مناريات : يوميات الديك التائه -2
02-02-2009, 09:47 PM
يوميات الديك التائه .

مرت أيام على الديك رفقة شيخ المنارة بحيث أصبحا صديقين متآنسين ... و في ليلة ليلاء ، تلبدت السماء بسحب قاتمة و اشتعلت مع لمعان البرق و دوت رعود متتالية مدوية تصم الآذان ...فسقط المطر و كأن السماء قد تشققت لينهمر منها الماء بغزارة ...فهاج البحر و صعد الموج ...
ازدادت الأمطار تهاطلا و لعب البرق لعبته المفضلة فأشعل نيرانه في السحب الملبدة ... وأطلق الرعد العنان لنفسه مفجرا مدافعه ... فتسرب الماء إلى داخل المنارة فصاح الديك : "إلى أين المفر و الملجأ ؟ أين طريق النجاة ؟"
في هذه الحين ، تذكر الشيخ صديقه الديك ، الذي كان فوق المنارة ، بعد أن سمع صيحاته المتتالية ، و لاحظ بأن المنارة لا تعطي الإشارة ... و عمها ظلام دامس .. فقد اختلط زيت المصابيح بالماء ، و فكر بأن أنسيه الوحيد لا يقدر على هذه الليلة الهوجاء .
لحظتها ، هبط الديك مسرعا من فوق المنارة لما أحس بأن الشيخ يريد أمرا ما ... فتح الشيخ باب المنارة و أشعل نارا بداخلها و أنزوى مع صديقه الديك ليأنس أحدهما الآخر في هذا البرد القارس و لتبعث فيهما حرارة النار الدفء و الاطمئنان .
مرت أيام على هذه الحال ... الجو ملبد رمادي ممطر ... هائج العواصف ... و لم يغادر أي منهما المنارة و خلال هذه الفترة لم يصح الديك صيحاته المعتادة و في أوقاتها المحددة .

و ذات صباح مشمس غزت الأشعة المتلألأة الظلام الداخلي في المنارة ... و إذا بشعاع سحري يفتح أعين الديك النائم . فرح بهذا الضوء المنبعث و دبت في جسمه شرارة قوة تدفعه إلى الخروج لمشاهدة هذا اليوم الجميل ... فخرج منغبطا ، أنفاسه بها شحنة حيوية و ابتهاج . بينما كان الشيخ يتثاءب في فراشه و يسخن عضلاته ليوم جديد ... صعد الديك إلى قمة المنارة ليطلع على الأحداث .

جو رائع ... شمس مشرقة في سماء لازوردية ... بحر هادئ و جميل ... أمواج خفيفة خفة النسيم العليل ... التقاء الموج بالصخور يحدث صوتا يبعث بالحياة لسامعه ... طيور البحر تحوم فوق الماء ثم تغطس لاصطياد السمك ... دورة الحياة تبعث من جديد و تتجدد مع كل يوم .

الديك يبحث بعينيه في كل الاتجاهات ... وإذا به يرى شبحا قادما يجر نفسه جرا ...
الشبح يتقدم ببطء صوب المنارة ... لم تتضح صورته ... و بدأ ذلك الخيال يتقدم و تزداد الصورة وضوحا شيئا فشيئا ...الشخص الذي يجر نفسه ، ماشيا في غير اتزان ، كان أعرجا !
جالت بمخيلة الديك أفكار ومضية ... "ربما هو الأعراجي مالكي القديم ؟ صاحب القلب القاسي و الفكر المعطل و المشية العرجاء ".
الصورة واضحة بكل المقاييس ! صاح الديك في نفسه "... هو! هو! ، آه" ... و كان صياحه في غير موعده ... فهوى بسرعة من أعلى المنارة طالبا نجدة الشيخ ...و الذي وجده في حالة فزع وخوف شديدين : "ما بك يا أنيسي الوحيد ؟ ما حل بك ؟" تعلثم الديك و صارت صيحاته مهتهتة متقطعة الأنفاس : " يا شيخ ! ... ا..ل....أ...ع....ر..................ا...جي ! سيأسرني أو سيقتلني ...إنه لا يعرف قيمتي و خاصة مع تقدم سني ..."

وصل الأعراجي و دون تحية و لا مقدمة : "رد لي هذا الديك ...إنه ديكي ... إنني جائع لم أذق طعم أكل منذ أن جرفتني العاصفتين ، الشرقية و الغربية ، و قضتا على أعز ما أملكه" ...

6 صفر 1430.

...يتبع .
أعربون سي 2 .
التعديل الأخير تم بواسطة المنارة ; 02-02-2009 الساعة 10:19 PM