تسجيل الدخول تسجيل جديد

تسجيل الدخول

إدارة الموقع
منتديات الشروق أونلاين
إعلانات
منتديات الشروق أونلاين
تغريدات تويتر
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية المنصور
المنصور
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 02-04-2009
  • المشاركات : 1,220
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • المنصور is on a distinguished road
الصورة الرمزية المنصور
المنصور
عضو متميز
هل أهل السنة طائفة أم أمة؟
11-05-2009, 08:25 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

التفريق بين مفهوم الأمة ومفهوم الطائفة
أو
(هل أهل السنة طائفة أم أمة)؟



الحمدُ لله الذي بنعمته اهتدى المهتدون وبعدله ضل الضَّالون لا يسأل عما يفعل وهم يسألون أحمدهُ سبحانه حمد عبد نزه ربه عما يقول الظالمون والصلاة والسلام على عبده ورسوله وخليله محمد الصادق المأمون وعلى آله وأصحابه الذين هم بهديه مستمسكون أما بعد:
فقد جاءت أمريكا إلى المنطقة وجلبت معها كل نجاستها وخبثها وبدلا من أن تستجيب أمتنا بشكل إيجابي للتحدي بكل أشكاله, وجدت أمريكا أمة لها القابلية على الاستعمار، كما يقول مالك بن نبي، إلا من ثلة مؤمنة هنا أو هناك ما زالت متمسكة بوعد الله.
وما أن تطلق أمريكا مصطلحا حتى تهب المنطقة في حركة لا شعورية للتجاوب معه على نفس الطريقة التي تهواها أمريكا فعندماأطلقت مصطلح الديمقراطية هبت كل دول المنطقة تتبارى أيها أكثر ديمقراطية من غيرها؟! وأصبحت هذه الدول تخجل من نفسها إذا لم يكن في إعلامها كل يوم من ينادي بالديمقراطية المزعومة, وعندما أطلقت أمريكا مصطلح الطائفية وحقوق الأقليات وجدت قابلية عجيبة لدى المنطقة في التماشي مع ذلك, فبدأت كل دول المنطقة وعلى غير وعي تبحث عن رد فعل فوجدته في الوحدة الوطنية والبعد عن الطائفية.
ففي العراق قامت أمريكا بتقسيمه إلى ثلاثة مكونات (سنة وشيعة وأكراد) وهو تقسيم عجيب إذ يعتمد الدين والعرق معا, فأخرجت الأكراد من سنيتهم دينيا وأخرجت الشيعة من عروبتهم عرقيا, كما أنها أهملت التركمان من الناحية الدينية والقومية معا وأخرجتهم من حساب السنة دينيا، ومن حساب أنفسهم عرقيا، ثم انطلقت مؤتمرات المصالحة والوحدة الوطنية من أفغانستان إلى العراق إلى دول الخليج, وصحت الأمة فجأة على نفسها ووجدت أنها أمام آخر معقل لتواجدها, والعجيب أن أمريكا التي تنادي بتقسيم المنطقة إلى طوائف وإثنيات عرقية تحتوي هي نفسها على خليط غير متجانس من الأعراق والأديان ومع ذلك فهي تطلق على نفسها لقب الأمة الأمريكية وهذا مشاهد في خطابات كل الرؤساء الأمريكان تقريبا, فانتبهت وهي التي لا تمتلك مقومات حقيقية راسخة لمعنى الأمة إلى ما غفلت عنه أمتنا قرنا كاملا, فمنذ غياب مصطلح الجامعة الإسلامية التي دعا لها السلطان عبد الحميد الثاني "رحمه الله" والأمة الإسلامية تغرق في دوامة من المصطلحات, غير مهتدية في عمومها إلى البلسم من العلة التي تعاني منها, فبرز مفهوم القومية بعد الانقلاب التركي على السلطان عبدالحميد الثاني عام 1908, فخاضت أمتنا غمار بحر القوميات الذي لا ساحل له فلما تاهت بين أمواجه رأت أن الخلاص يكمن في التعلق بقشة القطرية, فما رسمه مارك سايكس وجورج بيكو على الورق نعيشه واقعا مريرا.
ولما لم يكف ذلك فهاهي قوى الاحتلال تطل من جديد ومعها خطة التفتيت الجديدة وفق استراتيجية أمريكا المسماة "الفوضى الخلاقة" فكانت فوضى في كل شيء, فوضى في السياسة, وفوضى في المصطلحات, وفوضى في الأخلاق, وكان مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي جاء بخطة تحويل الدول العربية والإسلامية إلى دول ذات مكون ديني أو عرقي واحد, وها نحن نعيش عصر الطوائف والأعراق داخل أقطارنا نمشي باستقامة على ما يريده عدونا وغفلنا عن أننا الأمة المكرمة كما قال تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ).
فالأمة كما عرفها الجرجاني (التعاريف 1/94): هي كل جماعة يجمعها أمر إما دين أو زمن أو مكان واحد سواء كان الأمر الجامع تسخيرا أم اختيارا وقوله تعالى: (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) أي كل نوع منها على طريقة مسخرة بالطبع فهي بين ناسجة كعنكبوت ومدخرة كنمل ومعتمدة على قوت الوقت كعصفور وحمام إلى غير ذلك من الطبائع.
وقد ورد لفظ الأمة في القرآن في نحو من خمسين مرة للدلالة على معان متعددة مثل قوله تعالى: (تِلْكَ أمة قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) وقوله: (كَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) وقوله: (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أمة يَدْعُونَ إلى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقوله تعالى على لسان الكافرين: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) أي على دين وملة ومنه قوله تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمة وَاحِدَةً) وقد تكون بمعنى الحين والزمان ومنه قوله تعالى: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أمة) أي بعد حين وزمان وقد يكون القدوة في الخير وفريد عصره مثل قوله تعالى:(إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أمة قَانِتاً لِلَّهِ) وقال صلى الله عليه وسلم في زيد بن عمرو بن نفيل (يبعث أمة وحده) لأنه لم يشرك في دينه بالله تعالى أحدا.
فعلى هذا فان الأمة الإسلامية هي الأمة التي بعث نبيها صلى الله عليه وسلم بالرسالة الخاتمة إلى البشرية جمعاء بل إلى الإنس والجن قال تعالى :(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً) قال ابن تيمية (مجموع الفتاوى 13/266): فإن النبي كان يبعث إلى قومه خاصة ومحمد صلى الله عليه وسلم بعث إلى الناس كافة بل بعث إلى الإنس والجن باطنا وظاهرا فليس لأحد أن يخرج عن طاعته ومتابعته لا في الباطن ولافي الظاهر لا من الخواص ولا من العوام. وفي الصحيحين عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِى كَانَ كُلُّ نَبِىٍّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى كُلِّ أَحْمَرَ وَأَسْوَدَ».وفي مسلم قال صلى الله عليه وسلم : «وَالَّذِى نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِى أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِىٌّ وَلاَ نَصْرَانِىٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِى أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ») .
قال حافظ بن أحمد حكمي (معارج القبول 3/1099): ولم يقبل من أحد صرفا ولا عدلا إلا بإتباعه ولا يصل أحد دار السلام التي دعا الله إليها عباده إلا من طريقه. في المسند قال صلى الله عليه وسلم: «وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِى لَضَلَلْتُمْ إِنَّكُمْ حَظِّى مِنَ الأُمَمِ وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنَ النَّبِيِّينَ» (صحيح الجامع). فما أعظمه من حظ, حظ هذه الأمة المباركة.
وجعل الله كتاب الأمة (القرآن) مصدقا ومهيمنا على جميع الكتب (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ) قال ابن تيمية (17/43):(فالسلف كلهم متفقون على أن القرآن هو المهيمن المؤتمن الشاهد على ما بين يديه من الكتب ومعلوم أن المهيمن على الشيء أعلى منه مرتبة ومن أسماء الله تعالى "المهيمن " ويسمى الحاكم على الناس القائم بأمورهم "المهيمن" قال المبرد والجوهري و غيرهما: المهيمن في اللغة المؤتمن وقال الخليل: الرقيب الحافظ وقال الخطابي: المهيمن الشهيد وقال بعض أهل اللغة: الهيمنة القيام على الشيء والرعاية له).
