هؤلاء هم الصعاليك1
02-05-2009, 07:26 PM
عروة بن الورد
تو.نحو 596 م
هو عروة بن الورد بن زيد بن عبد الله بن ناشب بن هريم بن قطيعة بن عبس . ينتهي نسبه الى قبيلة عبس . كان أبوه سبباً في حرب وقعت بين قبيلتي عبس وفزّارة . أما امه فتنتهي الى نهد من قضاعة ، وهي بذلك أقل منزلة من أبيه . وقد إنعكست منزلة الام على علاقة الولد بوالده الذي اضطهده وفضّل عليه الاخ الاكبر. كما ان قومه احتقروه لدنو منزلة امه .
القتال الكلابي
توفي 66 هـ
القتال لقب غلب عليه، لتمرده وفتكه. واسمه: عبد الله بن المضرحي بن عامر الهصان ابن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ويكنى أبا المسيب، وأمه عمرة بنت حرقة بن عوف بن شداد بن ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر ابن كلاب.
كان القتال قتال ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، يتحدث إلى ابنة عم يقال لها العالية بنت عبيد الله ، وكان لها أخ غائب يقال له: زياد بن عبيد الله . فلما قدم رأى القتال يتحدث إلى أخته، فنهاه وحلف: لئن رآه ثانية ليقتلنه. فلما كان بعد ذلك بأيام رآه عندها ، فأخذ السيف وبصر به القتال، فخرج هارباً، وخرج في إثره، فلما دنا منه ناشده القتال بالله والرحم، فلم يلتفت إليه فبينما هو يسعى، وقد كاد يلحقه، وجد رمحاً مركوزاً - وقال للسكري : وجد سيفاً - فأخذه وعطف على زياد فقتله. ثم خرج هارباً، وأصحاب القتيل يطلبونه، فمر بابنة عم له تدعى: زينب، متنحية عن الماء، فدخل عليها، فقالت له: ويحك! ما دهاك؟ قال: ألقي علي ثيابك، فألقت عليه ثيابها، وألبسته برقعها ، وكانت تمس حناء، فأخذ الحناء فلطخ بها يديه ، فلما أتوا البيت قالوا وهم يظنون أنه زينب... أين الخبيث؟ فقال لهم : أخذ ها هنا ، لغير الوجه الذي أراد أن يأخذه. فلما عرف أن قد بعدوا أخذ في وجه آخر، فلحق بعماية، وعماية جبل، فمكث فيه زماناً يأتيه أخ له بما يحتاج إليه، وألفه نمر في الجبل كان يأوي معه في شعب.
و كان النمر يصطاد الأروى ، فيجيء بما يصطاده، فيلقيه بين يدي القتال، فيأخذ منه ما يقوته ، ويلقي الباقي للنمر فيأكله، وكان القتال يخرج إلى الوحش فيرمي بنبله ، فيصيب منه الشيء بعد الشيء، فيأتي به الكهف، فيأخذ لقوته بعضه، ويلقي الباقي للنمر. وكان القتال إذا ورد الماء قام عليه النمر حتى يشرب، ثم يتنحى القتال عنه ويرد النمر، فيقوم عليه القتال حتى يشرب.
حدثني شداد بن عقبة قال: أتى الأخرم بن مالك بن مطرف بن كعب بن عوف بن عبد بن أبي بكر ومحصن بن الحارث بن الهصان في نفر من بني أبي بكر القتال وهو محبوس، فشرطوا عليه ألا يذكر عالية في شعره، وهي التي ينسب بها في أشعاره، فضمن ذلك لهم، فأخرجوه من السجن عشاء، ثم راح القوم من السجن. قال شداد: فنزل القوم فربطوه، ثم آلوا ألا يحلوه حتى يوثق لهم بيمين ألا يذكرها أبداً، ففعل وحلوه . قال: وهي امرأة من بني نصر بن معاوية، وكانت زوجة رجل من أشراف الحي.
ولما حرض القتال قومه على الطلب بثأرهم في الجعفريين وعيرهم بالقعود عنهم مضى جميعهم لقتال بني جعفر، فقال لهم الجعفريون: يا قومنا، ما لنا في قتالكم حاجة ، وقاتل صاحبكم قد هرب وهذا أخوه جبأة، فاقتلوه ، فرضوا بذلك فأخذوا جبأة ، فلما صاروا بأسود العين قدمه جحوش فضرب عنقه بأخيه سعيد .
إنه أبو الصعاليك . صاحب شخصية فريدة ، تخطت شخصيته كشاعر وفارس . وكانت دعوته لمذهب الصعلكة سبيله لاقامة نوع من العدالة الاجتماعية . فلم يكن اقباله على الغزو غاية بقدر ما كان وعياً شعورياً واضحاً ولّده احساس بالغبن الاجتماعي الذي تتلقاه فئات من الناس تعيش على هامش المجتمع . فالظلم والاضطهاد الذي عانى منه على يد والده دفعه الى ان يصبح زعيم الصعاليك وراح يغزو اصحاب الثروات والبخلاء ويوزع الغنائم على جماعته وعلى الفقراء .
إنعكست هذه النزعة الشعبية على شعر عروة ، فابتعد عن الصنعة وظل اقرب الى البديهة الحاضرة والوحي السريع . وهذا ما جرّد شعره من التأملات الذاتية وجاء بلغة سهلة واضحة. كان دقيق الالفاظ وما تحمله حروفها من موسيقى صوتية توحي بأجواء المعاني التي تجيش في نفسه . برع عروة في إستخدام الحوار والنقاش بالامثلة ليدلل على أرائه . وكذلك استخدم اللوحات المتناقضة ليبرز الموقف او المعنى العام الذي كان يريده من القصيدة ، مبتعداً عن التجرد بالفكرة .
شعر عروة شهادة تاريخية واجتماعية عن تلك الظاهرة الفريدة التي هي الصعلكة كحركة احتجاج إجتماعية واقتصادية وجهها لخدمة أغراض عادلة للجماعات المضطهدة ، بعيداً عن هدف الغزو لغرض التفوق وزيادة الثروة والمال . ومن أبرز قصائده : أقلي عليّ اللوم ، عيّرني قومي، شيخوخة الصعلوك ، إذا قيل يا ابن الورد ، الفقر شر ، العيش على موائد الناس، الواحد والكُثُر .
وورد في "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني: هو عروة بن الورد بن زيد، وقيل: ابن عمرو بن زيد بن عبد الله بن ناشب بن هريم بن لديم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد ين قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، شاعر من شعراء الجاهلية وفارس من فرسانها وصعلوك من صعاليكها المعدودين المقدمين الأجواد.
وكان يلقب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم ولم يكن لهم معاش ولا مغزى، وقيل: بل لقب عروة الصعاليك لقوله:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال بلغني أن معاوية قال: لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم.
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، وحدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم قلا جميعاً: قال عبد الملك بن مروان: ما يسرني أن أحداً من العرب ولدني ممن لم يلدني إلا عروة بن الورد لقوله:
قال عبد الملك إنه أجود من حاتم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال ويقال: إن عبد الملك قال: من زعم أن حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد.
منع عبد الله بن جعفر معلم ولده من أن يرويهم قصيدة له يحث فيها على الاغتراب: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا معن بن عيسى قال: سمعت أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال لمعلم ولده: لا تروهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها:
خبر عروة مع سلمى سببته وفداء أهلها بها:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران الزهري عن عامر بن جابر قال: أغار عروة بن الورد على مزينة فأصاب منهم امرأة" من كنانة ناكحاً، فاستاقها ورجع وهو يقول:
كان يجمع الصعاليك ويكرمهم ويغير بهم
أخبرني الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال حدثني أبو فقعس قال: كان عروة بن الورد إذا أصابت الناس سني شديدة تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف، وكان عروة بن الورد يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدة ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف ويكسبهم، ومن قوي منهم-إما مريض يبرأ من مرضه، أو ضعيف تثوب قوته-خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيباً، حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمةٍ إن كانوا غنموها، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى، فلذلك سمي عروة الصعاليك، فقال في ذلك بعض السنين وقد ضاقت حاله:
أغار مع جماعة من قومه على رجل فأخذ إبله وامرأته ثم اختلف معهم فهجاهم:
فزعموا أن الله عز وجل قيض له وهو مع قوم من هلاك عشيرته في شتاءٍ شديد ناقتين دهماوين، فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم وضعفاءهم على الأخرى، وجعل ينتقل بهم من مكان إلى مكان، وكان بين النقرة والربذة فنزل بهم مابينهما بموضع يقال له: ماوان. ثم إن الله عز وج قيض له رجلاً صاحب مائةٍ من الإبل قد فر بها من حقوق قومه- وذلك أول ما ألبن الناس-فقتله وأخذ إبله وامرأته، وكانت من أحسن النساء، فأتى بالإبل أصحاب الكنيف فحلبها لهم وحملهم عليها، حتى إذا دنوا من عشيرتهم أقبل يقسمها بينهم وأخذ مثل نصيب أحدهم، فقالوا: لا واللات والعزى لا نرضى حتى نجعل المرأة نصيباً فمن شاء أخذها، فجعل يهم بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم، ثم يذكر أنهم صنيعته وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان يصنع، فأفكر طويلاً ثم أجابهم إلى أن يرد عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله، فأبوا ذلك عليه، حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه؛ فقال عروة في ذلك قصيدته التي أولها:
تو.نحو 596 م
هو عروة بن الورد بن زيد بن عبد الله بن ناشب بن هريم بن قطيعة بن عبس . ينتهي نسبه الى قبيلة عبس . كان أبوه سبباً في حرب وقعت بين قبيلتي عبس وفزّارة . أما امه فتنتهي الى نهد من قضاعة ، وهي بذلك أقل منزلة من أبيه . وقد إنعكست منزلة الام على علاقة الولد بوالده الذي اضطهده وفضّل عليه الاخ الاكبر. كما ان قومه احتقروه لدنو منزلة امه .
