المثال الأعلى لمكانة المـرأة في الإسـلام
02-05-2009, 08:43 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها
المثال الأعلى لمكانة المـرأة في الإسـلام
الحمد لله وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده.
أما بعد؛
لما كان للنساء في الإسلام مرتبة متفردة، لم تشهدها الحضارات السابقة واللاحقة، فالمرأة في الإسلام تتمتع بالحرية الحقيقية التي تعبر عن فطرتها، و مكامن نفسها الحقيقية، فإنه وإن كان الشر كالخير من جبلة الإنسان، فإن الخير هو الذي يعبر عن حقيقة الإنسان، الذي أراد الله له الخير في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فزوده بأسباب هذا الخير، من الفطرة الصحيحة، والعقل الراشد، و الكتاب المنزل.
وعليه، فالحرية الحقيقية ليست هي أن يطلق الإنسان لنفسه العنان، غير مميز بين حاجاته النفسية والروحية و القيّمية، وبين حاجاته الحيوانية التي زود به لتخدم غرض خلافته في الأرض، فلا يجب أن يجعل من الوسيلة هي الغاية.
إن الحرية الحقيقية هي الانسجام مع التكاليف و الأعباء، فكل من يقوم بالتكاليف الملقاة على عاتقه على الوجه الشرعي فهو الإنسان الحر، إن الحرية عدم الخضوع لمن ليس له عليك سلطة معنوية أو مادية، فخضوع الإنسان للإنسان، أو خضوعه لشهواته ونزواته ليس من الحرية في شيء، بل هو صميم الاستعباد.
ولكن خضوع الإنسان إلى من جعله الله عليه سلطانا وراعيا، هو الخضوع لله ليس لهذا السلطان أو ذاك الرئيس، لأنه متى أمرت بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فخضوعك للقانون الإلهي وخضوعك لولي أمرك بالتي هي أحسن، وخضوع الولد لأبيه، وخضوع المرأة لزوجهاتحت قاعدة:لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق،هو من الخضوع لله، فأنت حر من كل القيود إلا قيود الشرع.
و الشرع قانون من القوانين، ولكنه قانون رباني شرعه الله وفق علمه وحكمته، و ليس قانونا بشريا شرعه الإنسان وفق ثقافته وعلمه، فالفرق بينهما كالفرق بين علم الله و علم الإنسان، و الفرق بين حكمة الله وحكمة الإنسان، كالفرق بين الحي الذي لا يموت، وبين الحي الذي يموت، كالفرق بين من لا ينام ولا ينسى و لا يسهى ولا يخطىء، وبين من ينام و ينسى و يسهى و يخطيء.
فإذا كان الناس لا يحسون بالاستعباد عندما يخضعون للقانون الوضعي، فلماذا يحسون بالاستعباد إذا خضعوا لشريعة الله، فما سبب من يشعر بذلك إلا أن القانون الذي ينبع من نفسية الإنسان و يوافق هواه يشعر تحته هذا الإنسان بالحرية و الطلاقة، ولما كانت نفوس هؤلاء لا تعرف التقوى، و قد فسدت فطرهم شرعوا قوانين توافق أنفسهم.
فالإنسان متى خضع لقانون يوافق نفسه وهواه لم يشعر بالاستعباد، ومتى خضع لقانون يعارض نفسه وهواه شعر بالاستعباد، فالفرق في الحقيقة من حيث الشعور بالاستعباد ليس بين القانون الشرعي و القانون الوضعي، ولكنه فرق في الأهواء، فمن سلمت فطرته وزكت نفسه كان هواه تبعا لما جاء به الرسول، فلا يشعر بالاستعباد أو التكليف بمعنى فعل ما فيه مشقة، كما كان حال الرسول و الصحابة و الصالحين يجدون في الصلاة و الذكر و الصيام و الجهاد متعة لا يجدها غيرهم عند مباشرة شهواتهم المختلفة، فلم تكن واجبات الدين بالنسبة إليهم تكاليف، ولكن كانت راحة و إيمانا ولذة.
فمتى شعر الإنسان أن شرع الله يكلفه ولا يطيقه، فليعلم أن نفسه مريضة، قد فسدت فطرته فأصبحت تتلذذ بما يضرها في العاجل و الآجل، و تتألم بما ينفعها في العاجل و الآجل،و الفطرة تفسد عندما ينسى الإنسان نفسه ،أي ينسى حقيقة نفسه ،و حقيقة ما ينفعها و يضرها ،وهذا لا يكون إلا عندما ينسى ربه{نسوا الله فأنساهم أنفسهم}،{نسوا الله فنسيهم}.
وعليه نفهم أن القانون الوضعي الإباحي ينسجم مع نفوس العلمانيين، ولا ينسجم معها القانون الشرعي، ولكن ليس الإشكال في القانون في حد ذاته، من حيث إنه قانون بغض النظر عما يبيح وما يمنع، ولكن الإشكال في نفوسهم و أنها بحاجة إلى إصلاح، فهم في الحقيقة يريدون مجتمعا تديره قوانين و أعراف تلائم نفوسهم فتلائم أهواءهم[1].
ولذلك فإنك لن تجد أبدا علمانيا محافظا على الصلاة، محافظا على تلاوة القرآن، لازما للذكر و الصيام، لو وجد مثل هذا فاعلم أن العلمانية بالنسبة إليه نظرة اقتصادية أو سياسية و ليست اجتماعية، ولكن هذا غير موجود بالمرة، فتبين أن العلمانية تعبير فكري و ثقافي عن شذوذ نفسي، و ضعف في الشخصية، مثله مثل الإباحية الدينية التي ظهرت قديما عند بعض من زعموا سقوط التكاليف على عارف الحقيقة القدرية، فهؤلاء غطوا إباحيتهم و تنصلهم من الشرع بفكرة دينية سموها" الحقيقة القدرية "، و العلمانيون غطوا إباحيتهم و تنصلهم من الشرع بفكرة ثقافية سموها "العلمانية".
إن العلمانية أزمة نفسية، أريد لها أن تكون حلا فكريا و ثقافيا، فلا يعقل أن تطلب امرأة ما طاعة زوجها، أو والدها في المعروف، طلبا لمرضاة الله، و هي راضية بذلك متلذذة بها، متى حصلته سكنت نفسها، و أحست بطمأنينة و ارتياح و نقول عنها:إنها مستعبدة.
فحتى عندما تجهل هذه المرأة الحكمة من هذه الطاعة، و تداعياتها على الأسرة و المجتمع فكريا أو واقعيا، من خلال إدراك واقع المرأة المتردي في الغرب، تجد نفسها تتمتع بحرية، وتجد قلبها حرا طليقا.
أما تلك المرأة النموذج في الفكر العلماني، فهي لا يمكنها الخروج من البيت حتى تتزين، ولو نفذ لها أحمر شفاه فقط أحست بالانزعاج و الضيق و السجن، لأنها لا يمكنها أن تخرج إلى الشارع دون أن تطلي شفتيها به، امرأة حبيسة ملون لا يسوى شيئا، تزعم العلمانية أنها امرأة متحررة؟
فهذه المرأة مقيدة بمجموعة قيود لا تعبر في الحقيقة عن نفسها و أنوثتها ومكانتها كإنسان كامل، فهي لا تشعر بحريتها حتى تعرض نفسها كل يوم في الشارع على الجميع، ولا تحس بحريتها حتى تكشف مفاتنها، مثلها مثل سيارة لا يختارها الرجل لأجل عقلها أو دينها، ولكن لأجل جمالها و هيئتها، فإذا كان كثير من المسلمين زوجاتهم على قدر يسير من الجمال، تزوجن بهن بسبب الدين أو الأخلاق، فإن المرأة في البيئة العلمانية إذا عدمت الجمال بقت عانسا ولو كانت من أعلم البشر، لأنه في الحقيقة لا قيمة لعلمها و عقلها إن لم تغطيها صورة من الجمال الظاهر.
فأي امرأة في الغرب حرمت الجمال همشت، لأنه لا قيمة لها في العقلية الشهوانية الحيوانية الغربية، فأحسن أحوالها أن تتزوج بغريب يبحث له عن إقامة، لا يملك حرية الاختيار.
