"لن أسيّر دولة بأفكار ضد قناعاتي ولست مستعدا للعب دور شاهد الزور"
25-12-2015, 10:38 PM

طاهر حليسي

مراسل صحافي ومدير مكتب الشروق بولاية باتنة

سمح التكوين الروحي والسياسي، لحسين آيت أحمد، المناضل الوطني والديمقراطي، بالقيام بتحليل عميق للأوضاع العامة للبلاد، فقد كان دائما يختار المصالح العامة للمجموعة الوطنية حينما تدب الخلافات والنزاعات الخطيرة، فقد اقترح غداة استقلال الجزائر استقالة جميع المسؤولين من أجهزة الثورة والتأسيس لمرحلة جديدة تنقل البلاد من الثورة إلى الدولة وفق مبادئ حديثة تضمن الحق للجميع بلا استثناء.
وهو ما بادر به شخصيا مؤسسا رفقة أوعمران جبهة القوى الاشتراكية، مطالبا بمشروع ديمقراطي للجميع غير أن رفض السلطات المركزية على عهد بن بلة للمقترح دفع نحو صدام مسلح ووشيك بين القوات النظامية وقوات آيت أحمد المتحصنة بمنطقة القبائل، لكن التناقض الرئيسي بين القوتين تحول إلى تناقض ثانوي عندما غزت القوات المغربية بأوامر من الحسن الثاني الحدود الجزائرية، وهناك فقط برز المعدن الوطني لآيت أحمد الذي أوقف النزاع الداخلي وأرسل قوات أوعمران لحماية الحدود الجزائرية ورد العدوان المغربي.

آيت أحمد كان دائما ينحاز رغم خصوصيته للمجموعة الوطنية، فقد قال على خلفية ما يعرفه من آثار الأزمة البربرية في الحركة الوطنية سنة 1949، إنه قبل التوجهات العامة فيما يخص الطابع العربي للدولة لأن الجميع كان يواجه التناقض الرئيسي مع فرنسا فيما تحل القضايا العالقة بين الجزائريين في إطار داخلي.

رغم خصوصية آيت أحمد إلا أنه لا يعادي الثقافة العربية الإسلامية، فلقد كشف أنه كان يقوم بنقل أبنائه للمتاحف كي يطلعوا على المنتجات الطبية والجراحية التي أنتجتها الثقافة الإسلامية بالأندلس.

طور آيت أحمد والأفافاس الذي رفع شعار "لا دولة بوليسية لا دولة أصولية" بعد فوز الفيس بالانتخابات التشريعية العام 1992، فلسفة تعايش حقيقية مع الوطنيين والإسلاميين، فهو لم يسقط في الفلسفة العلمانية البحتة، بل نحا نحو الديمقراطية الأنجلوساكسونية التي تختلف عن العلمانية وتعتبر الديمقراطية أداة تحكيم تقني بين مختلف التوجهات، وليست أيديولوجية علمانية، وباختياره ذلك قدم الطريقة الفعلية للتجاور السياسي من خلال النموذج الأصلح للمجتمعات الإسلامية لأنه يضمن التعايش مع كافة الأطياف وفقا لمبادئ متفق عليها أو عقد اجتماعي بين الجميع.

في أتون الأزمة حاولت السلطة عبر الجنرال خالد نزار وعلي هارون استمالته من خلال العرض الذي تقدم به خالد نزار مقترحا عليه رئاسة المجلس الأعلى للدولة، لكنه رفض العرض المغري وقد شكل رفضه صدمة لخالد نزار وعلي هارون اللذين قالا في استغراب: "كيف يرفض هذا الشخص منصب رئاسة الجمهورية"، ورد آيت أحمد في لقاء متلفز مع قناة فرنسية "أنه لا يقبل تسيير دولة بأفكار ليست من قناعاته وليس مستعدا لأن يلعب دور شاهد الزور".

لكل هذه الأسباب حظي آيت أحمد باحترام جميع الأطياف السياسية، كما سيحظى بتقدير خصومه لأنه عاش لمبادئ لم يتخل عنها رغم الإكراهات والإغراءات، ففي الوقت الذي يتقاتل فيه البعض حول "شفقة من السلطة" رفض هذا الزعيم الروحي والتاريخي منصب رئاسة الجمهورية، فكان بحق رجل دولة رغم عدم ممارسته لأي مسؤولية.

كما ظل "الدا الحسين" حسب مقربين ومعارضين له، وفيا لمبادئه وقد سحب نفسه من جبهة القوى الاشتراكية فاسحا المجال لأجيال جديدة مرددا عبارته الشهيرة "الآن سأكتفي بدور الشاهد".