القتال الكلابي
توفي 66 هـ
القتال لقب غلب عليه، لتمرده وفتكه. واسمه: عبد الله بن المضرحي بن عامر الهصان ابن كعب بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. ويكنى أبا المسيب، وأمه عمرة بنت حرقة بن عوف بن شداد بن ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر ابن كلاب.
كان القتال قتال ربيعة بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب، يتحدث إلى ابنة عم يقال لها العالية بنت عبيد الله ، وكان لها أخ غائب يقال له: زياد بن عبيد الله . فلما قدم رأى القتال يتحدث إلى أخته، فنهاه وحلف: لئن رآه ثانية ليقتلنه. فلما كان بعد ذلك بأيام رآه عندها ، فأخذ السيف وبصر به القتال، فخرج هارباً، وخرج في إثره، فلما دنا منه ناشده القتال بالله والرحم، فلم يلتفت إليه فبينما هو يسعى، وقد كاد يلحقه، وجد رمحاً مركوزاً - وقال للسكري : وجد سيفاً - فأخذه وعطف على زياد فقتله. ثم خرج هارباً، وأصحاب القتيل يطلبونه، فمر بابنة عم له تدعى: زينب، متنحية عن الماء، فدخل عليها، فقالت له: ويحك! ما دهاك؟ قال: ألقي علي ثيابك، فألقت عليه ثيابها، وألبسته برقعها ، وكانت تمس حناء، فأخذ الحناء فلطخ بها يديه ، فلما أتوا البيت قالوا وهم يظنون أنه زينب... أين الخبيث؟ فقال لهم : أخذ ها هنا ، لغير الوجه الذي أراد أن يأخذه. فلما عرف أن قد بعدوا أخذ في وجه آخر، فلحق بعماية، وعماية جبل، فمكث فيه زماناً يأتيه أخ له بما يحتاج إليه، وألفه نمر في الجبل كان يأوي معه في شعب.
و كان النمر يصطاد الأروى ، فيجيء بما يصطاده، فيلقيه بين يدي القتال، فيأخذ منه ما يقوته ، ويلقي الباقي للنمر فيأكله، وكان القتال يخرج إلى الوحش فيرمي بنبله ، فيصيب منه الشيء بعد الشيء، فيأتي به الكهف، فيأخذ لقوته بعضه، ويلقي الباقي للنمر. وكان القتال إذا ورد الماء قام عليه النمر حتى يشرب، ثم يتنحى القتال عنه ويرد النمر، فيقوم عليه القتال حتى يشرب.
حدثني شداد بن عقبة قال: أتى الأخرم بن مالك بن مطرف بن كعب بن عوف بن عبد بن أبي بكر ومحصن بن الحارث بن الهصان في نفر من بني أبي بكر القتال وهو محبوس، فشرطوا عليه ألا يذكر عالية في شعره، وهي التي ينسب بها في أشعاره، فضمن ذلك لهم، فأخرجوه من السجن عشاء، ثم راح القوم من السجن. قال شداد: فنزل القوم فربطوه، ثم آلوا ألا يحلوه حتى يوثق لهم بيمين ألا يذكرها أبداً، ففعل وحلوه . قال: وهي امرأة من بني نصر بن معاوية، وكانت زوجة رجل من أشراف الحي.
ولما حرض القتال قومه على الطلب بثأرهم في الجعفريين وعيرهم بالقعود عنهم مضى جميعهم لقتال بني جعفر، فقال لهم الجعفريون: يا قومنا، ما لنا في قتالكم حاجة ، وقاتل صاحبكم قد هرب وهذا أخوه جبأة، فاقتلوه ، فرضوا بذلك فأخذوا جبأة ، فلما صاروا بأسود العين قدمه جحوش فضرب عنقه بأخيه سعيد .
إنه أبو الصعاليك . صاحب شخصية فريدة ، تخطت شخصيته كشاعر وفارس . وكانت دعوته لمذهب الصعلكة سبيله لاقامة نوع من العدالة الاجتماعية . فلم يكن اقباله على الغزو غاية بقدر ما كان وعياً شعورياً واضحاً ولّده احساس بالغبن الاجتماعي الذي تتلقاه فئات من الناس تعيش على هامش المجتمع . فالظلم والاضطهاد الذي عانى منه على يد والده دفعه الى ان يصبح زعيم الصعاليك وراح يغزو اصحاب الثروات والبخلاء ويوزع الغنائم على جماعته وعلى الفقراء .
إنعكست هذه النزعة الشعبية على شعر عروة ، فابتعد عن الصنعة وظل اقرب الى البديهة الحاضرة والوحي السريع . وهذا ما جرّد شعره من التأملات الذاتية وجاء بلغة سهلة واضحة. كان دقيق الالفاظ وما تحمله حروفها من موسيقى صوتية توحي بأجواء المعاني التي تجيش في نفسه . برع عروة في إستخدام الحوار والنقاش بالامثلة ليدلل على أرائه . وكذلك استخدم اللوحات المتناقضة ليبرز الموقف او المعنى العام الذي كان يريده من القصيدة ، مبتعداً عن التجرد بالفكرة .
شعر عروة شهادة تاريخية واجتماعية عن تلك الظاهرة الفريدة التي هي الصعلكة كحركة احتجاج إجتماعية واقتصادية وجهها لخدمة أغراض عادلة للجماعات المضطهدة ، بعيداً عن هدف الغزو لغرض التفوق وزيادة الثروة والمال . ومن أبرز قصائده : أقلي عليّ اللوم ، عيّرني قومي، شيخوخة الصعلوك ، إذا قيل يا ابن الورد ، الفقر شر ، العيش على موائد الناس، الواحد والكُثُر .
وورد في "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني: هو عروة بن الورد بن زيد، وقيل: ابن عمرو بن زيد بن عبد الله بن ناشب بن هريم بن لديم بن عوذ بن غالب بن قطيعة بن عبس بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد ين قيس بن عيلان بن مضر بن نزار، شاعر من شعراء الجاهلية وفارس من فرسانها وصعلوك من صعاليكها المعدودين المقدمين الأجواد.
وكان يلقب عروة الصعاليك لجمعه إياهم وقيامه بأمرهم إذا أخفقوا في غزواتهم ولم يكن لهم معاش ولا مغزى، وقيل: بل لقب عروة الصعاليك لقوله:
لحي الله صعلوكاً إذا جن ليلـه
مصافي المشاش آلفاً كل مجزر
يعد الغنى من دهره كـل لـيلة
أصاب قراها من صديق ميسر
ولله صعلوك صفيحة وجـهـه
كضوء شهاب القابس المتنـور
شرف نسبه وتمنى الخلفاء أن يصاهروه أو ينتسبوا إليه: مصافي المشاش آلفاً كل مجزر
يعد الغنى من دهره كـل لـيلة
أصاب قراها من صديق ميسر
ولله صعلوك صفيحة وجـهـه
كضوء شهاب القابس المتنـور
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال بلغني أن معاوية قال: لو كان لعروة بن الورد ولد لأحببت أن أتزوج إليهم.
أخبرني محمد بن خلف قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، وحدثنا إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم قلا جميعاً: قال عبد الملك بن مروان: ما يسرني أن أحداً من العرب ولدني ممن لم يلدني إلا عروة بن الورد لقوله:
إني امرؤ عافي إنـائي شـركة
وأنت امرؤ عافي إنائك واحـد
أتهزأ مني أن سمنت وأن تـرى
بجسمي مس الحق والحق جاهد
أفرق جسمي في جسوم كثـيرة
وأحسوا قراح الماء والماءبارد
وأنت امرؤ عافي إنائك واحـد
أتهزأ مني أن سمنت وأن تـرى
بجسمي مس الحق والحق جاهد
أفرق جسمي في جسوم كثـيرة
وأحسوا قراح الماء والماءبارد
قال عبد الملك إنه أجود من حاتم
أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال ويقال: إن عبد الملك قال: من زعم أن حاتماً أسمح الناس فقد ظلم عروة بن الورد.