وجعل دينها ظاهرا على الدين كله قال تعالى: (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَه ُبِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) وقال: (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ)
ولهيمنة هذه الأمة وظهورها على سائر الأديان والملل جعل الله عز وجل هذه الملة لا تنسخ بغيرها من الأمم ولذا ينزل عيسى عليه السلام حكما عدلا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم حيث قَالَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لاَ يَقْبَلَهُ أَحَدٌ» , حتى إن الحافظ ابن حجر عده من الصحابة فقال (الإصابة 4/761): عيسى بن مريم رسول الله رأى النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء وسلم عليه فهو نبي وصحابي وهو آخر من يموت من الصحابة.
فلهذه الأمة خلاصة الشرائع التي انزلها الله تعالى وختام الدين إلى قيام الساعة, فهذه الأمة قسم لها ربها أن تسد باب وحي الله خلف جبريل عندما صعدت روح نبيها صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى. قال ابن تيمية (المجموع 19/185): (والأنبياء كلهم دينهم واحد وتصديق بعضهم مستلزم تصديق سائرهم وطاعة بعضهم تستلزم طاعة سائرهم وكذلك التكذيب والمعصية لا يجوز أن يكذب نبي نبيا بل إن عرفه صدقه وإلا فهو يصدق بكل ما أنزل الله مطلقا وهو يأمر بطاعة من أمر الله بطاعته ولهذا كان من صدق محمدا فقد صدق كل نبي ومن أطاعه فقد أطاع كل نبي ومن كذبه فقد كذب كل نبي ومن عصاه فقد عصى كل نبي قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً) وقال تعالى: (أفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إلى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) ومن كذب هؤلاء تكذيبا بجنس الرسالة فقد صرح بأنه يكذب الجميع ولهذا يقول تعالى: (كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ) ولم يرسل إليهم قبل نوح أحدا وقال تعالى: (وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ).
وأمة المسلمين حملة هذا الدين تقع عليهم اليوم مسؤولية عظيمة بتبليغ رسالة الله إلى الناس كافة في البخاري عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: «بَلِّغُوا عَنِّى وَلَوْ آيَةً، وَحَدِّثُوا عَنْ بَنِى إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ، وَمَنْ كَذَبَ عَلَىَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ» . قال ابن تيمية (المجموع 25/175): (وحفظ مجموع الدين واجب على الأمة فرض عين أو فرض كفاية ولهذا وجب على مجموع الأمة حفظ جميع الكتاب وجميع السنن المتعلقة بالمستحبات والرغائب وإن لم يجب ذلك على آحادها). وقال أيضا (المجموع 25/236): (إن الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لابد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما ولابد أن تنقلها الأمة فإذا انتفى هذا علم أن هذا ليس من دينه وهذا كما يعلم انه لم يفرض صيام شهر غير رمضان ولا حج بيت غير البيت الحرام ولا صلاة مكتوبة غير الخمس).
ولكن هذه الأمة كما اخبر الرسول صلى الله عليه وسلم ستأخذ بسنن الأمم التي قبلها وستفترق, في سنن ابن ماجة َ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «تَفَرَّقَتِ الْيَهُودُ عَلَى إِحْدَى وَسَبْعِينَ فِرْقَةً وَتَفْتَرِقُ أُمَّتِى عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً». فأي فرقها أو طوائفها مع الحق حتى تكون أمينة على وحي الله وتدعو الناس إليه؟
وما هي صفات هذه الطائفة المنصورة ؟
لقد حدد رسول الله صلى الله عليه وسلم صفتين أساسيتين للفرقة التي تكون أمينة على الوحيين الكتاب والسنة، وتمثل الأمة تمثيلا صادقا، يؤهلها لكي تدعو غيرها إلى اتباع الدين الحق الواجب الإتباع على العالمين، وتكون حجة الله على خلقه, أو بمعنى آخر الفرقة، أو الطائفة التي تتعامل بمفهوم الأمة، وتتجاوز الطائفة والفرقة؟ وتجمع حفظ الدين إلى رحمته وتبليغه وحرصها على هداية الناس؟ .
الصفة الاولى :الجماعة
في سنن أبي داود وابن ماجة عَنْ أَنَس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام خطيبا فَقَالَ: «أَلاَ إِنَّ مَنْ قَبْلَكُمْ مِنْ أهل الْكِتَابِ افْتَرَقُوا عَلَى ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِلَّةً وَإِنَّ هَذِهِ الْمِلَّةَ سَتَفْتَرِقُ عَلَى ثَلاَثٍ وَسَبْعِينَ ثِنْتَانِ وَسَبْعُونَ فِى النَّارِ وَوَاحِدَةٌ فِى الْجَنَّةِ وَهِىَ الْجَمَاعَةُ»،
ولذلك أمر بلزومها، في مسند أحمد والترمذي عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِينَا فَقَالَ: «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ ». صححه الألباني في صحيح الجامع. قال الشاطبي (الاعتصام 2/251): إن تعيين الفرقة الناجية هو الآكد في البيان بالنسبة إلى تعبد المكلف والأحق بالذكر إذ لا يلزم تعيين الفرق الباقية إذا عينت الواحدة, وقال (الاعتصام 2/264): وأما الجماعة فهم معظم الناس وكافتهم من أهل العلم والدين وغيرهم وهم السواد الأعظم، والجماعة التى أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بلزومها وسمى المنفرد عنها مفارقا لها نظير الجماعة التي أوجب عمر الخلافة لمن اجتمعت عليه وأمر صهيبا بضرب رأس المنفرد عنهم بالسيف فهم في معنى كثرة العدد المجتمع على بيعته وقلة العدد المنفرد عنهم.
ومن خالف أمر الله الشرعي بالاجتماع عاقبه الله بأمره الكوني بالتشرذم وزوال الريح قال تعالى: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ).
ولا اجتماع إلا ما وافق الكتاب والسنة يقول الشاطبي (الاعتصام2/265): وحاصله أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث المذكورة كالخوارج ومن جرى مجراهم. ويقول فخر الدين الرازي (التفسير الكبير 22/190) في قوله تعالى (وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أمة وَاحِدَةً): إنها الجماعة إشارة إلى أن هذه أشار بها إلى أمة الإيمان وإلا كان قوله في تعريف الفرقة الناجية إنها الجماعة لغوا إذ لا فرقة تمسكت بباطل أو بحق إلا وهي جماعة من حيث العدد.
والجماعة رحمة والفرقة عذاب قال ابن كثير (التفسير 2/ 466) :وقال قتادة أهل رحمة الله أهل الجماعة وإن افترقت ديارهم وأبدانهم وأهل معصيته أهل فرقة وإن اجتمعت ديارهم وأبدانهم, وقال شمس الحق العظيم آبادي (عون المعبود 12/223): وهي أي الواحدة التي في الجنة " الجماعة" أي أهل القرآن والحديث والفقه والعلم الذين اجتمعوا على اتباع آثاره صلى الله عليه وسلم في جميع الأحوال كلها ولم يبتدعوا بالتحريف والتغيير ولم يبدلوا بالآراء الفاسدة, وقال المباركفوري (تحفة الأحوذي 7/332): لم يرد بالفرق المذمومة المختلفين في فروع الفقه من أبواب الحلال والحرام وإنما قصد بالذم من خالف أهل الحق في أصول التوحيد وفي تقدير الخير والشر وفي شروط النبوة والرسالة وفي موالاة الصحابة وما جرى مجرى هذه الأبواب لأن المختلفين فيها قد كفر بعضهم بعضا بخلاف النوع الأول فإنهم اختلفوا فيه من غير تكفير ولا تفسيق للمخالف فيه، فيرجع تأويل الحديث في افتراق الأمة إلى هذا النوع من الاختلاف.
وقد تكون مفارقة الجماعة ببدعة في الجزئيات وقد تكون بالكليات قال الشاطبي (الاعتصام 2/258): إن من عدا الفرق من المبتدعة الابتداع الجزئي لا يبلغ مبلغ أهل البدع في الكليات في الذم والتصريح بالوعيد بالنار ولكنهم اشتركوا في المعنى المقتضي للذم والوعيد.

