أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم المغيلي
04-05-2009, 08:45 PM
بسم الله الرحمان الرحيم
التعريف بأعلام الجزائر

أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم المغيلي وصراعه مع اليهود[1]

الحمد لله وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده.
أول من كتب عن المغيلي أحمد بابا التمبكتي، وعنه نقل ابن مريم في " البستان"،ثم كتب عنه ابن مصباح خاصة عن قضية يهود توات، فقد فصّل فيها نوعا ما، ومن المعاصرين الأستاذ حسن غوارزو من جامعة كانو، حينما حقق مخطوطين من تأليف المغيلي عثر عليهما بإحدى الزوايا بليبيا.
كذلك حقق الأستاذ رابح بونار ـ رحمه الله ـ رسالة المغيلي حول اليهود، نشرها سنة 1968 م،كما حقق الدكتور عبد القادر زبادية من كلية الآداب بجامعة الجزائر الأسئلة التي وجهها الأمير أسقيا محمد الكبير (1493 ـ 1528) إلى المغيلي، و أجوبة هذا الأخير عليها ، تم نشرها بالجزائر سنة 1973م.
وقد ألف المغيلي ثلاثة عشر تأليفا عدا ما ذكرته ، لا تزال أكثرها مخطوطة لم تنشر،و أكثرها موجود في المكتبات الخاصة و العامة في بلاد الحوصا[2] حيث يلقبون المغيلي بالإمام.
ينتسب المغيلي إلى قبيلة مغيلة[3] القاطنة في نواحي تلمسان إلى يومنا هذا،المعروف أنه تتلمذ على الشيخ الإمام عبد الرحمان الثعالبي و الشيخ يحي بن يدير كما جاء في" البستان" لابن أبي مريم{ص:256} تحقيق ابن أبي شنب.
وقد وصفه ابن أبي مريم بـ" القدوة الصالح الحبر، أحد أذكياء العالم و أفراد العلماء الذين أوتوا بسطة في العلم و التقدم"{ص:253} .
ووصفه معاصره محمد السنوسي بـ:" القائم بما أندرس في فاسد الزمان من فريضة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، التي يكون القيام بها، لا سيما في هذا الوقت علم على الاتسام بالذكورة العلمية و الغيرة الإسلامية و عمارة القلب بشرف الإيمان".نفس المصدر.
وتحت وطأة الخلافات السياسية، وتدهور الدول الإسلامية بالمغرب، وخضوع أكثرها للنفوذ الإسباني، كالمرينيين بفاس، و الزيانيين بتلمسان، و الحفصيين بتونس انتقل المغيلي ـ وكان شديد الإنكار عليهم ـ إلى توات[4].
وفي القرن الخامس عشر كانت واحات توات أكثر المناطق نشاطا في تسيير القوافل التجارية بين السودان و بلدان المغرب، وكان التواتيون يشكلون جالية كبيرة تعمل في التجارة بمنطقة أعالي النيجر ، يستقبلون القوافل القادمة من الشمال ويتولون توزيع بضاعتها على مدن السودان.
وكانت توات تدار من قبل جماعات تجارية تدفع للولاة المحلين ضرائب،قال المقري:"وكان التلمساني يبعث إلى الصحراوي بما يرسم له من السلع،و يبعث إليه الصحراوي بالجلد و العاج و الجوزة و التبر، و السجلماسي[5] كلسان الميزان يعرفهما بقدر الخسران و الرجحان و يكاتبهما بأحوال التجار و أخبار البلدان.." انظر " نفح الطيب"{1/180}
فقصور توات كانت المعبر للقوافل ما بين تلمسان ومناطق أعالي النيجر، وقد دخلها المغيلي عدة مرات في رحلاته الكثيرة، وعاد إليها آخر مرة و بقي فيها إلى أن توفى بها سنة 909 هـ حينما بلغه خبر مقتل ابنه عبد الجبار على يد اليهود انتقاما من فتواه بهدم بيعتهم.
قضية يهود توات:
وملخص هذه القضية بين المغيلي ويهود توات، أن المغيلي لما دخل توات وجد جالية كبيرة منهم كسبت من تجارتها أموالا طائلة، سمحت لها بالتنفذ عند الحكام المحلين، حتى خرجت عن حد ووضعية أهل الذمة الشرعية ، وقد وصف الرحالة الإيطالي مالفانت وضعية اليهود بتوات آنذاك فقال:" يتكاثر اليهود هنا و تسير حياتهم في سلم تحت ظل الرؤساء الذين يدافع كل منهم عن أتباعه،و لهذا يتمتع اليهود بحياة سهلة، وتسير التجارة بواسطتهم، وهناك الكثيرون هنا يضعون ثقتهم فيهم.."{1/152}مالفانت ف.
وهذه الوضعية الاقتصادية و الرفاهية الكبيرة و النفوذ السياسي الواسع هو ما دفع يهود توات إلى بناء بيعة لهم تجاوزت ضخامتها الحدود التي يمكن للمسلمين أن يسمحوا بها في نظر فقيه صلب المواقف كالمغيلي، فأنكر عليهم الخروج عن منزلة أهل الذمة ووضعيتهم الشرعية، ولكن عارضه قاضي توات أبو عبد الله العصنوني فكاتب المغيلي فقهاء الآفاق، ولما بلغه موافقة بعضهم قام مع أتباعه بهدم تلك البيعة، و ألزم اليهود حدهم.