منع عبد الله بن جعفر معلم ولده من أن يرويهم قصيدة له يحث فيها على الاغتراب: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال أخبرنا إبراهيم بن المنذر قال حدثنا معن بن عيسى قال: سمعت أن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال لمعلم ولده: لا تروهم قصيدة عروة بن الورد التي يقول فيها:
دعيني للغنى أسعى فإنـي
رأيت الناس شرهم الفقير
ويقول: إن هذا يدعوهم إلى الاغتراب عن أوطانهم رأيت الناس شرهم الفقير
خبر عروة مع سلمى سببته وفداء أهلها بها:
أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني محمد بن يحيى قال حدثني عبد العزيز بن عمران الزهري عن عامر بن جابر قال: أغار عروة بن الورد على مزينة فأصاب منهم امرأة" من كنانة ناكحاً، فاستاقها ورجع وهو يقول:
تبغ عدياً حيث حـلـت ديارهـا
وأبناء عوف في القرون الأوائل
فإلا أنل أوساً فإني حسـبـهـا
بمنبطح الأدغال من ذي السلائل
ثم أقبل سائراً حتى نزل ببني النضير، فلما رأوها أعجبتهم فسقوه الخمر، ثم استوهبوها منه قوهبها لهم، وكان لا يمس النساء، فلما أصبح وصحا ندم فقال: وأبناء عوف في القرون الأوائل
فإلا أنل أوساً فإني حسـبـهـا
بمنبطح الأدغال من ذي السلائل
سقوني الخمر ثم تكنفوني
قال: وجلاها النبي صلى الله عليه وسلم مع من جلا من بني النصيروذكر أبو عمرو الشيباني من خبر عروة بن الورد وسلمى هذه أنه أصاب امرأة" من بني كنانة بكراً يقال لها أنها أرغب الناس فيه، وهب تقول له: لو حججت بي فأمر على أهلي وأراهم! فحج بها، فأتى مكة ثم أتى المدينة، وكان يخالط من أهل يثرب بني النضير فيقرضونه إن احتاج ويبايعهم إذا غنم، وكان قومها يخالطون بني النضير، فأتوهم وهو عندهم؛ فقالت لهم سلمى: إنه خارج بي قبل أن يخرج الشهر الحرام، فتعالوا إليه وأخبروه أنكم تستحيون أن نكون امرأة منكم معروفة النسب صحيحته سبية"، وافتدوني منه فإنه لا يرى أني أفارقه ولا أختار عليه أحداً، فأتوه فسقوه الشراب، فلما ثمل قالوا له: فادنا بصاحبتنا فإنها وسيطة النسب فينا معروفة، وإن علينا سبة" أن تكون سبية، فإذا صارت إلينا وأردت معاودتها فاخطبها إلينا فإننا ننكحك؛ فقال لهم: ذاك لكم، ولكن لي الشرط فيها أن تخيروها، فإن اختارتني انطلقت معي إلى ولدها وإن اختارتكم انطلقتم بها؛ قالوا: ذاك لك؛ قال: دعوني أله بها الليلة وأفادها غداً، فلما كان الغد جاءوه فامتنع من فدائها؛ فقالوا له: قد فاديتنا بها منذ البارحة، وشهد عليه بذلك جماعة ممن حضر، فلم يقدر على الامتناع وفاداها، فلما فادوه بها خيروها فاختارت أهلها، ثم أقبلت عليه فقالت: ياعروة أما إني أقول فيك وإن فارقتك الحق: والله ماأعلم امرأة من العرب ألقت سترها على بعل خيرٍ منك وأغض طرفاً وأقل فحشاً وأجود يداً وأحمى لحقيقة؛ وما مر علي يوم منذ كنت عندك إلا والموت فيه أحب إلي من الحياة بين قومك، لأني لم أكن أشاء أن أسمع امرأة من قومك تقول: قالت أمة عروة كذا وكذا إلا سمعته؛ ووالله لا أنظر في وجه غطفانية أبداً، فارجع راشداً إلى ولدك وأحسن إليهم. فقال عروة في ذلك: سقوني الخمر ثم كنفوني
وأولها: أرقت وصحبتي بمضيق عميق
لبرق من تهامة مستـطـير
سقى سلمى وأين ديار سلمـى
إذا كانت مجاورة الـسـرير
إذا حلت بأرض بني عـلـي
وأهلي بـين إمـرة وكـير
ذكرت منازلاً مـن أم وهـب
محل الحي أسفل من نـقـير
وأحدث معهد مـن أم وهـب
معرسنا بدار نبي بني النضير
وقالوا ما تشاء فقلت ألـهـو
إلى الأصباح آثـر ذي أثـير
بآنسة الحديث رضاب فـيهـا
بعيد النوم كالعنبالعـصـير
وأخبرني علي بن سليمان الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابي بهذه الحكاية كما ذكر أبو عمرو، وقال فيها: إن قومها أغلوا بها الفداء، وكان معه طلق وجبار أخوه وابن عمه، فقالا له: والله لئن قبلت ما أعطوك لا تفتقر أبداً، وأنت على النساء قادر متى شئت، وكان قد سكر فأجاب إلى فدائها، فلما صحا ندم فشهدوا عليه بالفداء فلم يقدر على الامتناع. وجاءت سلمى تثني عليه فقالت: والله إنك ما علمت لضحوك مقبلاً كسوب مدبراً خفيف على متن الفرس ثقيل على العدو طويل العماد كثير الرماد راضي الأهل والجانب، فاستوص ببنيك خيراً، ثم فارقته. فتزوجها رجل من بني عمها، فقال لها يوماً من الأيام: يا سلمى، أثني علي كما أثنيت على عروة -وقد كان قولها فيه شهر-فقالت له: لا تكلفني ذلك فإني إن قلت الحق غضبت ولا واللات والعزى لا أكذب؛ فقال: عزمت عليك لتأتيني في مجلس قومي فلتثنين علي بما تعلمين، وخرج فجلس في ندي القوم، وأقبلت فرماها القوم والله إن شملتك لإلتحاف، وإن شربك لاستفاف، وإنك لتنام ليلة تخاف، وتشبع ليلة تضاف، وما ترضي الأهل ولا الجانب، ثم انصرفت. فلامه قومه وقالوا: ما كان أغناك عن هذا القول منها.لبرق من تهامة مستـطـير
سقى سلمى وأين ديار سلمـى
إذا كانت مجاورة الـسـرير
إذا حلت بأرض بني عـلـي
وأهلي بـين إمـرة وكـير
ذكرت منازلاً مـن أم وهـب
محل الحي أسفل من نـقـير
وأحدث معهد مـن أم وهـب
معرسنا بدار نبي بني النضير
وقالوا ما تشاء فقلت ألـهـو
إلى الأصباح آثـر ذي أثـير
بآنسة الحديث رضاب فـيهـا
بعيد النوم كالعنبالعـصـير
كان يجمع الصعاليك ويكرمهم ويغير بهم
أخبرني الأخفش عن ثعلب عن ابن الأعرابي قال حدثني أبو فقعس قال: كان عروة بن الورد إذا أصابت الناس سني شديدة تركوا في دارهم المريض والكبير والضعيف، وكان عروة بن الورد يجمع أشباه هؤلاء من دون الناس من عشيرته في الشدة ثم يحفر لهم الأسراب ويكنف عليهم الكنف ويكسبهم، ومن قوي منهم-إما مريض يبرأ من مرضه، أو ضعيف تثوب قوته-خرج به معه فأغار، وجعل لأصحابه الباقين في ذلك نصيباً، حتى إذا أخصب الناس وألبنوا وذهبت السنة ألحق كل إنسان بأهله وقسم له نصيبه من غنيمةٍ إن كانوا غنموها، فربما أتى الإنسان منهم أهله وقد استغنى، فلذلك سمي عروة الصعاليك، فقال في ذلك بعض السنين وقد ضاقت حاله:
لعل ارتيادي في البلاد وبغيتي
وشدي حيازيم المطية بالرحل
سيدفعني يوماً إلى رب هجمةٍ
يدافع عنها بالعقوق وبالبخل
وشدي حيازيم المطية بالرحل
سيدفعني يوماً إلى رب هجمةٍ
يدافع عنها بالعقوق وبالبخل
أغار مع جماعة من قومه على رجل فأخذ إبله وامرأته ثم اختلف معهم فهجاهم:
فزعموا أن الله عز وجل قيض له وهو مع قوم من هلاك عشيرته في شتاءٍ شديد ناقتين دهماوين، فنحر لهم إحداهما وحمل متاعهم وضعفاءهم على الأخرى، وجعل ينتقل بهم من مكان إلى مكان، وكان بين النقرة والربذة فنزل بهم مابينهما بموضع يقال له: ماوان. ثم إن الله عز وج قيض له رجلاً صاحب مائةٍ من الإبل قد فر بها من حقوق قومه- وذلك أول ما ألبن الناس-فقتله وأخذ إبله وامرأته، وكانت من أحسن النساء، فأتى بالإبل أصحاب الكنيف فحلبها لهم وحملهم عليها، حتى إذا دنوا من عشيرتهم أقبل يقسمها بينهم وأخذ مثل نصيب أحدهم، فقالوا: لا واللات والعزى لا نرضى حتى نجعل المرأة نصيباً فمن شاء أخذها، فجعل يهم بأن يحمل عليهم فيقتلهم وينتزع الإبل منهم، ثم يذكر أنهم صنيعته وأنه إن فعل ذلك أفسد ما كان يصنع، فأفكر طويلاً ثم أجابهم إلى أن يرد عليهم الإبل إلا راحلة يحمل عليها المرأة حتى يلحق بأهله، فأبوا ذلك عليه، حتى انتدب رجل منهم فجعل له راحلة من نصيبه؛ فقال عروة في ذلك قصيدته التي أولها:
ألا إن أصحاب الكنيف وجدتهم
كما الناس لما أمرعوا وتمولوا
وإني لمدفـوع إلـي ولاؤهـم
بماوان إذ نمشي وإذ نتملمـل
وإني وإياهم كذي الأم أرهنت
له ماء عينيها تفدي وتحمـل
فباتت بحد المرفقين كليهـمـا
توحوح مما نالها وتـولـول
تخير من أمرين ليسا بغبـطة
هو الثكل إلا أنها قدتجـمـل
سبي ليلى بنت شعواء ثم اختارت أهلها فقال شعراً: وقال ابن الأعرابي في هذه الرواية أيضاً: كان عروة قد سبى امرأة من بني هلال بن عامر بن صعصعة يقال لها: ليلى بنت شعواء، فمكثت عنده زماناً وهي معجبة له تريه أنها تحبه، ثم استزارته أهلها فحملها حتى أتاهم بها، فلما أراد الرجوع أبت أن ترجع معه، وتوعده قومها بالقتل فانصرف عنهم، وأقبل عليها فقال لها: يا ليلى، خبري صواحبك عني كيف أنا؛ فقالت: ما أرى لك عقلاً! أتراني قد اخترت عليك وتقول: خبري عني! فقال في ذلك: كما الناس لما أمرعوا وتمولوا
وإني لمدفـوع إلـي ولاؤهـم
بماوان إذ نمشي وإذ نتملمـل
وإني وإياهم كذي الأم أرهنت
له ماء عينيها تفدي وتحمـل
فباتت بحد المرفقين كليهـمـا
توحوح مما نالها وتـولـول
تخير من أمرين ليسا بغبـطة
هو الثكل إلا أنها قدتجـمـل
تحن إلى ليلى بجـو بـلادهـا
وأنت عليها بالملا كنت أقـدر
وكيف ترجيها وقد حيل دونهـا
وقد جاوزت حياً بتيماء منكرا
لعلك يوماً أن تسـري نـدامة"
علي بما جشمتني يوم غضورا
قال: ثم إن بني عامر أخذوا امرأة من بني عبس ثم من بني سكين يقال لها أسماء، فما لبثت عندهم إلا يوماً حتى استنقذها قومها؛ فبلغ عروة أن عامر بن الطفيل فخر بذلك وذكر أخذه إياها، فقال عروة يعيرهم بأخذه ليلى بنت شعواء الهلالية: وأنت عليها بالملا كنت أقـدر
وكيف ترجيها وقد حيل دونهـا
وقد جاوزت حياً بتيماء منكرا
لعلك يوماً أن تسـري نـدامة"
علي بما جشمتني يوم غضورا
إن تأخذوا أسماء موقـف سـاعةٍ
فمأخذ ليلى وهي عذراء أعجب
السُليك بن السُلكة
تو. نحو 605 م
هو السُليك بن عُمير بن يثربي بن سنان السعدي التميمي . والسُلكة امه ، وهي أمة سوداء . يقال إنه كان أسود اللون او قريباً من السواد . هو أحد شعراء الصعاليك ، تقرب من الشنفري وتأبط شراً وعمرو بن برّاق . وكان من أشد رجال العرب وأشعرهم ومن أدل الناس بالارض واعلمهم بمعالمها واشدهم عدواً فلقب بالرئبال . وقيل إنه لم يغر على مضر بل على اليمن ، وان لم يمكنه ذلك، أغار على ربيعة.
وصلنا القليل من شعر السُليك ، رغم ان البعض يعتبره من أشعر شعراء الصعاليك في الجاهلية . والمقطوعات القليلة التي وصلتنا تظهر ان شعره كان أقرب الى النثر الفصيح منه الى الشعر المبدع ، كما انها تكشف عن جانب مهم من شخصيته التي تميزت بالفردية واقتناص اللذائذ والغنائم ولا تظهره كصاحب فكرة او مبدأ.
مات السُليك بن السُلكة مقتولاً على يد أسد بن مدرك الخثعمي .
وجاء في "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني: هو السليك بن عمرو، وقيل: بن عمير بن يثربي. أحد بني مقاعس، وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. والسلكة: أمة، وهي أمة سوداء.
من صعاليك العرب العدائين: وهو أحد صعاليك العرب العدائين الذين كانوا لا يلحقون، ولا تعلق بهم الخيل إذا عدوا. وهم: السليك بن السلكة، والشنفري، وتأبط شراً، وعمرو بن براق، ونفيل بن براقة. وأخبارهم تذكر على تواليها ها هنا إن شاء الله تعالى في أشعار لهم يغنى فيها؛ لتتصل أحاديثهم.
فأما السليك فأخبرني بخبره الأخفش عن السكري عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي، قال: وفرئ لي خبره وشعره على محمد بن الحسن الأحوال عن الأثرم عن أبي عبيدة. أخبرني ببعضه اليزيدي عن عمه عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل، وقد جمعت رواياتهم، فإذا اختلفت نسبت كل مروي إلى روايه.
يستودع بيض النعام ماء في الشتاء ليشربه في الصيف: قال أبو عبيدة: حدثني المنتجع بن نبهان قال: كان السليك بن عمير السعدي إذا كان الشتاء استودع ببيض النعام ماء السماء ثم دفنه، فإذا كان الصيف وانقطعت إغارة الخيل وأغار. وكان أدل من قطاة -يجيء حتى يقف على البيضة. وكان لا يغير على مضر، وإنما بغير على اليمن، فإذا لم يمكنه ذلك أغار على ربيعة.
وقال المفضل في روايته: وكان السليك من أشد رجال العرب وأنكرهم وأشعرهم. وكانت العرب تدعوه سليك المقانب وكان أدل الناس بالأرض، وأعلمهم بمسالكها، وأشدهم عدواً على رجليه لا تعلق به الخيل. وكان يقول: اللهم إنك تهيئ ما شئت لما شئت إذا شئت. اللهم إني لو كنت ضعيفاً كنت عبداً، ولو كنت امرأة أمة. اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، فأما الهيبة فلا هيبة.
من إنهاء غاراته: فذكروا أنه أملق حتى لم يبق له شيء فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر به فيذهب بإبله، حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردةٍ مقمرةٍ فاشتمل الصماء ثم نام -واشتمال الصماء: أن يرد فضلة ثوبه على عضده اليمنى، ثم ينام عليها-فبينا هو نائم إذ جثم رجل فقعد على جنبه فقال: استأسر. فرفع السليك إليه رأسه، وقال: الليل طويل وأنت مقمر. فأرسلها مثلاً، فجعل الرجل يلهزه ويقول: يا خبيث استأسر. فلما آذاه بذلك أخرج السليك بعده، فضم الرجل إليه ضمة ضرط منها وهو فوقه، فقال السليك: أضرطا وأنت الأعلى؟ فأرسلها مثلاً، ثم قال: من أنت؟ فقال: أنا رجل افتقرت، فقلت: لأخرجن فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني فآتيتهم وأنا غني قال. انطلق معي. فانطلقا، فوجدا رجلاً قصته مثل قصتهما. فاصطحبوا جميعاً حتى أتوا الجوف: جوف مراد.
فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم قد ملأ كل شيء من كثرته. فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها، فيلحقهم الطلب. فقال لهما سليك. كونا قريباً مني حتى آتي الرعاء فأعلم لكما علم الحي، أقريب أم بعيد. فإن كانوا قريباً رجعت إليكما، وإن كانوا بعيداً قلت لكما قولاً أومئ إليكما به فأغيرا. فأنطلق حتى أتى الرعاء، فلم يزن يستنطقهم حتى أخبروه بمكان الحي، فإذا هم بعيد. إن طلبوا لم يدركوا. فقال السليك للرعاء: ألا أغنيكم؟ فقالوا: بلى غننا، فرفع صوته وغنى:
نبأ آخر من أنباء المراتع: قال المفضل: وزعموا أن سليكاً خرج ومعه رجلان من بني الحارث بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم يقال لهما: عمرو وعاصم وهو يريد الغارة، فمر على حي بني شيبان في ربيع والناس مخصبون في عشية فيها ضباب ومطر، فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت وقد أمسى. فقال لأصحابه: كونوا بمكان كذا حتى آتي أهل هذا البيت، فلعلي أن أصيب لكم خيراً، أو آتيكم بطعام قالوا: افعل، فانطلق وقد أمسى وجن عليه الليل، فإذا البيت بيت رويم، وهو جد حوشب بن يزيد بن رويم، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت.