الصفة الثانية :على دين الصحابة
في صحيح مسلمعن أبي موسى أن النبي صلى الله عليه وسلم رَفَعَ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ وَكَانَ كَثِيرًا مِمَّا يَرْفَعُ رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ «النُّجُومُ أَمَنَةٌ لِلسَّمَاءِ فَإِذَا ذَهَبَتِ النُّجُومُ أَتَى السَّمَاءَ مَا تُوعَدُ وَأَنَا أَمَنَةٌ لأَصْحَابِى فَإِذَا ذَهَبْتُ أَتَى أَصْحَابِى مَا يُوعَدُونَ وَأَصْحَابِى أَمَنَةٌ لأُمَّتِى فَإِذَا ذَهَبَ أَصْحَابِى أَتَى أُمَّتِى مَا يُوعَدُون ». وفي الترمذي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ليأتين على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل وإن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا ملة واحدة ما أنا عليه وأصحابي) حسنه الالباني في صحيح الجامع
قال ابن تيمية (المجموع 3/126): وكان عبد الله بن مسعود رضى الله عنه يقول من كان منكم مستنا فليستن بمن قد مات فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة أولئك أصحاب رسول الله أبر هذه الأمة قلوبا وأعمقها علما وأقلها تكلفا قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم.
وبلغت عناية الله عز وجل بهم أن أثنى عليهم في كتابه العزيز في آيات كثيرة منفردين ومجتمعين، إنفرادا يمثل ميزة وفضلا لأحدهم بخصوصه، واجتماعا يشمل كل من ينطبق عليه لفظ الصحبة بعمومه. قال تعالى: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ)، وقال تعالى واصفا رسوله وصحابته في آية واحدة: (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً) إلى آيات كثيرة.
ولتعريف الصحابي يقول القاري (شرح نخبة الفكر 1/589): قال أحمد بن حنبل ومثله للبخاري في صحيحه من صحبه عليه الصلاة والسلام سنة أو شهرا أو يوما أو ساعة أو رآه فهو من الصحابة. وقال الحافظ ابن حجر (فتح الباري 7/5):قال علي بن المديني من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أو رآه ولو ساعة من نهار فهو من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم, وقال السخاوي (فتح المغيث 3/93): اكتفى بمجرد الرؤية ولو لحظة وإن لم يقع معها مجالسة ولا مماشاة ولا مكالمة لشرف منزلة النبي صلى الله عليه وسلم، وقال القاسمي (قواعد التحديث 1/200): ولا يشترط البلوغ لوجود كثير من الصحابة الذين أدركوا عصر النبوة ورووا ولم يبلغوا إلا بعد موته ولا الرؤية لأن من كان أعمى مثل ابن أم مكتوم وقد وقع الاتفاق على أنه من الصحابة ويعرف كونه صحابيا بالتواتر والاستفاضة، وقال الغزالي (المستصفى 1/130): الاسم لا يطلق إلا على من صحبه ثم يكفي للاسم من حيث الوضع الصحبة ولو ساعة.
وينتهي عصر الصحابة بعد عشر ومائة سنة من الهجرة, لما في البخاري أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ صَلَّى بِنَا النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم الْعِشَاءَ في آخِرِ حَيَاتِهِ ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ فَقَالَ: «أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ، فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لاَ يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ» ويحدد جابر رضي الله عنه مدة الحديث المذكور قبل موت رسول الله بشهر في مسلم عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ سَمِعْتُ النَبيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ « تسألوني عَنِ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَأُقْسِمُ بِاللَّهِ مَا عَلَى الأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِى عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ ».
ونحن نقصد " على دين الصحابة" أن نكون على طريقتهم في الدين حيث لم يكن فيهم من دعى إلى بدعة، وكانوا أشد الناس تبعا لرسول الله صلى الله عليه وسلم, أما ما شجر بينهم من خلاف في أمور الدنيا، فلا يجب على أحد، بل ليس له أن يقلدهم فيه، فإنهم بشر من جملة بني آدم ليس فيهم من هو معصوم من الذنب، وهم مع أنهم يذنبون فالخليق بهم هو أنهم لا يصرون على ذنب، بل هم أسرع الناس توبة ورجوعا إلى الحق إذا عرفوه، إضافة إلى ما تكفره عنهم المصائب والبلايا، وما لهم من الحسنات الماحية، وتفضل الله تعالى عليهم بشرف الصحبة، وبالعفو المقتضي من أسماءه الحسنى كالعفو والرحيم وغيره، وتأمينهم خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدعاء المتضمن لطلب المغفرة والرحمة والسداد وغيرها.
فالصحابة اجتمع فيهم من الخير ما تفرق في غيرهم من العصور, وتميزت خيريتهم وتزكية الله لهم بأنها لجميعهم لا لمجموعهم وهذه خصيصة لهم من دون الناس، فكانوا أحق العصور بكل خير, وابعد العصور عن كل شر ,وكان الوحي يتنزل بينهم غضا طريا, ونور الوحي يسطع يمحو ظلام الشرك والأهواء ,تراه أعينهم, وتتلمسه أيديهم .
والصحابة رضوان الله عليهم لم يختلفوا في الدين أبدا, واختلافهم في الدين كان اختلاف تنوع ، من جنس اختلاف الفقهاء المرضيين في الأمة, أما ما حدث من فتن في زمنهم فكان في شؤون الدنيا، وليس خلافاً في الدين, وقد كان مبعوثو علي رضي الله عنه إلى معاوية يصلون عندما يقدمون برسائله خلف معاوية رضي الله عنه, وكذلك عندما يأتي رسول معاوية إلى علي فانه يصلي خلفه, وكان معاوية يستفتي علي في أمور الدين، ويبعث بذلك الرسل, وعندما كان احدهما يشهد على شيء فإن الآخر يصدقه, فعندما حدث علي رضي الله عنه بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي في الصحيحين «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ», لم يكذبه معاوية رضي الله عنه ، بل صدقه وهما في حالة التحام الصفوف كخصمين .
والصحابة رضوان الله عليهم عندما كانوا يتقاضون إلى القاضي كانوا يسمونه مفتياً كما ذكر ذلك السرخسي في المبسوط أي أن غرضهم من الخصومة ليس الملك وإنما الوصول إلى الحق .
قال شيخ الإسلام (منهاج السنة النبوية 6/236): وأما الصحابة فجمهورهم وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة، وقال: عن أيوب السختياني عن محمد بن سيرين قال هاجت الفتنة وأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عشرة آلاف فما حضرها منهم مائة بل لم يبلغوا ثلاثين وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقه, ومراسيله من أصح المراسيل. وفي (منهاج السنة 6/237): وقد روى ابن بطة عن بكير بن الأشج قال: أما إن رجالا من أهل بدر لزموا بيوتهم بعد قتل عثمان فلم يخرجوا إلا إلى قبورهم.
وقال ابن تيمية (منهاج السنة 6/366): وخيار هذه الأمة هم الصحابة فلم يكن في الأمة أعظم اجتماعا على الهدى ودين الحق ولا أبعد عن التفرق والاختلاف منهم وكل ما يذكر عنهم مما فيه نقص فهذا إذا قيس إلى ما يوجد في غيرهم من الأمة كان قليلا من كثير.
وهكذا تجد- أخي المسلم - ان الصحابة ابعد الناس عن فتنة فهم سادة الاولياء واول السلف , في البخاري عن عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ رضى الله عنهما قَالَ قَالَ النَبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «خَيْرُكُمْ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ». قَالَ عِمْرَانُ لاَ أَدْرِى أَذَكَرَ النبي صلى الله عليه وسلم بَعْدُ قَرْنَيْنِ أو ثَلاَثَةً . بل إن مجرد رؤيتهم ورؤية من رآهم فضل وفوز، في الحديث (طوبى لمن رآني ولمن رأى من رآني ولمن رأى من رأى من رآني وآمن بي طوبى لهم وحسن مآب) (صحيح الجامع)
فهل بعد تزكية الله لهم في كتابه العزيز وبعد تفضيل رسول الله لهم على سائر القرون مقال لقائل؟!!
قال أبو طاهر السلفي (الوجيز في ذكر المجاز والمجيز1/53): ومن رزق التوفيق ولاحظ التحقيق من جميع الخلق بالغ في اتباع السلف الذين هم القدى وأئمة الهدى إذ اتباعهم في الوارد من السنن من أنهج السنن وأوقى الجنن وأقوى الحجج السالمة من العوج وما درجوا عليه هو الحق الذي لا يسوغ خلافه ومن خالفه ففي خلافه ملامه ومن تعلق به فالحجة الواضحة سلك وبالعروة الوثقى استمسك والفرض الواجب اتبع وعن قبول قول لنا في قول من لا ينطق عن الهوى وفعله امتنع, وقال شيخ الإسلام (المجموع 4/5): قال سعيد بن جبير ما لم يعرفه البدريون فليس من الدين.
وفي زمنهم حققت الأمة أعظم الانجازات في تاريخها حيث كان الافتراق في الدين معدوما والسنة ظاهرة والبدع مقهورة .