وممن عارض موقف المغيلي فقهاء فاس، فحمل متاعه وارتحل إليهم يناظرهم فما كان منهم، وكما هي عادة بعض الفقهاء المتقيدين بموقف المتنفذين إلا أن اتهموه بالطموح إلى أبعد من القضايا الشرعية، خاصة و أن المغيلي أهانهم نوعا ما لما أحالهم ليتناظروا مع بعض تلامذته الذين رافقوه من السودان، فشعروا بالمهانة و الاحتقار فركبوا له هذه التهمة، خاصة و أن المناظرة جرت أمام السلطان، ولفقت له التهمة أمامه، مما دفع المغيلي إلى العودة إلى توات و آلى على نفسه أن لا يلاقي سلطانا بعد ذلك أبدا، كما صرح بذلك في الرسالة التي خصها لهذا الموضوع، و المسماة"مصباح الأرواح في أصول الفلاح" تحقيق رابح بونار، ثم من توات توجه إلى السودان.
لما أمر المغيلي المسلمين بهدم بيعة اليهود التي أحدثوها بقصور توات، عارضه بعض فقهاء عصره منهم أبو محمد عبد الله بن أبي بكر العصنوني فانقسم الفقهاء بين مؤيد للمغيلي و مؤيد للعصنوني.
وممن أيد المغيلي محمد بن عبد الجليل التنسي و السنوسي خاصة و قد رأى ولاة البلاد يؤيدون اليهود، وكان مما ذيل به السنوسي فتواه قوله:.... فقد بلغنا أيها السيد ما حملتكم عليه الغيرة الإيمانية و الشجاعة العلمية من تغيير أحداث اليهود أذلهم الله تعالى و أخمد كفرهم للكنيسة في بلاد المسلمين، و أنكم حرضتم أهل تمنطيط على هدم الكنائس التي لليهود ببلادهم فتوقفوا من جهة من عارضكم في ذلك من أهل الأهواء، فبعثتم لأجل ذلك إلى بلدنا أسئلة ومكتوبات تستنهضون بها همم أهل العلم لينظروا في المسألة نظر أهل العدل و الإنصاف، ويبينوا الحق فيها بيانا شافيا قاطعا لكل تخليط و تشغيب يرد من أهل الهوى و الانحراف،فاعلم أخي أني لم أر من وقف فإجابة هذا المقصد و بذل وسعه في تحقيق الحق و شفا غليل أهل الإيمان في هذه المسألة ولم يلتفت لأجل قوة إيمانه ، ونصوع إيقانه، إلى ما يشير به الوهم الشيطاني، من مداهنة بعض من تتقي شوكته، ويخشى أن يقع على يده أضرار، أو حط من المنزلة.."
أعمال المغيلي في السودان:
وصل المغيلي إلى السودان، و قد سبقته شهرته كعالم من علماء زمانه الملتزمين و الصارمين، وقد جرت بينه وبين السيوطي مراسلات إبان فترة وجوده في السودان حول المنطق اليوناني الذي كان السيوطي يذمه اتباعا لشيخ الإسلام ابن تيمية الذي قام السيوطي باختصار كتابه في المنطق، بينما رأى المغيلي منفعته.
وبعد عودة السقيا محمد من الحج في حدود سنة 1499م وجد أمراء جيشه قد ألحقوا بمملكته مملكة سنغاي بلاد كبى الواقعة إلى شرقي النيجر، فقرر تجنيد العلماء للعمل فيها، وكان المغيلي أحد الذين تم إرسالهم لتعليم الإسلام.
ويوجد في كانو حتى يومنا هذا جماعة ينسبون أنفسهم كأحفاد للمغيلي الإمام.
و أثناء وجود المغيلي في السودان سأله أميرها أبو عبد الله محمد بن يعقوب أن يكتب له رسالة فيما يجوز للحكام في ردع الناس عن الحرام.
وقد أجابه المغيلي إلى طلبه، و اظهر فيها رأيا قويا في وجوب حكم المسلمين بحزم،ونص هذه الرسالة في كتاب "موجز تاريخ نيجريا" لآدم عبد الله الألوري{ص:134} المطبوع سنة 1965 ببيروت.
ولما عاد المغيلي إلى مملكة سنغاي كلفه أميرها أسقيا الحاج محمد الكبير أن يكتب له رسالة أخرى حول سبع مسائل أجابه فيها المغيلي بأجوبة واضحة، و أبان فيها عن نظريته في الخلافة و الإمامة، كما أشار فيها إلى العلماء المزيفين وهم أولئك الذين يدعون أكثر مما يعرفون و يحاولون تبوأ منزلة العلماء الأكفاء عن طريق التضليل ووسائل الخداع المختلفة، و انه يجب على السلطان أن يضرب على أيديهم بشدة شريطة أن يكون مستقيما ومخلصا.
وقد أشرت سابقا إلى هذه الرسالة و أنها مطبوعة.
هذا بإيجاز بعض ما ورد في هذا العالم المصلح الذي جاب الآفاق نشرا للإسلام و إصلاحا لأحوال أهله،وقد عاش مجاهدا منافحا عن الدين لا يخشى في الله لومة لائم،وسيرته تمثل أنموذجا صالحا وقويا للعلماء الربانيين،كما تنبيء عن المخزون الثمين الذي حوته الجزائر من العلماء و الصالحين عرفوا بقوة عزيمتهم في الدين وبشكيمتهم وصلابتهم في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.
رحم الله المغيلي وكل علماء المسلمين وخلف منهم خلف أغزر علما و أقوى إيمانا بمنه وكره إنه على كل شيء قدير، و الحمد لله رب العالمين و الصلاة و السلام على أشرف المرسلين.
أرزيو، الجزائر،في2009-02-18
مختار الخضر طيباوي