إن مجرد تغير الموضة، وعدم قدرة هذه العلمانية على شراء ملابس تستدرك بها الموضة الرائجة في المجتمع، يشعر هذه المرأة بالمهانة و الاحتقار و التعاسة، و يسبب لها أزمة نفسية حادة قد تقودها للانتحار، كما هو واقع في المجتمعات العلمانية تنتحر النساء لأتفه الأسباب و أحقرها.
ما الذي دفع هذه المراة إلى البحث عن الشباب الدائم، و صرف المبالغ الطائلة على جسدها، وعلى العمليات الجراحية التجميلية، وعرض نفسها في مسابقات الجمال ليقال لها في وجهها: فلانة أجمل منك، و المشكل أنها تعلم أن الموت أمامها تتقدم إليه في كل يوم، و انه مدركها لا محالة، و أنها إذا تكرش جلدها، و تقوس عظمها رميت في المشافي و بيوت العجزة؟
إن المراة العلمانية تعلم أن كل نفيس في هذه الدنيا فهو نادر، غال الثمن، لا يقدر عليه رؤية وتملكا إلا القلة القليلة من الناس، سواء كان لباسا أو طعاما أو أثاثا أو غير ذلك، ومع ذلك تزعم وهي تعرض نفسها في كل الأسواق أن لها قيمة في مجتمعها، و كيف تكون لها قيمة، وهي منتهكة معروضة للبيع، لا قيمة لها إلا أن تبدي مفاتنها؟
إن المرأة المسلمة التي تصون كرامتها و شرفها و جمالها، هي المرأة التي لها قيمتها، فهي المرأة التي إذا تعامل معها غريب تعامل معها على أساس أنها كائن عاقل، دون أن يطمع فيها مريض القلب، فهي امرأة نفيسة لا تحتاج لتأخذ مكانتها في المجتمع إلا أن تأكل بثدييها أو تعرض بدنها.
هذا هو الفرق بين المرأة المسلمة و بين المرأة العلمانية: النفاسة و القيمة الذاتية و الاجتماعية.
ولما كانت العبادة غذاء الروح، بحيث يتلذذ بها العابد في مناجاته، وخلواته و صلواته، لم يقل عاقل:إن اللذة قيد، بل هي تمام الحرية، فالحرية أن تستجيب للأمر الإلهي الذي يوافق فطرتك، فتسبح في بحار السكينة والاطمئنان، والانسجام بين العقل والنفس.
وعلى هذا الأصل يجب أن نفهم الحرية و الاستعباد، فلما أدخل شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ سجن القلعة بدمشق، وكان معه تلميذه ابن القيم الجوزية، و قد رأى أسوار القلعة العالية، عليها الحرس و الجند، وضاقت نفسه أسر لشيخه بذلك، فقال له الشيخ العالم العارف:"المسجون من سجنه هواه، والمحبوس من حبس قلبه عن ربه"
أما من لا يخضعون لأمر الله فبين نفوسهم وعقولهم الحرب الشعواء لا تكاد تهدأ، فعقولهم تدرك الحقائق وتقر بها، وتدعو للاستجابة لها، وقلوبهم تنفر منها لغلبة الشهوات و استحكامها، فاللوم يأكل باطنهم، والتناقض قد ضرب سكينتهم، فهم أشقياء فيما يزعمون أنه الحرية.
لا شك أن أكثر الناس حرية في هذا العالم من حيث الظاهر هم الملوك والرؤساء، فلا يوجد من حيث المبدأ من يملي عليهم ما يفعلون، ولكن في الحقيقة هم أكثر الناس تكليفا وشقاء بالحرية على المفهوم العلماني، و أقل الناس حرية على المفهوم الشرعي، لأنهم يخدمون الرعية في جميع أحوالهم، فالملك العادل يحرص على العدل خدمة لرعيته، والملك الظالم كذلك يفعل ما يسترضي به بعضهم من حاشيته ليبقى على عرشه، فلزوم الحاجة لهم ضروري، و لكن الملك العادل هو حر بقدر خوفه من الله، لأنه يعدل من أجل الله، لا من أجل رعيته.
ولما كانت المرأة المسلمة تتعرض لهجمات من العلمانيين زاعمين أن الحجاب، والوقور في البيت، وطاعة الوالدين والزوج عبودية وخضوع، كأن خروجهم عن الدين، وإتباعهم شهواتهم، وتدنيسهم لكرامتهم و نفوسهم حرية ؟.
أرب واحد خير أم مجموعة أرباب ؟
فالمسلمة ليس لها إلا رب واحد تطيعه، أما العلمانية فمشتتة بين مجموعة أرباب، عليها أن تطيعهم كلهم، فالرجال بالنسبة إليها أرباب تبحث عن إرضائهم بأية وسيلة، ولو كان في ذلك ابتذال نفسها، فلا تمر حياتها إلا و قد تعرفت على العشرات أو المئات منهم و خالطتهم، و المجتمع بالنسبة إليها رب آخر، عليها أن ترضيه، ولا قيمة لمبادئها الشخصية و قيمها، و البيئة المهنية رب آخر، فأكثر المجتمعات شكوى من التحرش الجنسي، وإهانة النساء المجتمعات العلمانية، و اللباس رب، و الطعام رب، و الأناقة رب الأرباب بالنسبة إليها، قال تعالى:{أرأيت الذي اتخذ إلهه هواه و أضله الله عن علم}[2].
وقد عرفنا أن الإله هو المألوه أي المحبوب، و التعبد شيئان، صرف المحبة الكاملة و الذل التام، و المرأة التي جعلت شغلها الشاغل إرضاء الرجال و المجتمع، و الذل التام لهم، تتقاسمها الأرباب المذكورة آنفا، فقلبها سجين لهذه المخلوقات التي اتخذتها رغما عنها أربابا من دون الله، لأنها قدمت محبتها على محبة خالقها و بارئها الذي أخرجها من العدم إلى الوجود، وملكها السمع و البصر، وقدمت محبتها على محبة الرسول الذي باتباعه ترشد و تهتدي و تسعد في الدنيا والآخرة، و لأنها خضعت لهذه الأشياء على حساب خضوعها لمن خلقها، ولمن إذا غاب عنها هديه مات قلبها.
وعندما يخضع الإنسان ذلا ومحبة لمن خلق من أجله ليأكله أو يشربه أو يتزين به أو يملكه، أو يتمتع به على حساب خضوعه لمن خلق هو لأجله، يصير عبدا ذليلا لنفسه و لمخلوقات أضعف منه و أقل شأنا منه.
إن المرأة التي تفقد ثقتها بنفسها، و تفقد لذة الحياة لمجرد أن الرجال يصرفون نظرهم عنها، لا يمكنها أن تعيش في مجتمع يهجرها و يقاطعها في أهم ما تملك بالنسبة لهذا المجتمع المتأزم وهو مفاتنها، فليس لها من السبيل إلا الانتحار، أو أن تشغل نفسها بتتبع القرود و الذباب في أدغال أفريقيا[3].
إن المرأة المسلمة لا تعبد إلا الله، وهي من غيره حرة طليقة، فالوالد راع لها حتى تدرك، والزوج صاحب بالمعروف، والأولاد ثمرة و زهرة و عمل صالح تتركه خلفها على الأرض، بينما غيرها من النساء يعبدون أربابا عديدة، يعبدون أزواجهم، لأنهم يطيعونهم فيمالا يرضي الله، يعبدون شهواتهم، يعبدون الدنيا بما فيها، قد سجنتهم داخل نفوسهم، فهن إيماء لأهوائهن، تائهات تعيسات، و إن بدين سعيدات فهي سعادة الديكور، وسعادة الشيطان إلى حين يلقى ربه فيوفيه عمله.
فإن شكت امرأة في هذا المقـال بسبب سلوكيات بعض المنتسبين للإسلام، فلندع التاريخ يحدثنا عن أروع قصة تخص النساء، ولنقل بعد ذلك: إنها مشكلة تطبيق من المسلمين المعاصرين، بسبب فساد التصور لحقائق دينهم، و ليست مشكلة إسلام[4] :
من المعلوم أن الأفكار تنتشر بحسب الأشخاص الذين يحملونها، بحسب يقينهم بها و استعدادهم النفسي لتحمل المشاق في سبيل توصيلها إلى الناس، ومدى موافقة طريقة عرضها للفطرة الإنسانية فتجلب عقول الناس، وتثير فيهم خواطر الخير، وقيم النفس المسلمة المتعالية والفاضلة.