فأتى سليك البيت من مؤخره فدخله، فلم يلبث أن راح ابنه بإبله. فلما أراحها غضب الشيخ، فقال لابنه: هلا عشيتها ساعة من الليل. فقال له ابنه: إنها أبت العشاء فقال: العاشية تهيج الآبية، فأرسلها مثلاً. ثم غضب الشيخ، ونفض ثوبه في وجهها، فرجعت إلى مراتعها ومعها الشيخ حتى مالت بأدنى روضة. فرتعت. وحبس الشيخ عندها لتتعشى، وغطى وجهه بثوبه من البرد، وتبعه سليك.
فلما وجد الشيخ مغترا ختله من ورائه، فضربه فأطار رأسه، وصاح بالإبل فطردها، فلم يشعر صاحباه -وقد ساء ظنهما وتخوفا عليه- حتى إذا هما بالسليك يطردها فطرداها معه، وقال سليك في ذلك:
فقال قيس بن المكشوح: خذ بين مهب الجنوب والصبا، ثم سر حتى لا تدري أين ظل الشجرة؟ فإذا انقطعت المياه فسر أربعاً حتى تبدو لك رملةٌ وقف بينها الطريق، فإنك ترد على قومي مراد وخثعم. فقال السليك: خذ بين مطلع سهيل ويد الجوزاء اليسرى العاقد لها من أفق السماء، فثم منازل قومي بني سعد بن زيد مناة.
فانطلق قيس إلى قومه فأخبرهم الخبر، فقال أبوه المكشوح: ثكلتك أمك. هل تدري من لقيت؟ قال: لقيت رجلاً فضلاً كأنما خرج من أهله، فقال: هو والله سليك بن سعد.
فاستعلق واستعوى السليك قومه فخرج أحماس بني سعد وبني عبد شمس -وكان في الربيع يعمد إلى بيض النعام فيملؤه من الماء ويدفنه في طريق اليمن في المفاوز. قال: فإذا غزا في الصيف مر به فاستثاره - فمر بأصحابه حتى إذا انقطعت عنهم المياه قالوا: يا سليك أهلكتنا ويحك! قال: قد بلغتم الماء، ما أقربكم منه! حتى إذا انتهى إلى قريب من المكان الذي خبأ فيه طلبه فلم يجده، وجعل يتردد في طلبه. فقال بعض أصحابه لبعض: أين يقودكم هذا العبد؟ قد والله هلكتم، وسمع ذلك. ثم أصاب الماء بعد ما ساء ظنهم، فهم السليك بقتل بعضهم، ثم أمسك.
فانصرفت عنه بنو عبد شمس في طوائف من بني سعد. قال: ومضى السليك في بني مقاعس ومعه رجل من بني حرام يقال له: صرد. فلما رأى أصحابه قد انصرفوا بكى ومضى به السليك، حتى إذا دنوا من بلاد خثعم ضلت ناقة صرد في جوف الليل، فخرج في طلبها، فأصابه أناس حين أصبح، فإذا هم مراد وخثعم، فأسروه، ولحقه السليك فاقتتلوا قتالاً شديداً.
وكان أول من لقيه قيس بن مكشوح، فأسره السليك بعد أن ضربه ضربة أشرفت على نفسه، وأصاب من نعمهم ما عجز عنه هو وأصحابه، وأصاب أم الحارث بنت عوف بن يربوع الخثعمية يومئذ، واستنقذ صرد من أيدي خثعم، ثم انصرف مسرعاً، فلحق بأصحابه الذين انصرفوا عنه قبل أن يصلوا إلى الحي، وهم أكثر من الذين شهدوا معه، فقسمها بينهم على سهام الذين شهدوا. وقال السليك في ذلك:
من أنباء قدرته على الاحتمال: قال أبو عبيدة: وبلغني أن السليك بن السلكة رأته طلائع جيش لبكر بن وائل، وكانوا جازوا منحدرين ليغيروا على بني تميم ولا يعلم بهم أحد، فقالوا: إن علم السليك بنا أنذر قومه، فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلما هايجاه خرج يمحص كأنه ظبي، ، وطارداه سحابة يومه، ثم قالا: إذا كان الليل أعيا، ثم سقط أو قصر عن العدو، فنأخذه.
فلما أصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة فنزعها ، فندرت قوسه فانحطمت، فوجدا قصدة منها قد ارتزت بالأرض، فقالا: ما له، أخزاه الله؟ ما أشده! وهما بالرجوع، ثم قالا: لعل هذا كان من أول الليل ثم فتر، فتبعاه، فإذا أثره متفاج قد بال فرغا في الأرض وخدها فقالا: ما له قاتله الله؟ ما أشد متنه! والله لا نتبعه أبداً، فانصرفا. ونمى إلى قومه وأنذرهم، فكذبوه لبعد الغاية، فأنشأ يقول:
قال، وجاء الجيش فأغاروا على جمعهم.
كان يقال له: سليك المقانب: قال: وكان يقال للسليك سليك المقانب، وقد قال في ذلك فرار الأسدي -وكان قد وجد قوماً يتحدثون إلى امرأته من بني عمها فعقرها بالسيف، فطلبه بنو عمها فهرب ولم يقدروا عليه- فقال في ذلك:
فقال شيخ منهم: إنه إذا عدا لم يتعلق به، فدعوه حتى يرد الماء، فإذا شرب وثقل لم يستطع العدو، وظفرتم به، فأمهلوه حتى ورد الماء وشرب، ثم بادروه، فلما علم أنه مأخوذ خاتلهم وقصد لأدنى بيوتهم حتى ولج على امرأة منهم يقال لها: فكيهة، فاستجار بها، فمنعته، وجعلته تحت درعها، واخترطت السيف، وقامت دونه، فكاثروها فكشفت خمارها عن شعرها، وصاحت بإخوتها فجاءوا، ودفعوا عنه حتى نجا من القتل، فقال السليك في ذلك:
من قصائده:..
لبسنا زماناً حسنها وشـبـابـهـا
وردت إلى شعواء والرأس أشيب
حاجز بن عوف الأزدي
هو حاجز بن عوف بن الحارث بن الأخشم بن عبد الله بن ذهل بن مالك بن سلامان بن مفرج الأزدي.
جاء في كتاب الأغاني عن حاجز بن عوفأنه شاعر جاهلي من شعراء اللصوص المغيرين العدائين من أغربة العرب سرى إليه السواد من أمه. توفي قبل الإسلام بفترة قصيرة. وهو حليف لبني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، وفي ذلك يقول:
قال أحدهم: أغارت خثعم على بني سلامان وفيهم عمرو بن معد يكرب، وقد استنجدت به خثعم على بني سلامان، فالتقوا واقتتلوا، فطعن عمرو بن معد يكرب حاجزاً فأنفذ فخذه، فصاح حاجز: يا آل الأزد! فندم عمرو وقال: خرجت غازياً وفجعت أهلي. وانصرف، فقال عزيل الخثعمي يذكر طعنة عمروٍ حاجزاً، فقال:
كمأخذنا حسناء كرهاً ودمعـهـا
غداة اللوي معصوية يتصـبـب
فمأخذ ليلى وهي عذراء أعجب
السُليك بن السُلكة
تو. نحو 605 م
هو السُليك بن عُمير بن يثربي بن سنان السعدي التميمي . والسُلكة امه ، وهي أمة سوداء . يقال إنه كان أسود اللون او قريباً من السواد . هو أحد شعراء الصعاليك ، تقرب من الشنفري وتأبط شراً وعمرو بن برّاق . وكان من أشد رجال العرب وأشعرهم ومن أدل الناس بالارض واعلمهم بمعالمها واشدهم عدواً فلقب بالرئبال . وقيل إنه لم يغر على مضر بل على اليمن ، وان لم يمكنه ذلك، أغار على ربيعة.
وصلنا القليل من شعر السُليك ، رغم ان البعض يعتبره من أشعر شعراء الصعاليك في الجاهلية . والمقطوعات القليلة التي وصلتنا تظهر ان شعره كان أقرب الى النثر الفصيح منه الى الشعر المبدع ، كما انها تكشف عن جانب مهم من شخصيته التي تميزت بالفردية واقتناص اللذائذ والغنائم ولا تظهره كصاحب فكرة او مبدأ.