فى الصحيحين أن جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضى الله عنهما قَالَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ «أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الأَرْضِ» وَكُنَّا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ، وَلَوْ كُنْتُ أُبْصِرُ الْيَوْمَ لأَرَيْتُكُمْ مَكَانَ الشَّجَرَةِ . وفي مسلم عنه أن النَّبِىّ صلى الله عليه وسلم قال: «لاَ يَدْخُلُ النَّارَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أصحاب الشَّجَرَةِ أَحَدٌ. الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَهَا». وفيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنَّ أُمَّتَكُمْ هَذِهِ جُعِلَ عَافِيَتُهَا فِى أَوَّلِهَا وَسَيُصِيبُ آخِرَهَا بَلاَءٌ وَأُمُورٌ تُنْكِرُونَهَا وَتَجِىءُ فِتْنَةٌ فَيُرَقِّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا». وغيرها من الأدلة الكثيرة الدالة على فضلهم ووجوب الاقتداء بطريقتهم في الدين التي هي التسليم المطلق للشرع وعدم التكلف في العلم و العمل والسكوت حيث يجب السكوت والكلام حيث يجب التبليغ.
وقد نهى صلى الله عليه وسلم عن سبهم, في الصحيحين عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضى الله عنه قَالَ قَالَ النَّبِىُّ صلى الله عليه وسلم: «لاَ تَسُبُّوا أَصْحَابِى، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ» وفي لفظ لمسلم «لاَ تَسُبُّوا أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِى فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلاَ نَصِيفَهُ », فما بالك بمن يلعنهم؟ واللعن اشد من السب حتى جعله رسول الله كالقتل في البخاري أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:[وَمَنْ لَعَنَ مُؤْمِنًا فَهْوَ كَقَتْلِهِ، وَمَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهْوَ كَقَتْلِهِ]، فما بالك بمن جعل ذلك دينه الذي يتعبد به!!
وكل فرقة أو طائفة تناصب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم العداء فهي ابعد الفرق والطوائف عن الحق، وأكثر الخلق حرمانا من اتباعه، وهي اقرب الطوائف إلى الباطل, وأشقى الطوائف باتباعه جزاء وفاقا.
ومن تمسك بهذين الأصلين وهما لزوم ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أمر الدين وفي جماعة فنتيجته هي سيادة تلك الطائفة وتمكينها من رسالة ربها والكثرة في الخير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «نحن الآخِرون السابقون يوم القيامة» متفق عليه، وهي أكثر أهل الجنة، في مسلم قال صلى الله عليه وسلم: «إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة»
فإذا كان صلى الله عليه وسلم قد أخبر ان الفرق الاثنتين والسبعين الباقين في النار فهذا معناه ان شطر أهل الجنة هم من هذه الفرقة فقط ، وبهذا يكونون السواد الأعظم في الدنيا والآخرة, فقلة المعدود لا تدل على قلة العدد , فهي فرقة أو طائفة واحدة لكنها هي السواد الأعظم من الأمة, وأهل البدع والافتراق مازالوا متفرقين وكل أصل بدعي يفترق إلى أصول أخرى ,وتحت كل أصل عدد من الفرق والطوائف ,وسيكونون كذلك حتى يخرج الدجال في أعراضهم، في البخاري قَالَ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ النَّبِىَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِى الدِّينِ ، وَإِنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ وَاللَّهُ يُعْطِى ، وَلَنْ تَزَالَ هَذِهِ الأمة قَائِمَةً عَلَى أَمْرِ اللَّهِ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ », وفي مسلم عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم « لاَ تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَّتِى ظَاهِرِينَ عَلَى الْحَقِّ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ حَتَّى يَأْتِىَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَذَلِكَ ». ,وفيه عن عقبة بن عامر سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ « لاَ تَزَالُ عِصَابَةٌ مِنْ أُمَّتِى يُقَاتِلُونَ عَلَى أَمْرِ اللَّهِ قَاهِرِينَ لِعَدُوِّهِمْ لاَ يَضُرُّهُمْ مَنْ خَالَفَهُمْ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ».
قال شيخ الإسلام (منهاج السنة 6/366): (وأخبر صلى الله عليه وسلم أنه سأل ربه أن لا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فأعطاه ذلك وسأله أن لا يهلكهم بسنة عامة فأعطاه ذلك وسأله أن لا يجعل بأسهم بينهم شديدا فمنعه ذلك ومن قبلنا كان الحق يغلب فيهم حتى لا تقوم به طائفة ظاهرة منصورة ولهذا كان العدو يسلط عليهم فيجتاحهم كما سلط على بني إسرائيل وخرب بيت المقدس مرتين فلم يبق لهم ملك ونحن ولله الحمد لم يزل لأمتنا سيف منصور يقاتلون على الحق فيكونون على الهدى ودين الحق الذي بعث الله به الرسول)
قال اللالكائي (اعتقاد أهل السنة 1/25): (واغتاظ بهم الجاحدون فإنهم السواد الأعظم والجمهور الأضخم فيهم العلم والحكم والعقل والحلم والخلافة والسيادة والملك والسياسة وهم أصحاب الجمعات والمشاهد والجماعات والمساجد والمناسك والأعياد والحج والجهاد وباذلي المعروف للصادر والوارد وحمات الثغور والقناطر الذين جاهدوا في الله حق جهاده واتبعوا رسوله على منهاجه الذين أذكارهم في الزهد مشهورة وأنفاسهم على الأوقات محفوظة وآثارهم على الزمان متبوعة).
ظهور البدع والافتراق
قال اللالكائي (اعتقاد أهل السنة 1/15): (ومقالة أهل البدع لم تظهر إلا بسلطان قاهر أو بشيطان معاند فاجر يضل الناس خفيا ببدعته أو يقهر ذاك بسيفه وسوطه أو يستميل قلبه بماله ليضله عن سبيل الله حمية لبدعته).
فالاجتماع مترافق مع السنة والافتراق مترافق مع البدعة لذا صار شعار الطائفة المنصورة المهدية إلى الحق "اهل السنة والجماعة" لتمييزهم عن أهل البدعة والفرقة, فهم لم يتعصبوا للأهواء وكان شعارهم الدائم "نستدل ثم نعتقد " وشعار غيرهم "الاعتقاد ثم الاستدلال"، أرخوا آذانهم للسمع، فآتاهم الله حسن الإتباع، فذلل لهم الطريق , وجعلوا هواهم تبعا لهدى ربهم , وحدوا ربهم حق التوحيد ، فعصمهم بوحيه من الحيرة والافتراق فالنصوص محيطة بأحكام الحوادث ،فاعملوا عقلهم في فهم مراد ربهم ليعلموا ويعملوا، فاختارهم لحمل رسالته، ونور هدايته , فكان أهل السنة المحضة هم أهل الإسلام المحض.
ولفظ السنة فيه عموم وخصوص مثل لفظ الصحبة فيه عموم وخصوص فما ورد بخصوص السنة المحضة وأهل الحديث لا يعني كون غيرهم من أهل السنة ليسوا كذلك فان أهل السنة هو مصطلح عام فيه درجات لا ينفي الخاص فيه العام .
والذين خرجوا على جمهور الأمة وسوادها الأعظم خرجوا إما بسيف أو ببدعة أو بكليهما معا, قال شيخ الإسلام (المجموع 19/72) : (أما البدع المخالفة للسنة فقائلها لابد أن يثبت ما نفته السنة، وينفى ما أثبتته السنة ،ويحسن ما قبحته السنة ، ويقبح ما حسنت ) ,ولذلك استغنوا بأهوائهم عن علم الكتاب والسنة فليس لهم عناية بمراد الكتاب على الوجه الذي يريده الله عز وجل كما قال الإمام أحمد في وصفه لأهل البدع ( هم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب يتكلمون بالمتشابه من الكلام), وليس لهم عناية ولا دراية بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, قال العراقي (الأربعون العشارية 1/122): (كان اتصال هذه الشريعة المطهرة بالأسانيد مما خص الله به هذه الأمة بفضله . وفي المدخل لابن بدران الدمشقي (1/499): (أن ابن مندة الأصبهاني قال :طفت الشرق والغرب مرتين ولم أسمع من المبتدعين حديثا).
وقد سلم الله تعالى هذه الأمة من تفشي منهج الباطل بجهابذة السنة قال الإمام محمد بن عبد الوهاب (مفيد المستفيد 1/316): (قال ابن مسعود إن لله عند كل بدعة كيد بها الإسلام وليا من أوليائه يذب عنه وينطق بعلامتها ) وقد اخرج مسلم عن ابن المبارك قوله (الإسناد من الدين لولا الإسناد لقال من شاء ما يشاء) .
قال النحاس في الناسخ والمنسوخ :(إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعاً) هم أهل البدع لأنهم إذا ابتدعوا تجادلوا وتخاصموا وتفرقوا ،وليس النبي صلى الله عليه وسلم ولا الفرقة الناجية وهي الجماعة الظاهرة منهم في شيء لأنهم منكرون عليهم ما هم فيه مخالفون لهم )
قال اللالكائي (اعتقاد أهل السنة 1/65) ( ان أبا بكر بن عياش قال له رجل يا أبا بكر من السني قال الذي إذا ذكرت الأهواء لم يتعصب لشيء منها).
وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو بهؤلاء الدعوات (اللهم جنبني منكرات الأخلاق والأهواء والأدواء) رواه أصحاب السنن وصححه الالباني . قال الشاطبي (الاعتصام 1/217): السنة حجة على جميع الأمة وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة لأن السنة معصومة عن الخطإ ،وصاحبها معصوم ,وسائر الأمة لم تثتب لهم عصمة إلا مع إجماعهم خاصة، وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دليلا شرعيا. وقال القاسمي (قواعد التحديث 1/290): قال العلامة المحقق المقري في قواعده (قاعدة:لا يجوز رد الأحاديث إلى المذاهب على وجه ينقص من بهجتها ويذهب بالثقة بظاهرها.
وقد أصاب قوما نقص في العلم وبعد عن طريقة الصحابة فجعلوا بعض أهل السنة ضد بعضهم الآخر فأرادوا جعل المحدثين ضد الفقهاء ،والفقهاء ضد المحدثين ,وذهبوا إلى جعل الفقهاء ضد بعضهم البعض فهذا حنفي وذلك شافعي وجعلوا التعصب لهذه الاسماء الجزئية بديلا عن المصطلح الاساس وهو أهل السنة والجماعة,قال الاسفرائيني (التبصير في الدين 1/187): (وجملة الأئمة في النحو واللغة من أهل البصرة والكوفة في دولة الإسلام كانوا من أهل السنة والجماعة وأصحاب الحديث والرأي إلى ان قال كذلك لم يكن في أئمة الأدب أحد إلا وله إنكار على أهل البدعة شديد ،وبعد من بدعهم بعيد، مثل الخليل بن أحمد ويونس بن حبيب وسيبويه والأخفش والزجاج والمبرد وأبي حاتم السجستاني وابن دريد والأزهري وابن فارس والفارابي وكذلك من كان من أئمة النحو واللغة مثل الكسائي والفراء والأصمعي وأبي زيد الأنصاري وأبي عبيدة وأبي عمرو الشيباني وأبي عبيد القاسم بن سلام) , وقال ايضا (1/186 ): (ومنها أن فتاوى الأمة تدور على أهل السنة والجماعة فريقي الرأي والحديث ومعظم الأئمة ينتحلون مذهبهم ويجتمعون على طريقهم وهو الغالب على بلاد المسلمين فهم إذا أهل الجماعة من سائر الوجوه) . وقال البيهقي (الاعتقاد 1/234): وكان الشافعي رحمه الله يجعل هؤلاء المختلفين في معنى المجتمعين حيث أن كل واحد منهم أدى ما كلف من الاجتهاد ولم يخالف كتابا ولا سنة قائمة بلغته ولا إجماعا، ولا قياسا صحيحا عنده إنما نظر في القياس فأداه إلى غير ما أدى إليه صاحبه).
فلا معنى إذن لهذا الصراع الموهوم بين أجزاء مكونة لجسم واحد لكل جزء منها دوره في بيان الحق ,وكأني بهم جنودا موزعين على جهات عدة ،يردون عن حياض هذا الدين، ويعلمونه كما يريده الله .
فالتفرق مرافق للبدعة كما أن الاجتماع مرافق للسنة فمن فرق ودعا إلى سنة فقد أخطأ، فلا تذكر السنة إلا ومعها الجماعة، ودائما وأبدا سيبقى الاسم هو "أهل السنة والجماعة" ومن حذف الجماعة من أهل السنة فإنما يقصد شرا بهذه الأمة فالسنة هداية والجماعة قوة , ولا يوجد معنى من معاني القوة إلا وهو يسير مع الهداية وقول شيخ الإسلام: (قوام هذا الدين بكتاب هاد وسيف ناصر), يشير إلى القوة والحق .
ويجب الابتعاد عن كل تسمية أو نسبة تؤدي إلى الفرقة تعبدا لله تعالى بالاجتماع ،فإن سادة الأولياء في هذه الأمة "الصحابة" كانوا يكرهون الانتساب إلى غير الإسلام, قال معاوية لابن عباس: أنت على ملة علي؟ قال لا ولا على ملة عثمان، ولكني على ملة النبي. قال شيخ الإسلام (المجموع 3/415): (والله تعالى قد سمانا في القرآن المسلمين المؤمنين عباد الله فلا نعدل عن الأسماء التي سمانا الله بها إلى أسماء أحدثها قوم ، وسموها هم ، وآباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان بل الأسماء التي قد يسوغ التسمي بها مثل انتساب الناس إلى إمام كالحنفي ،والمالكي، والشافعي ،والحنبلي ،أو إلى شيخ كالقادري ،والعدوي ونحوهم أو مثل الانتساب إلى القبائل كالقيسي ، واليماني وإلى الأمصار كالشامي ، والعراقي، والمصري فلا يجوز لأحد أن يمتحن الناس بها ولا يوالي بهذه الأسماء ولا يعادي عليها بل أكرم الخلق عند الله أتقاهم من أي طائفة كان وأولياء الله الذين هم أولياؤه هم الذين آمنوا وكانوا يتقون ).
ويمكن أن يكون تعدد الجماعات التي تختص كل منها بغاية ضمن الإطار العام محمودا وفي هذا يقول القائد العام للجيش الإسلامي في العراق "وفقه الله" : (فإن التعدد في فصائل العمل الإسلامي يمكن أن يكون محموداً إذا التزمت أطرافُه بالضوابط الشرعية التي تضع هذا التنوعَ في إطار التكامل، بحيث ينتصب فيه كلُ فصيل لأداء الدور الذي عُني به، وفُتح عليه في أدائه، بلا بغي ولا استطالة) ولكن الصورة يمكن ان تنقلب بالضد فالشيخ القائد يقول ايضا في نفس الرسالة (ولكن يمكن أن يصير هذا التعددُ تعصباً مذموماً ينتصر فيه كلُّ طرف لاختياراته العلمية والعملية بالحق والباطل، بحيث تتعمق به الصراعاتُ وتتناكر به القلوبُ وتتمزق به الولاءاتُ ويتهارجُ الناسُ ويبغي بعضهم على بعض ، ولا يرى فيه أحد إلا دورَه، وما انتصب لأدائِه، ولا يطِلُّ على الآخرين إلا من منظور الكِبْر بَطَََراً للحق، وغمطاً للناس، ليجعلَ من نفسه وحده الناطقَ الرسميَ باسم الحق ويحكم على غيره بأنه خائن لله ورسوله والمؤمنين).
وهذا الشنقيطي يربط الإخلاص بالاجتماع حيث يقول (أضواء البيان 9/47) في قوله تعالى: (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ) (فإقامة الدين وعدم التفرقة فيه هو عين عبادة الله مخلصين له الدين).
وكلما اشتدت وطأة الخطر من البدعة كان التداعي إلى نصرة السنة أوجب, وكلما كان التشرذم كبيرا كان داعي الاجتماع أعظم, والله عز وجل يعين عباده المؤمنين ويسددهم ولا داعي للعجز، فاليأس من روح الله كفر , ومن شغب فالله يبتليه بنقيض قصده, في الفتن لنعيم بن حماد (1/183) قال كعب: ما أثار الفتنة قوم إلا كانوا لها جزرا.
والله سبحانه وتعالى أمرنا بالاجتماع ودلنا على طريقه، وأصل هذا الاجتماع يجب أن يكون على الكتاب والسنة وعلى طريقة الصحابة في الدين, هذا هو أمر الله الشرعي , وأمره القدري هو أن الاجتماع لن يكون إلا على هذا ,فالحكم في النزاع يدور على هذا ؛ فمن قال ان الشرع الحنيف كتابا وسنة لا يمكن ان يكون مصدرا للتشريع , وإننا يجب ان نبحث عن وسائل أخرى، وطرائق جديدة تتناسب مع مقتضيات العصر ,فهذا لا يمكن الاجتماع معه لا شرعا، ولا قدرا , ومن فسر الكتاب على غير مراد الله , كمن ادعى ان للكتاب ظاهرا وباطنا ,فهو يؤمن بالتفسير الباطني وهو كمن جحد الكتاب وقال انه من عند غير الله وهذا لا يمكن الاجتماع معه لا شرعا ولا قدرا , ومن جحد السنة فقال ان الكتاب هو المصدر الثابت الوحيد عندي والسنة مختلف فيها وبالتالي تسقط حجيتها فهذا لا يمكن الاجتماع معه شرعا، ولا قدرا ,يقول صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ أَنْ يَقْعُدَ الرَّجُلُ مِنْكُمْ عَلَى أَرِيكَتِهِ يُحَدِّثُ بِحَدِيثِى فَيَقُولُ بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ كِتَابُ اللَّهِ فَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَلاَلاً اسْتَحْلَلْنَاهُ وَمَا وَجَدْنَا فِيهِ حَرَامًا حَرَّمْنَاهُ وَإِنَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَمَا حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ», ومن أوّل السنة على غير مراد قائلها كمن جحدها .
ومن اخذ بالكتاب والسنة وجب عليه أن ينظر كيف تدين بها الصحابة ، ولذلك تجد أن كل من اغتر بعقله وقال عن الصحابة نحن رجال وهم رجال, ولم يقف حيث وقفوا, تجده خاض بحرا لا ساحل له، وأصبح إن تداركته رحمة الله تعالى يرجع إلى دين العجائز والعوام وكأن الله تعالى قد عاقبهم بنقيض قصدهم, أرادوا ان يكونوا كخواص الصحابة فلم يكونوا إلا كحال العوام فهذا الجويني يقول: (قرأت خمسين ألفا في خمسين ألفا ثم خليت أهل الإسلام بإسلامهم فيها، وعلومهم الطاهرة، وركبت البحر الخضم، وغصت في الذي نهى أهل الإسلام عنه كل ذلك في طلب الحق، وهربا من التقليد، والآن قد رجعت من العمل إلى كلمة الحق: عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق بلطفه وأموت على دين العجائز ويختم عاقبة أمري عند الرحيل على الحق وكلمة الإخلاص لا إله إلا الله فالويل لابن الجويني) ولهذا كان الرازي -فيما نقله ابن حجر- مع تبحره في الأصول يقول :(من التزم دين العجائز فهو الفائز), هذا مع كونهم على علم بالشرع لكنهم ابتدعوا فابتعدوا عن طريقة الصحابة في التدين .
فالاجتماع المطلوب إذن هو الأخذ بالكتاب والسنة على وفق مراد الشرع، وعلى وفق طريقة الصحابة في الدين، وهذا الاجتماع الشرعي سيؤدي – بإذن الله- إلى الاجتماع القدري الذي هو شأن مسبب الأسباب ,قال الشاطبي (الموافقات1/190): (إن الذي للمكلف تعاطى الأسباب وإنما المسببات من فعل الله وحكمه لا كسب فيه للمكلف).