و إذا نظرنا إلى أولئك الذين كانوا الرعيل الأول من الدعاة إلى الإسلام، وجدنا كل واحد منهم يمتاز بشخصية فذة تتعلق بها أخلاق محبوبة للناس، فمنهم من ميزته الرفق واللين والحلم، مع حصافة الرأي و القوة في الحق، كما كان أبو بكر الصديق ـ رضي الله عنه ـ ومنهم من ميزته صدق اللهجة وقوة الجأش، والصدع بالحق كما كان أبو ذر الغفاري ـ رضي الله عنه ـ
و أول شخصية برزت في تاريخ الإسلام بشكل واضح هي: شخصية زوج النبي صلى الله عليه وسلم: أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ـ رضي الله عنها ـ
لقد تجلت عظمة هذه المرأة، ودورها العظيم في الإسلام أنها هي التي اختارت النبي صلى الله عليه وسلم زوجا لها.
كانت خديجة امرأة فاضلة عاقلة تملك أمر نفسها، خطبها كثير من الأشراف، ولكن لما علمت بأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم وصفاته، من غلامها ميسرة، بعد أن تولى النبي صلى الله عليه وسلم إدارة تجارتها.
لما رأت فيه الصدق و الأمانة، وعلمت أنه رجل يملك خللا عذبة، وشمائل كريمة، وفكرا راجحا، كيف لا ؟ و قد كان صلى الله عليه وسلم طرازا رفيعا من العقل الصائب، والنظر الثاقب، وعلى جانب عظيم من حسن الفطنة، وسداد الوسيلة، يغلب عليه الصمت والتأمل، و إدمان الفكر، و إمعان النظر، قد طالع بفطرته الصافية صحائف الحياة فعايش مجتمعه على بصيرة من أمره، إن أحسن الناس شاركهم، و إن وجد غير ذلك اعتزلهم " من الرحيق المختوم".
كان صلى الله عليه وسلم رجلا يعلوه الوقار، وتاجه الحياء، ما إن علمت بذلك خديجة حتى سارعت بإبلاغه رغبتها في الزواج منه، عن طريق صديقتها نفيسة بنت منية، بطريقة كلها عفة متعالية في عالم القيم و الأخلاق.
إن خديجة امرأة تسعى وراء صلاحها، فلا تدع خيرا كهذا يفوتها، إنها امرأة تولي الخصال الجليلة أهمية بالغة، فهي ليست كسائر النساء تريد أن تتزوج رجلا وسيما، أو غنيا، أو رجلا فحسب، لا إنها تريد أن يكون زوجها على أخلاق فاضلة، مثل تلك التي وجدتها في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ومن سنن الله في الكون أن من غرس الخير حصد الخير، فمن الطبيعي إذا أن يكون لهذا الاختيار دور حاسم في حياتها، وحيوات الإسلام.
و أول ما حصدته خديجة ـ رضي الله عنها ـ ثمرة لاختيارها رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجا لها دون غيره من أشراف جزيرة العرب، ـ ولم يكن قد أوحي إليه بعد ـ أنها أصبحت زوجة سيد الخلق،أحبهم إلى الله و أكرمهم عليه، و أقربهم منزلة منه، فأصبحت بذلك سيدة نساء الدنيا، وسيدة نساء الآخرة، فمن تنافسها هذا الشرف، وهذا العز؟
إنه عز الدهر، أصبحت بموجبه أما لأمة لم ير العالم مثلها، أمة بشر بقدومها موسى وغبط نبينا عليها، أمة سيكون لها شأن خطير في تاريخ البشرية، أمة الحمادين و الشاكرين.
وقبل كل ذلك، كانت خديجة ـ رضي الله عنها ـ أول المؤمنين بالدين الجديد، و أول من استجاب للنداء الرباني، وقد ضرب الشرك على أرض العرب بطبقة واحدة سميكة؛ وفي انتظار أن ينضم وافدون جدد إلى الدين الجديد كانت خديجة هي أمة الإسلام.
كيف يكون شعور أحدنا يوم القيامة، عندما يدرك حق اليقين أن الدين عند الله الإسلام، و أن كل ما سواه باطل، كيف سيكون شعوره وهو يرى بعين اليقين أن أحب الأمم إلى الله المسلمون، و أنهم أول الأمم دخولا للجنة و أكثرساكنيها، و أنهم يوفون سبعين أمة، كيف سيكون شعوره، وقد كان في يوم ما أول المسلمين ؟
لا شك أنه شعور عظيم، لا يماثله شعور، لأنه شعور بنعمة قد أصابته دون كثير من الناس، بل بالنسبة لخديجة دون الناس جميعهم إلا أن يكونوا أنبياء ومرسلين، والمرء يفرح بالنعم و يطير لها، و لأجلها يعجل، ومن أجلها يمنع و يبخل، فكيف إذا كانت هذه النعمة من الله، وكل النعم من الله، ولكن أكثر الناس لا يفرحون إلا بالنعم المادية الدنيوية، وهذه نعمة لا يعرف قدرها على الحقيقة إلا يوم القيامة، حين يقول المؤمنون: الحمد لله الذي هدانا لهذا،وما كنا لنهتد لولا أن هدانا الله.
أي شرف لخديجة أن تحمل لوحدها دينا لن يقبل الله يوم القيامة غيره{ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين}، لقد رجع رأي خديجة عليها بعز وفوز لم ير العالم مثله، رأي جلب لصاحبه مثل هذا الخير العميم.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم موجها خطابه للنساء و أولياء النساء: "إذا جاءكم من ترضون دينه و خلقه زوجوه ألا تفعلوا تكون فتنة في الأرض و فساد كبير".
فما أحرى فتياتنا اليوم أن يخترن أزواجهن كما اختارت خديجة ـ رضي الله عنها ـ فيفزن بمثل فوزها أو قريبا منه.
لقد بلغ عقل هذه المرأة درجة من الوعي، والقدرة على استشفاف الحقائق وراء الكلمات البسيطة، وقوة البديهة في تحليل المواقف المحرجة، وتوجيهها في مساراتها المنطقية الفطرية، أنها بمجرد أن قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم:" إنه قد آتاه آت في غار حراء"، وقص عليها القصة ـ قصة الوحي ـ صدقت و آمنت، و قامت من فورها تشجعه وتقويه و تحثه على الثبات، بكلمات لو اجتمع لها العلماء المهاليل، والحكماء النوابغ لما خرجوا منها بذاك اليقين الشامخ، وبعد النظر السارب، كأنه الطوفان لا يترك أرضا إلا بلها.
قالت:" كلا، والله ما يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق "صحيح البخاري {1/2، 3}.
بدأت كلامها الذي يوقض الجبال من سباتها باسم الله، الذي ما بدئ به إلا كان بركة ورحمة، و انتهت باسمه الآخر الذي يذكره النبهاء و أهل التقوى عند تلاطم الخلافات، وتشابك الحق والباطل في معاركهما المتكررة عبر الأزمان اسمه" الحق ".
هل كانت خديجة ـ رضي الله عنها ـ على علم بالعقائد ؟ هل كانت تعلم من صفات الله ما تعلمه فقيهات اليوم، بل وفقهاء اليوم و الأمس ؟
كيف تجزم وتقسم بأن الله لا يخزيه أبدا، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعرف ما جرى له، وقد أخذه الروع فهو يقول:" مالي زملوني، زملوني " فتقف هذه المرأة ـ والتي لم تكن ملكة كبلقيس وراءها جيش جرار، يزودها بثقة النفس ـ كالطود الشامخ ثباتا و استبصارا بالحقائق: إن الذي رفع السماء بغير عمد، ومد الأرض على غير وتد لا يجازي على صلة الرحم، وتحمل الكل، وقرى الضيف، والإعانة على نوائب الحق بالخزي والتخييب، إنه سبحانه عادل محسن، على صراط مستقيم، يجازي المحسن بالحسنى{إن ربي على صراط مستقيم}[5].
لقد فهمت خديجة ـ رضي الله عنها ـ أن الصفات التي يحملها رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصير صاحبها مجنونا أو كاهنا أو ساحرا، أو يخزيه الله فيدعي في قومه ما يشينه، ويسقطه فيأعينهم.
