رد: الى من يتطاول على سيده هواري بومدين
22-04-2010, 03:34 PM
مازال تاريخ الثورة حبيس الحسابات السياسوية الضيقة، لسلطة حكمت البلاد ومازالت تبرر شرعيتها في مواصلة التربع على عرش الحكم باسم الثورة، في حين لم تخرج المعارضة عن الندب والبكاء على ما تسميه الثورة والشهداء المخدوعين، للتأثير على الرأي العام الوطني، واستمالة الشعب الجزائري، كي يمنحها أصواته في مختلف المناسبات الانتخابية.
بسلوكها هذا، تكون المعارضة * مثل السلطة * مسؤولة أمام التاريخ عن التزييف والمتاجرة بذاكرة وآلام شعب، وتوظيف التاريخ سياسويا أو حزبويا، دون الاكتراث بالعواقب الكارثية التي ينتجها هذا السلوك. وما كتاب زعيم الأرسيدي "سعيد سعدي" حول شخصية العقيد الشهيد إلا نموذج لتوظيف التاريخ حزبيا وسياسويا، لتصفية حسابات، أو لاسترجاع قواعد ومجموعات مناضلين إلى صفوف الحزب، خصوصا بعد فشل الأحزاب السياسية في توعية وتجنيد الجماهير، وجلبها إلى صفوفها، لتحتمي الأحزاب التي اختارت السلطة تحت مظلة برنامج فخامة الرئيس، وتستفيد من قوة الإدارة والإعلام العمومي، وحتى المال العام، بينما ركنت أحزاب المعارضة إلى السكوت والموت السياسي، لتحيا فقط في المواعيد الانتخابية عندما توفر لها الأغلفة المالية ووسائل التحرك من طرف الدولة، وها هو الميستر سعيد سعدي * وهو الأخصائي في الطب النفسي * يدخلنا بكتاب يفترض أنه تاريخي في مسألة حساسة، ويختار قرية "تاسافت"، مسقط رأس العقيد عميروش، لإطلاق حملة سياسية واسعة، اعتمد فيها على عنصر الاتهام والتشكيك، أسابيع قبل صدور الكتاب.
والغريب في قضية سعيد سعدي، الباحث عن منطلقات جديدة لنشاطه الحزبي، أن كتابه لقي إشهارا كبيرا قبل تقديمه للمطبعة، في حين لم تجد كتب ومذكرات مجاهدين من رفاق عميروش، أمثال "جودي أتومي" أو "مكاشر" أو "عميروش" الإشهار نفسه أشهرا بعد صدورها.
والحقيقة أن كتابات عديدة نشرت حول الشهيد عميروش، كلها تثني على شجاعة الرجل وإيمانه، لكنها لم تخرج عن التقديس، ولم تعالج أحداث الثورة بموضوعية ونقد، رغم أن الشهيد عميروش، مثل الحواس وبن بولعيد وبن مهيدي، هم في آخر الأمر آدميون، لهم مزايا وعيوب.
-العقيد "عميروش":ومجازر "ملوزة" و"أميزور"...
والعقيد عميروش يتناقض موقفه السياسي والإديولوجي تماما مع موقف السعيد سعدي، الذي عليه أن يحمد الله أنه استمع إلى شهود رفقاء عميروش، لأن الشهيد آيت حمودة من بين أخطائه أنه يوجه أمثال سعيد سعدي في الأفكار نحو المذبح، وتعد مذبحة قرية "إيفراتن" و"فرعون" بدوار "إحجاجن" بمنطقة "أميزور" أبشع وأكبر جريمة ارتكبت خلال حرب التحرير بالولاية الثالثة، حيث تم القضاء على قرابة 1000 مواطن ومواطنة، شيوخا ونساء ورضعا في ليلة واحدة، أطلق عليها المؤرخون "ليلة الصومام الحمراء".