مات السُليك بن السُلكة مقتولاً على يد أسد بن مدرك الخثعمي .
وجاء في "الأغاني" لأبي الفرج الأصفهاني: هو السليك بن عمرو، وقيل: بن عمير بن يثربي. أحد بني مقاعس، وهو الحارث بن عمرو بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم. والسلكة: أمة، وهي أمة سوداء.
من صعاليك العرب العدائين: وهو أحد صعاليك العرب العدائين الذين كانوا لا يلحقون، ولا تعلق بهم الخيل إذا عدوا. وهم: السليك بن السلكة، والشنفري، وتأبط شراً، وعمرو بن براق، ونفيل بن براقة. وأخبارهم تذكر على تواليها ها هنا إن شاء الله تعالى في أشعار لهم يغنى فيها؛ لتتصل أحاديثهم.
فأما السليك فأخبرني بخبره الأخفش عن السكري عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي، قال: وفرئ لي خبره وشعره على محمد بن الحسن الأحوال عن الأثرم عن أبي عبيدة. أخبرني ببعضه اليزيدي عن عمه عن ابن حبيب عن ابن الأعرابي عن المفضل، وقد جمعت رواياتهم، فإذا اختلفت نسبت كل مروي إلى روايه.
يستودع بيض النعام ماء في الشتاء ليشربه في الصيف: قال أبو عبيدة: حدثني المنتجع بن نبهان قال: كان السليك بن عمير السعدي إذا كان الشتاء استودع ببيض النعام ماء السماء ثم دفنه، فإذا كان الصيف وانقطعت إغارة الخيل وأغار. وكان أدل من قطاة -يجيء حتى يقف على البيضة. وكان لا يغير على مضر، وإنما بغير على اليمن، فإذا لم يمكنه ذلك أغار على ربيعة.
وقال المفضل في روايته: وكان السليك من أشد رجال العرب وأنكرهم وأشعرهم. وكانت العرب تدعوه سليك المقانب وكان أدل الناس بالأرض، وأعلمهم بمسالكها، وأشدهم عدواً على رجليه لا تعلق به الخيل. وكان يقول: اللهم إنك تهيئ ما شئت لما شئت إذا شئت. اللهم إني لو كنت ضعيفاً كنت عبداً، ولو كنت امرأة أمة. اللهم إني أعوذ بك من الخيبة، فأما الهيبة فلا هيبة.
من إنهاء غاراته: فذكروا أنه أملق حتى لم يبق له شيء فخرج على رجليه رجاء أن يصيب غرة من بعض من يمر به فيذهب بإبله، حتى أمسى في ليلة من ليالي الشتاء باردةٍ مقمرةٍ فاشتمل الصماء ثم نام -واشتمال الصماء: أن يرد فضلة ثوبه على عضده اليمنى، ثم ينام عليها-فبينا هو نائم إذ جثم رجل فقعد على جنبه فقال: استأسر. فرفع السليك إليه رأسه، وقال: الليل طويل وأنت مقمر. فأرسلها مثلاً، فجعل الرجل يلهزه ويقول: يا خبيث استأسر. فلما آذاه بذلك أخرج السليك بعده، فضم الرجل إليه ضمة ضرط منها وهو فوقه، فقال السليك: أضرطا وأنت الأعلى؟ فأرسلها مثلاً، ثم قال: من أنت؟ فقال: أنا رجل افتقرت، فقلت: لأخرجن فلا أرجع إلى أهلي حتى أستغني فآتيتهم وأنا غني قال. انطلق معي. فانطلقا، فوجدا رجلاً قصته مثل قصتهما. فاصطحبوا جميعاً حتى أتوا الجوف: جوف مراد.
فلما أشرفوا عليه إذا فيه نعم قد ملأ كل شيء من كثرته. فهابوا أن يغيروا فيطردوا بعضها، فيلحقهم الطلب. فقال لهما سليك. كونا قريباً مني حتى آتي الرعاء فأعلم لكما علم الحي، أقريب أم بعيد. فإن كانوا قريباً رجعت إليكما، وإن كانوا بعيداً قلت لكما قولاً أومئ إليكما به فأغيرا. فأنطلق حتى أتى الرعاء، فلم يزن يستنطقهم حتى أخبروه بمكان الحي، فإذا هم بعيد. إن طلبوا لم يدركوا. فقال السليك للرعاء: ألا أغنيكم؟ فقالوا: بلى غننا، فرفع صوته وغنى:
يا صاحبي ألا لا حي بالوادي
سوى عبـيد وآم بـين أذواد
أتنظران قريباً ريث غفلتهـم
أم تغدوان فإن الريح للغادي؟
فلما سمعا ذلك أتيا السليك، فأطردوا الإبل فذهبوا بها ولم يبلغ الصريخ الحي حتى فاتوهم بالإبل.سوى عبـيد وآم بـين أذواد
أتنظران قريباً ريث غفلتهـم
أم تغدوان فإن الريح للغادي؟
نبأ آخر من أنباء المراتع: قال المفضل: وزعموا أن سليكاً خرج ومعه رجلان من بني الحارث بن امرئ القيس بن زيد مناة بن تميم يقال لهما: عمرو وعاصم وهو يريد الغارة، فمر على حي بني شيبان في ربيع والناس مخصبون في عشية فيها ضباب ومطر، فإذا هو ببيت قد انفرد من البيوت وقد أمسى. فقال لأصحابه: كونوا بمكان كذا حتى آتي أهل هذا البيت، فلعلي أن أصيب لكم خيراً، أو آتيكم بطعام قالوا: افعل، فانطلق وقد أمسى وجن عليه الليل، فإذا البيت بيت رويم، وهو جد حوشب بن يزيد بن رويم، وإذا الشيخ وامرأته بفناء البيت.
فأتى سليك البيت من مؤخره فدخله، فلم يلبث أن راح ابنه بإبله. فلما أراحها غضب الشيخ، فقال لابنه: هلا عشيتها ساعة من الليل. فقال له ابنه: إنها أبت العشاء فقال: العاشية تهيج الآبية، فأرسلها مثلاً. ثم غضب الشيخ، ونفض ثوبه في وجهها، فرجعت إلى مراتعها ومعها الشيخ حتى مالت بأدنى روضة. فرتعت. وحبس الشيخ عندها لتتعشى، وغطى وجهه بثوبه من البرد، وتبعه سليك.
فلما وجد الشيخ مغترا ختله من ورائه، فضربه فأطار رأسه، وصاح بالإبل فطردها، فلم يشعر صاحباه -وقد ساء ظنهما وتخوفا عليه- حتى إذا هما بالسليك يطردها فطرداها معه، وقال سليك في ذلك:
وعاشيةٍ راحت بطانا ذعـرتـهـا
بسوط قتيل وسطـهـا يتـسـيف
كأن عليه لـون بـرد مـحـبـر
إذا ما أتـاه صـارخ يتـلـهـف
فبات لها أهل خـلاءٌ فـنـاؤهـم
ومرت بهم طير فلـم يتـعـيفـوا
وباتوا يظنون الظنون وصحبـتـي
إذا ما علوا نشزا أهلوا وأوجفـوا
وما نلتها حتى تصعلكـت حـقـبة
وكدت لأسباب المـنـية أعـرف
وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرني
إذا قمت تغشاني ظلالفـأسـدف
من حيله للغارة: وقال الأثرم في روايته عن أبي عبيدة: خرج سليك في الشهر الحرام حتى أتى عكاظ، فلما اجتمع الناس ألقى ثيابه، ثم خرج متفضلاً مترجلاً، فجعل يطوف الناس ويقول: من يصف لي منازل قومه، وأصف له منازل قومي؟ فلقيه قيس بن مكشوح المرادي، فقال: أنا أصف لم منازل قومي، وصف لي منازل قومك، فتوافقا، وتعاهدا ألا يتكاذبا.بسوط قتيل وسطـهـا يتـسـيف
كأن عليه لـون بـرد مـحـبـر
إذا ما أتـاه صـارخ يتـلـهـف
فبات لها أهل خـلاءٌ فـنـاؤهـم
ومرت بهم طير فلـم يتـعـيفـوا
وباتوا يظنون الظنون وصحبـتـي
إذا ما علوا نشزا أهلوا وأوجفـوا
وما نلتها حتى تصعلكـت حـقـبة
وكدت لأسباب المـنـية أعـرف
وحتى رأيت الجوع بالصيف ضرني
إذا قمت تغشاني ظلالفـأسـدف
فقال قيس بن المكشوح: خذ بين مهب الجنوب والصبا، ثم سر حتى لا تدري أين ظل الشجرة؟ فإذا انقطعت المياه فسر أربعاً حتى تبدو لك رملةٌ وقف بينها الطريق، فإنك ترد على قومي مراد وخثعم. فقال السليك: خذ بين مطلع سهيل ويد الجوزاء اليسرى العاقد لها من أفق السماء، فثم منازل قومي بني سعد بن زيد مناة.