إن هذه الدنيا ليست هباء وفوضى، فمهما طغت فيها الشهوات والأهواء، فإن فيها من الأحداث والوقائع التي تصاحب عمر الإنسان ما يدله على بعض صفات صانعها وباريها، فالناس بفطرتهم يعرفون المعروف، وينكرون المنكر في أكثر المجتمعات تخلفا عن حضارة الوحي، وليست معرفة المعروف و المنكر إلا معرفة بصفة العدل.
لقد بلغت فراسة هذه المرأة الجليلة، ورزانتها و سداد رأيها أن عرفت بفطرتها وعقلها الحصيف أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملا، ولا يقابل الحسنة بالسيئة، بل أجزم أنها كانت أثقف نساء قريش و أعلمهن بالأديان، فلولا ذلك لما قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما اخبرها بقصة غراء حراء:" أبشر يا ابن العم واثبت فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة"{ ابن هشام 1/237}.
وهذا غير مستبعد، فلقد كانت ابنة عم ورقة بن نوفل، رجل كتب التوراة والإنجيل، وعنده من علم السماء مالا تعرفه قريش.
يدهش المرء أمام فهم هذه المرأة الفاضلة ـ رضي الله عنها ـ كيف استنبطت من صفات رسول الله صلى الله عليه وسلم كمال العقل، و أنه من العقول التي لا يخزيها الله بالجنون أو الشعر المذمومأو الكهانة.
لقد أظهرت دراسات في الآونة الأخيرة أن أقل الناس إصابة بداء السيدا، و السرطان، والسل والجنون، والجلطات القلبية في الولايات المتحدة سكان ولاية يوتا، ولما فتش عن الأسباب وجد أن غالب سكان هذه الولاية من طائفة المرمون، وهي طائفة نصرانية محافظة، لا زالت تعمل ببعض التعاليم النصرانية الصحيحة، كاشتراط البكارة في الفتاة عند الزواج، وتحريم الزنا والسفوروغيرها.
لقد شهد أطباء في نيويورك أن أقل الناس إصابة بالانهيارات العصبية، والأزمات النفسية المتدينون، و ألف أحدهم كتابا بالإنجليزية اسمه"الصلاة هي الصحة"، وذكر فوائد الصلاة على الجسد والقلب والنفس والعقل.
و نحن في ديننا وتراثنا العلمي من النصوص والقصص و الأحكام ما يفوق ما لهؤلاء، فالصلاة في الإسلام تديم طهارة الإنسان، والمصلي لا يبقى أبدا على جنابة حتى يغتسل، فبدنه دائم النشاط، وقد جرب الناس قبل العلماء دور الاغتسال والوضوء في مقاومة الكسل والعجز.
كذلك الأذكار التي تسبق الصلاة والتي تكون أثناءها وبعدها، مما يجلي القلب ويشحذ الذهن، ويمنع تأثير الشيطان على النفس بالخواطر السيئة والشبهات، فتجد المصلي أقل الناس غضبا، فأي شجار في الناس في الأماكن العمومية فلن تجد فيه مصليا محافظا على صلاته كما أمره الله.
و أكثر الناس صبرا على الظلم والأذى والحرمان والشتم والمشاكل الاجتماعية على اختلافها المصلون، وهم أقل الناس تذمرا من الفقر، و أقلهم شكاوى من حالهم وضيق معيشتهم، يقبلون على الحياة بوقار وسكينة، قلوبهم قانعة بما قسم الله لهم، لا تدعوهم الفاقة والحاجة إلى الاحتكار والاستغلال، قد علمتهم الصلاة أن ما عند الله لا ينال بمعصيته، و أن نفسا لن تموت حتى تستكمل رزقها، و أن الله ملك الملوك لا يغتصب ملكه ولا يسرق.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لبلال الحبشي ـ رضي الله عنه ـ:"أرحنا بها يا بلال "، فكان إذا دخل في الصلاة سكنت نفسه، وغشيها الوقار، ونسى هموم الدنيا، كيف لا ؟ وقد جعلت قرة عينه في الصلاة؟
و كان عمر ـ رضي الله عنه ـ يجهز جيشه وهو في الصلاة كما ورد عنه، وكان العلماء يفكون رموز المسائل العويصة، ويجدون حلولا لمشاكل عويصة وهم في الصلاة، ولا يزال الناس الأخيار إذا داهمتهم النوائب و أعوزتهم الحيل والآراء يفزعون إلى الصلاة، فيغرفون منها الشجاعة، والجلد، وقوة الثبات، والآراء الصائبة، بل يستفتحون بها مغاليق الغيب، كما في حديث الاستخارة، فالمصلي لا يقبل على أمر حتى يصلي ركعتين يستخير فيهما الله، ويسأله النصر والتسديد والتوفيق.
إن الأمة التي تقيم الصلاة وتحافظ عليها، ويسمع في أرجائها النداء إليها، ويشهد كبارها و صغارها، نساؤها و رجالها، أغنياؤها وفقراؤها، رؤساؤها ومرؤ سيهم الصلاة، لا يضرها الفقر ولا تشكو منه تماما كما كان حال الصحابة، بلغوا أطراف المعمورة، و صاروا أفضل الخلق بعد الأنبياء، وهم أكثر من عرف التاريخ من البشر فقرا وعوزا، فإن كثرت شكاوى الناس من الفقر والحاجة، وخافوا ضيق العيش، فاعلم أنها أمة قد أضاعت الصلاة و اتبعت الشهوات، كما قال صلى الله عليه و سلم:"لا الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تفتح الدنيا عليكم فتنافسوها فتهلككم كما أهلكت من قبلكم".
إن الأمة التي تعمر مساجد الله بالصلاة والذكر لا تحتاج إلى مستشفيات الأمراض العقلية، و لا تحتاج إلى المحاكم والشرطة للإدارة أمورها أو للعيش بسلام.
لأنها ستكون أمة متزنة، لا تعاني من أي انفصام شخصي، أو عقد نفسية، أو انهيارات عصبية، لأن الذي يستجير بالله خمس مرات في اليوم لا يخفر أحد ذمته، والذي يأوي إلى ركن شديد لا يؤذيه أحد، والذي يتوكل على الله فهو حسبه.
والذي يناجي ربه في صلاته لا يظلم الناس، ولا يأخذ أموالهم، أو دماءهم، أو أعراضهم، المسلم من سلم المسلمون من يده و لسانه، الإسلام إفشاء السلام و إطعام الطعام، و أن يأمن جارك بوائقك، فهل يحتاج الناس كل الناس إلى أكثر من السلام في أوطانهم، و أبدانهم، وعقولهم، فيأمنون ولا يخافون، و إلى الطعام يدفعون به هجمات وتحرشات الجوع بهم، «الذي أطعمهم من جوع و آمنهم من خوف"، إذا طعم الإنسان من جوع و آمن من خوف فقد اكتملت لديه آلة السعادة الدنيوية، و أكثر سكان المعمورة اليوم يشكون إما من جوع، و إما من خوف.
فهل يحتاج الذين آمن الناس من ألسنتهم و أيديهم، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه، إلى الشرطة أو المحاكم أو مصحات الأمراض العقلية، وهل وجدتم رجلا هذه صفاته نزيل مستشفى أمراض العقول، أو مركز شرطة، أو من رواد المحاكم؟
إن الأمة التي تعادي المساجد وتهجرها، وتتقاعس عن بنائها و الاعتناء بها وتعميرها أمة لا مكانة للصلاة فيها.
و أي أمة فقدت الصلاة، فقدت صلتها بربها، فهي في كل الأودية سالكة هالكة، قد فرضت عل نفسها، و استوجبت الفقر والتخلف و التشتت، وفقدت أمنها، أمنها في أبدانها و أموالها و غذائها و كسوتها.
و أي عبادة لمن ترك الصلاة أو ضيعها بتضييع وقتها وواجباتها، و أي عقل يستحسن عبادة الله بالمال و الصيام و الإقرار، ولا يعبده بالصلاة ؟
لا شك أنه عقل مختل مضطرب قد أصيب بطفرة عددية، فهو ينتقل من الواحد إلى الثلاثة دون أن يمر على الاثنين!
لقد اختلت موازين الناس اليوم وفسدت الفطر، حتى أصبح بعض الناس يستحسن ما يستقبحه الدين، ويستقبح ما يستحسنه الدين، ويلتذ بما يضره في دنياه و آخر ته.