وأما من لا يجتمع معنا هذا الاجتماع الشرعي السني الديني "سمه ما شئت" فلنا وله شأن آخر .
فأهل السنة تعاملوا مع مختلف الطوائف طيلة حياتهم بلا عُقد، بل بمقتضى العدل والرحمة، بحسب ما تفرضه عليهم وسطيتهم، وتمثيلهم للأمة، قال شيخ الإسلام (المجموع 10/379): (فأما الأمة الوسط فلهم العلم والرحمة كما اخبر عن نفسه بقوله (ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما) وقال تعالى (ورحمتي وسعت كل شيء) وقال (انما إلهكم الله الذي لا اله إلا هو وسع كل شيء علما) وكذلك وصف العبد الذي لقيه موسى حيث قال (آتيناه رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما) .
ولما كانت غاية المسلمين ان يكون الدين كله لله فقد استخدموا كل الأدوات لتحقيق هذه الغاية العظيمة، فلم يشطبوا تلك الطوائف سواء كانت تتحرك داخل محيط الأمة أو خارجها، ولم يعملوا وحدة واحدة بين الأمة وهذه الطوائف, وإنما استخدموا حلا آخر بان جعلوا تلك الطوائف في خدمة مشروع الأمة العام، فمن كان خارج الأمة استخدموا معه صيغة الأحلاف السياسية بحيث تكون غاية الأحلاف هذه تحقيق مصلحة للطرفين، أو تحقيق مقصد شرعي عام، في الصحيح عن طلحة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم ولو دعي به في الإسلام لأجبت).
فإقامة العدل وإنصاف المظلوم وإغاثة اللهفان مقاصد عامة مطلوبة بالشرع، لذا يحق لنا كمسلمين أن نتفق مع غيرنا -أيا كانوا- على تحقيقها ,بل الأمر أكثر من ذلك , فهؤلاء أئمة الحديث وجهابذة السنة وجيش دولتها المرابطين على ثغورها الحافظين حدودها يستخدمون من هم داخل وخارج محيط الأمة في نقل اعز النفائس الشرعية أحاديث حبيبهم صلى الله عليه وسلم, استمع إلى الإمام الصنعاني وهو يقول (إرشاد النقاد 1/128): (وقد نقل في العواصم إجماع الصحابة على قبول فساق التأويل من عشر طرق ومثله في كفار التأويل من أربع طرق وإذا عرفت ورأيت أئمة الجرح والتعديل يقولون فلان ثقة حجة إلا أنه قدري أو يرى الإرجاء أو يقول بخلق القرآن أو نحو ذلك أخذت بقولهم ثقة وعملت به واطرحت قولهم قدري ،ولا يقدح به في الرواية غاية ذلك أنه مبتدع ولا يضر الثقة بدعته).
وانظر إلى ميزان العدل والإنصاف في موقف العلماء من رواية المبتدع، فقد أورد المنذري في رسالة في الجرح والتعديل (1/35): أربعة أقوال لأهل العلم في هذه المسالة وهي:
1. قالت طائفة لا يحتج بحديثهم جملة
2. وذهبت طائفة إلى قبول أخبار أهل الأهواء الذين لا يعرف منهم استحلال الكذب ولا الشهادة لمن وافقهم بما ليس عندهم فيه شهادة
3. وذهبت طائفة إلى قبول غير الدعاة من أهل الأهواء فأما الدعاة فلا يحتج بأخبارهم .
4. ومنهم من ذهب إلى أنه يقبل حديثه إذا لم يكن فيه تقوية لبدعتهم.
أبعد هذا الإنصاف إنصاف ؟ انه ميزان الحق والعدل النابع من الكتاب والسنة ودين الصحابة فهؤلاء تلاميذهم فمن هم أساتذة أهل الأهواء ؟!!
وانظر إلى العدل والرحمة بالمخالف قال البيهقي (الاعتقاد 1/235): (وأما تخليد من عداهم-يقصد أهل السنة - من أهل البدع في النار فهو مبني على تكفيرهم فمن لم يكفرهم أجراهم بالخروج من النار بأصل الإيمان مجرى الفساق المسلمين وحمل الخبر على تعذيبهم بالنار مدة من الزمان دون الأبد واحتج في ترك القول بتكفيرهم بقوله صلى الله عليه وسلم : تفترق أمتي فجعل الجميع مع افتراقهم من أمته والله أعلم ).
والسجن حتى السجن عند أهل السنة لم يحرم صاحبه العطاء ,قال ابن سعد (الطبقات الكبرى 5/348): (عن أبي بكر بن حزم قال كنا نخرج ديوان أهل السجون فيخرجون إلى أعطيتهم بكتاب عمر بن عبد العزيز).
وأما ما فعلته الطوائف حين تسلطت على رقاب العباد ، فقد كان خليطا من الظلم والتعصب .
وما قامت به كل طائفة مخالفة لمنهج الأمة كان الذي برزت به وخرجت بدعواه عن منهج الحق هي أول من يخالفه عند التمكين فهؤلاء المعتزلة الذين جعلوا العدل ثاني أصولهم الخمسة وهو عندهم يعني التكذيب بالقدر وان الله لا يخلق أفعال العباد -تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا- وذلك مبالغة منهم لإظهار العدل والحرية للعبد وان خلق فعل العبد من قبل الله ينافي الاختيار –زعموا- وبرغم ذلك فعندما تمكنوا لم يجعلوا لأحد من البشر أن يعارضهم برأي ولا دين، فامتحنوا الناس ، وفتنوا الأمة بإظهار بدعة خلق القران بعد ان فتنوا المأمون وملئوا قلبه وعقله ببدعهم ،فطفق ينصرها بكل ما أوتي من قوة فكان نتيجة ذلك أن قتل وعذب وسجن كثيرا من علماء الملة والسنة , فأين ذهبت حرية الاختيار ؟ وأين ذهب العدل الذي طالما تشدقوا به؟ بل بلغ من غلوائهم أنهم لم يكونوا يفادون أي أسير مسلم عند الرومان لم يكن يقول بخلق القران !!
اتهموا ربهم بعدل قدره، فأرى الله العالم كله ظلمهم عند تمكنهم جزاءا وفاقا (يمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين) وهكذا كان أفراخهم من بعدهم.
وأما أصحاب شعارات المظلومية التاريخية فقد تفننوا في أساليب التعذيب الوحشية لمخالفيهم عند تمكنهم وسجل التاريخ باسمهم كثيرا من براءات اختراع وسائل التعذيب الوحشية، قال أبو عبد الله محمد بن علي بن حماد (أخبار بني عبيد1/65): ( أتاه-يقصد اسماعيل الفاطمي- بالثائر المذكور وكان غلاما أمردا جميلا مقيدا راكبا جملا ومعه أربعة نفر مقيدين فأمر إسماعيل بسلخه حيا وحشا جلده قطنا وجعله في تابوت وكان يصلبه في كل موضع يحل به وكذلك كان يفعل بأمثاله ممن يبالغ في الانتقام منه حتى سمي السلاخ وقطع أيدي أصحابه وأرجلهم وصلبهم) وقال (1/74): (كان إسماعيل ظهر بها في ذلك المكان وبنى تنورا كبيرا وأضرمه نارا وعلق عليه بكرة فإذا أخذ أحدا من البربر علقة برجليه إلى البكرة ثم مالاه في التنور إلى موضع يناله حر النار فيه فإذا أشرف على الموت روح شيئا فإذا رجعت إليه نفسه أعاده حتى يموت) وتواصل المليشيات الشيعية وأحزابها الدينية في العراق التطهير الديني على نفس طريقة أعمامهم الاسماعليين الفاطميين بل اشد وأنكى .
وقال ابن كثير (البداية والنهاية 11/284): (ثم قدم المعز-يقصد الفاطمي - وقد أحضر بين يديه الزاهد العابد الورع الناسك التقي أبو بكر النابلسي فأمر بإشهاره في أول يوم ثم ضرب في اليوم الثاني بالسياط ضربا شديدا مبرحا ثم أمر بسلخه في اليوم الثالث فجيء بيهودي فجعل يسلخه وهو يقرأ القرآن قال اليهودي فأخذتني رقة عليه فلما بلغت تلقاء قلبه طعنته بالسكين فمات رحمه الله) .
هذه وسائل التعذيب القديمة وقد تم تطويرها في عهد أحفادهم أهل شعار "المظلومية التاريخية "إلى طبخ الأطفال في القدور، وإرسالهم إلى أمهاتهم ,وتثقيب الأجساد بالدريل وقد كان الفاطميون اقل حظا من احفادهم فلم تكن عندهم الكهرباء وتكنولوجيا التعذيب المطورة في قلعة آلموت ،فحاضر هذا الحقد هو امتداد لماضيه رغم اختلاف العصور والصور والأماكن .
وإضافة إلى التعذيب الجسدي كانوا يطعنون الأمة في اعز رموزها فسب صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولعنهم مأمور به، مكافأ عليه، حيث كان شعارهم (من لعن وسب، فله دينار وأردب) ، كما كانت ظاهرة الاعتماد على اليهود والنصارى سمة من سمات الحكم في دولة الفاطميين، فمن هؤلاء كان كثير من الوزراء وجباة الضرائب والزكاة، والمستشارين في شؤون السياسة والاقتصاد والعلم ، ومنهم الأطباء والثقات لدى الحكام، وإليهم تحال معظم الأعمال الجسام.
أما أهل السنة فمقموعون مقهورون ، وهذا حالهم اليوم في دولة المليشيات الشيعية صاحبة شعار "المظلومية التاريخية" فالقتل والتشريد، والتهجير من الدور والأملاك، والحرمان من العلاج والتعليم، فقد أصدرت وزارة التربية التي يرأسها شيعي العام الماضي قرارا بشطب نتائج الامتحانات للصفوف الإعدادية المنتهية في عدة مناطق من بغداد مثل العامرية والغزالية والجامعة والخضراء بدعوى الإرهاب، واعتبروا الطلبة راسبين جميعا في حين تتمتع مناطق المليشيات التي تحترف التزوير والجريمة المنظمة بأعلى الدرجات !! وأما وزارة التعليم العالي فزارتها المليشيات وبوضح النهار وبزي مغاوير الداخلية واختطفت كل الموجودين في دائرة البعثات من أهل السنة والنتيجة معروفة "جثث مجهولة الهوية تلقى على المزابل وعليها آثار التعذيب" أما وزارة العدل فاسم مسماه عكسه، والمتهمون سوادهم الأعظم من أهل السنة بالتهمة الاثيرة دائمة على قلوب أهل المظلومية التاريخية وهي الإرهاب .
إن الظلم الذي ذاقه أهل السنة على يد المليشيات الشيعية في العراق اليوم ليس له مثيل إلا ما لاقاه أهل السنة على يد التتار بمعاونة ابن العلقمي وابن الطوسي الآباء المؤسسين لفكرة الاستعانة بالكفار للانتقام من أهل السنة، أو ما لاقاه المسلمون على يد محاكم التفتيش في الأندلس.