العقيد "عميروش" ومجزرة "إفرات":
وبأمر من النقيب عميروش آيت حمودة، قضى فيلق من جيش التحرير الوطني للولاية الثالثة، تحت قيادة الملازم الفاضل حميمي، ليلة الرابع عشر أفريل من العام ,1956 على كل أفراد قرية "إفراتن"، الواقعة بمنطقة "واد أمزور"، وتعود أسباب هذه المذبحة إلى الضغوط الممارسة على عائلة "أورابح"، وبالضبط السيناتور والنائب "عبد المجيد"، الذي طُلبت منه مساهمة مالية للثورة قيمتها أكبر من مساهمات عائلات ثرية أخرى، حسب "إيف كوريير" و"جيلبار منيي". أما "محمد الصديق بن يحيى"، المعروف باسم "بولحية"، وهو من ضباط جيش التحرير الوطني الناجين من التصفية بالولاية الثالثة، فإنه يرجع أسباب المجزرة البشعة، التي تفوق بكثير وحشية مجزرة "ملوزة" (بني يلمان) في ماي ,1957 إلى تصفية حسابات شخصية وثأر، لكون دواوير المنطقة معروفة بولائها ومساعدتها للثورة وللحركة الوطنية، وكان "عبد المجيد أورابح" من النواب الذين قدموا عريضة واستقالوا بسبب الجرائم الفرنسية المرتكبة في حق الجزائريين.
وكتب المجاهد محمد الصديق بن يحيى في مذكراته "كونجيراسيون أو بوفار" أن الملازم "حميمي" كان عاملا فلاحيا عند أولاد أورابح، وكان أميا وفقيرا ـ وأنه تعرض إلى إهانة، وعندما جاءت فرصة الثورة ثأر بوحشية. وعن قتلى قرية "إفراتن" ليلة 14 أفريل، فإن محمد الصديق بن يحيى يعطي رقم 495 قتيل ذبحوا معا، في حين تحدثت مصادر أخرى عن 1200 ضحية، وهو الرقم الذي اعتمده اجتماع "مؤتمر" الصومام المنعقد من 20 أوت إلى 5 سبتمبر .1956 وانتقد الشهيد "العربي بن مهيدي" و"عبان رمضان" مجزرة إفراتن، وطالب الشهيد "زيغوت يوسف" والسيد "لخضر بن طوبال" بمعاقبة ومحاكمة النقيب "عميروش"، باعتباره المسؤول الأول عن المذبحة.
وكان السيد لخضر بن طوبال * أطال الله عمره * قد أكد لنا في حوار نشر بيومية "أوريزون"، بتاريخ 20 أوت ,1996 إن قضية أولاد أورابح وملوزة جرائم لا تغتفر، وتبقى نقاطا سوداء في تاريخ الجزائر.
وبرر الشهيد زيغوت يوسف ولخضر بن طوبال أن دور الثورة تجنيد الشعب وليس قتله، وعن سؤالنا عن تبريرات الولاية الثالثة، قال بن طوبال إنها غير صحيحة، ولا يمكن أن تكون قرية خائنة، إذ ما ذنب الأطفال والرضع؟ وما ذنب النساء؟
وصرح السيد بن طوبال أن المؤتمر لم يتطرق لمسألة الحركى، وأضاف: "إننا نحن سبب الحركى، وسكاكيننا هي التي صنعت الحركى، ودفعت الناس للاحتماء بفرنسا". وأكد بن طوبال ومؤتمر الصومام أن عدد ضحايا مجزرة أولاد أورابح هو 1200 قتيل.
-العقيد عميروش ومجزرة "إفراتن":
مجزرة "ليلة الصومام الحمراء" مازالت مثل قضايا ومسائل وأحداث تاريخية أخرى حبيسة الكتمان، وجرت سنة، 1956 لكنها لم تظفر بتغطية إعلامية فرنسية، مثلما حصل خلال وبعد مجزرة ملوزة، والأسباب ربما تكون عدم رغبة المكتب الخامس الفرنسي، المعروف بعملياته التسميمية والاختراقية، في التشهير بجبهة التحرير، وتخويف السكان، سيما وأنها كانت تدعي أنها توفر لهم الحماية، وكانت أقدمت في شهر فيفري على تسليح مجموعة دفاع ذاتي في قرية فرعون. ومن جهة أخرى، فإن المذبحة الرهيبة لأولاد أورابح حدثت خلال عملية "العصفور الأزرق"، بالولاية الثالثة، حيث باشرت المخابرات الفرنسية، تحت إمرة الحاكم "جاك سوستيل" ثم "روبير لاكوست" عملية تسليح وتمويل جيش مضاد للثورة، وهي العملية التي يقال إن "كريم بلقاسم" اخترقها، وبعث برجاله، وتمكن من الحصول على السلاح والأموال، لتنقلب العملية على مخططيها. ولا يستبعد أن تكون هناك علاقة بين العصفور الأزرق ومذبحة أولاد رياح، مثلما أصبح اليوم مؤكدا أن جريمة بني يلمان جريمة فرنسية، ارتكبت بأيادي كتائب من جيش التحرير الوطني في الولاية الثالثة.