فشارب الخمر يتلذذ بها، وهو يعلم أنها تضره و تضر أسرته، تضره في الدنيا و تضره في الآخرة، وشارب الدخان يتلذذ به، ويتفنن في شربه وهو يعلم أنه يضره و قد يقتله، فعندما يتلذذ المرء بما يعلم ويحس أنه يضره، يكون قد فقد فطرته في أقل درجاتها، فحتى الحيوان ينفر مما يؤلمه ويضره، و يتخير من الأعشاب ما ينفعه!
و بعض الآباء اليوم والأمهات يطربون برؤية أولادهم و بناتهم على أخلاق اليهود والنصارى في اللباس والمعاملات، والاستهتار بالدين و أحكامه، فإذا كان لأبنائهم سيارات وعمارات ومبالغ مالية طائلة، وملابس جميلة وفرش وثيرة، يفرحون بهم ويمدحونهم عند الأقارب والمعارف، ويقربونهم إليهم، ولو كانوا منحرفين عن سواء السبيل، منغمسين في الرذائل والمنهيات.
لقد اختلت الموازين العقلية والنفسية فأصبح الآباء و الأمهات أعداء لأبنائهم يحثونهم و يشجعونهم على الرذيلة والانحراف، وطغت الماديات والإحساس بالفقر والحاجة على الآباء والأمهات فغضوا الطرف عن زلات أبنائهم، وقذفوا في روعهم أن معيار الاستقامة وحبهم لهم: المال الذي يجلب إليهم، ونوعية الطعام الذي يأكلونه.
وليس للصلاة، و المروءة، والانتهاء عن محارم الله أي وزن في حسابهم، فإذا رأوا ولدهم أو بنتهم تصلي و تتحلى بمكارم الأخلاق، وتجتهد في دينها أنبوها ووبخوها، وخافوا عليها من عادية الدهر، ووعدوها الفقر والحرمان، والمستقبل الحالك الظلمة.
فأين هذه الموازين من ذلك الميزان الذي وزنت به خديجة ـ رضي الله عنها ـ أهم أمر قرع الأرض، وطلع على حياة الناس، وهو نبوته صلى الله عليه وسلم.
ولم تزل هذه المرأة في رشد وهدى، وفي عمل دأب متواصل لنصرة الدين، و إنقاذ البشر من براثن الشرك، وظلم العباد حتى لحقت بالرفيق الأعلى، لقد حملت هذه المرأة الوحيدة الضعيفة الإسلام بين جنباتها، و لفته بعنايتها ورعته كما يرعى الغلام اليافع حتى شب و قام على سوقه يواجه الأعاصير لا تحركه.
لقد كانت خديجة من نعم الله الجليلة على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقيت معه ربع قرن تحن عليه ساعة قلقه، وتؤازره في أحرج أوقاته، وتعينه على إبلاغ رسالته، وتشاركه في مغارم الجهاد المر، وتواسيه بنفسها ومالها "الرحيق المختوم ص:37"
لقد كانت سيدة في مجتمعها، كذلك سيدة في بيتها، يقل أن تجد امرأة علمانية أو شيوعية أو لائكية من النساء اللواتي ينادين بحقوق المرأة و مساواتها للرجل، من تعمل لصالح أمتها عشر معشار ما فعلته خديجة للإسلام و المسلمين، ويكفيها فخرا أن يشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الشفيع للناس يوم القيامة على عملها، فيقول:"آمنت بي حين كفر بي الناس، وصدقتني حين كذبني الناس، و أشركتني في مالها حين حرمني الناس، ورزقني الله ولدها وحرم ولد غيرها " رواه الإمام أحمد في مسنده "6/118".
إن المرأة الراشدة ترشد فكل إناء بما فيه يرشح، والهادية تهدي، والمرأة الراشدة الرشيدة ترشد زوجها إلى أبواب الخير و أساليب النجاة، وترشد أبناءها وقومها ومجتمعها و أمتها، كل ذلك قامت به خديجة ـ رضي الله عنها ـ بشهادة رسول الله صلى الله عليه وسلم[6].
ومثل هذه المرأة يجب أن تكون نساؤنا، ومثل هذه المرأة تستشار و تستهدى ، فإذا ولينا على تربية أبناءنا نساء فليكن من هذا المسلاخ ، هذا إذا أردنا لأنفسنا الفلاح والنجاح.
أما إذا تهالكنا على الانحطاط والسقوط في مهاوي العلمانية، والانحراف الأخلاقي فإننا سنولي على مناهجنا التربوية والتعليمية نساء لا يصلحن لرعي المواشي بله تنشئة الأجيال.
إن التاريخ حديقة فيحاء زهراء من ثمارها و أزهارها ما يتعفن فيرمى به على مزبلته، فمن الناس من يدخل حديقة التاريخ، ومنهم من يدخل مزبلته.
ولئن يتجاهلك التاريخ خير لك من أن تدخل مزبلته فتذكر مع شياطين الإنس والجن، فإن لم يعرفك الناس فإن الله يعرفك وكفى بالله خبيرا بعباده.
و إذا أرادت نساء ساقطات أن تدخلن التاريخ على حساب الدين و الأخلاق والقيم الإسلامية فلتعلم أنهن لن يدخلن إلا إلى مزبلته، كما دخلها قوم لوط، وتلك البغي التي طالبت برأس يحي عليه السلام.
فمن أراد أن يدخل التاريخ رجلا كان أو امرأة فليدخل حديقته، وليدخلها بشرف واستحقاق، وليعلم أن كل مالا يرضي الله من قول وعمل وسلوك، فهو في مزبلة الحاضر، فسيكون في مزبلة التاريخ، و أصح التواريخ بل التاريخ الذي لا يزول بزوال الرجال، هو التاريخ الذي لا يزول بزوال الدنيا، هو صحائف الأعمال التي تكتبها الملائكة، لا ما يكتبه الزنادقة والفساق والعاهرات.
إن تلك التي أقرأها جبريل السلام من ربها، دخلت التاريخ من أوسع أبوابه، فكما جاء في صحيح البخاري {1/539} عن أبي هريرة ـ رضي الله عنه ـ "أن جبريل أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال:"يا رسول الله هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب."
أما تلك التي تريد منع أبنائنا من التربية الإسلامية، وترى فيها كل أنواع الشرور والتخلف، فإنها إن قدر أن تدخل التاريخ، فإنها لن تدخل إلا إلى مزبلته مطرودة مذمومة ملعونة إلى يوم الدين.
و إن كان يرضيها دخول مزبلة التاريخ، فسيرضيها أن تذكر مع أنواع الحيوانات من الخنازير والقردة المنقرضة.
لقد كان للنساء دور بالغ الأهمية في تاريخ الإسلام، خاصة في البدايات الأولى، في تلك الأيام التي اتسمت بالمحن والشدائد لتركيز بنايات الإسلام في جزيرة العرب، والتاريخ الإسلامي حافل بأسماء النساء اللواتي بلون في الإسلام بلاء حسنا.
و إن كان دور خديجة في المراحل الأولى للدعوة الإسلامية في الدور المكي، فإن هذا الدور على جانب خطير في تقرير مسار الدعوة و انبعاثها إلى العالم، بعد أن تجاوزت جميع الحواجز التي وضعتها قريش أمام رسول الله صلى الله عليه وسلم للقضاء على الإسلام في المهد.
فإن دور عائشة ـ رضي الله عنها ـ لا يقل أهمية عن دور خديجة، ولكنه دور آخر مغاير للدور الأول، إنه دور التعليم، وتبليغ الوصايا النبوية إلى المجتمع النسوي في المدينة النبوية، ثم المجتمع برمته بعد وفاته عليه الصلاة والسلام، دور الاقتباس من النبي صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك استمرار للمدرسة النبوية في بيت عائشة، ولسنا بصدد تحري دور عائشة في الإسلام الذي سنخصص له موضعا آخر.
و لكن إذا كان للنساء هذا الدور العظيم في الإسلام كداعيات ومربيات ومساهمات في بناء المجتمع الإسلامي في جميع جوانبه، فإنه يجب أن نلاحظ أن عظمة هذا الدور النسوي وتوغله داخل جميع طبقات ومؤسسات المجتمع الإسلامي لم يدفعهن إلى ترك لباس الحشمة، والانسجام التام مع تعاليم الشريعة دون تسيب أو انحراف عن الأوامر والنواهي قيد أنملة.
