوت، لكي تستريحوا وتسكنوا فيها بين أهليكم وأولادكم، ولم يترككم تأوون إلى الغابات ،أَو تعيشون في الكهوف وقت إِقامتكم الدائمة، أما في الترحل والانتقال، فقد ألهمكم: ما يعينكم على تلك الحياة .
فذكر أولا:" بيوت التمدن" وهي: الصالحة للإقامة الطويلة، وهي: أكثر بيوت الإنسان، فالله يسّر للناس طريق الإيواء في هذه البيوت، والسكن فيها وإليها، ثم ذكر الله تعالى:" البيوت المتنقلة"، وهي: بيوت النقلة والرحلة للأعراب الرّحّل، وهي بيوت الأدم (الجلود) وبيوت الشعر، وبيوت الصوف، لأن هذه من الجلود لكونها ثابتة فيها، وهي: خفيفة الحمل والنقل من مكان لآخر يوم الظعن:(السفر)، ويوم الإقامة، وهي: الخيام والقباب المعروفة، يخفّ حملها في الأسفار، فقوله تعالى:[ تَسْتَخِفُّونَها]: تجدونها خفافا.
وجعل الله سبحانه للناس من:( أصواف الغنم، وأوبار الإبل، وأشعار المعز): ما يتخذ أثاثا للبيوت، والأثاث: متاع البيت، ويتخذ وسيلة للتمتع والانتفاع به في الغطاء والفراش لمدة من الزمان في علم الله، فقوله تعالى:
[ وَمَتاعاً إِلى حِينٍ]، يريد به: وقتا غير معين، وهو بحسب كل إنسان، إما بموته، وإما بفقد تلك الأشياء.
اعلموا وفقكم الله لسلوك سبيل المعارف:
{ تعريف البيت : إن كل ما علاك فأظلك، فهو سقف، وكل ما أقلك، فهو أرض، وكل ما سترك من جهاتك الأربع، فهو جدار، فإذا انتظمت واتصلت، فهو بيت، وهو:" المأوى والمآب ومجمع الشمل" .
وتعريف السكن: يعني محلا تسكنون فيه، وتهدأ جوارحكم عن الحركة، وقد تتحرك فيه، وتسكن في غيره، إلا أن القول خرج فيه على غالب الحال، وهو أن الحركة تكون فيما خرج عن البيت، فإذا عاد المرء إليه سكن.
وبهذا سميت مساكن: لوجود السكون فيها في الأغلب، وعد هذا في جملة النعم }.( أحكام القرآن: لابن العربي ط العلمية (3/ 148)، ومقاييس اللغة: (1/ 324).
ماذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته!!؟:
سُئِلَتْ أم المؤمنين عَائِشَةُ: مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ!!؟.
قالت:" كان يكون في مهنة أهله - تعني خدمة أهله - فإذا حضرت الصلاة خرج إلى الصلاة". رواه البخاري:(1/ 136)، وفي رواية:
قَالَتْ: " كَانَ يُرَقِّعُ الثَّوْبَ، وَيَخْصِفُ النَّعْلَ أَوْ نَحْوَ هَذَا ". رواه أحمد:(43/ 172)، وفي رواية:
قَالَتْ: " كَانَ بَشَرًا مِنَ الْبَشَرِ: يَفْلِي ثَوْبَهُ، وَيَحْلُبُ شَاتَهُ، وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ". رواه أحمد:(43/ 263)، والبخاري في الأدب المفرد:(ص: 190)541 وفي رواية:
قالت:" كان يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم". رواه ابن حبان:(12/ 491)، و أحمد:(41/ 390).
و{ :" الخصف": إصلاح النعل وخياطته بالمخرز.
وقولها:" يَفْلِي ثَوْبَهُ": ينظر في الثوب يتتبع ما فيه من هوام البدن .
ففِيهِ بَيَانُ تَوَاضُعِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -}.( طرح التثريب في شرح التقريب:8/ 181).
قال:" ابن بطال":{ من أخلاق الأنبياء: التواضع والبعد عن التنعم وامتهان النفس، ليستن بهم، ولئلا يخلدوا إلى الرفاهية المذمومة، وقد أشير إلى ذمها بقوله تعالى:" وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا "}:( فتح الباري لابن حجر: (10/ 461.
وفيه:{ الترغيب في التواضع، وترك التكبر، وخدمة الرجل أهله}.( فتح الباري لابن حجر:2/ 163).
{ولَيْسَ فِي الْحَدِيثِ: أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ بِهَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهَا: أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ عَنْ عَمَلِهِ، وَيُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ أَهَمُّ الْأُمُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ}. (طرح التثريب في شرح التقريب:8/ 182).
تتمة الكلام في الحلقة القادمة إن شاء الله تعالى.