وعن مجزرة أولاد أورابح ومسؤولية الشهيد عميروش فيها ذكر السيد فرحات عباس في كتابه" تشريح حرب" أن شيخ حكيم من المنطقة سأل عميروش قائلا: لماذا هذه المجزرة. فرد عليه عميروش إنهم خونة ويستحقون القتل. فعاتبه الشيخ يا عميروش وما ذنب النساء والشيوخ والأطفال، هل هم خونة. فأعاد عميروش التأكيد: المهم نحن مجاهدون والله معنا.. وعندما ألح الشيخ بقي عميروش يرد الله معنا وهم خونة، ليقول له الشيخ: المشكلة ليست في هذه المجزرة لكني أخاف يا عميروش إذا واصلت على هذه السيرة فإنه لن يبقى في الجزائر سوى أنت والله.
من جهته يقول المناضل وضابط جيش التحرير الوطني بالولاية الثالثة السيد حسين زهوان أنه نبه العقيد عميروش خلال عملية الزرقاء "بلويت" التي نسجتها أجهزة المكتب الخامس العقيد قودار والنقيب ليجي وأدت إلى تصفية آلاف المناضلين بالولاية الثالثة، ثم انتشرت للولاية الرابعة والخامسة، وقال له إن الذين تمت تصفيتهم ببشاعة هم مناضلون وطنيون وإطارات نزيهة قتلوا ظلما ودون أدلة على خيانتهم المزعومة، فرد عليه عميروش المهم إذا لم يكونوا خونة فهم في الجنة، وهذا هو المهم.
وإن لم تكن التصفيات، "الجرائم ضد مدنيين، أو حتى داخل جيش التحرير الوطني، حكرا على الولاية الثالثة، بحيث عرفت الأولى والخامسة والسادسة جرائم مماثلة، وكانت الولاية التاريخية الثانية قد عرفت تصفيات، لكن بدرجة أقل بكثير من الأولى والثالثة.
كل هذه الحقائق التاريخية يجب أن تقال وتكتب وتنتقد، وعلينا كمجتمع جزائري ـ وليس كأحزاب تمارس التوظيف السياسي للتاريخ ـ أن نتحمّل مسؤوليتنا وتاريخنا، مرّه وحلوه، عظمة إنجازاته التي أبهرت العالم، وكذا مساوئه وجرائمه، لنضمن معركة الحاضر والمستقبل، ونستخلص الدروس من تجربة الثورة المريرة والقاسية، دون التردد في كفكفة دموع الضحايا، من ملوزة وايفراتن وباقي مناطق البلاد.
توظيف التاريخ لأغراض سياسوية هو سبب بلاء الجزائر المستقلة
ويجمع العارفون بوقائع ثورة التحرير والحركة الوطنية أن الجزائر كان بإمكانها تفادي مقتل 150000 جزائري وجزائرية من 1992 إلى 2002 لو تم استخلاص الدروس من أحداث الثورة، ولو قيلت الحقيقة منذ الاستقلال، وما كان لسعيد سعدي أو غيره استغلال بطل وقائد وطني مثل عميروش على طاولة قمار السياسة.
والعقيد عميروش رجل لا يمكن أن تنقص أخطاؤه الكثيرة من قدره، خاصة تصفيات المناضلين واستنزاف صفوف الثورة في ظرف عصيب، خلال حرب نفسية مدروسة شنتها مكاتب الجيش الفرنسي، بأجهزتها المختصة في الحرب النفسية، إلى جانب أرمادة عسكرية ضخمة، لم تعرفها ميادين قتال مستعمرة في التاريخ.
واستشهاد عميروش وسفريته إلى تونس، ومشروعه بعد اجتماع عقداء الولايات "دون العقيد علي كافي"، والكمية الهامة من الوثائق التي حجزتها السلطات الاستعمارية بعد استشهاد العقيدين الحواس وعميروش.. ستكون مواضيع أعدادنا القادمة بعد صدور كتاب سعيد سعدي.
منتصر أوبترون(الخبر الاسبوعي)
التعديل الأخير تم بواسطة محمد عبد الكريم ; 22-04-2010 الساعة 03:42 PM