فلم تجد النساء المسلمات للقيام بهذا الدور الهام حاجة إلى أن يدخلن دار الندوة في مكة المكرمة " البرلمان في عرفنا اليوم"و مجالسة الرجال [7]، والخوض في ما يكفي الرجال لتحصيله، هذا إن كان الجلوس في البرلمانات يحقق شيئا ما للدين، كما تفعل بعض أخواتنا الفاضلات المسلمات المنتميات إلى جماعات إسلامية فقدت بتسّيسها مقومات شخصيتها وجوهر وجودها، و هو الدعوة إلى الإسلام و إصلاح الأمة الإسلامية ،متجاوزة ذلك إلى شبح أسلمة صالونات الأنظمة المستبدة ، فهي الآن في تقديري أداة من أدوات هذه الأنظمة تجدد بها جلدها وثوبها، شعرت بذلك أو لم تشعر ،ويخطيء كثير من الناس في فهم العلمانية، لأنهم ينظرون إليها كحركة سياسية و اجتماعية لا كفلسفة وفكر لا تحارب الدين للإقصاء وجوده المادي أو وجوده كأشخاص ومراسيم، و لكن تحاربه بتوظيفه في غير أدواره التي جاء من اجلها ، إن العلمانية أعلم من كثير من الجماعات الإسلامية المتسيسة بأن الدين لا يمكن نزعه من حياة الناس، فأكثر المجتمعات علمانية في العالم لا تزال روح الدين تدب في أوصالها ،لأن حاجة الإنسان إلى الدين تولد معه فهي حاجة فطرية ضرورية تهجم على النفس فلا تستطيع دفعها ومقاومتها بشكل نهائي.
إن العلمانية تريد استغلال الدين لتحقيق مراميها و أغراضها، فهي تريد الدين أن يكون طيعا لها، مقلم الأظافر، يخدم المجتمع المدني الذي تريده دون أن يقوده أو يتصرف فيه.
إن تبرج المسلمات في البرلمانات و الاختلاط بالرجال ليس من الوسائل الشرعية في الإسلام مهما حاول بعض الناس تبرير ذلك، فالتبرج ليس ترك لباس الحجاب فإن ذلك يسمى السفور، إنما التبرج خروج المرأة من بيتها بدون سبب شرعي يبيح لها ذلك.
وفئة أخرى من النساء تنتشر في العالم الإسلامي لا يجدن وسيلة للكلام على حقوق المرأة الأساسية وحقوق الطفل وغير ذلك من دعاوى العلمانية إلا بالطعن في الدين واتهام رجاله وعلمائه بشتى التهم و الشتائم.
ففرق بين نساء نفعن المجتمع الإسلامي ونشرن الفضائل والأخلاق، ونساء مجدن أنفسهن و شهواتهن، متخذات تعدي حدود الله مطية لمآربهن.
لو قمنا بتقييم نشاط الأحزاب السياسية الإسلامية في الجزائر ومصر و الأردن و باكستان وغيرها من بلاد الإسلام لوجدناها تختلف مكتسباتها لاختلاف بيئتها، ففي بعض البلاد فقدت مقومات وجودها، و أصبحت تمثل صورة رمزية في المنظور السياسي، ولم تحقق شيئا البتة، فلم ترفع عود كبريت، أو تغير لون واجهة من الواجهات، ومع ذلك لا يتوانى قادتها عن التنادي بضرورة العمل الإسلامي السياسي، و أنه سوف يكون له ثمرة في المستقبل غيرمفرقين بين أنواع العمل السياسي، الموافق للشرع، المحقق للمصلحة، و المخالف للشرع الجالب للمفسدة.
لقد كانت المساجد في المغرب الأقصى تحظى بنوع من الحرية سهل من أمر الدعوة إلى الله و نشر الدين الصحيح، فلما سيستها بعض الجماعات السياسة الخاصة[8]،حول النظام المغربي هذه المساجد إلى مدارس لمحو الأمية ،ففاتت مصالح عظيمة.
و كذلك في الجزائر صدر قانون تنظيم المساجد الذي هو قانون كبت وسجن المساجد كرد فعل على تسييسها، و إن أعجب بعض الدعاة بهذا القانون، ورأوه نافعا لمنع ناشري الفتن والقصاصين باسم الصحوة الإسلامية، فإن هذا الموقف منهم اتجاه بيوت الله ينم عن خلفية انهزامية و فساد في التصور الصحيح لدور المسجد، فلو منعت السلطات الدعاة غير الأكفاء و المتسببين في نشر عقيدة الفتن و الشقاق لكان هذا الموقف صحيحا، أما و أنها جعلت المساجد منابر لدعاة غير أكفاء، قتلوا دور المسجد و أطفئوا أنواره فهذا قانون غير عادل، لا يميز بين الصالح والطالح، ونحن نرى اليوم أن الفئة الوحيدة التي استفادت من هذا القانون هم بعض من اتخذ المسجد وسيلة للتكسب، و التسلط على رقاب الناس باسم الدين تكسبا و أكلا لأموال الناس بالباطل.
إن المتسيسين من الإسلاميين الذين يغازلون الدوائر السياسية يخطئون في حساباتهم إن ظنوا أنهم سيحققون شيئا ما، إن لم يكن العمل السياسي امتدادا لعمل تربوي و تعليمي عميق يشكل مناهج موازية للمناهج الرديئة المنتشرة في المجتمع، و إن لم يرتكز على عمل اجتماعي قوي، فالدعاة المتسيسون يتمنون مالا يحصلون عليه إلا بدعوة إلى الرجوع إلى الدين حقيقية صحيحة، تبدأ حربا علمية فكرية دعوية لا هوادة فيها على الفسق و الفجور،وفق طريقة أهل السنة والجماعة، بالحكمة والمحاجة، و الانفتاح على الآخرين علما وعملا، كما كان الأنبياء و الصالحون قبلهم.
لقد علمت خديجة ـ رضي الله عنها ـ بفطرتها أن المعروف لا يجلب إلا المعروف، ورسول الله صلى الله عليه وسلم معدن المعروف بشهادة قريش كلها، إنه الرجل الذي يفضل الطفل اليتيم الضائع في قسوة المجتمع الجاهلي وطغيانه، أن يبقى في خدمته على أن يعود إلى أحظان والديه وخدمتهم له، وعندما يحب الطفل أن يكون خادما على أن يكون مخدوما تنقلب كل موازين المجتمع الجاهلي، وتظهر فيه أخلاق لم تألفها الإنسانية ولم تعرفها.
هذا بيت خديجة ضم بين أرجائه خديجة القطب الذي دارت عليه رحى الإسلام في بدايته، وضم زيد بن حارثة بن شرحبيل الكلبي عظيم المسلمين يوم القيامة، وقائد معركة مؤتة، تلك المعركة التي قطعت نوايا الروم وهشمتها كما يهشم الثريد المزعفر في غزو المدينة النبوية.
يا لروعة هذه المرأة ما اقترب منها أحد إلا أصابه من خير الإسلام نصيب وافر كمثل جليس بائع المسك، و أصبح من رجالات الدعوة، وحفظ التاريخ اسمه وعمله.
لقد دخل زيد بن حارثة مكة أسيرا عبدا فملكته خديجة ووهبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لينقلب مجرى التاريخ و يصبح هذا الأسير من أبطال الإسلام وقاداته الكبار، يقتل كأعظم الشهداء، مقتلا تصطك له جبال الضلال لتهوي وجحافل الباطل في أودية الظلام.
لقد نزل زيد الحب ساحة الوغى رئيسا على جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعبد الله بن رواحة شاعر الأنصار و من ساداتهم، وفي الجيش خالد بن الوليد فلذة كبد مكة وريحانتها.
كل هؤلاء وغيرهم يقودهم من كان عبدا أسيرا ذليلا.!
أي وسام ناله هذا الرجل عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، وقد طعن الناس أي الناس، أي ناس؟ في إمرة ابنه أسامة على جيش عساكره وجنوده أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب شيخا الإسلام:" إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل، و أيم الله إن كان خليقا للأمارة، و إن كان من أحب الناس إلي، و إن هذا من أحب الناس إلي بعده "{ البخاري 2/612}
هذه كلمات خرجت من فيه لم يخرج منه ولعمر الحق إلا الحق، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقسم بالله، وكلام رسول الله حق كله، فكيف إذا أقسم ؟
أي مدرسة هو بيت خديجة، و أي بركة في هذه المرأة، ربحت يمينها والله اشترت غلاما صار إلى هذا الموصل ؟!