[1] ـ نشر أحداث هذا الصراع وما تعقبه من معركة فقهية شديدة بين المغيلي وفقهاء فاس المؤيدين لبقاء نفوذ اليهود أحمد بن يحي الونشريسي في " المعيار".
من المراجع كذلك الزر كلي "الأعلام" {7/84}قال:" محمد بن عبد الكريم بن محمد المغيلي التلمساني: مفسر، فقيه، من أهل تلمسان،اشتهر بمناوأته لليهود، وهدمه كنائسهم في توات (بقرب تلمسان)، ورحل إلى السودان وبلاد التكرور، لنشر أحكام الشرع وقواعده،وتوفي في توات.
له كتب، منها (البدر المنير في علوم التفسير) و (التعريف، فيما يجب على الملوك - خ) لعله رسالته المساماة (تاج الدين، فيما يجب على الملوك والسلاطين - ط) و (أحكام أهل الذمة - خ) و (شرح مختصر خليل) في فقه المالكية، و (مفتاح النظر) في علم الحديث، و (منح الوهاب - خ) منظومة في المنطق، له شرح عليها سماه (أمناح الأحباب من منح الوهاب) في دار الكتب،وله نظم، منه قصيدة عارض بها البردة
وترجمة ابن أبي مريم في "البستان 253 – "257، والخفناوي في"تعريف الخلف برجال السلف"{1: 166}، و التنبكتي في "نيل الابتهاج، بهامش الديباج"{330 }.