في مقابل هذه المفاهيم والتصرفات الضيقة لأصحاب النظرة الطائفية هناك التصرف الأسمى الذي يمثل الأمة وينطلق من تعاليم دينها الحنيف ورسالتها السامية، وهو التصرف بمنطق العدل والرحمة حتى بالمخالف ، فالعدل والرحمة شريعة الله عز وجل، وانطلاقا من ذلك وبعد أحداث سامراء واشتداد الاستهداف الطائفي لأهل السنة في كل شيء تصرفت جماعة الجيش الإسلامي في العراق بمنتهى الصبر، والحكمة ،ولم تقابل السلوك الطائفي للأحزاب والمليشيات الشيعية بسلوك طائفي مماثل، بل تمسكت بمنطق الأمة الذي يفرضه عليها فهمها لدين الله، وصدرت عن قيادة الجماعة تعليمات مشددة بضرورة عدم الانسياق وراء عاطفة الانتقام وعدم الاشتغال بهذا الاستهداف عن الهدف الأساس الذي وطء لهذه المليشيات وهو العدو الأمريكي، وتفريغ عدد محدود من القوة القتالية لرد صولة المليشيات، وتحشيد الناس للدفاع عن مناطقهم، وتزويدهم با تيسر من المساعدة بالأسلحة والأعتدة والمساعدات الإنسانية للمناطق المحصورة، وجرى التركيز أيضا على ماجاء في المنهج الشرعي للجماعة وسياساتها العامة وبرنامجها السياسي التي تركز جميعها على أن العدل مكفول للجميع بغض النظر عن العرق، أو الدين، وان الدفاع عن الأبرياء والمظلومين من أهداف جهادنا ،وضرورة ان تنضبط جميع الأفعال التنفيذية اليومية بذلك، وعليه فقد أصدرت قيادة الجماعة كذلك أوامرها المشددة بالمحافظة على منازل العوائل الشيعية التي تركت المناطق السنية، ومحاولة إعادة هذه العوائل إلى سكناها، وبذلت الجماعة جهودا كبيرة في ذلك، وتحمل مجاهدو الجماعة الأبطال بصبر رائع جهودا إضافية كبيرة في سبيل تحقيق العدل .
وكانت وصية أمير الجماعة وقائدها" نصره الله" لجنوده دائما هي وصية أمير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لسعد حين ولاه حرب العراق والتي أوردها ابن خلدون في تاريخه (2/525):( إن الله لا يمحو السيء بالسيء ولكنه يمحو السيء بالحسن ، وليس بين الله وبين أحد نسب إلا بطاعته، فالناس في دين الله سواء ،الله ربهم ،وهم عباده يتفاضلون بالعافية، ويدركون ما عنده بالطاعة ،فانظر الأمر الذي رأيت رسول الله يلزمه فالزمه وعليك بالصبر) .
اما الطائفيون فحالهم كما ذكر القاسمي (قواعد التحديث 1/390): (وسهل كل منهم لجهله بدينه أن يرمي الآخر بالمروق منه لأدنى سبب وكلما ازدادوا جهلا بدينهم ازدادوا غلوا فيه بالباطل).
وقد يخرج احدهم من الدين بالكلية وهو ما يزال يغالي ويدعي .
وكل طائفة ضالة تنبز أهل السنة بلقب تدعيه، فالخوارج يسمون أهل السنة "مرجئة" ،والمرجئة يسمون أهل السنة "خوارج" و"تكفيريين" ،والروافض يسمون أهل السنة "النواصب "بالرغم من انقطاع هذه البدعة منذ قرون مديدة.
وأهل السنة هم أهل العدل والرحمة وهم وسط بين الفرق كما أن الإسلام وسط بين الأديان. قال شيخ الإسلام (المجموع 12/314): (أعظم ما يستفاد من أقوال المختلفين الذين أقوالهم باطلة فانه يستفاد من قول كل طائفة بيان فساد قول الطائفة الأخرى فيعرف الطالب فساد تلك الأقوال ويكون ذلك داعيا له إلى طلب الحق ولا تجد الحق إلا موافقا لما جاء به الرسول ولا تجد ما جاء به الرسول إلا موافقا لصريح المعقول فيكون ممن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد وممن له قلب يعقل به وأذن يسمع بها بخلاف الذين قالوا ( لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا فى أصحاب السعير ) .
فكل فرقة من هذه الفرق محتاجة إلى أهل السنة للانتصار على ضدها، فلا يمكن ان ينتصر الخارجي على المرجئي، أو المرجئي على الخارجي إلا بالعود إلى منهج أهل السنة وأصول علمهم، وكذلك الرافضي لا يمكنه أن ينتصر على خصمه إلا بالعود إلى منهج أهل السنة وأصول علمهم، كما أن النصراني لا يمكنه أن يثبت براءة مريم العذراء أو صدق المسيح عيسى ابن مريم "عليه السلام" إلا بالعود إلى الإسلام ومنهجه، فإن النصراني لا يمكنه أن يجيب عن شبهة اليهودي إلا بما يجيب به المسلم فإن لم يدخل في دين الإسلام وإلا كان منقطعا مع اليهودي وكذلك كل طائفة من أهل الزيغ عن منهج الحق إذا لم تدخل تحت ظل علوم السنة فإنها مقطوعة مع خصومها، فسبحان الله والحمد لله العزيز الذي خضعت لعزته رقاب الجبابرة والقوي المتين الذي أباد من كذب رسله من الأمم الطاغية الكافرة، سبحانه من قسام ما أعدله ومن قهار ما أحلمه، ومن جواد ما أكرمه، ومن عليم ما أعلمه، فقد أوضح السبيل إليه وصار الأمر أوضح من أن يحتاج إلى دليل
إن على كل من يقدم الحلول للحالة العراقية أن يعلم أن العراق لا يمكن أن يتعافى إلا بوجهه الإسلامي السني ولا يمكن للطوائف سواء كانت ضمن محيط الأمة أو خارجها أن تمثله تمثيلا صادقا .
وأي حل سطحي للوضع في العراق يتعامل مع المكونات العراقية على أساس التقابل، لا يمكنه أن يؤتي أي نتيجة مثمرة، وان الغوص في المعاني الشاملة التي ذكرناها هنا والانطلاق منها للإتيان بحلول عملية هو الصحيح والمؤمل بعد توفيق الله أن يأتي بالنتيجة المرجوة ، وعندها يمكن أن يرجع هذا العضو الهام (العراق) المقتطع الآن من جسد الأمة إلى التفاعل ايجابيا مع المحيط العام لجسد الأمة الشامل .
ففي قياسات النظر الصحيح للوضع في العراق يجب أن تشتبك حقائق الجغرافيا مع عبرة التاريخ في إنتاج مشهد جديد يعود بالأمور إلى وضعها الطبيعي.
وبعد -أخي المسلم- تمسك بدينك فانك والله على الحق ،وما هي الا أيام وتنقضي، فوالله ما بعد الموت من مستعتب، وما بعد الموت من دار إلا الجنة أو النار، ولا يغرنك تسلط الأعداء مهما كثروا ومهما تنوعوا، فقد أحاطوا بنا سابقا بمدينة نبينا صلى الله عليه وسلم إحاطة السوار بالمعصم ،ولكن ثقة رسولنا "صلى الله عليه وسلم" بربه بددت ظلمات الأوهام وظهر الحق، وإن الحق قادم دامغ قال تعالى (بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ) ، وان للباطل جولة، وللحق صولات، وان النصر صبر ساعة، هذا خالد ابن الوليد رضي الله عنه يستقل أعدائه مع كثرتهم، فقد ذكر الطبري في تاريخه (2/337): (أن رجلا قال لخالد ما أكثر الروم وأقل المسلمين! فقال خالد ما أقل الروم وأكثر المسلمين! ، إنما تكثر الجنود بالنصر، وتقل بالخذلان لا بعدد الرجال ، والله لوددت أن الأشقر براء من توجيه، وأنهم أضعفوا في العدد)، ويذكر الطبري أن الروم كانوا مائتي ألف أو يزيدون .!!
قال عبد الحي العكري في شذرات الذهب (1/28) عن معركة القادسية (وكان أمير المسلمين سعد بن أبي وقاص ورأس المجوس رستم معه الجالينوس وذو الحاجب وكان المسلمون سبعة آلاف والمجوس ستون ألفا، ومعهم سبعون فيلا فحصرهم المسلمون في المدائن، وقتلوا رؤساءهم الثلاثة ).
هذا وقد ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم استعجال النصر قبل البلاء، في البخاري قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم « كَانَ الرَّجُلُ فِيمَنْ قَبْلَكُمْ يُحْفَرُ لَهُ في الأَرْضِ فَيُجْعَلُ فِيهِ ، فَيُجَاءُ بِالْمِنْشَارِ ، فَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ فَيُشَقُّ بِاثْنَتَيْنِ ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُمْشَطُ بِأَمْشَاطِ الْحَدِيدِ، مَا دُونَ لَحْمِهِ مِنْ عَظْمٍ أو عَصَبٍ، وَمَا يَصُدُّهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَاللَّهِ لَيُتِمَّنَّ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لاَ يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ أو الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ ، وَلَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ » .
وعلينا جميعا أن نتمسك بما كان عليه السلف الصالح والصدر الأول ونتدبر ما جاء به رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم من الحكمة والكتاب المنزل، ونعتبر بمن كان قبلنا ممن علا في الأرض ، وأمل وتمول، فجاءهم هاذم اللذات وكان الأجل مما أملوه أعجل.
اللهم منزل الكتاب ومجري السحاب وهازم الأحزاب اهزم أعداء دينك ومن ساندهم وناصرهم ورأى الخير في ولايتهم، وانصر عبادك الموحدين المجاهدين ، وألف بين قلوبهم واجمعهم على ارشد أمرهم، انك ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على محمد وعلى آله وسلم تسليما كثيرا .
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية بنت أبيها
بنت أبيها
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 07-05-2009
  • المشاركات : 827
  • معدل تقييم المستوى :