لقد ثبت من خلال هذا المقال، ومن خلال السيرة النبوية العطرة أن المرأة في الإسلام لها الحق في التعلم، ورفض الاختلاط لا يعني عدم حقها في التعليم، و أنها تشارك في الدعوة، و تخوض المعارك مع الرجال و إن كان في الصفوف الخلفية، وتبدي رأيها فيما يهم الأمة[9]، و أن حياتها الأسرية والاجتماعية أروع ما وصلت إليه البشرية، و أنه المستوى الذي ليس بعده إلا السقوط.
اللهم أغثنا برحمتك، و نجينا من أنفسنا بعفوك، واقذف بنا في الحق، و اجعلنا من قذائف الحق على أسوار الباطل.
و الحمد لله و الصلاة و السلام على أشرف خلقه، و السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.
الجزائر، أرزيو في2004-01-09
مختار الطيـباوي
[1] ــ إن للنفس حقائق تعبر عنها، حقيقة موجودة تشعر بها النفس آنيا، وهي حقيقة الطعام الذي تتناوله، و حقيقة الشهوة التي تباشرها، و حقيقة المال الذي تقبضه و غير ذلك، تقوم هذه الحقيقة أساسا على طلب النفع الشخصي بدون قيد ولا شرط، ليس لها ضابط أخلاقي تقف عنده، وعن هذه الحالة قال الله تعالى:{ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات و الأرض ومن فيهن} وهذه نسميها "الحقيقة الموجودة"، وهناك حقيقة أخرى تعبر عن النفس، تعبر عن سعادتها في العاجل و الآجل معا، تعبر عن حقيقة قيمة النفس البشرية، من حيث النفع الذي لا يضر الغير في الدنيا، ومن حيث النفع فيما بعد الموت، فهي تعبر عن حقيقة الخير المراد لهذه النفس، وهذه الحقيقة نسميها "الحقيقة المقصودة"، فأي قانون لا يعبر عن حقيقة النفس المقصودة، فهو قانون يستعبدها و تشعر تحته بالضيق و المهانة، و كثيرا ما تسرع للتنصل منه و تجاوزه، فلا يوجد قانون وضعه البشر لم يتنصلوا منه لسبب أو آخر.
فمثل الحق الذي يدعو إليه الإسلام و مثل ما تدعو إليه العلمانية من سعادة و ازدهار يعبر عنه قوله تعالى:{له دعوة الحق و الذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه}.
فمثل ما تدعو إليه العلمانية مثل سراب بقيعة يحسبه الضمآن ماء، حتى إذا جاءه الموت ووقفت عند رأسه جنود الرحمان وهم لا يفرطون تبخرت العلمانية فبصره يومئذ حديد.
[2] ـ إن الإنسان إذا خضع لإنسان آخر، ولم يحبه فوق محبة الله ورسوله، كالسجين، و الولد لوالده، و المرأة لزوجها لم يكن ذلك عبادة لغير الله، كذلك إذا أحبه ولم يخضع له على حساب طاعة الله و الخضوع له لم يكن ذلك عبادة له، لأن حقيقة العبودية:الحب الكامل و الذل التام لله سبحانه و تعالى، لذلك لم تنزع السجون من المؤمن حريته، لأن قلبه متصل بربه حبا و خضوعا، وليس للسجان إلا الجسد، يغلق عليه أبواب الحديد، أما القلب فهو حر طليق لا باب يغلق عليه إلا أن يكون هوى وعبودية لغير الله سبحانه و تعالى.
[3] ـ لما كانت بعض الممثلات الغربيات الفاتنات الجمال شابات، أحاطت بهن الأضواء و الأبصار من كل جهة، لا يهتمن إلا بأنفسهن و جمالهن و أخبار العشق و الفتنة، فلما كبرن وهرمن انصرفن إلى الاهتمام بالكلاب و القردة.
[4] ـ شاع مؤخرا فتوى لبعض المشايخ المصريين مفادها أن المرأة لها الحق أن تطالب زوجها بأجرة لإرضاع ولده، و لخدمته أو لها الحق في أن تطالب بخادمة، و يمكن اعتبار هذه الفتوى مما يساهم في ابتذال المرأة، و أنها تهينها أكثر مما تكرمها، فمن الناحية الشرعية تعنتوا في تأويل آيات من الكتاب، عزلوها عن السنة الفعلية و القولية للنبي صلى الله عليه و سلم، و هدي أصحابه، و إجماع أئمة السنة، و الآية من القرآن إذا خالفها فعل النبي، و فعل أصحابه، وجب تفسريها على ضوء ذلك، و قد ثبت بنصوص قطعية متعددة ما يعارض هذه الفتوى، كما أشار إلى ذلك بعض الفضلاء، كقصة فاطمة مع النبي صلى الله عليه و سلم حين طالبته بالخادم، و قصة أسماء و غيرهن من الصحابيات، ولو كان تأويل الآية صحيحا مع عموم البلوى و توفر الدواعي و الهمم على نقل مثل هذه الأشياء، لوجدنا مثالا واحدا لزوجات النبي أو أزواج أصحابه أرضعن أبنائهن بأجرة أو امتنعن من خدمة أزواجهن، فإن لم يوجد علمنا فساد هذا التأويل.
من جهة ثانية هل يعقل أن تحن الوحش على أبنائها رضاعة و عناية، و تقف المسلمة المؤمنة متحجرة ترفض إرضاع ابنها حتى يدفع لها زوجها أجرة على ذلك، فهل يوافق هذا فطرتها، و ما ركبه الله فيها من شفقة ورحمة لا توجد في الرجل؟، و كيف ترضع ابنها بأجرة وما تدره من حليب من غذاء زوجها وماله، فأما أن ترضعه أجنبية بأجرة فهذا ظاهر، و أما أن ترضعه والدته بأجرة فهذا مضطرب عقلا وفطرة وشرعا.
و الحقيقة إن هذه الفتوى صدرت من أشخاص يعانون من ضغط فكري، بسبب الهجمة الغربية على الإسلام ووضعية المرأة فيه، فكانت فتوتهم رد فعل، لبيان حقوق المرأة في الإسلام، و لكنهم أخطئوا الهدف فوقعوا في عين ما يدعو إليه الغرب، وهو جعل المرأة للمتعة فقط، أو ما يسمى" المرأة المتاع"، أو" المرأة الشيء".
لأنه إذا كانت المرأة لمجرد الاستمتاع، و ليس لها الحق أن تمتنع عنه، فلك أن تتصور امرأة قابعة في بيتها، لا تفعل شيء، و لها خادمة تدور على مصالح البيت، ليس لها دور إلا أن يدعوها زوجها للاستمتاع فتستجيب، ثم تعود لمكانها تصبغ أظافرها أو تتصفح مجلة، أليست هذه وضعية المرأة في الغرب بالمطابقة، ثم لنتساءل أية مودة و محبة وعاطفة تكون بين هذين الزوجين، وزوجته تفعل كل شيء في البيت بأجر، فهذه في الحقيقة خادمة و ليست زوجة؟.
إن الثقة بديننا، و أنه الدين المنزل من الخبير العليم، و محبة رسولنا و توقيره عمليا باتباع سنته و هديه، و الاعتقاد الجازم بأنه لا رأي أحسن من رأيه، ولا فعل أفضل من فعله، هو الحصن الحصين للمسلمين أمام الغزو الفكري و الاستلاب الحضاري.
[5] ــ قال ابن تيمية في"الصفدية"{225/1}:"فاستدلت على أن من جعل الله فيه هذه المحاسن و المكارم، التي جعلها من أعظم أسباب السعادة لم تكن من سنة الله و حكمته و عدله أن يخزيه بل يكرمه و يعظمه، فإنه قد عرف من سنة الله في عباده إكرامه لأهل الخير و إهانته لأهل الشر".