[2] ـ حوصا أو الحوصَة قوم في السودان،يقيمون في المنطقة الواقعة بين الصحراء الكبرى شمالا وبرنو شرقا وغانة جنوبا،و حوصة فخذ من العزازمة إحدى عشائر بئر السبع التي تضم عصيات،عرجان، وسعيدات ،(القضاء بين البدو لعارف العارف ص 18.)،تاريخ بئر السبع لعارف العارف ص 101)
السودان في الاصطلاح:
كلمة سودان تعني عند المؤرخين المسلمين إلى عهد قريب بلاد إفريقيا الغربية جنوب الصحراء،أما مناطق الشرق الإفريقي فتعرف ببلاد الزنج،و إنما سمي السودان الحالي بهذا الاسم بداية من القرن الثامن عشر، أما قبل ذلك فكان يسمى بلاد سنار وبلاد الفونج، وفي بداية القرن التاسع عشر اتسع هذا المدلول على كل بلاد السودان الحالي ، خاصة منذ حملة محمد علي على شمال السودان،وهي مناطق أعالي النيل،وتثبت الاسم أثناء العهد البريطاني.

[3] ـ من قبائل البربر إخوة " لماية" و "مطماطة" و" ملزورة" و"دونة" و" كشانة" منهم طائفة كبيرة بالمغرب الأوسط " الجزائر" عند مصب نهر شلف أي مستغانم حاليا ومن ساحلهم أجاز عبد الرحمان الداخل إلى الأندلس،من شخصياتهم أبو قرة المغيلي زعيم الصفرية الخوارج ،منهم أيضا أبو حسان ثار بافريقية لأول الإسلام، وأبو حاتم يعقوب بن لبيب بن مرين ابن يطوفت من مازوز الثائر مع أبى قرة سنة خمسين ومائة، وتغلب على القيروان فيما ذكر خالد بن خراش وخليفة بن خياط من علمائهم، وذكروا من رؤسائهم أيضا موسى ابن خليد، ومليح بن علوان، وحسان بن زروال الداخل مع عبد الرحمن، وكان منهم أيضا دلول بن حماد أميرا عليهم في سلطان يعلى بن محمد اليفرنى، ولم يبق من مغيلة بذلك الوطن جمع ولا حي، وكان جمهورهم الآخر بالمغرب الأقصى، وهم الذين تلوا مع أورية وصدينة القيام بدعوة إدريس بن عبد الله لما لحق بالمغرب، وأجازه وحملوا قبائل البربر على طاعته والدخول في أمره، ولم يزالوا على ذلك إلى أن اضمحلت دولة الادارسة وبقاياهم لهذا العهد بمواطنهم ما بين فاس وصفرون ومكناسة إلى وجدة . انظر "تاريخ بن خلدون"{6/125}

[4] ـ من قصور الصحراء التي اختطتها قبيلة زناتة كجودة ونمنطيط ووركلان "ورقلة حاليا" تقع ما بين تلمسان و بلاد السودان.

[5] ـ نسبة إلى مدينة سجلماسة التي اختطها ملوك قبيلة مكناسة، وهي قبلة مدينة فاس ،قال المقدسي البشاري في" أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم"{84/1}:" سجلماسة: قصبة جليلة على نهر بمعزلٍ عنها يفرغ في قبليها، وهي طولانية نحو القبلة، عليها سور من طين، وسطها حصن يسمى العسكر فيه الجامع ودار الإمارة، شديدة الحر والبرد جميعاً صحيحة الهواء كثيرة التمور والأعناب والزبيب والفواكه والحبوب والرمان والخيرات، كثيرة الغرباء موافقة لهم يقصدونها من كل بلد، ومع ذلك ثغر فاضل برستاقها معادن الذهب والفضة وهم أهل سنة وقوم جياد، بها علماء وعقلاء، لها باب القبلي باب الغربي باب غدير الجزارين باب موقف زناتة وغيرها، وهي في رمالٍ ولهم مياه."
قلت: ومكانها اليوم مدينة (الريساني) في مقاطعة (تافيلالت) .