    18

  • بنت أبيها will become famous soon enough
الصورة الرمزية بنت أبيها
بنت أبيها
عضو متميز
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية المنصور
المنصور
عضو متميز
  • تاريخ التسجيل : 02-04-2009
  • المشاركات : 1,220
  • معدل تقييم المستوى :

    19

  • المنصور is on a distinguished road
الصورة الرمزية المنصور
المنصور
عضو متميز
  • ملف العضو
  • معلومات
الصورة الرمزية محمد ايوب
محمد ايوب
شروقي
  • تاريخ التسجيل : 12-05-2007
  • المشاركات : 4,202
  • معدل تقييم المستوى :

    24

  • محمد ايوب is on a distinguished road
الصورة الرمزية محمد ايوب
محمد ايوب
شروقي
رد: هل أهل السنة طائفة أم أمة؟
12-05-2009, 08:34 AM
اقتباس:
المشاركة الأصلية كتبت بواسطة بنت بُيها مشاهدة المشاركة
ما اسم مؤلف الكتاب ؟:)
(هل أهل السنة طائفة أم أمة)؟
بقلم الدكتور ابراهيم الشمري
الناطق الرسمي باسم الجيش الإسلامي
في العراق
ربي لا تجعلنا من الذين ضل سعيهم في الحياة الدُنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا."
  • ملف العضو
  • معلومات
فارس العاصمي
تقني سابق
  • تاريخ التسجيل : 13-11-2007
  • الدولة : الجزائر العاصمة
  • المشاركات : 8,647
  • معدل تقييم المستوى :

    28

  • فارس العاصمي will become famous soon enoughفارس العاصمي will become famous soon enough
فارس العاصمي
تقني سابق
رد: هل أهل السنة طائفة أم أمة؟
12-05-2009, 09:47 AM
بارك الله في الدكتور الشمري وفي الجيس الاسلامي وسدد رميهم ونصرهم على عدوهم
فمنهجهم وسط لاافراط ولا تفريط
التعديل الأخير تم بواسطة فارس العاصمي ; 12-05-2009 الساعة 11:14 AM
 
مواقع النشر (المفضلة)

الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع


الساعة الآن 06:34 PM.
Powered by vBulletin
قوانين المنتدى