و بهذا و بغيره من آيات القرآن و سنن العادة نعرف أن النفوس قد فطرت على معرفة الحق لولا المعارضات من الشبهات و الشهوات، وبهذا عرفنا أن خديجة ـ رضي الله عنه ـ لم يكن عندها شيء من هذه المعارضات، ولذلك ما إن عرفت الحق حتى طالعت بهجته و فرحت به، وقد جعل الله الفرق بين عباده في الدرجات و علو المنزلة الفرح بالحق، فقد كان من سلف الأمة من بلغ درجة عالية في العبادة و الزهد كابن وبرة وغيره ومع ذلك كان ذكر الحسن البصري و سعيد بن المسيب و محمد بن سرين أحلى في الألسن و أعلى منزلة في الأمة، وما ذاك إلى لفرح قلوبهم بما انزل الله من الحق،
و الإنسان يجهل من الحق بقدر ما ترك من طاعة الرسول، لأنه لا يكفي أن تعرف الحق بل يجب أن تقصده،فمن لم يعرف الحق كان ضالا، ومن عرفه ولم يقصده كان مغضوبا عليه، ولذلك كان ممنوعا على من ترك طاعة الرسول و اتباعه أن يعرف الحق و يهتدي إليه، وهذا حقيقة مقام النبوة وهو أن المعارف الإلهية و الحقائق الإنسانية مغلوقة عن كل علم إلا علم النبوة.
[6] ـ يعتقد بعض الناس أنه إذا صلح العلماء أو بالأحرى وجد العلماء الصالحين و الحكام الصالحين ترشد المجتمعات، وهذا حق إلى حد ما، و لكنه في نفس الوقت يعبر عن خلل في الفهم و التصور، فكثير من المجتمعات القديمة بعث فيها أنبياء و مرسلون فلم تتبعهم فهلكت، وكذلك مكة كان فيها النبي صلى الله عليه و سلم فكذبته فمات أكثرهم مشركين، و المدينة اتبعته اهتدت ومات أكثرهم مؤمنين، إن وجود العالم الراشد و الحاكم الراشد اللذين ينفذ أمرهما و يقودون الأمة منوط بوجود أمة تريد الرشد و الصلاح، ففي امتنا اليوم من الراشدين الذين يصلحون للحكم و قيادة الأمة الكثير، ولكن لا احد يأبه بهم لأن معظم أمتنا ليس راشدا، فكيف تختار الراشد، فالأمة التي تريد الإصلاح تختار المصلح، و الأمة التي تريد الرشد تختار الراشد، فلزم أنه علينا أولا ترشيد الأمة بحيث نخرجها من وصاية الحكام و غيرهم، و حين تصبح تقدر على التمييز بين الراشد و الغاوي، بين مصلحتها و مفسدتها ستختار حتما الشخص الراشد المصلح.
وعليه، فإن مهمة الدعاة و العلماء و المفكرين الأولية هي ترشيد المجتمع بالتربية و التعليم و التثقيف ومن بعد ذلك تسهل المهمة كل السهولة.
[7] ـ لقد نص القرآن ثم السنة بعد ذلك صراحة على وجوب وقور النساء في بيوتهن إلا في الحالات الاستثنائية، وهذا يتماشى مع السلوك الفعلي لأزواج النبي صلى الله عليه و سلم و أزواج أصحابه و أئمة الإسلام و علمائه، كما يأتي هذا الأمر الحكيم منسجما مع مهمة المرأة الأساسية التي هي التربية و القيام على مصالح الزوج و الأولاد المتعددة و المتشعبة، خاصة في هذه العصور الأخيرة.
ونحن نعلم أن أعظم واجبات الدين التي تؤدى في أقدس الأماكن و أطهرها و أقلها فتنة الصلاة، ومع ذلك فلم يفرض على النساء تأديتها في المساجد، بل كانت صلاتها في بيتها بنص الشارع أفضل من صلاتها في المسجد، وهذا وحده كاف للمسلمين للقياس عليه.
وقد لا تفهم كثير من النساء الحكمة من هذا الأمر و يغترن ببعض الحالات الشرعية التي يستشهد بها بعض المفكرين، ولكنهم لا يبقونها في إطارها الاستثنائي، بل يجعلونها حكما عاما، و معلوم أن إطلاق المقيد كتقييد المطلق يوقع في الانحراف عن العمل المشروع، ونحن إذا تأملنا منظومة النصوص الشرعية وجدنا أن المرأة قد فضلت على الرجل في بعض الحقوق الدنيوية و الأخروية مقابل قيومية الرجل، أي أنها قد أعطيت من الأجر على بعض الأعمال، و التنازل عن بعض المجالات ما يفوق أجر الرجال، ومعلوم انه إذا استوى العمل و تماثل لم تتفاوت الأجور.
ومثل حياة البشر كمثل سفينة تجد بها ضابط ملاحة يرتدي زيا ابيض أنيقا، يعمل على سطحها، وضابط في الميكانيكا أو الكهرباء يعمل في قاعها، في قاعة المحركات، ثيابه متسخة، ولا يكاد يظهر على سطحها، و بدونه لا تسير السفينة، ولكنه قد يفوق ضابط الملاحة في الأجرة، في منحة الخطر، ومنحة الاتساخ و غيرها.
فكذلك المراة عندما تقر في بيتها لتقوم بواجباتها دون أن تنافس الرجل على بعض المجالات التي تستلزم التبرج أو الخروج وفي مقابل ذلك فلها من الأجر ما يفوق أجر الرجل، كقوله صلى الله عليه و سلم:"الجنة تحت أقدام الأمهات"، وقوله لرجل جاء يسأله عن الأحق بصحبته فقال له:" أمك ثلاث مرات"، ومعلوم أنها لا تخص بهذا الفضل إلا أن تكون لها خصيصة بولدها ليست للأب، و متى خرجت فهي مثلها مثل الأب لا خصيصة لها على ولدها، وكذلك قوله صلى الله عليه و سلم عندما ربط قيمة الرجال و خيريتهم بعلاقتهم بنسائهم فقال:" خيركم خيركم لأهله".
إذن المرأة تفوق الرجل في بعض الأجر و الأهمية الاجتماعية، فكيف تكون مماثلة له في الواجبات، و قد جعل الشرع عملها التربوي و الإصلاحي في بيتها يتطلب أجرا عظيما على اجر الرجل، ولكنها تحت تأثير الاستلاب الحضاري أصبحت ترى عملها خارج البيت و مزاحمة الرجال أعظم و أهم من التربية و التعليم.
و قد خرجت عائشة ـ رضي الله عنها ـ في وقعة الجمل في أنبل مهمة و أعظمها في التاريخ، تطمع امرأة أن تقوم بها، وهي الإصلاح بين فئتين عظيميتن من المسلمين على وشك الاقتتال، بحكم أنها أم الجميع بنص القرآن، ومع ذلك فقد كان موقف الصحابة خاصة كبار الصحابة في العلم، وموقف أزواج النبي الأخريات منتقدا لها على خروجها، كما أن التاريخ أثبت أن خروجها لم يقض على الفتنة.
فهذه حالة في التاريخ الإسلامي تقطع أعذار أخواتنا اللواتي قد يخامرهن شك، أو قد تسنح في خواطرهن أفكار التسييس و دخول المجالس الشعبية.
و إذ نقول لهن هذا فليس من قبيل البخل عليهن بشيء بل لأننا نرى أن الشرع قد وضعهن في وضعية مشرفة هامة للغاية تفسد المجتمعات إن هن تركناها، فلا يزهدن فيما اختار لهن الله ورسوله، ولهن في أزواج النبي و أزواج صحابته و أمهات مالك و الشافعي و أحمد ونور الدين زنجي و صالح الدين الأيوبي قدوة..
[8] ـ إذا كان لا يجوز تسييس المساجد السياسة الخاصة و هي السياسة الحزبية في قضايا تهم جميع المواطنين، خاصة في ظل تعدد الأحزاب الإسلامية، فإن السياسة العامة هي من صميم وظيفة المسجد، و المقصود بالسياسة العامة، السياسة التي تهم كل المسلمين و تقوم على أساس الإصلاح و التقويم من غير نظرة خاصة للاستيلاء على السلطة أو الوصول إليها.
[9] ـ كما حصل في عمرة الحديبية عندما أمر النبي صلى الله عليه و سلم أصحابه بالحلق و النحر فلم يمتثلوا أمره حسرة أن لم يتمكنوا من دخول مكة، فدخل على زوجته أم سلمة ـ رضي الله عنهاـ وهو يقول: فأشارت عليه و قد فتح الله عليها من علمه:أخرج فاحلق و انحر فإنهم سيقتدون بك، فخرج رسول الله صلى الله عليه و سلم وعمل برأيها فكان خيرا على أمة الصحابة.