فانطلق قيس إلى قومه فأخبرهم الخبر، فقال أبوه المكشوح: ثكلتك أمك. هل تدري من لقيت؟ قال: لقيت رجلاً فضلاً كأنما خرج من أهله، فقال: هو والله سليك بن سعد.
فاستعلق واستعوى السليك قومه فخرج أحماس بني سعد وبني عبد شمس -وكان في الربيع يعمد إلى بيض النعام فيملؤه من الماء ويدفنه في طريق اليمن في المفاوز. قال: فإذا غزا في الصيف مر به فاستثاره - فمر بأصحابه حتى إذا انقطعت عنهم المياه قالوا: يا سليك أهلكتنا ويحك! قال: قد بلغتم الماء، ما أقربكم منه! حتى إذا انتهى إلى قريب من المكان الذي خبأ فيه طلبه فلم يجده، وجعل يتردد في طلبه. فقال بعض أصحابه لبعض: أين يقودكم هذا العبد؟ قد والله هلكتم، وسمع ذلك. ثم أصاب الماء بعد ما ساء ظنهم، فهم السليك بقتل بعضهم، ثم أمسك.
فانصرفت عنه بنو عبد شمس في طوائف من بني سعد. قال: ومضى السليك في بني مقاعس ومعه رجل من بني حرام يقال له: صرد. فلما رأى أصحابه قد انصرفوا بكى ومضى به السليك، حتى إذا دنوا من بلاد خثعم ضلت ناقة صرد في جوف الليل، فخرج في طلبها، فأصابه أناس حين أصبح، فإذا هم مراد وخثعم، فأسروه، ولحقه السليك فاقتتلوا قتالاً شديداً.
وكان أول من لقيه قيس بن مكشوح، فأسره السليك بعد أن ضربه ضربة أشرفت على نفسه، وأصاب من نعمهم ما عجز عنه هو وأصحابه، وأصاب أم الحارث بنت عوف بن يربوع الخثعمية يومئذ، واستنقذ صرد من أيدي خثعم، ثم انصرف مسرعاً، فلحق بأصحابه الذين انصرفوا عنه قبل أن يصلوا إلى الحي، وهم أكثر من الذين شهدوا معه، فقسمها بينهم على سهام الذين شهدوا. وقال السليك في ذلك:
بكى صردٌ لما رأى الحي أعرضت
مهامه رمل دونهـم وسـهـوب
وخوفه ريب الـزمـان وفـقـره
بلاد عـدو حـاضـر وجـدوب
ونأي بعيد عن بـلاد مـقـاعـس
وأن مخـاريق الأمـور تـريب
سيكفيك فقد الحي لحمٌ مـغـرض
وماء قدور في الجفان مـشـوب
ألم ترأن الدهر لـونـان لـونـه
وطوران بشـر مـرة وكـذوب
فما خير من لا يرتجى خـير أوبة
ويخشى علـيه مـرية وحـروب
رددت عليه نفسـه فـكـأنـمـا
تلاقى عليه منـسـر وسـروب
فما ذر قرن الشمس حتـى أريتـه
قصار المنايا والـغـبـار يثـوب
وضاربت عنه القوم حتى كأنـمـا
يصعد فـي آثـارهـم ويصـوب
وقلت له خذ هـجـمة حـمـيريةٍ
وأهلا ولا يبعد عـلـيك شـروب
وليلةً جابـان كـررت عـلـيهـم
على ساعة فيها الإياب حـبـيب
عشية كرت بالـحـرامـي نـاقة
بحي هلاً تدعى بـه فـتـجـيب
فضاربت أولي الخيل حتى كأنمـا
أميل عـلـيهـا أيدعوصـبـيب
الأيدع: دم الأخوين، والصبيب: الحناء.مهامه رمل دونهـم وسـهـوب
وخوفه ريب الـزمـان وفـقـره
بلاد عـدو حـاضـر وجـدوب
ونأي بعيد عن بـلاد مـقـاعـس
وأن مخـاريق الأمـور تـريب
سيكفيك فقد الحي لحمٌ مـغـرض
وماء قدور في الجفان مـشـوب
ألم ترأن الدهر لـونـان لـونـه
وطوران بشـر مـرة وكـذوب
فما خير من لا يرتجى خـير أوبة
ويخشى علـيه مـرية وحـروب
رددت عليه نفسـه فـكـأنـمـا
تلاقى عليه منـسـر وسـروب
فما ذر قرن الشمس حتـى أريتـه
قصار المنايا والـغـبـار يثـوب
وضاربت عنه القوم حتى كأنـمـا
يصعد فـي آثـارهـم ويصـوب
وقلت له خذ هـجـمة حـمـيريةٍ
وأهلا ولا يبعد عـلـيك شـروب
وليلةً جابـان كـررت عـلـيهـم
على ساعة فيها الإياب حـبـيب
عشية كرت بالـحـرامـي نـاقة
بحي هلاً تدعى بـه فـتـجـيب
فضاربت أولي الخيل حتى كأنمـا
أميل عـلـيهـا أيدعوصـبـيب
من أنباء قدرته على الاحتمال: قال أبو عبيدة: وبلغني أن السليك بن السلكة رأته طلائع جيش لبكر بن وائل، وكانوا جازوا منحدرين ليغيروا على بني تميم ولا يعلم بهم أحد، فقالوا: إن علم السليك بنا أنذر قومه، فبعثوا إليه فارسين على جوادين، فلما هايجاه خرج يمحص كأنه ظبي، ، وطارداه سحابة يومه، ثم قالا: إذا كان الليل أعيا، ثم سقط أو قصر عن العدو، فنأخذه.
فلما أصبحا وجدا أثره قد عثر بأصل شجرة فنزعها ، فندرت قوسه فانحطمت، فوجدا قصدة منها قد ارتزت بالأرض، فقالا: ما له، أخزاه الله؟ ما أشده! وهما بالرجوع، ثم قالا: لعل هذا كان من أول الليل ثم فتر، فتبعاه، فإذا أثره متفاج قد بال فرغا في الأرض وخدها فقالا: ما له قاتله الله؟ ما أشد متنه! والله لا نتبعه أبداً، فانصرفا. ونمى إلى قومه وأنذرهم، فكذبوه لبعد الغاية، فأنشأ يقول:
يكذبني العمران عمرو بن جنـدب
وعمرو بن سعد والمكذب أكـذب
لعمرك ما ساعيت من سعى عاجز
ولا أنا بالواني فـفـيم أكـذب ؟
ثكلتكما إن لم أكن قـد رأيتـهـا
كراديس يهديها إلى الحي موكب
كراديس فيها الحوفزان وقـومـه
فوارس همام متى يدعيركـبـوا
-يعني الحوفزان بن شريك الشيباني-.وعمرو بن سعد والمكذب أكـذب
لعمرك ما ساعيت من سعى عاجز
ولا أنا بالواني فـفـيم أكـذب ؟
ثكلتكما إن لم أكن قـد رأيتـهـا
كراديس يهديها إلى الحي موكب
كراديس فيها الحوفزان وقـومـه
فوارس همام متى يدعيركـبـوا
تفاقدتم هـل أنـكـرن مـغـيرة
مع الصبح يهديهن أشقر مغرب ؟
تفاقدتم: يدعو عليهم بالتفاقد .مع الصبح يهديهن أشقر مغرب ؟
قال، وجاء الجيش فأغاروا على جمعهم.
كان يقال له: سليك المقانب: قال: وكان يقال للسليك سليك المقانب، وقد قال في ذلك فرار الأسدي -وكان قد وجد قوماً يتحدثون إلى امرأته من بني عمها فعقرها بالسيف، فطلبه بنو عمها فهرب ولم يقدروا عليه- فقال في ذلك:
لزوار ليلـى مـنـكـم آل بـرثـن
على الهول أمضي من سليك المقانب
يزورونـهـا ولا أزور نـسـاءهـم
ألهفى لأولد الإمـاءالـحـواطـب
يلجأ إلى امرأة فتنقذه فيقول فيها شعراً: وقال أبو عبيدة: أغار السليك على بني عوار بطن من بني مالك بن ضبيعة، فلم يظفر منهم بفائدة، وأرادوا مساورته.على الهول أمضي من سليك المقانب
يزورونـهـا ولا أزور نـسـاءهـم
ألهفى لأولد الإمـاءالـحـواطـب
فقال شيخ منهم: إنه إذا عدا لم يتعلق به، فدعوه حتى يرد الماء، فإذا شرب وثقل لم يستطع العدو، وظفرتم به، فأمهلوه حتى ورد الماء وشرب، ثم بادروه، فلما علم أنه مأخوذ خاتلهم وقصد لأدنى بيوتهم حتى ولج على امرأة منهم يقال لها: فكيهة، فاستجار بها، فمنعته، وجعلته تحت درعها، واخترطت السيف، وقامت دونه، فكاثروها فكشفت خمارها عن شعرها، وصاحت بإخوتها فجاءوا، ودفعوا عنه حتى نجا من القتل، فقال السليك في ذلك:
لعمر أبيك والأنباء تـنـمـى
لنعم الجار أخت بني عـوارا
من الخفرات لم تفضح أباهـا
ولم ترفع لإخوتهـا شـنـارا
كأن مجامع الأرداف منـهـا
نقاً درجت عليه الريح هـارا
يعاف وصال ذات البذل قلبـي
ويتبع الممـنـعة الـنـوارا
وما عجزت فكيهة يوم قامـت
بنصل السيف واستلبوا الخمارا
خبر مقتله: وقال السكري في خبر مقتله: إنه لقي رجلاً من خثعم في أرض يقال لها: فخة، بين أرض عقيل وسعد تميم، وكان يقال للرجل: مالك بن عمير بن أبي ذراع بن جشم بن عوف، فأخذه ومعه امرأة له من خفاجة يقال لها:النوار، فقال له الخثمعي: أنا أفدي نفسي منك، فقال له: السليك: ذلك لك، على ألا تخيس بي، ولا تطلع علي أحداً من خثعم، فحالفه على ذلك، ورجع إلى قومه، وخلف امرأته رهينة معه، فنكحها السليك، وجعلت تقول: احذر خثعم؛ فإني أخافهم عليك، فأنشأ يقول: لنعم الجار أخت بني عـوارا
من الخفرات لم تفضح أباهـا
ولم ترفع لإخوتهـا شـنـارا
كأن مجامع الأرداف منـهـا
نقاً درجت عليه الريح هـارا
يعاف وصال ذات البذل قلبـي
ويتبع الممـنـعة الـنـوارا
وما عجزت فكيهة يوم قامـت
بنصل السيف واستلبوا الخمارا
تحذرني كي أحذر العام خثعمـا
وقد علمت أني امرؤ غير مسلم
ومـا خـثـعـم إلا لــئام أذلة
إلى الذل والإسحاق تنمي وتنتمي
قال: وبلغ ذلك شبل بن قلادة بن عمر بن سعد، وأنس بن مدرك الخثعميين، فخالفا إلى السليك، فلم يشعر إلا وقد طرقاه في الخيل، فأنشأ يقول: وقد علمت أني امرؤ غير مسلم
ومـا خـثـعـم إلا لــئام أذلة
إلى الذل والإسحاق تنمي وتنتمي
من مبلغ جذمي بأبني مقتول؟
يا رب نهب قد حويت عثكول
ورب قرن قد تركت مجدول
ورب زوج قد نكحت عطبول
ورب عانٍ قد فككت مكبـول
ورب واد قد قطعت مسبـول
قال أنس للشبل: إن شئت كفيتك القوم واكفني الرجل، وإن شئت أكفني القوم أكفك الرجل. قال: بل أكفيك القوم، فشد أنس على السليك فقتله، وقتل شبل وأصحابه من كان معه.يا رب نهب قد حويت عثكول
ورب قرن قد تركت مجدول
ورب زوج قد نكحت عطبول
ورب عانٍ قد فككت مكبـول
ورب واد قد قطعت مسبـول
من قصائده:..
لبسنا زماناً حسنها وشـبـابـهـا
وردت إلى شعواء والرأس أشيب
حاجز بن عوف الأزدي
هو حاجز بن عوف بن الحارث بن الأخشم بن عبد الله بن ذهل بن مالك بن سلامان بن مفرج الأزدي.
جاء في كتاب الأغاني عن حاجز بن عوفأنه شاعر جاهلي من شعراء اللصوص المغيرين العدائين من أغربة العرب سرى إليه السواد من أمه. توفي قبل الإسلام بفترة قصيرة. وهو حليف لبني مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي، وفي ذلك يقول:
قومي سلامان إما كـنـت سـائلةً
وفي قريش كريم الحلف والحسب
إني متى أدع مخزوماً تري عنقـاً
لا يرعشون لضرب القوم من كثب
يدعى المغيرة في أولى عـديدهـم
أولاد مرأسةٍ ليسوا مـنالـذنـب
وهو شاعر مقل، ليس من مشهوري الشعراء، وهو أحد الصعاليك المغيرين على قبائل العرب، وممن كان يعدو على رجليه عدواً يستبق بن الخيل.وفي قريش كريم الحلف والحسب
إني متى أدع مخزوماً تري عنقـاً
لا يرعشون لضرب القوم من كثب
يدعى المغيرة في أولى عـديدهـم
أولاد مرأسةٍ ليسوا مـنالـذنـب
قال أحدهم: أغارت خثعم على بني سلامان وفيهم عمرو بن معد يكرب، وقد استنجدت به خثعم على بني سلامان، فالتقوا واقتتلوا، فطعن عمرو بن معد يكرب حاجزاً فأنفذ فخذه، فصاح حاجز: يا آل الأزد! فندم عمرو وقال: خرجت غازياً وفجعت أهلي. وانصرف، فقال عزيل الخثعمي يذكر طعنة عمروٍ حاجزاً، فقال:
أعجز حاجـزٌ مـنـا وفـيه
مشلشلة كحـاشـية الإزار
فعز علي ما أعجزت منـي
وقد أقسمت لا يضربك ضار
فأجابه حاجز فقال: مشلشلة كحـاشـية الإزار
فعز علي ما أعجزت منـي
وقد أقسمت لا يضربك ضار
إن تذكروا يوم القـري فـإنـه
بواءٌ بـأيامٍ كـثـيرٍ عـديدهـا
فنحن أبحنا بالشخيصة واهـنـاً
جهاراً فجئنا بالنساء نقـودهـا
ويوم كراءٍ قد تدارك ركضـنـا
بني مالكٍ والخيل صعرٌ خدودها
ويوم الأراكات اللواتي تأخـرت
سراة بني لهبان يدعة شريدهـا
ونحن صبحنا الحي يوم تنـومةٍ
بملمومة يهوى الشجاع وئيدهـا
ويوم شروم قد تركنـا عـصـابة
لدى جانب الطرفاء حمراً جلودها
فما رغمت حلفاً لأمرٍ يصيبـهـا
من الذل إلا نحن رغماًنزيدهـا
قال أبو عمرو: خرج حاجز في بعض أسفاره فلم يعد، ولا عرف له خبر، فكانوا يرون أنه مات عطشاً أو ضل، فقال أخته ترثيه: بواءٌ بـأيامٍ كـثـيرٍ عـديدهـا
فنحن أبحنا بالشخيصة واهـنـاً
جهاراً فجئنا بالنساء نقـودهـا
ويوم كراءٍ قد تدارك ركضـنـا
بني مالكٍ والخيل صعرٌ خدودها
ويوم الأراكات اللواتي تأخـرت
سراة بني لهبان يدعة شريدهـا
ونحن صبحنا الحي يوم تنـومةٍ
بملمومة يهوى الشجاع وئيدهـا
ويوم شروم قد تركنـا عـصـابة
لدى جانب الطرفاء حمراً جلودها
فما رغمت حلفاً لأمرٍ يصيبـهـا
من الذل إلا نحن رغماًنزيدهـا
أحيٌ حاجزٌ أم لـيس حـياً
فيسلك بين جندف والبهـيم
ويشرب شربةً من ماء ترج
فيصدر مشية السبعالكليم
أبلغ أميمة عوض أمسى بزنا
سلباً وما إن سرها ننـكـبـا
لولا تقارب رأفة وعيونـهـا
حمشاً مصعداً ومـصـوبـا
يا دار من ماوي بالسـهـب
بنيت على خطب من الخطب
إذ لا تـرى إلا مـقـاتــلة
وعجانساً يرقلن بالـركـب
ومدججاً يسعى بـشـكـتـه
محمرةً عيناه كـالـكـلـب
ومعاشراً صدأ الحديد بهـم
عبق الهناء مخاطم الجرب
الشعر للحارث بن الطفيل الدوسي، والغناء لمعبد، رمل بالبنصر، من رواية يحيى المكي، وفيه لابن سريج خفيف ثقيلٍ مطلقٌ في مجرى البنصر عن إسحاق، والله أعلم".فيسلك بين جندف والبهـيم
ويشرب شربةً من ماء ترج
فيصدر مشية السبعالكليم
أبلغ أميمة عوض أمسى بزنا
سلباً وما إن سرها ننـكـبـا
لولا تقارب رأفة وعيونـهـا
حمشاً مصعداً ومـصـوبـا
يا دار من ماوي بالسـهـب
بنيت على خطب من الخطب
إذ لا تـرى إلا مـقـاتــلة
وعجانساً يرقلن بالـركـب
ومدججاً يسعى بـشـكـتـه
محمرةً عيناه كـالـكـلـب
ومعاشراً صدأ الحديد بهـم
عبق الهناء مخاطم الجرب
كمأخذنا حسناء كرهاً ودمعـهـا
غداة اللوي معصوية يتصـبـب







